ليبيا: «النواب» و«الدولة» يناقشان خريطة طريق لـ«سلطة تنفيذية جديدة»

قبل اجتماع ثانٍ لـ«استشارية» البعثة الأممية

صورة وزعها مجلس النواب لاجتماع لجنة المسار التنفيذي في بنغازي مع المجلس الأعلى للدولة
صورة وزعها مجلس النواب لاجتماع لجنة المسار التنفيذي في بنغازي مع المجلس الأعلى للدولة
TT

ليبيا: «النواب» و«الدولة» يناقشان خريطة طريق لـ«سلطة تنفيذية جديدة»

صورة وزعها مجلس النواب لاجتماع لجنة المسار التنفيذي في بنغازي مع المجلس الأعلى للدولة
صورة وزعها مجلس النواب لاجتماع لجنة المسار التنفيذي في بنغازي مع المجلس الأعلى للدولة

أعلن مجلس النواب الليبي بدء اجتماعات «لجنة مشتركة» مع مجلس الدولة في مدينة بنغازي (شرق)، بهدف وضع «خريطة طريق لسلطة تنفيذية جديدة، تقود إلى الانتخابات»، في وقت أعلنت فيه البعثة الأممية أن اللجنة الاستشارية التي اختتمت اجتماعها الافتتاحي، بعد يومين من النقاش حول شروط وقواعد عملها، ستجتمع مجدداً الأسبوع المقبل في طرابلس.

من جلسة سابقة لمجلس النواب برئاسة عقيلة صالح (النواب)

وقال عبد الله بليحق، الناطق باسم مجلس النواب، إن لجنة المسار التنفيذي في مجلسَي «النواب» و«الدولة»، واصلت اليوم (الثلاثاء) اجتماعها الخامس في مدينة بنغازي لليوم الثاني على التوالي؛ مشيراً إلى اعتزام اللجنة التواصل مع بعثة الأمم المتحدة، وكافة القوى الوطنية المعنية بالبحث عن مخرج للأزمة «لعرض خريطة الطريق المتفق عليها».

بدورها، أوضحت البعثة الأممية -في بيان مساء الاثنين- أن لجنتها الاستشارية أجرت ما وصفته بنقاش أولي حول القضايا الخلافية الرئيسية المتصلة بالإطار الانتخابي، موضحة أنها ستقدِّم نتائج مداولاتها إلى البعثة، لأخذها في الاعتبار في المراحل اللاحقة من العملية السياسية، ودعم المؤسسات وصناع القرار الليبيين لإجراء انتخابات وطنية.

من لقاء سابق لأعضاء المجلس الأعلى للدولة (المجلس)

وأكدت ستيفاني خوري، القائمة بأعمال البعثة، أن اللجنة بوصفها عنصراً مهماً ضمن العملية السياسية الليبية الشاملة، مُكلفة بوضع مقترحات ملموسة لمعالجة هذه القضايا. ودعت أعضاء اللجنة إلى التركيز على الإطار الانتخابي، وتحديداً القضايا الخلافية التي تمنع إجراء انتخابات وطنية، مشيرة إلى أن البعثة تعتزم تنفيذ عملية متعددة المسارات، تشمل الجوانب السياسية والأمنية والاقتصادية، وقالت إن هذه اللجنة «ليست منتدى سياسياً، ومصداقيتها تعتمد على الحفاظ على هذه المهمة».

كما دعت البعثة الأممية في بيان لها، اليوم (الثلاثاء)، منظمات المجتمع المدني للمشاركة في ورشة عمل في الـ25 من الشهر الحالي، بهدف تعزيز وعي منظمات المجتمع المدني، ودورها بشأن اتفاق وقف إطلاق النار في ليبيا، في إطار جهود البعثة لدعم الجهود الليبية بالخصوص.

ستيفاني خوري دعت أعضاء اللجنة إلى التركيز على الإطار الانتخابي وتحديداً القضايا الخلافية (أ.ف.ب)

من جهتها، حددت المفوضية العليا للانتخابات، يوم الخميس المقبل، آخرَ موعد لتسجيل المرشحين للمرحلة الثانية من انتخابات المجالس البلدية.

