تضييق يتزايد وسجون تترصد حرية الصحافة في تونس

إعلاميون يواجهون باستمرار ملاحقات قضائية... وآخرون يفضلون المنفى هرباً من الاعتقال

من مظاهرة سابقة نظمها صحافيون للمطالبة بإطلاق سراح الصحافي محمد اليوسفي (رويترز)
من مظاهرة سابقة نظمها صحافيون للمطالبة بإطلاق سراح الصحافي محمد اليوسفي (رويترز)
TT

تضييق يتزايد وسجون تترصد حرية الصحافة في تونس

من مظاهرة سابقة نظمها صحافيون للمطالبة بإطلاق سراح الصحافي محمد اليوسفي (رويترز)
من مظاهرة سابقة نظمها صحافيون للمطالبة بإطلاق سراح الصحافي محمد اليوسفي (رويترز)

في حديقة بمقر «نواة»، المنصة الإعلامية الاستقصائية المستقلة في تونس، يجلس صحافيون وهم يدخنون السجائر ويتبادلون النكات، فيما يناقشون خلال اجتماعهم التحريري مشاريع تحقيقات يخططون لنشرها. هذا يبدو المشهد قد عادياً، لكن الموضوعات التي يناقشونها قد تكلفهم حريتهم في بلد يقبع فيه أربعة صحافيين خلف القضبان، ويواجه آخرون ملاحقات قضائية، فيما اختار بعضهم المنفى هرباً من المصير نفسه.

الصحافي مهدي الجلاصي من موقع «نواة» الذي يقول مسؤولوه إنه يواجه تضييقاً من السلطات (رويترز)

إنه مشهد يناقض ما كانت ​عليه الأوضاع في السنوات التي أعقبت الثورة، حين كان انتقاد المسؤولين والرؤساء، بل حتى السخرية منهم في البرامج الكوميدية، أمراً مألوفاً، في مساحة عامة اتسعت فيها حرية التعبير، مقارنة بما عرفته البلاد في عهد زين العابدين بن علي.

اختبار صعب للصحافة

بعد خمسة عشر عاماً على الثورة التونسية، التي أطاحت بنظام بن علي عام 2011، تجد حرية الصحافة، إحدى أبرز مكاسب الثورة التونسية، نفسها أمام اختبار صعب بعدما استحوذ الرئيس قيس سعيد على صلاحيات واسعة النطاق، كما يقول مراقبون. ويواجه نحو 20 صحافياً ملاحقات قضائية بسبب تقاريرهم، أو منشوراتهم على وسائل التواصل الاجتماعي، وقد سُجن أربعة منهم بالفعل، وذلك وفقاً لزياد الدبار، نقيب الصحافيين التونسيين، الذي وصف الوضع بأنه غير مسبوق.

أيمن الرزقي رئيس تحرير «نواة» (رويترز)

في المقابل، يؤكد الرئيس سعيد أنه ليس ديكتاتوراً، وأن الصحافيين يتمتعون بحرية انتقاد السلطات، وهو ما يفعلونه مراراً. فيما تقول السلطات إن الملاحقات القضائية هي مسائل قانونية محايدة، وإنه لا أحد فوق القانون. ولم يرد المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء التونسي على طلبات التعليق المقدمة من «رويترز».

وتقول جماعات حقوقية إن وسائل الإعلام المستقلة تواجه الآن حملة قمع شاملة؛ إذ تراجع ترتيب تونس بأكثر من 50 مركزاً خلال السنوات الخمس الماضية، لتصل إلى المرتبة الـ137 في مؤشر حرية الصحافة، الصادر عن منظمة «مراسلون بلا حدود».

وبدأ التحول في يوليو (تموز) 2021، حين سيطر الرئيس سعيد على صلاحيات واسعة، وبدأ لاحقاً الحكم ‌بالمراسيم، قبل أن يعيد ‌تشكيل النظام السياسي من خلال دستور جديد عام 2022. ولذلك يرى منتقدوه أن تركيز السلطة بين يديه أضعف الضمانات الديمقراطية، ومهد الطريق ​لتصاعد ‌الضغوط على ⁠الصحافيين والنشطاء والمعارضين ​السياسيين.

