اليمن يردّ عسكرياً ويتحرّك سياسياً ودبلوماسياً لردع الحوثيين

استنفار للجاهزية وإدانات دولية وقلق أممي من نسف التهدئة

جانب من اجتماع مجلس الدفاع الوطني اليمني برئاسة العليمي (سبأ)
جانب من اجتماع مجلس الدفاع الوطني اليمني برئاسة العليمي (سبأ)
TT

اليمن يردّ عسكرياً ويتحرّك سياسياً ودبلوماسياً لردع الحوثيين

جانب من اجتماع مجلس الدفاع الوطني اليمني برئاسة العليمي (سبأ)
جانب من اجتماع مجلس الدفاع الوطني اليمني برئاسة العليمي (سبأ)

ردّت القوات المسلحة اليمنية عسكرياً على موجة الهجمات التي شنتها الجماعة الحوثية خلال الأيام الأخيرة على عدد من الجبهات، بالتزامن مع تحرك سياسي ودبلوماسي واسع للحكومة اليمنية على المستويين الإقليمي والدولي، في محاولة لاحتواء التصعيد ومنع انزلاق البلاد مجدداً إلى مواجهة واسعة تهدد ما تبقى من مسار التهدئة الهشة القائمة من 2022.

وأعلنت القوات المسلحة اليمنية، السبت، تنفيذ عملية عسكرية استهدفت مواقع وقدرات حوثية على عدة محاور على طول خطوط التماس، مؤكدة أن العملية جاءت في إطار حقها في الدفاع عن قواتها والمدنيين، بعد هجمات قالت إنها أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى في صفوف العسكريين والمدنيين، خصوصاً في محافظتي مأرب وحضرموت.

ويأتي الرد العسكري في وقت تحاول فيه الحكومة اليمنية نقل ملف التصعيد من ساحات القتال إلى مجلس الأمن والأمم المتحدة، بالتوازي مع تحركات من قِبل المبعوث الأممي هانس غروندبرغ، فيما صدرت مواقف أميركية وأوروبية وبريطانية مندّدة بالهجمات الحوثية، في مؤشر على اتساع دائرة القلق الدولي من عودة اليمن إلى مسار الحرب المفتوحة.

المتحدث باسم القوات المسلحة اليمنية ماجد النزيلي (إعلام حكومي)

وقال المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة، العقيد ماجد النزيلي، إن العمل العسكري جاء انطلاقاً من «الحق المشروع» للقوات المسلحة في الدفاع عن أمنها وأمن منتسبيها وحماية المدنيين من الاعتداءات التي نفّذتها الجماعة الحوثية في مأرب وحضرموت.

وأكد النزيلي أن الاعتداء على أي جبهة أو محور يُعدّ اعتداءً على جميع الجبهات والمحاور التابعة للقوات المسلحة، مشدداً على أن الجيش لن يتهاون في حماية المواطنين ومواقعه ووحداته، وأن أي اعتداء جديد سيواجه بإجراءات عسكرية «حازمة» وفق توجيهات القيادة السياسية والعسكرية ومقتضيات الموقف العملياتي.

شبوة والساحل الغربي

ضمن التطورات الميدانية، أعلنت قوات دفاع شبوة تنفيذ عملية عسكرية في جبهة حريب بمحافظة مأرب، رداً على هجوم بطائرة مسيّرة قالت إن الجماعة الحوثية شنته وأسفر عن مقتل اثنين من أفراد اللواء التاسع.

وأوضحت القيادة العامة لقوات دفاع شبوة أن العملية، التي أطلقت عليها اسم «الرد السريع»، استخدمت خلالها صواريخ «كاتيوشا» وطائرات مسيّرة، واستهدفت مواقع للقيادة والسيطرة التابعة للحوثيين في جبهة حريب.

وقالت القوات إن العملية أدت إلى تدمير مواقع وآليات وإيقاع خسائر بشرية في صفوف الجماعة، من دون تحديد حصيلة للقتلى والجرحى أو تقديم أدلة مستقلة على حجم تلك الخسائر.

