تصريحات ترمب المتكررة عن «سد النهضة» تثير تساؤلات بشأن جهود الوساطة

مصدر أميركي مطلع لـ«الشرق الأوسط»: واشنطن تبذل جهوداً لعودة المفاوضات

لقاء الرئيسين المصري والأميركي على هامش قمة مجموعة السبع يونيو الماضي في فرنسا (الرئاسة المصرية)
لقاء الرئيسين المصري والأميركي على هامش قمة مجموعة السبع يونيو الماضي في فرنسا (الرئاسة المصرية)
TT

تصريحات ترمب المتكررة عن «سد النهضة» تثير تساؤلات بشأن جهود الوساطة

لقاء الرئيسين المصري والأميركي على هامش قمة مجموعة السبع يونيو الماضي في فرنسا (الرئاسة المصرية)
لقاء الرئيسين المصري والأميركي على هامش قمة مجموعة السبع يونيو الماضي في فرنسا (الرئاسة المصرية)

تثير التصريحات «المتكررة» للرئيس الأميركي دونالد ترمب عن «سد النهضة» تساؤلات في مصر بشأن جهود وساطة «محتملة» في ظل تصاعد التوترات بين القاهرة وأديس أبابا.

وخلال تجمع انتخابي بمدينة سيراكيوز في نيويورك، مساء الجمعة، تطرق ترمب مجدداً إلى ملف «سد النهضة»، مؤكداً أن «إثيوبيا بنت ذلك السد، وهو أحد أكبر السدود في العالم، ممول بالطبع من قبل أميركا، وهو أمر (غبي) للغاية للقيام به»، حسب وصفه.

وفي إشارة إلى تأثيرات «السد» على مصر، قال ترمب: «لقد أخذوا كل المياه من نهر النيل (في إشارة إلى أديس أبابا)، وأصبح نهر النيل شبه خال من المياه، وهذا الأمر ليس جيداً على الإطلاق بالنسبة لمصر لكنني تمكنت من حل هذه المشكلة».

وأكد مصدر أميركي مطلع لـ«الشرق الأوسط»، السبت، أن «الولايات المتحدة منخرطة في جهود راهنة من أجل حلحلة ملف النزاع بين مصر وإثيوبيا، وتسعى إلى أن تكلل هذه الجهود إلى وساطة ناجحة».

والخلافات بين القاهرة وأديس أبابا حول «سد النهضة» مستمرة، حيث تم تجميد المفاوضات في 2024، وأعلنت مصر أوائل الشهر الحالي أن «دبلوماسياً إثيوبياً في القاهرة شخص غير مرغوب فيه، ومنحته مهلة 48 ساعة لمغادرة البلاد»، بعد أن طردت أديس أبابا دبلوماسياً مصرياً، وفق ما نقلته حينها «وكالة أنباء الشرق الأوسط» الرسمية بمصر.

أستاذ العلوم السياسية بـ«جامعة القاهرة» طارق فهمي، يرى أن الرئيس ترمب «ملم» بملف «سد النهضة»، ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن «الرئيس الأميركي اعتاد أن يقترب ويبتعد عن ملف السد، وتحرص الإدارة الأميركية على إرسال رسائل مهمة في توقيتات محددة».

ويعتبر أن تصريحات ترمب الأخيرة تهدف إلى «التأكيد على قرب الإدارة الأميركية من الملف واهتمامها به»، وأنها قد تعني «وجود اتصالات غير معلنة».

سد النهضة الإثيوبي (رويترز)

وسبق أن كرر ترمب في تصريحات عدة، استعداد بلاده للوساطة بين القاهرة وأديس أبابا بشأن «السد»، وفي يونيو (حزيران) الماضي، تصدر ملف «سد النهضة» محادثات الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الأميركي على هامش «قمة السبع» في فرنسا، وحسب بيان الرئاسة المصرية حينها، أكد الرئيس ترمب «تفهمه لكل الشواغل المصرية في هذا الصدد»، وشدد حينها على أنه «سوف يولي هذا الملف الأولوية القصوى لتسويته بشكل عادل».