⁠حقل ألغام متحرك

بالنسبة لأيمن الرزقي، رئيس تحرير «نواة»، لم تعد المخاطر المرتبطة بالعمل الصحافي استثناء، بل جزءاً من الحياة اليومية. فخلال نحو 20 عاماً من العمل في الصحافة، عايش الرزقي السنوات الأخيرة من حكم بن علي، وتعرض للتضييق والاعتقال والملاحقات. لكنه يرى أن المناخ الحالي بات أكثر خطورة، «ليس بالضرورة لأن القيود أصبحت أكثر وضوحاً، بل لأن الحدود باتت أكثر غموضاً وتقلباً».

من مظاهرة سابقة نظمها صحافيون للمطالبة بإطلاق سراح الصحافيين المعتقلين في السجون (رويترز)

يقول الرزقي لـ«رويترز»: «قبل 2011، كانت الحدود واضحة. أما اليوم، فنحن نعيش في منطقة رمادية، أشبه بحقل ألغام متحرك، وندفع الثمن كل يوم». ويشير رئيس تحرير «نواة» إلى صعوبات متزايدة في الحصول على المعلومات الرسمية، إلى جانب الضغوط القضائية والمضايقات، والتهديدات عبر الإنترنت وهي قيود يشكو منها كثير من الصحافيين الآخرين. كما واجه موقع «نواة» قيوداً إدارية وقضائية، من بينها قرار بتعليق نشاطه لمدة شهر خلال العام الماضي. وذكر الرزقي أن موقع «نواة» يتلقى بانتظام تهديدات، سواء كانت مجهولة المصدر، أو من مؤيدين للحكومة على وسائل التواصل الاجتماعي يصفونه بالخائن، بسبب تغطيته لقضايا تشمل السجون، وانقطاع التيار الكهربائي ونقص المياه.

صحافيون بالسجون وآخرون بالمنفى

لا تقتصر الضغوط على الصحافيين في «نواة» فحسب؛ ⁠ففي الرابع من سبتمبر (أيلول) الماضي، اعتقلت الشرطة محمد اليوسفي، رئيس تحرير موقع «الكتيبة» الاستقصائي، في أثناء توجهه إلى محطة إذاعية خاصة للمشاركة في ‌برنامج مباشر. وقد وجَّه إليه قاض تهمة الإثراء غير المشروع، وهي تهمة يصفها اليوسفي بأنها ملفقة. وفي رسالة من سجنه قال اليوسفي: «نحن ‌لسنا حزباً سياسياً، ولسنا ملحقاً بأي طرف، لكننا أيضاً لسنا جسراً تعبر من خلاله السلطة لتمرير أجنداتها. استقلاليتنا ليست ​امتيازاً نطالب به، بل هي شرط أساسي لوجود الصحافة ذاتها، ولقدرتها على أداء رسالتها في خدمة ‌المجتمع، بعيداً عن التوظيف والتدجين والرقابة».

مقر نقابة الصحافيين التونسيين وسط العاصمة (رويترز)

وفجَّر اعتقال اليوسفي، بتهمة الإثراء غير المشروع، انتقادات واسعة من منظمات حقوق الإنسان في الداخل والخارج التي طالبت السلطات بالإفراج عنه. وانضم اليوسفي إلى قائمة من ‌الصحافيين المسجونين في تونس، تشمل مراد الزغيدي وبرهان بسيس وزياد الهاني. وحُكم على الزغيدي وبسيس بالسجن ثلاث سنوات ونصف سنة لكل منهما في قضايا مالية، إضافة لتهم الإساءة للرئيس، فيما لا يزال الهاني خلف القضبان على خلفية تصريحات انتقد فيها القضاء.

لكن السجن ليس المصير الوحيد الذي يهدد الصحافيين في تونس؛ فبالنسبة للبعض منهم، أصبحت مغادرة البلاد خياراً لتجنب الوقوع خلف القضبان، حتى لو كان ذلك يعني ترك أسرهم وشبكاتهم المهنية، وكل ما بنوه على مدى سنوات، في رحلة لم تكن خياراً سهلاً بقدر ما كانت محاولة لتجنب السجن. وغادر أربعة صحافيين على الأقل البلاد، من بينهم هيثم المكي وخولة بوكريم، مؤسسة موقع «توميديا»، وهي صوت قوي ومنتقد للرئيس، والتي وجدت نفسها في ديسمبر (كانون الأول) 2025، مجبرة على مغادرة تونس إلى فرنسا خشية اعتقال وشيك.