في غضون ذلك، استثمر بدر عبد العاطي، وزير الخارجية المصري، لقاءه، مساء الاثنين، مع براين ماست، رئيس لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب الأميركي، للتأكيد على أهمية العمل على حل أزمة السلطة التنفيذية في ليبيا في أقرب وقت، وتشكيل حكومة جديدة موحدة، وصولاً إلى إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، ودعم مسار الحل الليبي- الليبي، وضرورة إنهاء كافة مظاهر الوجود الأجنبي في ليبيا: «بما يعيد ليبيا إلى الليبيين، ويحفظ وحدتها وسيادتها».

اجتماع اللافي مع مسؤول بخارجية النمسا (المجلس الرئاسي الليبي)

من جهته، نقل عضو المجلس الرئاسي، عبد الله اللافي، عن مدير إدارة شمال أفريقيا والشرق الأوسط بوزارة الخارجية النمساوية، غيرولد فولمير الذي التقاه اليوم (الثلاثاء) بطرابلس، دعم بلاده لكل جهود المجلس الرئاسي، الرامية إلى الدفع للأمام بعملية سياسية شاملة وجامعة تمهد الطريق نحو إجراء انتخابات حرة وشفافة.

وكان اللافي قد أعلن أن لقاءه مساء الاثنين، مع سفير قطر، أكد أهمية دعم جهود البعثة الأممية لإنهاء الأزمة السياسية، وتهيئة الظروف لإطلاق مسار مستدام يحقق تطلعات الشعب الليبي.

في شأن مختلف، التزمت حكومة «الوحدة» الصمت حيال إعلان المحكمة الجنائية الدولية، تحقيق قضاتها فيما إذا كان إفراج إيطاليا عن آمر جهاز الشرطة القضائية أسامة نجيم، المطلوب بجرائم حرب، ينتهك نظام المحكمة الأساسي. وقال المتحدث باسم المحكمة، إن إيطاليا ستحصل على فرصة لعرض وجهة نظرها أمام القضاة، قبل اتخاذ أي قرار؛ لكنه لم يحدد جدولاً زمنياً للعملية.

وخلال الأسبوع الماضي، قال وزير العدل الإيطالي كارلو نورديو، إن روما لم يكن لديها خيار سوى إطلاق سراح نجيم، بسبب ما وصفه بأخطاء وعدم دقة في مذكرة الاعتقال الصادرة عن المحكمة.

وكان نجيم قد عاد إلى طرابلس بعد يومين فقط من اعتقاله الشهر الماضي في شمال إيطاليا، بناءً على مذكرة «الجنائية الدولية» التي تتهمه بالقتل والتعذيب والاغتصاب بحق محتجزين في ليبيا، ما أثار غضب أحزاب المعارضة الإيطالية، كما أدى إلى فتح تحقيق قانوني يشمل رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني، واثنين من وزرائها وأحد مساعديها في مجلس الوزراء.

في شأن آخر، أعلنت النيابة العامة الليبية أنها أمرت بحبس رئيس لجنة إدارة شركة «الواحة» للنفط، بتهمة إبرام عقد بقيمة 669 مليون دينار لإنشاء حواجز بحرية، رغم أن القيمة الفعلية لا تتجاوز 339 مليون دينار. كما أسند تأهيل حقل الظهرة النفطي لشركة حديثة من دون خبرة، وصرف لها 140 مليون دولار خلال عامين. وقالت إن المتهم أساء استغلال سلطته، بصرف 100 مليون دولار لشركة لم تنجز أعمالها، كما عدَّل بشكل مشبوه عقود إيجار سكني، ما أدى إلى صرف 214 مليون دولار لصالح جهات محلية.

من جهة أخرى، أغلق محتجون الطريق الساحلي بمدينة الزاوية (غرب طرابلس) بالسواتر الترابية، عقب العثور على جثة ملقاة جنوبي الحرشة، بينما أعلن جهاز مكافحة التهديدات الأمنية أن الجثة لشخص من بنغلاديش، نافياً وجود آثار لتعذيب أو إطلاق نار؛ مشيراً إلى بدء التحقيقات للوقوف على ملابسات الحادث.