ويوضح عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية» مساعد وزير الخارجية الأسبق، رخا أحمد حسن، لـ«الشرق الأوسط»، أن «تصريحات ترمب مجرد حديث للناخبين مثل كل التصريحات السابقة التي لم تؤد إلى شيء».

ويؤكد أنه «إذا افترضنا أنه توجد مبادرة أميركية أو اتصالات ومفاوضات غير معلنة، لا نتوقع أن تصل إلى نتيجة سريعة في أزمة السد، بل ستستغرق بعض الوقت». ويلفت إلى أن «إثيوبيا منشغلة بالمشكلات الداخلية ما يجعل ملف السد يتراجع أمام صعوبة الوضع الداخلي».

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقائه رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد في القاهرة يونيو 2018 (الرئاسة المصرية)

وفي يناير (كانون الثاني) الماضي، أرسل ترمب خطاباً رسمياً إلى السيسي، يعرض فيه استعداد واشنطن لاستئناف مفاوضات «سد النهضة»، والتوصل لحل نهائي وعادل للقضية.

وتساءل فهمي: «لماذا يدلي ترمب بهذه التصريحات في هذا التوقيت؟»، ويشير إلى أن «حديث ترمب يتضمن رسائل سياسية يجب أن تتفاعل معها مصر، خصوصاً مع حرص واشنطن على تدعيم شراكتها مع القاهرة، وهو ما يتطلب من الولايات المتحدة أن تحول التصريحات إلى أفعال ومبادرة للوساطة».

كما يوضح أنه «قد يفهم من عبارة ترمب (لكنني تمكنت من حل هذه المشكلة) أنه توجد اتصالات غير معلنة، وأن هناك قابليةً للحل أو استئناف المفاوضات بين القاهرة وأديس أبابا».


مقالات ذات صلة

واشنطن تعتزم ترحيل 150 مهاجراً أفغانياً إلى ديارهم

الولايات المتحدة​ متظاهرون في نيويورك ضد تدابير السلطات بحق المهاجرين (رويترز)

واشنطن تعتزم ترحيل 150 مهاجراً أفغانياً إلى ديارهم

تعتزم إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب ترحيل أكثر من 150 مهاجراً أفغانياً إلى أفغانستان عبر باكستان، حسبما أفادت وسائل إعلام أميركية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
الولايات المتحدة​ مشهد عام يظهر مباني السفارة الأميركية في بكين (أرشيفية - رويترز)

محكمة أميركية تقضي بسجن رجلين صينيين بعد إدانتهما بالتجسس لصالح بكين

قضت محكمة في كاليفورنيا أمس (الجمعة) بسجن رجلين صينيين بعد أن كانا قد أقرا بمحاولة تجنيد أفراد من الجيش الأميركي للتجسس لصالح بكين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية امرأة تسير وسط حركة المرور في إحدى ساحات العاصمة طهران (أ.ف.ب) p-circle

قطر تسعى إلى اختراق دبلوماسي بين واشنطن وطهران

أجرى وسطاء قطريون محادثات مكثفة في طهران، يوم الجمعة، استمرَّت أكثر من 12 ساعة، في محاولة للتّوصل إلى اتفاق يمهّد لاستئناف المفاوضات المباشرة بين أميركا وإيران.

«الشرق الأوسط» (واشنطن - الدوحة)
تحليل إخباري جلسة لمجلس الأمن الدولي (رويترز)

تحليل إخباري ماذا يعني إلغاء بعثة «المينورسو» لمستقبل الصحراء المغربية؟

فيتو روسي يسقط مشروع قرار أميركياً لتعديل مهام «المينورسو»، والمغرب يعلن انتهاء البعثة الأممية، ويطالب بسحب ملف الصحراء نهائياً من مجلس الأمن.