مظاهرة احتجاجية سابقة ضد ما يعدُّه الصحافيون تضييقاً على الحريات (رويترز)

وبعد أشهر قليلة من مغادرتها، صدر بحقها حكمان غيابيان، بلغ مجموعهما أربع سنوات سجناً، وذلك على خلفية كتابات ومواقف منتقدة للقضاء، وانتقادات لنظام حكم تصفه «بالاستبدادي».

وعرفت بوكريم بانتقاداتها اللاذعة لسياسات الرئيس سعيد، وببرامج سياسية تستضيف فيها شخصيات معارضة بارزة، وتسلط الضوء على قضايا مسكوت عنها في أغلب المنابر الإعلامية المحلية. كما غادر الصحافي البارز هيثم المكي تونس في يوليو (تموز) الماضي، بعدما علم بصدور حكم بسجنه عاماً، على خلفية تعليقات ومنشورات تناولت مخالفات في مستشفى صفاقس تتعلق بجثث مهاجرين.

وقد تداولت وسائل إعلام عديدة التعليقات ذاتها، من دون أن تواجه ملاحقات مماثلة. وتشير نقابة الصحافيين إلى أنه، فضلاً عن الملاحقات القضائية، كثيراً ما تمنع الشرطة الصحافيين من العمل في الأماكن العامة، كما يتم احتجازهم أحياناً لساعات. كما أن معظم الوزارات لم تعد تضم مكاتب صحافية، في حين حُرم العديد من المراسلين الدوليين من الحصول على اعتمادات رسمية، مما زاد من تقييد التغطية الإعلامية المستقلة.

تراجع المشهد الإعلامي

يتجلى انكماش مساحة الصحافة التونسية أيضاً في التحول الذي طرأ على البرامج التلفزيونية والإذاعية وطبيعة النقاش السياسي المتاح للجمهور. ففي السنوات التي أعقبت ثورة 2011، كانت السخرية السياسية جزءاً مألوفاً من المشهد الإعلامي، وكان الرؤساء وكبار المسؤولين مادة للبرامج الساخرة والكوميدية، فيما اتسع النقاش العام ليشمل انتقادات حادة غير مألوفة في باقي بلدان المنطقة. لكن بعد ذلك اختفت البرامج السياسية، وتلك التي تتضمن انتقادات من العديد من المحطات الإذاعية الخاصة.

وتقول النقابة إن الإعلام الرسمي بات يهمش الأصوات المعارضة بشكل متزايد، وإن كانت وكالة الأنباء الرسمية تظل استثناء؛ إذ تواصل تغطية الاحتجاجات وأنشطة المعارضة، ومبادرات المجتمع المدني. لكن نقابة الصحافيين التونسيين تقول إن «الإعلام العمومي تحول إلى بوق للدعاية السياسية، وإن الأصوات المعارضة والمجتمع المدني أُقصيت من برامجه».

الكلفة الإنسانية

في منزل الصحافي المسجون زياد الهاني، تبدو الكلفة الإنسانية كبيرة أيضاً، حيث يقضي الهاني عقوبة السجن لمدة عام بعد إدانته في مايو (أيار) بتهمة ​الإساءة للغير عبر شبكات التواصل الاجتماعي، في أحدث خطوة يقول معارضون إنها تهدف لإخماد الأصوات ​القوية والناقدة.

ثريا الزواري زوجة الصحافي المعتقل زياد الهاني (رويترز)

وتحدثت زوجته ثريا الزواري عن غيابه، والضغط النفسي الذي يثقل الأسرة، والصعوبة التي تواجهها بناته في تقبّل فكرة أن والدهم يقبع خلف القضبان. في بيت الهاني، لا يبدو السجن حكماً يطال شخصاً واحداً فحسب، بل محنة تمتد إلى أفراد عائلته، وتعيد تشكيل تفاصيل حياتهم اليومية. تقول الزوجة: «لا نستطيع تقبل فكرة أن زياد في السجن». لكن رغم ذلك تُظهر العائلة إصراراً كبيراً على اتباع نهج زياد في التشبث بالكلمة الحرة، ​والموقف القوي.