نشطاء حوثيون في صنعاء يقفون على منصة أمام لافتة دعائية تُظهر صواريخ لحظة إطلاقها (رويترز)

ونعت قوات دفاع شبوة اثنين من أفراد اللواء التاسع، هما بشار محسن صالح البريكي وعبد الله ناصر عبد الله العولقي، وقالت إنهما قُتلا خلال المواجهات في جبهة حريب، مؤكدة استمرار العمليات العسكرية رداً على الهجمات الحوثية.

ولا يقتصر التصعيد على الجبهات البرية؛ إذ أعلنت القوات البحرية في المخا إحباط محاولة لاستهداف سفينة نفطية في البحر الأحمر بزورق مفخخ.

وقال الإعلام العسكري إن الدوريات البحرية رصدت زورقاً تابعاً للجماعة الحوثية يتحرك بسرعة غير طبيعية ويقترب من المنطقة المحظورة المقابلة لمحطة كهرباء المخا، قبل أن تتعامل معه القوات بالسلاح المناسب.

وحسب الرواية العسكرية، أدى استهداف الزورق إلى انفجار وتصاعد دخان منه، وهو ما عدّته القوات مؤشراً على أنه كان مفخخاً، مؤكدة رفع درجة الجاهزية للتعامل مع أي تهديد حوثي في البر أو البحر.

مجلس الدفاع يرفع الجاهزية

تزامنت التطورات الميدانية مع اجتماع طارئ لمجلس الدفاع الوطني اليمني برئاسة رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي، وبحضور أعضاء مجلس القيادة وعدد من كبار المسؤولين المدنيين والعسكريين.

وكُرّس الاجتماع -حسب الإعلام الرسمي- لمناقشة التطورات الميدانية، وفي مقدمتها الهجمات الحوثية بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة على مواقع القوات المسلحة والمنشآت السيادية والأعيان المدنية ومنازل المواطنين ومخيمات النازحين في مأرب وحضرموت وشبوة، وما نتج عنها من سقوط ضحايا، بينهم نساء وأطفال، وفق ما أوردته الحكومة.

وأكد المجلس أن التضحيات الناتجة عن الهجمات ستزيد القوات المسلحة والأجهزة الأمنية إصراراً على استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلاب المدعوم من إيران، لافتاً إلى أن ذلك يمثّل مدخلاً لتحقيق الأمن والاستقرار في اليمن والإسهام في حماية أمن المنطقة والملاحة الدولية.

كما ربط المجلس بين إنهاء الانقلاب واستعادة مؤسسات الدولة واستئناف صرف رواتب الموظفين في مناطق سيطرة الحوثيين، وتخفيف المعاناة الإنسانية، وتحقيق السلام والتنمية.

وفي الجانب العسكري، استمع المجلس إلى تقارير عن الموقف الميداني ومستوى الجاهزية والإجراءات المتخذة لحماية المدنيين وتعزيز القدرات الدفاعية، وأشاد بما وصفه بالكفاءة والجاهزية القتالية للقوات المسلحة والأجهزة الأمنية، إلى جانب جهود مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة وتهريب الأسلحة والمخدرات وحماية خطوط الملاحة الدولية.

طلبة مدارس في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء جنّدهم الحوثيون (إ.ب.أ)

وأقر مجلس الدفاع الوطني اليمني عدداً من الإجراءات التي لم يُفصح عنها، لرفع مستوى الجاهزية العسكرية والأمنية والدفاع المدني، وتعزيز التنسيق بين مؤسسات الدولة وحماية المدنيين والمنشآت الحيوية. كما قرر استمرار انعقاده بصورة دائمة لمتابعة التطورات واتخاذ الإجراءات اللازمة، حسب المصادر الرسمية.

ودعا المجلس القوى السياسية والمكونات الوطنية ووسائل الإعلام إلى تعزيز الاصطفاف خلف مؤسسات الدولة والقوات المسلحة، وتوحيد الخطاب الوطني، في محاولة لإبقاء التركيز على التصعيد الحوثي ومنع الجماعة من استغلال الانقسامات الداخلية.