كوثر وكيل (لندن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع السيناتورة آشلي مودي في دايتونا بيتش بولاية فلوريدا (أ.ب)

ترمب وكلينتون يحشدان الناخبين قبل الاستحقاق الكبير

شارك الرئيس دونالد ترمب، الجمعة، في تجمع انتخابي مع أنصاره الجمهوريين بفلوريدا، بينما ألقى الرئيس الأسبق بيل كلينتون كلمة أمام الديمقراطيين في ميسيسيبي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

مصر: نقاشات إعلامية متصاعدة حول تعديل الدستور لإعادة انتخاب السيسي

صورة أرشيفية للرئيس خلال احتفاله بعيد الفطر مع «أهالي الشهداء» (المتحدث الرسمي لرئاسة الجمهورية)
صورة أرشيفية للرئيس خلال احتفاله بعيد الفطر مع «أهالي الشهداء» (المتحدث الرسمي لرئاسة الجمهورية)
TT

مصر: نقاشات إعلامية متصاعدة حول تعديل الدستور لإعادة انتخاب السيسي

صورة أرشيفية للرئيس خلال احتفاله بعيد الفطر مع «أهالي الشهداء» (المتحدث الرسمي لرئاسة الجمهورية)
صورة أرشيفية للرئيس خلال احتفاله بعيد الفطر مع «أهالي الشهداء» (المتحدث الرسمي لرئاسة الجمهورية)

تصاعدت نقاشات إعلامية في مصر بشأن تعديل الدستور بما يتيح إعادة انتخاب الرئيس عبد الفتاح السيسي، وذلك رغم أنه أكد في أكثر من مناسبة أن «الدستور لن يٌمس»، وأنه سيترك منصبه في نهاية فترة حكمه عام 2030.

وتداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي، على نطاق واسع، السجال الذي دار بين الإعلامي وعضو مجلس النواب مصطفى بكري، والإعلامي عمرو أديب، خلال برنامج «الحكاية»، مساء الجمعة، وخلال المداخلة المطولة تمسك بكري برغبته في أن يترشح الرئيس لفترة رئاسية جديدة، حتى لو استدعى ذلك «إصدار دستور جديد يليق بالدولة» في ظل «الظروف الاستثنائية».

يضاف هذا النقاش إلى نقاشات أخرى جاءت عبر وسائل إعلامية مصرية خلال الأيام الماضية، تطرقت إلى تقييم موقف الرئيس السيسي من تسليم السلطة في 2030، وهو ما أثار جدلاً حول «تعديل الدستور» بين مؤيدين ومعارضين.

ووفق التعديلات الدستورية التي وافق عليها المصريون في تصويت عام 2019، تنتهي فترة حكم الرئيس المصري عام 2030، وبموجب تلك التعديلات تم مد الفترة الرئاسية إلى 6 سنوات بدلاً من 4 سنوات، وحُددت مدة الرئاسة بدورتين متتاليتين.

السيسي يُصوت في انتخابات «مجلس الشيوخ» 2025 (المتحدث باسم الرئاسة المصرية)

وانفجر الجدل في الساحة السياسية حول بقاء السيسي بعد مدته منذ صرح في 17 أكتوبر (تشرين الأول)، بأن «الدستور لن يُمسّ»، في إشارة إلى رفضه تعديل الدستور لتمديد حكمه، وفي اليوم التالي، أكد المعنى نفسه، قائلاً إنه سيسلم السلطة في 2030، مقترحاً أن تتولى «الأكاديمية العسكرية» تدريب المرشحين المقبلين للرئاسة.

وعبّر بكري عن رفضه لقرار السيسي، معتبراً أن القرار يعبر عن نزاهته، ولا يمنع في المقابل تعبير المواطنين عن رأيهم فيه، ومطالبته بالبقاء لـ«استكمال مشروعه الوطني»، مُذكراً برفض المصريين تنحي الرئيس الراحل جمال عبد الناصر في ستينيات القرن الماضي. واستند في حديثه إلى «الأوضاع الجيوسياسية الملتهبة حول مصر وفي عمقها الاستراتيجي في دول الجوار والمنطقة»، مشككاً في وجود من يتولى المسؤولية بعده.