مقالات ذات صلة

العليمي: لا رجوع عن قرار إنهاء الانقلاب الحوثي

المشرق العربي رئيس مجلس القيادة الدكتور رشاد العليمي متحدثاً للشعب اليمني بمناسبة ذكرى «ثورة 14 أكتوبر» الثلاثاء (سبأ)

العليمي: لا رجوع عن قرار إنهاء الانقلاب الحوثي

أكد رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي مُضي عملية «فجر اليمن» نحو هدفها النهائي المتمثل بإنهاء الانقلاب الحوثي، ولا رجعة عن ذلك مهما كانت التضحيات.

«الشرق الأوسط» (عدن)
الخليج وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان ونظيره السوري أسعد الشيباني (الشرق الأوسط)

وزيرا خارجية السعودية وسوريا يناقشان جهود دعم أمن المنطقة

بحث وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان مع نظيره السوري أسعد الشيباني تطورات الأوضاع الإقليمية، وجهود البلدين المشتركة لدعم أمن المنطقة واستقرارها.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
تقرير إخباري شخص يقف بجوار شعار الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليَّين قبيل انعقاد الاجتماع في مركز الملكة سيريكيت الوطني للمؤتمرات في بانكوك (رويترز)

تقرير إخباري الحرب والدين والذكاء الاصطناعي تختبر صمود الاقتصاد العالمي في بانكوك

يدخل صناع السياسات المالية والنقدية أسبوع اجتماعات صندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك وسط اقتصاد عالمي تمكّن حتى الآن من امتصاص جانب كبير من صدمة الحرب.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج مطار الملك خالد الدولي بالرياض (واس) p-circle 00:46

إدانات عربية ودولية للاعتداء الحوثي على مطار الرياض

أثار الاعتداء الذي شنَّته الميليشيات الحوثية الإرهابية المدعومة من إيران على مطار الملك خالد الدولي في الرياض موجةً من الإدانات الدولية والأممية والعربية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
شمال افريقيا الرئيس الموريتاني يستقبل الوزير الأول ويجدد الثقة فيه مساء الخميس (الرئاسة الموريتانية)

الموريتانيون يترقبون حكومة جديدة بعد تجديد الثقة في الوزير الأول

تترقب الأوساط السياسية في موريتانيا إعلان تشكيلة الحكومة الجديدة، بعد أن جدد الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني الثقة في الوزير الأول.

الشيخ محمد (نواكشوط)

تيتيه تؤكد وجود «دعم واسع» للاتفاق الليبي... وتحذر من تعطيل الانتخابات

من جلسة مجلس الأمن حول ليبيا (المجلس)
من جلسة مجلس الأمن حول ليبيا (المجلس)
TT

تيتيه تؤكد وجود «دعم واسع» للاتفاق الليبي... وتحذر من تعطيل الانتخابات

من جلسة مجلس الأمن حول ليبيا (المجلس)
من جلسة مجلس الأمن حول ليبيا (المجلس)

أبلغت رئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا (أنسميل)، الممثلة الخاصة للأمين العام، هانا تيتيه، أعضاء مجلس الأمن، الأربعاء، أن الاتفاق الذي توسطت فيه لإنهاء الجمود السياسي في هذا البلد العربي الأفريقي يحظى بدعم واسع. غير أنها حذرت من أن رفضه من إحدى الهيئتين التشريعيتين يمكن أن يعطل إجراء الانتخابات، المقررة في غضون السنتين المقبلتين.

«مسار قابل للتطبيق»

جاء ذلك خلال تقديم تيتيه إحاطتها الدورية أمام أعضاء المجلس في نيويورك، والتي أفادت فيها بأن الاتفاق الذي وقع في طرابلس في 30 من أغسطس (آب) الماضي، بعد أربعة أشهر من المحادثات بين الأطراف المختلفة، يمثل نهاية سنوات من الشلل المؤسسي، ويحدد «مساراً قابلاً للتطبيق» لإجراء انتخابات تشريعية، ورئاسية، تحت سلطة تنفيذية موحدة في غضون 24 شهراً.