حراك دبلوماسي

بالتوازي مع التحرك العسكري، كثّفت الحكومة اليمنية تحركها الدبلوماسي لدى الأمم المتحدة، في محاولة للحصول على موقف دولي أكثر حزماً تجاه الهجمات الحوثية، وربطها بتطورات أوسع تشمل استهداف دول الجوار والملاحة الدولية.

وأكد أعضاء مجلس الأمن مجدداً التزامهم بسيادة اليمن واستقلاله ووحدته وسلامة أراضيه، مشدّدين على ضرورة أن تتم الرحلات إلى المطارات اليمنية بالتنسيق مع الحكومة اليمنية والحصول على موافقتها المسبقة.

وأدان المجلس عمليات هبوط غير مصرح بها لطائرة في مطار صنعاء في 3 يوليو (تموز)، ومطار الحديدة في 13 يوليو، كما أدان الهجمات الصاروخية الحوثية على السعودية والهجمات التي استهدفت السفن التجارية، محذراً من أن هذه التطورات تهدّد الأمن الإقليمي وحرية الملاحة وتقوّض جهود السلام.

وجدّد أعضاء مجلس الأمن دعمهم للمبعوث الأممي هانس غروندبرغ، في مساعيه للتوصل إلى تسوية سياسية تفاوضية شاملة يقودها اليمنيون، تستند إلى المرجعيات المتفق عليها وقرارات مجلس الأمن.

مجلس الأمن الدولي أدان الهجمات الحوثية (سبأ)

وفي رسالة إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش ورئيسة مجلس الأمن، قالت وزيرة الخارجية وشؤون المغتربين، أفراح الزوبة، إن تزامن الهجمات الحوثية في الداخل اليمني مع الاعتداءات على السعودية وتهديد الملاحة الدولية يكشف، حسب الحكومة، عن نمط متعمد ومتزايد من الأعمال العدائية.

وطالبت الحكومة مجلس الأمن بإدانة الهجمات الحوثية بصورة واضحة، وتنفيذ قرارات المجلس، خصوصاً القرارين «2140» و«2216»، وتعزيز آليات حظر الأسلحة ومنع وصول الصواريخ والطائرات المسيّرة والتقنيات والخبرات العسكرية إلى الجماعة.

كما طالبت باتخاذ موقف واضح من الدعم الإيراني للحوثيين، ودعم مؤسسات الدولة وتمكين الحكومة من بسط سيادتها وتأمين سواحلها ومياهها الإقليمية وموانئها.

وفي اتصال مع المبعوث الأممي، عرضت الوزيرة الزوبة تفاصيل الهجمات التي قالت الحكومة إنها استهدفت معسكرات ووحدات عسكرية في مأرب وحضرموت، وأسفرت، وفق حصيلة حكومية أولية، عن مقتل 17 جندياً وضابطاً وإصابة آخرين، إلى جانب مقتل مدنيين اثنين وإصابة 14 آخرين في قصف طال أحياء سكنية ومخيمات للنازحين في مأرب.

وأكدت أن التصعيد الحوثي، وفق الرواية الحكومية، لم يكن رداً على عمل عسكري من جانب الحكومة، بل جاء لاستهداف القوات المسلحة والمدنيين والنازحين، معتبرة أن الجماعة تسعى إلى جر اليمن إلى صراعات إقليمية لا تخدم مصالح اليمنيين.

تحذير أممي وإدانات دولية

جاء التحرك اليمني في وقت أصدر فيه المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ تحذيراً من خطر عودة البلاد إلى صراع واسع النطاق، هو الأخطر منذ الهدنة التي توسطت فيها الأمم المتحدة في أبريل (نيسان) 2022.

وقال غروندبرغ إن الهجمات الأخيرة في مأرب وحضرموت، وتجدد استهداف السفن التجارية في البحر الأحمر وخليج عدن، إلى جانب الضربات التي طالت بنية تحتية مدنية وتصاعد التوترات الإقليمية، تهدّد مكاسب الهدنة وتفتح الباب أمام جر اليمن إلى مواجهة إقليمية أوسع.