وانتقد المحلل السياسي جمال أسعد دعوات تعديل الدستور للمرة الثانية في عهد السيسي، مشيداً بموقفه الذي أعلن عدم الترشح «رغم الظروف الاستثنائية التي يتحدث عنها الداعون للتعديل»، متسائلاً : «هل هم أكثر حرصاً على الدولة من الرئيس ذاته؟». وانتقد في حديث لـ«الشرق الأوسط»، استدعاء التجربة الناصرية في هذا الظرف، قائلاً إن «الرفض الشعبي لتنحي عبد الناصر كان في إطار هزيمة، ورغم أن جزءاً منه يعود إلى محبة الجماهير له، فإن جزءاً آخر مرتبط بتحمله لمسؤولية نكسة 1967، ومصر اليوم ليست في موقف مشابه يصلح للقياس عليه».

الساحة السياسية لم تتجاوز بعد إعلان الرئيس المصري عدم ترشحه لفترة جديدة (الشرق الأوسط)

ولا يعد حديث بكري الأول، إذ يتبنى هذا الموقف عدد من الإعلاميين، في مقدمتهم أحمد موسى، ومحمد الباز. والأول استضاف المفكر السياسي حسام بدراوي، الأسبوع الماضي، في نقاش محتدم، تحفظ فيه بدراوي على مطالب وأسانيد موسى للمطالبة بتعديل الدستور، واعتبر أنها تعكس عدم احترام له.

وفي هذا السياق، يرى الخبير الدستوري وعضو مجلس النواب صلاح فوزي، أن المطالبة بتعديل الدستور أمر دستوري، وفق آلية الدستور نفسه في المادة 226 التي تفصل طريقة تعديله، «لذلك فإن الحديث عن عدم احترام الدستور عند المطالبة بتعديله بمثابة تعطيل لأحد مواده وهو ما لا يستطيع أحد فعله»، لافتاً إلى أنه «بشكل شخصي يرى أن الدستور الذي تم إعداده في عام 2014 يحتاج إلى تعديل في كثير من المواد بما يناسب الأجيال الجديدة».

وتنص المادة 226 على أنه «لرئيس الجمهورية أو لخُمس أعضاء مجلس النواب طلب تعديل مادة أو أكثر، مع توضيح المواد وأسباب التعديل».

وعدد فوزي بضعة مواد يرى ضرورة تغييرها، مثل صلاحيات مجلس الشيوخ، والفئات العمرية للشباب الذين يحق لهم الترشح في الانتخابات المحلية وغيرها من المواد، لافتاً إلى «أن بكري بصفته نائباً يستطيع تقديم مشروع لتعديل الدستور بعد جمع تواقيع من 120 نائباً، وحال الموافقة عليه بما لا يقل عن ثلثي النواب، يُطرح للاستفتاء».

الرئيس عبد الفتاح السيسي (الرئاسة المصرية)

وظهرت حملات على مواقع التواصل الاجتماعي تدعو الرئيس إلى «التراجع عن قراره»، وتطالب بتعديل الدستور وترشيحه لمدد تالية، من بينها لمواطنين يبكون ويدعون السيسي إلى البقاء.

ويعتبر المحلل السياسي جمال أسعد «أن هذا النوع من النقاشات حول تعديل الدستور يعود بنا للخلف ويعطلنا عن مقتضيات المرحلة في تجهيز بدائل، وفتح المجال العام وتنشيط الحياة السياسية».


بعثات أممية على أعتاب النهاية... ما مصير مهام حفظ السلام في المغرب والصومال ولبنان؟

المندوب الروسي الدائم لدى الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا رافعاً يده لاستخدام حق النقض «الفيتو» ضد مشروع قرار أميركي لتعديل مهمة «مينوروسو» في الصحراء (الأمم المتحدة)
المندوب الروسي الدائم لدى الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا رافعاً يده لاستخدام حق النقض «الفيتو» ضد مشروع قرار أميركي لتعديل مهمة «مينوروسو» في الصحراء (الأمم المتحدة)
TT

بعثات أممية على أعتاب النهاية... ما مصير مهام حفظ السلام في المغرب والصومال ولبنان؟

المندوب الروسي الدائم لدى الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا رافعاً يده لاستخدام حق النقض «الفيتو» ضد مشروع قرار أميركي لتعديل مهمة «مينوروسو» في الصحراء (الأمم المتحدة)
المندوب الروسي الدائم لدى الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا رافعاً يده لاستخدام حق النقض «الفيتو» ضد مشروع قرار أميركي لتعديل مهمة «مينوروسو» في الصحراء (الأمم المتحدة)

تواجه بعثات الأمم المتحدة لحفظ السلام والدعم السياسي في عدد من مناطق النزاع مرحلة مفصلية، مع اقتراب انتهاء أو بدء إنهاء ولايات بعثات دولية استمرت لسنوات، في إطار تحولات سياسية وأمنية تشهدها هذه المناطق.