وأوضحت تيتيه أن الاتفاق ينص على إعادة تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، وتسوية القضايا المتنازع عليها في الإطار الدستوري والقانوني للتصويت، مبرزة أن كلاً من حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس، والجيش الوطني الليبي المتمركز في الشرق، ومجلس النواب، ونائب رئيس المجلس الرئاسي موسى الكوني وافقوا جميعاً على الاتفاق.

رئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا هانا تيتيه (غيتي)

بيد أن المجلس الأعلى للدولة في طرابلس رفضه في 5 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، بذريعة أن الاتفاق والقوانين ذات الصلة -التي أقرها مجلس النواب- تجاوزا الأطر الدستورية والقانونية والتوافقية، التي تحكم العملية السياسية.

وحذرت من أن هذا الرفض يعكس «الاستعداد المحدود» لبعض أعضاء المجلس للمشاركة بشكل بناء، واعتبرت أن «ليبيا لا تستطيع السماح للمفسدين بعرقلة العملية».

في سياق ذلك كشفت تيتيه أنها ستلتقي أطراف «الاجتماع الأصغر» هذا الشهر، وقالت إن أحد الخيارات التي سينظرون فيها هو الانتقال إلى آلية وطنية ذات تمثيل واسع النطاق، على النحو المنصوص عليه في المادة الخامسة من الاتفاق.

وجاءت إحاطة المبعوثة الأممية بعد تغيير القيادة في مجلس النواب. ففي 5 من أكتوبر الجاري، صوت المشرعون لصالح تطبيق نظام الرئاسة الدورية لمدة 12 شهراً. وفي اليوم التالي انتخبوا الصالحين عبد النبي رئيساً للمجلس، ليحل محل عقيلة صالح، الذي شغل هذا المنصب لمدة 12 عاماً.

تأثيرات الانقسام السياسي

بخصوص الوضع الاقتصادي في ليبيا، قالت تيتيه إن الانقسام السياسي لا يزال يضر بالاقتصاد، موضحة أن ارتفاع أسعار النفط العالمية كان ينبغي أن يحقق مكاسب غير متوقعة للإيرادات العامة. لكن بدلاً من ذلك، يواجه العديد من الليبيين ارتفاع أسعار المواد الغذائية، وضعف الدينار، وتضخماً يتجاوز 14 في المائة.

وخصت بالذكر نظام دعم الوقود، حيث استوردت ليبيا في الفترة ما بين يناير (كانون الثاني) وسبتمبر (أيلول) الماضيين 8.15 مليون طن متري من الوقود بتكلفة 8.9 مليار دولار.

تيتيه حذرت من أن رفض إحدى الهيئتين التشريعيتين للاتفاق يمكن أن يعطل إجراء الانتخابات (مفوضية الانتخابات الليبية)

وأوضحت أن ما يقدر بنحو 30 إلى 50 في المائة من تلك الواردات فقدت بسبب التهريب، بقيمة تتراوح بين 2.4 إلى 4.4 مليار دولار. ولفتت إلى تعطل إنتاج النفط بعدما أغلق حرس المنشآت النفطية من الزنتان خط أنابيب الحمادة - الزاوية في سبتمبر الماضي، وخط أنابيب الشرارة - الزاوية في الفترة ذاتها تقريباً.

أما بخصوص الوضع الأمني، فقد أكدت تيتيه أنه لا يزال هشاً، لكنها أشارت إلى خطوات نحو التعاون بين القوات الشرقية والغربية، حيث التقى رئيسا الأركان المتنافسان في سرت في يوليو (تموز) الماضي.

كما عقد قادة القوات البحرية والجوية والدفاع الجوي اجتماعاً للمتابعة هناك في 9 من سبتمبر الماضي. كما أمرا أيضاً بفتح مراكز مشتركة لأمن الحدود في بنغازي، وطرابلس.

من جهة ثانية، أعربت تيتيه عن قلقها من إعدام 58 شخصاً في بنغازي خلال الشهرين الماضيين، بعد إدانتهم بجرائم تتعلق بالإرهاب، وحثت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا على وقف تنفيذ المزيد من عمليات الإعدام، ومراجعة الإجراءات. كما أدانت موجة التضليل، وخطاب الكراهية، والتحريض ضد المهاجرين، واللاجئين، والعاملين في مجال الإغاثة، وموظفي الأمم المتحدة.