مقالات ذات صلة

انتشال جثث 16 مهاجراً كانوا على متن قارب انقلب قبالة سواحل ليبيا

شمال افريقيا أرشيفية لمهاجرين تم إنقاذهم بعد غرق قاربهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (ا.ب)

انتشال جثث 16 مهاجراً كانوا على متن قارب انقلب قبالة سواحل ليبيا

أعلنت جهات الإنقاذ البحري الليبية مساء الجمعة العثور على 16 جثة وإنقاذ 10 مهاجرين أحياء عقب غرق قارب هجرة غير نظامية كان يقل 61 شخصا قبالة الساحل الشرقي للبلاد.

«الشرق الأوسط» ( طبرق (ليبيا))
شمال افريقيا المبعوثة الأممية لدى ليبيا خلال تقديم إحاطتها لمجلس الأمن مساء الخميس (البعثة الأممية)

تباينات ليبية بشأن إحاطة تيتيه أمام مجلس الأمن

يعتقد سياسيون ليبيون أن الإحاطة التي قدّمتها هانا تيتيه، المبعوثة الأممية لدى ليبيا، الخميس، «لم تقدم جديداً» لجهة حل الأزمة السياسية، بينما أشاد بها آخرون.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا ليبيون وسط العاصمة يحتجون رفضاً لـ«توطين المهاجرين» في ليبيا (أ.ف.ب)

ليبيا: «خطاب الكراهية» يضع «المهاجرين» في دائرة الاستهداف

يتخوف حقوقيون ليبيون من تصاعد «خطاب الكراهية»، وانعكاسه على فئات من المهاجرين غير النظاميين في البلاد، بالتوازي مع احتجاجات مناهضة ضد «التوطين».

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا حفتر وصالح في احتفالية عقدت في مايو الماضي (المركز الإعلامي لصالح)

صالح والمنفي بوجه حفتر والدبيبة... اصطفافات جديدة تتشكل في ليبيا

انفتحت «الجبهة القديمة» التي كانت تضم المشير خليفة حفتر، القائد العام لـ«الجيش الوطني» الليبي، وعقيلة صالح، رئيس مجلس النواب، على مسارات متعارضة في غرب البلاد.

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا من جلسة مجلس الأمن حول ليبيا (المجلس)

تيتيه تبدي «تفاؤلاً حذراً» بتجدد العملية السياسية في ليبيا

عبّرت رئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا عن «تفاؤل حذر» بأن هذا البلد العربي الأفريقي يمكن أن يعبر بنجاح من مفترق طرق حاسم مع تجدد العملية السياسية

علي بردى (واشنطن)

انتشال جثث 16 مهاجراً كانوا على متن قارب انقلب قبالة سواحل ليبيا

أرشيفية لمهاجرين تم إنقاذهم بعد غرق قاربهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (ا.ب)
أرشيفية لمهاجرين تم إنقاذهم بعد غرق قاربهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (ا.ب)
TT

انتشال جثث 16 مهاجراً كانوا على متن قارب انقلب قبالة سواحل ليبيا

أرشيفية لمهاجرين تم إنقاذهم بعد غرق قاربهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (ا.ب)
أرشيفية لمهاجرين تم إنقاذهم بعد غرق قاربهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (ا.ب)

أعلنت جهات الإنقاذ البحري الليبية مساء الجمعة العثور على 16 جثة وإنقاذ 10 مهاجرين أحياء عقب غرق قارب هجرة غير نظامية كان يقل 61 شخصا قبالة الساحل الشرقي للبلاد، وسط مخاوف من ارتفاع حصيلة الضحايا خلال الساعات المقبلة.

وقال مكتب الإنقاذ البحري بأمن السواحل طبرق ومؤسسة العابرين لمساعدة المهاجرين، بحسب وكالة الأنباء الألمانية (د.ب.أ)، إن عمليات البحث لا تزال مستمرة، محذرين من احتمال وصول المزيد من الجثث إلى المنطقة الساحلية الممتدة من شاطئ العقيلة شرقا إلى عين الغزالة شرق ليبيا نتيجة الحادث.