ويعيد هذا التطور طرح تساؤلات بشأن مستقبل الدور الأممي، ومدى قدرة الحكومات والجهات المحلية على تولي المهام التي كانت تضطلع بها الأمم المتحدة، في ظل استمرار تحديات تتعلّق بالأمن والاستقرار والتسويات السياسية.

وتختلف طبيعة المهمات الأممية في المغرب والصومال ولبنان، كما تختلف ظروف إنهائها وتداعياتها؛ فبعضها يرتبط بملف نزاع لم يُحسم سياسياً، وبعضها الآخر يأتي في سياق انتقال المسؤوليات إلى السلطات الوطنية، فيما يثير إنهاء بعثات أخرى مخاوف بشأن الاستقرار في مناطق تشهد توترات مستمرة.

المغرب: بعثة «مينورسو» ونزاع الصحراء

أخفق مجلس الأمن، مساء أمس (الجمعة)، في تمديد ولاية بعثة الأمم المتحدة في الصحراء المغربية (مينورسو)، التي ينتهي تفويضها الحالي بعد ساعات معدودة، إثر استخدام روسيا حق النقض (الفيتو) لإسقاط مشروع قرار أعدته الولايات المتحدة، فيما لم يحصل نص مضاد قدمته موسكو على عدد كافٍ من الأصوات.

وبهذا الفشل سيتعيّن على البعثة الأممية، التي أُنشئت في أبريل (نيسان) 1991، الانسحاب من المنطقة التي تشهد توتراً بين المغرب وجبهة «البوليساريو» المدعومة من الجزائر.

ووسط اتهامات متبادلة بين الأطراف المعنية، سعى دبلوماسيون إلى إيجاد مساحة توافق قبل مغادرة أفراد البعثة، البالغ عددهم 534 شخصاً، التي تراقب وقف إطلاق النار وتساعد على الوصول إلى تسوية.

وكان المشروع الأميركي قد حصل على تأييد 11 صوتاً من الأعضاء الـ15 في المجلس. غير أن روسيا استخدمت حق النقض لإسقاطه، ثم صوّت الأعضاء على مشروع قرار روسي مضاد، يكتفي بتمديد الولاية الحالية لـ«مينورسو» بصورة تقنية حتى 31 أكتوبر (تشرين الأول) 2027، فنال تأييد ثلاثة أصوات فحسب، مقابل صوت معارض واحد للولايات المتحدة، وامتناع 11 عضواً عن التصويت. وبالتالي، لم ينل المشروع الحد الأدنى اللازم لاعتماد أي قرار، وهو 9 أصوات. ويجب التمييز هنا بين انتهاء ولاية البعثة وانتهاء وجودها فعلياً؛ إذ إن انتهاء التفويض الأممي لا يعني بالضرورة تسوية النزاع أو التوصل إلى اتفاق سياسي بين الأطراف.

وقد ظل مستقبل البعثة مرتبطاً بموقف مجلس الأمن من تجديد ولايتها وبالتطورات السياسية في ملف الصحراء المغربية.

الصومال: الانتقال من البعثة السياسية إلى المسؤولية الوطنية

شهد الوجود الأممي في الصومال تحولاً تدريجياً من خلال إنهاء بعثة الأمم المتحدة لتقديم المساعدة إلى الصومال (يونسوم) (UNSOM)، التي اضطلعت بدور سياسي واستشاري في دعم المؤسسات الحكومية، والمصالحة الوطنية، وبناء مؤسسات الدولة، ومساندة جهود تحقيق الاستقرار. وبدأت عملية الانتقال إلى بعثة الأمم المتحدة الانتقالية في الصومال (يونتميس) (UNTMIS) في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، ضمن خطة لنقل المسؤوليات تدريجياً إلى المؤسسات الصومالية.