ومع ذلك، أبقى المبعوث الأممي الباب مفتوحاً أمام المسار السياسي، قائلاً إنه واصل خلال الأسابيع الماضية اتصالات مكثفة مع الأطراف اليمنية والجهات الإقليمية والدولية لاستكشاف خيارات عملية لخفض التصعيد.

وأكد أن المسار الدبلوماسي لا يزال متاحاً، لكنه يحتاج إلى إرادة سياسية وخيارات صعبة ومشاركة حقيقية من الأطراف، مشيراً إلى أن خفض التصعيد والاستقرار الاقتصادي وحرية حركة الأفراد والبضائع وبدء عملية سياسية جامعة تمثّل عناصر أساسية لأي تسوية.

ودعا غروندبرغ الأطراف إلى ممارسة أقصى درجات ضبط النفس ووقف الأعمال التي تشجع على الرد العسكري والانخراط في مفاوضات بحسن نية تحت رعاية الأمم المتحدة.

وخارج مجلس الأمن، توالت المواقف الدولية المنددة بالهجمات. وأدانت المملكة المتحدة الهجمات الحوثية في مأرب وحضرموت والهجمات المتواصلة على السعودية، معتبرة أن التصعيد لا يخدم الشعب اليمني ولا مستقبل البلاد.

كما أدان الاتحاد الأوروبي الهجمات الحوثية، وشدد على أن استهداف المدنيين والبنية التحتية المدنية أمر غير مقبول، داعياً إلى وقف جميع الهجمات داخل اليمن وخارجه.

بدورها، وصفت السفارة الأميركية لدى اليمن الهجمات الحوثية في مأرب وحضرموت بأنها دليل على ما وصفته بالإرهاب الموجه ضد الشعب اليمني.


مقالات ذات صلة

القوات اليمنية تحدد منطقة محظورة على الحوثيين قرب المخا

العالم العربي منطقة عمليات في طريق تعز ـ المخا حددتها القوات المسلحة اليمنية (سبأ)

القوات اليمنية تحدد منطقة محظورة على الحوثيين قرب المخا

حدَّدت القوات المسلحة اليمنية، الخميس، منطقة قتال محظورة على أي تحركات لميليشيا الحوثي الإرهابية قرب مدينة المخا الساحلية التابعة لمحافظة تعز.

«الشرق الأوسط» (تعز)
العالم العربي قوافل يقدمها المزارعون اليمنيون تحت الإكراه لمصلحة الحوثيين (فيسبوك)

الحوثيون يوسعون جبايتهم الزراعية في صنعاء وريمة

يفرض الحوثيون على مزارعين في صنعاء وريمة تقديم أموال، ومحاصيل، مع نصب موازين إلكترونية لفرض جبايات جديدة على المنتجات الزراعية

«الشرق الأوسط» (صنعاء)
العالم العربي نازحون من حيس يبحثون عن الأمان لكن الجوع يتربص بهم (إعلام محلي)

آلاف النازحين من تصعيد الحوثيين يواجهون التشرد والجوع

نزوح متصاعد في غرب تعز وجنوب الحديدة يضع آلاف الأسر أمام مأوى شحيح وغذاء ومياه محدودين، بينما تستنزف موجات الوافدين قدرة المجتمعات المضيفة على الاستجابة.

محمد ناصر (تعز)
العالم العربي دبابة تابعة للجيش اليمني تطلق النار على مواقع الحوثيين (رويترز)

قوات الحكومة اليمنية تعيد ترتيب انتشارها جنوب المخا

إعادة انتشار حكومية جنوب المخا بعد اختراقات حوثية في الساحل وغرب تعز، وسط تعزيزات حوثية كثيفة، في حين تسعى القوات إلى استعادة تماسكها ومنع تهديد باب المندب

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي مقاتل من الجيش اليمني على متن عربة عسكرية يجهز الذخيرة (أ.ف.ب)

اليمن يُثبّت مكاسبه ضد الحوثيين ويُوسّع مسرح العمليات

ثبّتت القوات المسلحة اليمنية المسلحة مكاسبها، ووسَّعت عملياتها ضد الحوثيين على جبهات عدة، مع تسجيل تقدم أمس (الأربعاء)، شرق الحزم في محافظة الجوف، وقطع خطوط.