وفي حادث منفصل غرب البلاد، تمكنت فرق الإنقاذ من إنقاذ 15 مهاجرا بعد انقلاب قاربهم قبالة سواحل مدينة الخمس، في عملية استجابة سريعة شارك فيها صيادون محليون وخفر السواحل الليبي.

وبحسب المصادر، بادر الصيادون المتواجدون بالقرب من موقع الحادث إلى انتشال المهاجرين من المياه وتقديم المساعدة الأولية لهم قبل وصول وحدات خفر السواحل التي استكملت عملية الإنقاذ ونقلت الناجين إلى الشاطئ.

وأوضحت السلطات أن المهاجرين الذين تم إنقاذهم تلقوا الرعاية الطبية اللازمة، فيما يبرز الحادثان مجددا المخاطر الكبيرة التي تواجه المهاجرين غير النظاميين خلال رحلات العبور عبر البحر المتوسط انطلاقا من السواحل الليبية.


الأُبَيِّض مهددة بمصير الفاشر

جانب من الدمار الذي ألحقته مسيَّرات «الدعم السريع» بمدينة الأُبيّض في شمال كردفان (متداولة)
جانب من الدمار الذي ألحقته مسيَّرات «الدعم السريع» بمدينة الأُبيّض في شمال كردفان (متداولة)
TT

الأُبَيِّض مهددة بمصير الفاشر

جانب من الدمار الذي ألحقته مسيَّرات «الدعم السريع» بمدينة الأُبيّض في شمال كردفان (متداولة)
جانب من الدمار الذي ألحقته مسيَّرات «الدعم السريع» بمدينة الأُبيّض في شمال كردفان (متداولة)

لم تمض ساعات على الدعوات التي وجهتها الأمم المتحدة و29 دولة في جنيف يوم الخميس، إلى «قوات الدعم السريع» لوقف هجومها على مدينة الأُبَيِّض، حتى غرقت عاصمة ولاية شمال كردفان في الظلام بعد استهداف محطة الكهرباء الرئيسية بطائرة مسيّرة، في أحدث حلقات الهجمات التي تتعرض لها المدينة منذ أيام، أدت لقتل العشرات.

وتزداد المخاوف من تكرار سيناريو الفاشر التي سقطت في يد «قوات الدعم السريع» العام الماضي بعد أشهر من الحصار.

ودعت الأمم المتحدة، و29 دولة خلال اجتماع للجنة حقوق الإنسان بجنيف الخميس، «قوات الدعم السريع» إلى وقف «هجوم وشيك» تعتزم شنّه على المدينة، محذّرةً من عواقب كارثية على المدنيين. وأعرب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش عن «قلقه» إزاء التقارير عن نشر «قوات الدعم السريع» تعزيزات عسكرية كبيرة حول المدينة، «ما قد يشير إلى هجوم بري وشيك»، وفق ما أفاد المتحدث باسمه ستيفان دوجاريك.


الأُبيِّض تحت ضغط المسيّرات... هل تواجه «عروس الرمال» مصير الفاشر؟

جانب من الدمار الذي ألحقته مسيَّرات «الدعم السريع» بمدينة الأُبيّض في شمال كردفان (متداولة)
جانب من الدمار الذي ألحقته مسيَّرات «الدعم السريع» بمدينة الأُبيّض في شمال كردفان (متداولة)
TT

الأُبيِّض تحت ضغط المسيّرات... هل تواجه «عروس الرمال» مصير الفاشر؟

جانب من الدمار الذي ألحقته مسيَّرات «الدعم السريع» بمدينة الأُبيّض في شمال كردفان (متداولة)
جانب من الدمار الذي ألحقته مسيَّرات «الدعم السريع» بمدينة الأُبيّض في شمال كردفان (متداولة)

لم تمض ساعات على الدعوات التي وجّهتها الأمم المتحدة وعدد من الدول الغربية، لـ«قوات الدعم السريع» لوقف هجومها على مدينة الأبيض، حتى غرقت عاصمة ولاية شمال كردفان في الظلام بعد استهداف محطة الكهرباء الرئيسية بطائرة مسيرة، في أحدث حلقات الهجمات التي تتعرض لها المدينة منذ أيام.