كما حضت تيتيه المجلس على دعم خريطة الطريق بحوافز، وضمانات، ومحاسبة من يُعرقلونها. وقالت: «لا يزال الطريق إلى ليبيا مستقرة وموحدة ومزدهرة طويلاً، لكن هدفنا لا يزال في متناول اليد».


بعد سبتة... ملك إسبانيا يزور مليلية

ملك إسبانيا فيليبي السادس وزوجته الملكة ليتيزيا خلال زيارتهما مليلية الأربعاء (إ.ب.أ)
ملك إسبانيا فيليبي السادس وزوجته الملكة ليتيزيا خلال زيارتهما مليلية الأربعاء (إ.ب.أ)
TT

بعد سبتة... ملك إسبانيا يزور مليلية

ملك إسبانيا فيليبي السادس وزوجته الملكة ليتيزيا خلال زيارتهما مليلية الأربعاء (إ.ب.أ)
ملك إسبانيا فيليبي السادس وزوجته الملكة ليتيزيا خلال زيارتهما مليلية الأربعاء (إ.ب.أ)

قام ملك إسبانيا فيليبي السادس وزوجته الملكة ليتيزيا بزيارة مليلية، الأربعاء، غداة زيارتهما جيب سبتة الذي تحتله إسبانيا شمال المغرب، حيث دافع عن السيادة الإسبانية على المدينتين الواقعتين في شمال المغرب، واللتين تطالب بهما الرباط، حسب ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

واستقبلت حشود الزوجين وسط هتافات وأعلام إسبانية، وفقاً لما أظهرته لقطات التلفزيون العام، في امتداد لاستقبالهما الحاشد في سبتة، الثلاثاء.

وتعد هذه الزيارة الأولى لعاهل إسباني منذ زيارة خوان كارلوس، والد فيليبي السادس، عام 2007، التي أثارت حينها أزمة دبلوماسية مع الرباط. وتأتي بعد تدفّق غير مسبوق لأكثر من 70 ألف مهاجر من المغرب إلى سبتة في أواخر يوليو (تموز) الماضي، ما أدى إلى أزمة هجرة في المدينة الصغيرة.

كما تأتي هذه الزيارة قبل أقل من سبعة أسابيع من الانتخابات المبكرة، المقرر إجراؤها في 29 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، فيما يُتوقع أن تكون مسألة الهجرة أحد أهم المحاور الرئيسية في الحملة الانتخابية.

وقال الملك فيليبي، الثلاثاء، إن سبتة ومليلية «جزء لا يتجزأ من الواقع السياسي والوطني الذي تمثله إسبانيا. وسيادة بلادنا ووحدة أراضيها ليستا موضع تفاوض».

كما شدد الملك الإسباني، الذي نادراً ما يدلي بمواقف سياسية، على ضرورة أن تحافظ إسبانيا على «علاقات حسن الجوار» مع الرباط، وتعهد ألّا تترك الدولة الإسبانية سكان سبتة، البالغ عددهم 80 ألف نسمة، «بمفردهم أو بلا حماية».

وتضع هذه الزيارة العلاقات مع المغرب على المحك، إذ كان العاهل المغربي الملك محمد السادس قد دافع الجمعة عن «الشراكة» مع إسبانيا، مع رفضه القاطع لأي محاولة «للضغط» أو «الابتزاز». وأكد أمام البرلمان أن الشراكة مع مدريد شهدت «تطورات مهمة»، بما في ذلك في مجال مكافحة الهجرة غير النظامية، لكنها تواجه اليوم «تحديات كبيرة».


عمال اليومية في مهب ريح الحرب بالسودان

مزارعون يحصدون محصول الجرجير بالخرطوم يوم 5 أكتوبر 2026 (أ.ب)
مزارعون يحصدون محصول الجرجير بالخرطوم يوم 5 أكتوبر 2026 (أ.ب)
TT

عمال اليومية في مهب ريح الحرب بالسودان

مزارعون يحصدون محصول الجرجير بالخرطوم يوم 5 أكتوبر 2026 (أ.ب)
مزارعون يحصدون محصول الجرجير بالخرطوم يوم 5 أكتوبر 2026 (أ.ب)

في الخرطوم التي تحاول استعادة إيقاع الحياة بعد سنوات الحرب، لا تزال أبواب كثيرة مغلقة أمام «عمال اليومية» الذين كانوا يعتمدون على ما يكسبونه في نهاية كل يوم.