عبد الهادي حبتور (الرياض) بدر القحطاني (الرياض)

القوات اليمنية تحدد منطقة محظورة على الحوثيين قرب المخا

منطقة عمليات في طريق تعز ـ المخا حددتها القوات المسلحة اليمنية (سبأ)
منطقة عمليات في طريق تعز ـ المخا حددتها القوات المسلحة اليمنية (سبأ)
TT

القوات اليمنية تحدد منطقة محظورة على الحوثيين قرب المخا

منطقة عمليات في طريق تعز ـ المخا حددتها القوات المسلحة اليمنية (سبأ)
منطقة عمليات في طريق تعز ـ المخا حددتها القوات المسلحة اليمنية (سبأ)

حدَّدت القوات المسلحة اليمنية، الخميس، منطقة قتال محظورة على أي تحركات لميليشيا الحوثي الإرهابية قرب مدينة المخا الساحلية التابعة لمحافظة تعز.

وأعلنت القوات اليمنية في بيان، أنها ستبدأ استخدام جميع ومختلف الأسلحة والطيران للقضاء على أي تحركات عسكرية للحوثيين بمنطقة العمليات في طريق تعز ـ المخا الموضح على الخريطة.

وحذّر الناطق باسم القوات اليمنية، العقيد ماجد النزيلي، المدنيين من استخدام طريق تعز - المخا حتى إشعار آخر، وذلك حرصاً على سلامتهم، داعياً إلى الابتعاد عن تجمعات عناصر وعتاد الحوثيين.


الحوثيون يوسعون جبايتهم الزراعية في صنعاء وريمة

قوافل يقدمها المزارعون اليمنيون تحت الإكراه لمصلحة الحوثيين (فيسبوك)
قوافل يقدمها المزارعون اليمنيون تحت الإكراه لمصلحة الحوثيين (فيسبوك)
TT

الحوثيون يوسعون جبايتهم الزراعية في صنعاء وريمة

قوافل يقدمها المزارعون اليمنيون تحت الإكراه لمصلحة الحوثيين (فيسبوك)
قوافل يقدمها المزارعون اليمنيون تحت الإكراه لمصلحة الحوثيين (فيسبوك)

فرضت الجماعة الحوثية على مزارعين في محافظتي صنعاء وريمة تقديم تبرعات نقدية، وعينية، إلى جانب كميات من المحاصيل الزراعية، لصالح مقاتليها في الجبهات، في وقت تصاعدت فيه ضغوط الجماعة على المواطنين لتحصيل الأموال والمواد الغذائية بمبررات مختلفة.

وقالت مصادر محلية إن مشرفين حوثيين كثفوا، منذ أيام، حملاتهم الميدانية في عدد من المناطق، والقرى، وطالبوا المزارعين بتقديم مبالغ مالية، وكميات من المنتجات الزراعية، تحت ذريعة دعم ما تسميه الجماعة «المجهود الحربي».

وأوضحت المصادر أن مزارعين اضطروا إلى تسليم أجزاء من محاصيلهم الزراعية رغم الظروف الاقتصادية الصعبة، وارتفاع تكاليف الإنتاج، بينما طُلب من آخرين دفع مبالغ مالية بدلاً من تقديم المحاصيل.

وفي ريف صنعاء، كثفت الجماعة خلال الأيام الأخيرة نزول مشرفيها إلى قرى وعُزل في مديريات بني حشيش، وهمدان، وخولان الطيال، وبني مطر، والحيمتين، وسنحان، وغيرها، لإجبار المزارعين على تقديم أجزاء من إنتاجهم الزراعي، بما في ذلك الفواكه، والخضراوات، ضمن القوافل التي تُرسل إلى الجبهات.