وأفادت مصادر محلية بأن مسيرة استراتيجية تابعة لـ«قوات الدعم السريع»، قصفت المحطة التحويلية للكهرباء في وقت متأخر من ليل الخميس، ما أدى إلى انقطاع التيار الكهربائي بالكامل عن المدينة، قبل أن يتجدد القصف صباح الجمعة على مواقع أخرى داخل الأبيض.

وبالنسبة لسكان المدينة، المعروفة سودانياً باسم «عروس الرمال»، لم يكن انقطاع الكهرباء سوى حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الضغوط التي تعيشها الأبيض منذ أسابيع، فخلال الأيام الماضية تعرضت لهجمات مكثفة بالطائرات المسيرة. أسفرت، بحسب مصادر محلية، عن مقتل أكثر من 40 مدنياً وإصابة العشرات، كما استهدفت محطات الوقود وشاحنات الإمداد ومواقع مدنية وعسكرية، ما أدى إلى حالة متزايدة من القلق والخوف بين السكان.

استهداف منازل في مدينة الأبيض (متداولة على منصات التواصل الاجتماعي)

وبحسب الشهود المحليين، لا تزال الطائرات المسيرة تحلق بصورة مستمرة في سماء المدينة، الأمر الذي جعل الترقب جزءاً من الحياة اليومية. ويقول مواطنون إنهم باتوا يتابعون حركة المسيرات وأصواتها أكثر من متابعتهم للأخبار في التلفزيون وشاشات الجوالات الذكية، فيما فضّل بعض السكان تقليص تحركاتهم أو البقاء داخل المنازل خشية التعرض لهجمات مفاجئة، خاصة بعد تكرار استهداف مواقع مدنية وخدمية خلال الأيام الأخيرة.

مخاوف من سيناريو الفاشر

وتزداد هذه المخاوف بسبب ما حدث في الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، التي سقطت في يد «قوات الدعم السريع» العام الماضي، بعد أشهر من الحصار والاستنزاف العسكري، ومنذ ذلك الوقت، بات اسم الفاشر حاضراً في كل نقاش يتعلق بمصير الأبيض، خاصة مع تصاعد الهجمات واستمرار الضغوط على المدينة.

وتقع الأبيض على بعد نحو 411 كيلومتراً من الخرطوم، وتشكل حلقة الوصل الرئيسية بين إقليم دارفور ووسط السودان، كما تضم مقر الفرقة الخامسة مشاة «الهجانة» (أخذت اسمها من كون الجنود كان يستخدمون الإبل أو الهجن في العمليات العسكرية)، وتعدّ إحدى أهم الوحدات العسكرية التابعة للجيش السوداني. غير أن أهمية الأبيض لا تنبع من موقعها العسكري فحسب، بل من مكانتها الاقتصادية والسياسية واللوجستية أيضاً، فالمدينة تقع في قلب السودان تقريباً، وتشكل نقطة التقاء بين أقاليم دارفور وكردفان ووسط البلاد، ما جعلها عبر عقود مركزاً رئيسياً للتجارة والنقل وحركة البضائع.

وتشتهر الأبيض بأنها تضم أكبر سوق للصمغ العربي في العالم، كما تعد أكبر سوق للحبوب الزيتية في السودان، الأمر الذي منحها ثقلاً اقتصادياً يتجاوز حدود ولاية شمال كردفان.

شابة وطفل أصيبا إثر هجوم بطائرة مسيّرة في مدينة الأُبيّض بشمال كردفان (رويترز)

كما ترتبط المدينة بشبكة طرق وسكة حديدية وخطوط إمداد حيوية تربط غرب البلاد بشرقها، ما يجعلها مركزاً مهماً لحركة التجارة والتموين والنقل. وإلى جانب ذلك، تمثل الأبيض مركزاً إدارياً وسياسياً بارزاً في إقليم كردفان، وتحتفظ برمزية تاريخية جعلتها واحدة من أكثر المدن تأثيراً في غرب السودان. وتفسر هذه الأهمية سبب تحول المدينة إلى هدف رئيسي في المعارك الدائرة بين الجيش و«قوات الدعم السريع». فبالنسبة للجيش، تمثل الأبيض قاعدة رئيسية لأي عمليات عسكرية حالية أو مستقبلية في كردفان ودارفور، كما تشكل خط الدفاع الأهم عن وسط السودان.