فغياب العمل هنا لا يعني مجرد يوم من دون دخل، بل قد يعني أسرة من دون طعام، أو طفلاً يذهب للمدرسة دون مصروف، أو مريضاً يتوقف عن العلاج لأن تكلفة الدواء أصبحت خارج المتناول.

على الأرصفة والأسواق وورش الحرف، يبحث عمال اليومية عن فرصة صغيرة «تسند يومهم»، لكن عدد الباحثين عن العمل ارتفع في وقت تقلصت الأعمال المتاحة وانكمشت قيمة الأجور مع ارتفاع الأسعار، وتراجع قيمة الجنيه السوداني.

وبينما تتسع الفجوة بين الدخل وتكلفة المعيشة، يجد كثير من العمال أنفسهم أمام خيار صعب: قبول أجور أقل أم العودة إلى منازلهم خاليي الوفاض.

أعباء متشابكة

يقول النقابي العمالي عبد الله يوسف إن الأغلبية العظمى من العمال «فقدت وظائفها بسبب الحرب والنزوح والتشرد»، مشيراً إلى أن العمل اليومي الذي كان متاحاً قبل اندلاع الحرب أصبح شحيحاً.

ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن غالبية العمال يعيلون أسراً تضم خمسة أو ستة أطفال في مراحل دراسية مختلفة، في حين دفع تدهور الوضع الاقتصادي بعض الأسر إلى الاستدانة، بل إن البعض دخل السجن لعجزه عن الوفاء بالتزاماته.

سودانية تغرس بذوراً في حقل بولاية القضارف بشرق السودان يوم 18 يوليو الماضي (أ.ف.ب)

وبالنسبة للعامل اليومي، لا يرتبط الأجر بعدد ساعات العمل فقط، وإنما بقدرته على تغطية احتياجات أسرة كاملة. ومع ارتفاع أسعار الغذاء والخدمات، يكون ما يحصل عليه في نهاية يومه قد فقد جزءاً كبيراً من قيمته قبل أن يصل إلى المنزل.

ويقول بابكر خليفة، وهو عامل باليومية وأب لثلاثة أطفال، إن الحرب «دمرت الاقتصاد»، وإن أسرته تعتمد بصورة أساسية على وجبات محدودة من الفول والعدس، من دون قدرة على شراء اللحوم أو الفواكه والخضراوات بصورة منتظمة.

العامل بابكر خليفة قال إن أطفاله يبكون من الجوع في بعض الليالي (الشرق الأوسط)

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن أبناءه يحتاجون إلى مصروفات يومية للمدرسة، بينما لا يكفي الطعام المتاح في المنزل احتياجاتهم؛ مضيفاً أن أطفاله «يبكون من الجوع في بعض الليالي».

ولا يختلف حال بابكر الطاهر كثيراً، فقد نزح إلى القضارف عقب اندلاع الحرب قبل أن يعود إلى الخرطوم، لكنه وجد نفسه أمام واقع اقتصادي أشد قسوة.

يقول عن أسرته المكونة من أربعة أطفال: «أحياناً نأكل ومرات أخرى لا نأكل»؛ موضحاً أن ارتفاع الأسعار والتضخم قللا بصورة كبيرة من القيمة الحقيقية لأجر العامل اليومي.

العامل بابكر الطاهر أجبرته الظروف على العمل بأجر أقل لإطعام أسرته (الشرق الأوسط)

ويشير إلى أن ارتفاع عدد الباحثين عن العمل جعل العامل مضطراً في أحيان كثيرة إلى قبول أجور أقل، حتى لا يعود إلى أسرته بخُفيّ حُنين.

«نحتاج إلى معجزة»

ولا تقتصر الأزمة على العمال الذين ينتظرون فرصة عمل يومية، فحتى أصحاب المهن والحرف الذين ما زالوا يمارسون أعمالهم يواجهون مشكلة أخرى تتمثل في تراجع القوة الشرائية، وارتفاع تكلفة مستلزمات المعيشة والإنتاج.