الجماعة الحوثية متهمة بالتسبب في تراجع إنتاج المحاصيل الزراعية (إكس)

واشتكى مزارعون في صنعاء لـ«الشرق الأوسط» من تعرضهم لضغوط متواصلة من مشرفي الجماعة الذين يطالبونهم بتقديم كميات محددة من المحاصيل، أو دفع مبالغ مالية بدلاً عنها، في وقت يواجه فيه القطاع الزراعي أعباء متزايدة جراء ارتفاع تكاليف الإنتاج، وشح الموارد، وغلاء مستلزمات الزراعة.

وقال مزارعون إن هذه المطالبات تمثل عبئاً إضافياً عليهم، خصوصاً أن جزءاً من المحاصيل التي يُطلب منهم تقديمها يمثل مصدراً رئيساً لدخل أسرهم، مشيرين إلى أن عدم الاستجابة قد يعرّضهم لمزيد من الضغوط، أو الاتهامات من قبل المشرفين الحوثيين.

وبحسب المصادر، تُجمع التبرعات العينية في نقاط محددة قبل نقلها ضمن قوافل إلى مناطق سيطرة الجماعة، في إطار حملات تعبئة تهدف إلى توفير المواد الغذائية، والاحتياجات الأساسية للمقاتلين في الجبهات، بينما يتحمل المزارعون كلفة اقتطاع جزء من إنتاجهم الزراعي.

موازين إلكترونية في ريمة

في محافظة ريمة، أفادت مصادر محلية بأن الجماعة الحوثية نصبت موازين إلكترونية على الطرق المؤدية إلى الأسواق، لمراقبة المزارعين القادمين من مناطق مختلفة لبيع منتجاتهم، وتوفير احتياجات أسرهم، وفرض مبالغ مالية عليهم مقابل ما يحملونه من محاصيل، ومنتجات زراعية.

الحوثيون نصبوا موازين إلكترونية على الطرق لمراقبة المزارعين في ريمة (إكس)

واستنكر مزارعون في المحافظة ما وصفوه بتعامل الجماعة معهم كمورد للجباية، من دون مراعاة لصغر حجم مزارعهم، أو محدودية إنتاجهم، في وقت يعتمد فيه كثير من أبناء ريمة على المواسم الزراعية لتأمين احتياجات أسرهم من الغذاء، والدقيق.

وأشار المزارعون إلى أن استحداث نقاط جباية على الطرق يفرض قيوداً وأعباء إضافية على نشاطهم الزراعي، ويقتطع جزءاً من عائداتهم المحدودة، ما يقلص الدخل الذي يعتمدون عليه في تلبية احتياجات أسرهم.

أعباء متزايدة

تأتي هذه الممارسات في وقت يواجه فيه المزارعون في مناطق سيطرة الحوثيين أعباء متزايدة، تشمل ارتفاع أسعار مستلزمات الزراعة، وتراجع القدرة على تسويق المنتجات، إلى جانب تدهور الأوضاع المعيشية للسكان.

ويرى ناشطون وسكان أن إلزام المزارعين بتقديم الأموال والمحاصيل يفاقم معاناتهم، ويحوّل النشاط الزراعي إلى مصدر تمويل إضافي للجماعة، على حساب احتياجات الأسر والمجتمعات المحلية.

تدهور الإنتاج الزراعي في اليمن بسبب الحرب والأوبئة والجبايات (إعلام حوثي)

وتعكس هذه الوقائع استمرار الجماعة في حشد الموارد من المناطق الخاضعة لسيطرتها، عبر فرض مزيد من المساهمات المالية والعينية على المواطنين، بالتزامن مع استمرار حملات التعبئة، وحشد الموارد لصالح أنشطتها العسكرية.

وأدى استمرار فرض الإتاوات والجبايات في مناطق سيطرة الحوثيين، بحسب تقارير محلية، إلى زيادة الأعباء على القطاع الزراعي، وسط شكاوى من تراجع الإنتاج الزراعي مقارنة بما كان عليه قبل سنوات من انقلاب الجماعة، وفرض سيطرتها على مؤسسات الدولة، ومناطق واسعة من البلاد.