وتستهدف المرحلة الانتقالية تعزيز قدرة الحكومة الصومالية على تولي مسؤولياتها في مجالات الحوكمة والأمن وبناء المؤسسات، مع نقل بعض المهام الأممية إلى فريق الأمم المتحدة القطري. ومن المقرر أن تنتهي ولاية «يونتميس» في 31 أكتوبر (تشرين الأول) 2026، في إطار إنهاء الوجود السياسي الانتقالي للبعثة، وليس إنهاء جميع أشكال التعاون بين الأمم المتحدة والصومال.

لبنان: نهاية مهمة «يونيفيل» بعد عقود من الانتشار

تُعد قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) (UNIFIL) من أقدم بعثات حفظ السلام الأممية في المنطقة، إذ أُنشئت عام 1978، عقب الاجتياح الإسرائيلي للبنان، بهدف تأكيد الانسحاب الإسرائيلي ومساعدة الحكومة اللبنانية على بسط سلطتها في الجنوب. وتوسعت مهماتها بعد حرب عام 2006، بموجب قرار مجلس الأمن رقم «1701»، لتشمل مراقبة وقف الأعمال العدائية ومساندة انتشار الجيش اللبناني في جنوب البلاد.

وفي أغسطس (آب) 2025، قرر مجلس الأمن تمديد ولاية القوة حتى 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، مع بدء ترتيبات إنهاء مهمتها والانسحاب المنظم خلال فترة عام بعد انتهاء ولايتها. ويأتي القرار في ظل استمرار التوتر على الحدود اللبنانية-الإسرائيلية، وما يثيره من تساؤلات بشأن قدرة الجيش اللبناني على تولي المهام الأمنية في الجنوب، خصوصاً مع استمرار التحديات المرتبطة بتنفيذ القرار 1701.


فشل مشروعَي قرار أميركي وروسي حول الصحراء يمهد لرحيل «مينورسو»

المندوب الروسي الدائم لدى الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا رافعاً يده لاستخدام حق النقض «الفيتو» ضد مشروع قرار أميركي لتعديل مهمة «مينوروسو» في الصحراء (الأمم المتحدة)
المندوب الروسي الدائم لدى الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا رافعاً يده لاستخدام حق النقض «الفيتو» ضد مشروع قرار أميركي لتعديل مهمة «مينوروسو» في الصحراء (الأمم المتحدة)
TT

فشل مشروعَي قرار أميركي وروسي حول الصحراء يمهد لرحيل «مينورسو»

المندوب الروسي الدائم لدى الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا رافعاً يده لاستخدام حق النقض «الفيتو» ضد مشروع قرار أميركي لتعديل مهمة «مينوروسو» في الصحراء (الأمم المتحدة)
المندوب الروسي الدائم لدى الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا رافعاً يده لاستخدام حق النقض «الفيتو» ضد مشروع قرار أميركي لتعديل مهمة «مينوروسو» في الصحراء (الأمم المتحدة)

أخفق مجلس الأمن، مساء الجمعة، في تمديد ولاية بعثة الأمم المتحدة في الصحراء «مينورسو»، التي ينتهي تفويضها الحالي بعد ساعات معدودة، إثر استخدام روسيا حق النقض «الفيتو» لإسقاط مشروع قرار أعدته الولايات المتحدة، فيما لم يحصل نص مضاد قدمته موسكو على عدد كافٍ من الأصوات.

وبهذا الفشل سيتعين على البعثة الأممية، التي أنشئت في أبريل (نيسان) 1991، الانسحاب من المنطقة التي تشهد توتراً بين المغرب وجبهة «البوليساريو» المدعومة من الجزائر.

ووسط اتهامات متبادلة بين الأطراف المعنية، سعى دبلوماسيون إلى إيجاد مساحة توافق قبل مغادرة أفراد البعثة البالغ عددهم 534 شخصاً، التي تراقب وقف إطلاق النار وتساعد على الوصول إلى تسوية.