يقول عبد الكريم إبراهيم، وهو ترزي يعول أسرة مكونة من ولدين وبنتين، إن العمل اليومي لم يعد كافياً لتلبية متطلبات أسرته.

الترزي عبد الكريم إبراهيم يروي كيف أصبح علاج أسرته عبئاً إضافياً (الشرق الأوسط)

ويصف الوضع الاقتصادي بأنه «يحتاج إلى معجزة»، مشيراً إلى أن أسعار المواد الغذائية أصبحت خارج متناول كثير من الأسر، بينما أصبح الحصول على العلاج عبئاً إضافياً.

ويواجه الحلاق الشاب عثمان علي واقعاً مشابهاً، ويقول إن دخله لم يعد يغطي الاحتياجات الأساسية بسبب ارتفاع الأسعار وتدهور قيمة العملة.

ولا تتوقف مشكلاته عند تراجع القدرة الشرائية، إذ يشير إلى انقطاع الكهرباء لفترات طويلة وتعطل التطبيقات البنكية التي يعتمد عليها في تحويلات عملائه، ما يزيد صعوبة الحصول على مستحقاته.

الشاب عثمان علي اضطر إلى ترك دراسته وممارسة الحلاقة بسبب الحرب (الشرق الأوسط)

عثمان نفسه اضطر إلى ترك الدراسة في المرحلة الثانوية بسبب ظروف الحرب، والتوجه إلى العمل للمساهمة في إعالة أسرته الكبيرة، ليصبح واحداً من جيل دفع ثمناً مباشراً للحرب من مستقبله التعليمي.

والضغوط على المواطنين لم تعد مرتبطة بالحرب وحدها، كما يقول النقابي العمالي يوسف، وإنما تفاقمت مع زيادة الجبايات والرسوم وارتفاع الدولار الجمركي وحظر بعض السلع المستوردة، وهي عوامل يقول إنها أسهمت في اتساع الفجوة داخل الأسواق.

ويطالب يوسف بتحسين أجور العاملين وأوضاع أرباب المعاشات، مشيراً إلى أن بعض الموظفين يتقاضون مستحقات محدودة للغاية، بينما يحصل بعض المتقاعدين، حسب قوله، على مبالغ لا تتناسب مع سنوات خدمتهم.

كما يطالب بتدخل حكومي عاجل لمعالجة أوضاع العاملين وأسرهم، عادّاً أن استمرار الفجوة بين الأجور والأسعار يضع ملايين الأسر أمام أوضاع معيشية بالغة الصعوبة.

«الأكثر هشاشة»

ويقول الخبير الاقتصادي محمد الناير إن العمالة اليومية تُعد من أكثر الفئات تضرراً من الحرب في السودان، جراء توقف أعمال البناء والتشييد وتراجع الأنشطة الحرفية، ما أفقد أعداداً كبيرة منهم مصادر رزقهم.

ويضيف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «هذه الفئات تواجه أوضاعاً معيشية بالغة الصعوبة، في ظل فقدان فرص العمل والارتفاع غير المسبوق في أسعار السلع والخدمات، إلى جانب تراجع قيمة العملة الوطنية وزيادة معدلات التضخم والبطالة والفقر».

وأشار إلى أن انطلاق برنامج متكامل لإعادة الإعمار يمكن أن يسهم في استيعاب أعداد كبيرة من العمالة اليومية من خلال توفير فرص عمل في قطاعات البناء والتشييد والأنشطة المرتبطة بها، لكنه شدد على أن هذه الفئات لا تزال الأشد تضرراً نظراً لاستمرار تعطل مصادر دخلها.

وأكد الناير ضرورة اضطلاع الدولة بمسؤولياتها في حماية الشرائح الضعيفة والفقيرة، داعياً إلى وضع برنامج متكامل للحماية الاجتماعية يستجيب للتحديات الاقتصادية الراهنة، ويوفر الدعم اللازم للفئات الأكثر تضرراً من تداعيات الحرب.

وتتوافق هذه الشهادات مع تحذيرات منظمة العمل الدولية من التأثيرات العميقة للحرب على سوق العمل في السودان، إذ أدت إلى فقدان وظائف وتراجع النشاط الاقتصادي، وتعطيل سبل كسب العيش، فيما يُعد العاملون في الاقتصاد غير الرسمي من أكثر الفئات هشاشة.