آلاف النازحين من تصعيد الحوثيين يواجهون التشرد والجوع

نازحون من حيس يبحثون عن الأمان لكن الجوع يتربص بهم (إعلام محلي)
نازحون من حيس يبحثون عن الأمان لكن الجوع يتربص بهم (إعلام محلي)
TT

آلاف النازحين من تصعيد الحوثيين يواجهون التشرد والجوع

نازحون من حيس يبحثون عن الأمان لكن الجوع يتربص بهم (إعلام محلي)
نازحون من حيس يبحثون عن الأمان لكن الجوع يتربص بهم (إعلام محلي)

في غرب اليمن، يفر آلاف المدنيين من مناطق المواجهات على عجل، حاملين ما استطاعوا إنقاذه من ملابس وأغطية وأدوات طبخ، بينما يتركون خلفهم منازلهم وممتلكاتهم، بحثاً عن مكان أكثر أمناً. ومع اتساع رقعة القتال، تضيق مساحة الأمان أمامهم، وتتراجع في المقابل قدرة المجتمعات المضيفة على استيعاب موجات النزوح الجديدة.

وتتركز حركة النزوح في مديريات مقبنة وجبل حبشي والمعافر غرب محافظة تعز، إلى جانب مديرية حيس جنوب الحديدة، حيث تصل الأسر النازحة إلى مناطق تفتقر إلى المأوى والغذاء والمياه والخدمات الصحية، وسط محدودية واضحة في الاستجابة الإنسانية.

وأكدت مصادر حكومية لـ«الشرق الأوسط» أن اشتداد المواجهات في مناطق خطوط التماس بمديرية مقبنة تسبب في موجة نزوح قسري واسعة، اضطرت معها آلاف الأسر إلى مغادرة منازلها وممتلكاتها على وجه السرعة.

أطفال يعيشون تحت الأشجار وسط غياب كامل للمنظمات الإنسانية (إعلام محلي)

وقالت المصادر إن النازحين يتجهون إلى العُزل والقرى المجاورة، ويتكدسون بصورة خاصة في عزلتي العفيرة والفكيكة ومخيم الحصبري، في وقت لم تعد فيه الإمكانات المتاحة لدى المجتمعات المضيفة قادرة على استيعاب الأعداد المتزايدة.

وأوضحت أن كثيراً من الأسر النازحة اضطرت إلى افتراش العراء، بينما لجأت أسر أخرى إلى مشاركة مساكن العائلات المضيفة وإمكاناتها المحدودة، التي تعاني بدورها شحاً في الموارد، مما أدى إلى تفاقم الوضع الإنساني في مناطق الاستقبال.

مطالبة بتدخلات عاجلة

حذرت المصادر من أن الوضع يتطلب تدخلاً ميدانياً عاجلاً لتوفير الخيام والمأوى الطارئ والبطانيات والسلال الغذائية، إلى جانب تقديم مساعدات مباشرة للأطفال والنساء للحد من مخاطر سوء التغذية الحاد.

كما دعت إلى إنشاء دورات مياه مؤقتة للوقاية من تفشي الأوبئة، وإرسال عيادات طبية متنقلة للتعامل مع الحالات المرضية الحرجة، في ظل غياب الخدمات الأساسية عن كثير من مواقع النزوح.

وجدد الجانب الحكومي مناشدته المجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية التحرك من دون تأخير لإنقاذ المدنيين والحد من تفاقم معاناتهم، محذراً من أن استمرار النزوح من دون استجابة عاجلة سيزيد الضغط على المناطق المستقبلة.

مخيم مستحدث للنازحين غرب تعز يفتقر لأبسط مقومات الحياة (إعلام محلي)

وفي مديرية المعافر، أفادت مصادر عاملة في المجال الإنساني باستمرار النزوح من مناطق الكدحة والشراجة والملكة، بالتزامن مع استمرار المواجهات وتدهور الأوضاع الأمنية، ووصول مئات الأسر إلى منطقة الصنة، في قرية الشقادف، بحثاً عن مكان آمن يحمي النساء والأطفال وكبار السن.