وكان المشروع الأميركي قد حصل على تأييد 11 صوتاً من الأعضاء الـ15 في المجلس. غير أن روسيا استخدمت حق النقض لإسقاطه، ثم صوت الأعضاء على مشروع قرار روسي مضاد، يكتفي بتمديد الولاية الحالية لـ«مينورسو» بصورة تقنية حتى 31 أكتوبر (تشرين الأول) 2027، فنال تأييد ثلاثة أصوات فحسب، مقابل صوت معارض واحد للولايات المتحدة، وامتناع 11 عضواً عن التصويت. وبالتالي، لم ينل المشروع الحد الأدنى اللازم لاعتماد أي قرار، وهو تسعة أصوات.

وما لم تُبذل جهود في اللحظات الأخيرة لإحيائها، تنتهي السبت ولاية «مينورسو»، بعدما دأب المجلس على تجديدها لنحو 35 عاماً.

تغيير جوهري

ذهب مشروع القرار الأميركي إلى أبعد بكثير من القرار 2797، الذي اعتمده مجلس الأمن العام الماضي، والذي كان سينهي هذه المهمة في 30 أبريل 2027، مع تقليص المشاركة العسكرية، ليستبدلها ببعثة سياسية لا تُعنى بالتحضير للاستفتاء، كما كانت تنص القرارات السابقة، بل يغير اسمها إلى (بعثة الأمم المتحدة في الصحراء الغربية) «مينوسو». كما ينص على أن «الحكم الذاتي الحقيقي في ظل السيادة المغربية هو الحل الوحيد الممكن للتفاوض على حل مقبول للطرفين».

وعقب التصويت، لاحظ المندوب الأميركي الدائم لدى الأمم المتحدة، مايك والتز، أن الاستفتاء لم يُجرَ قط بسبب خلافات طويلة الأمد حول أهلية الناخبين. وقال: «يُخبرنا مسؤولو الأمم المتحدة بهذه الحقيقة منذ 30 عاماً». وأعرب عن أسفه لاستخدام روسيا «الفيتو».

في المقابل، رأت روسيا أن المسودة الأميركية أكدت تأييد موقف المملكة المغربية من الصحراء. وقال مندوبها لدى الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا: «نؤكد أن مجلس الأمن لا يمكنه أن يُقرر مسبقاً بشكل تلقائي مسائل تتعلق بالسيادة». ووصف تصويت الولايات المتحدة ضد النص الروسي بأنه «اغتيال سياسي للبعثة».

من جانبه، ندد المندوب الفرنسي جيروم بونافون بـ«عرقلة روسيا»، فيما حضت السفيرة البريطانية سارة ماكنتوش الجهات التي لم تؤيد القرار الأميركي على «السعي لإيجاد حل قائم على مسودة القرار».

ورحّب الديوان الملكي المغربي بعدم تجديد الولاية، عادّاً ذلك «تطوراً مهماً»، يعني ضرورة سحب قضية الصحراء من نظر مجلس الأمن وإزالتها من جدول أعماله.

في المقابل، شكر المندوب الجزائري عمار بن جامع روسيا، مؤكداً أن بلاده ستواصل دعم «حل يضمن حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير».

كما أعرب ممثل «البوليساريو» في نيويورك سيدي عمر عن «ارتياحه» لرفض القرار الأميركي.

وتضم البعثة 155 عسكرياً، وتبلغ كلفتها 62 مليون دولار في السنة المالية، التي بدأت في يونيو (حزيران) الماضي، وفقاً لتقرير صادر عن الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش.

وكان المغرب قد أعلن أن الصحراء مغربية منذ عام 1975. وأقرّ مجلس الأمن، بقيادة الولايات المتحدة، قراراً يعد خطة الحكم الذاتي، التي قدمتها الرباط عام 2007، الحل «الأكثر جدوى» وأساساً للمفاوضات. وهذا يتماشى مع دعم إدارة الرئيس دونالد ترمب للمغرب. كما تحظى الخطة المغربية أيضاً بدعم بريطانيا وفرنسا ودول أخرى.