وأوضحت المصادر أنه جرى تحديد موقع جديد لاستقبال النازحين في قرية الشقادف بمنطقة الصنة، على الطريق الرابط بين مديريتي المعافر والمواسط، إلا أن الموقع يفتقر إلى أبسط مقومات الإيواء والحماية، في وقت تتواصل فيه حركة الوافدين إليه، بالتزامن مع تسلل الحوثيين إلى منطقة بني بكاري في مديرية جبل حبشي.

واضطر بعض النازحين إلى الإقامة في خيام ومواقع مكشوفة تفتقر إلى الخدمات الأساسية، وسط احتياجات عاجلة للمياه الصالحة للشرب والغذاء والمأوى والرعاية الصحية والحماية.

هكذا يعيش النازحون في مديرية المعافر غرب تعز (إعلام محلي)

وناشد النازحون المنظمات الإنسانية الدولية والمحلية ووكالات الأمم المتحدة والجهات الحكومية والسلطات المحلية والمنظمات العاملة في محافظة تعز، سرعة التدخل والاستجابة للأزمة المتفاقمة.

وحدد العاملون في قطاع الإغاثة أبرز الاحتياجات العاجلة في مستلزمات الإيواء والخيام، وخزانات ومصادر المياه الصالحة للشرب، والمواد الغذائية، والخدمات الطبية والأدوية والإسعافات الأولية، ومستلزمات النظافة والصحة العامة، إلى جانب توفير خدمات الحماية للنساء والأطفال والفئات الأكثر ضعفاً.

نزوح من قرى المواجهات

شهدت قرى منطقة بني عمر غرب محافظة تعز موجة نزوح جديدة نتيجة تصاعد المواجهات ومحاولة الجماعة الحوثية التقدم غرباً باتجاه مديرية الوازعية، بعد تعثر تقدمها عبر منطقة الكدحة.

وقال سكان لـ«الشرق الأوسط» إن عشرات الأسر فرت من مناطق وقرى الحريف وبني علي والنواب والقلعة، المتاخمة لمناطق الوازعية، بحثاً عن أماكن أكثر أمناً.

وخرجت الأسر من منازلها وهي تسوق ما تبقى من مواشيها وتحمل بعض أمتعتها وفرشها المصنوعة من سعف النخيل، تاركةً وراءها بيوتاً وممتلكات لم يكن الرحيل عنها خياراً.

وتتجه الأسر النازحة نحو مناطق في مديرية الشمايتين، في رحلة لا تحمل معها سوى ما استطاعت إنقاذه، هرباً من خطر المواجهات واتساع رقعة التصعيد في القرى والمناطق القريبة من خطوط القتال.

مسن يمني يعيش بأحد مخيمات النزوح في الخوخة جنوب الحديدة (أ.ف.ب)

وفي مديرية حيس جنوب محافظة الحديدة، أكدت مصادر إغاثية لـ«الشرق الأوسط» أن مئات الأسر غادرت مناطق المواجهات بحثاً عن الأمان، واتجهت نحو مدينة المخا.

وهناك، تفترش الأسر الأرض، فيما يواجه الأطفال قسوة الظروف والطبيعة، وتحاول الأمهات توفير أبسط مقومات الحياة في بيئة تفتقر إلى المأوى والخدمات الأساسية.

وأكدت المصادر أن الأسر النازحة لم تحمل معها سوى القليل من الأغطية والملابس وأدوات الطبخ وبعض الاحتياجات الضرورية، واضطر بعضها إلى تحويل الأشجار إلى مأوى مؤقت، والأرض القاحلة إلى مكان للنوم والعيش، في انتظار العثور على مكان أكثر أمناً واستقراراً.

وفي ظل هذه الظروف، بات توفير المأوى والغذاء والمياه والاحتياجات الأساسية ضرورة ملحة للتخفيف من معاناة الأسر التي وجدت نفسها مضطرة إلى النزوح مجدداً بحثاً عن الأمان.