الأبيض لن تسقط

وفي هذا السياق، قال رئيس هيئة الأركان السابق للجيش السوداني، الفريق أول هاشم عبد المطلب، لـ«الشرق الأوسط» إن «قوات الدعم السريع» تسعى من خلال هجماتها إلى تعطيل الجيش ومنعه من التقدم نحو إقليم دارفور، لكنه يستبعد أن تنجح المسيرات في تحقيق هذا الهدف، مؤكداً أن «الأبيض لن تسقط».

ويذهب الجيش إلى أبعد من ذلك في نفي وجود خطر مباشر على المدينة، فالعقيد الباشا حكيم، قائد المدرعات بالفرقة الخامسة مشاة «الهجانة»، يقول لـ«الشرق الأوسط» إن «قوات الدعم السريع» بعيدة عن تخوم الأبيض، وإن الحديث عن حصارها مجرد شائعات، ويؤكد أن الخطط العسكرية تسير وفق ما هو مرسوم لها، وأن القوات المهاجمة تكبدت خسائر كبيرة، مضيفاً أن الجيش والقوات المشتركة والقوات المساندة تعمل وفق تنسيق كامل، وأن السكان سيسمعون «أخباراً سارة» قريباً.

لكن هذه التطمينات لا تبدد جميع المخاوف، فالخبير العسكري صالح عبد الله يرى في إفادته «الشرق الأوسط» أن ما يجري في الأبيض يحمل أوجهاً من الشبه مع التكتيكات التي استخدمتها «قوات الدعم السريع» في الفاشر، المتمثلة في الضغط المستمر والاستنزاف وإضعاف الخدمات وفتح ممرات للراغبين في مغادرة المدينة.

ويعزز استهداف البنية التحتية هذه المخاوف، فقد تحولت محطات الوقود إلى أهداف متكررة للهجمات، كما تعرضت شاحنات الوقود على الطرق المؤدية إلى المدينة للاستهداف. الأمر الذي تسبب في أزمة مواصلات حادة خلال الأيام الماضية، وأثّر بصورة مباشرة على حركة المواطنين والخدمات.

صورة متداولة تبين الدمار الذي حل بمبنى التلفزيون في مدينة الأُبيّض بعد استهدافه بمسيرة

ويقول سكان إن الوقود أصبح جزءاً من المعركة الدائرة حول الأبيض، إذ أدّى تكرار استهدافه إلى إرباك حركة النقل وارتفاع تكلفة التنقل داخل المدينة.

ورغم ذلك، فإن الصورة داخل الأبيض ليست قاتمة بالكامل، فالصحافي زهير هاشم، المقيم في المدينة، يقول لـ«الشرق الأوسط» إن الحياة ما زالت تسير بصورة طبيعية في معظم الأحياء، مشيراً إلى أن أزمة المواصلات الأخيرة ارتبطت باستهداف 5 محطات وقود في يوم واحد، ما أدى إلى خروج بعضها عن الخدمة، أكثر من ارتباطها بانهيار شامل للخدمات أو الحياة العامة.

ويعتقد المحلل السياسي عثمان ميرغني، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الموقع العسكري للأبيض يجعل السيطرة عليها أكثر صعوبة مما يتصور كثيرون، ويشير إلى أن وجود الفرقة الخامسة مشاة وما تملكه من عتاد وقوات يمنحان المدينة قدرة دفاعية كبيرة، مستبعداً سقوطها أو اقتراب خطر السقوط منها في الوقت الراهن.

من استهداف سابق لشاحنات إغاثة في شمال كردفان (متداولة)

وبحسب ميرغني، فإن «قوات الدعم السريع» تدرك أهمية الأبيض باعتبارها أقوى خطوط دفاع الجيش غرب أم درمان، ولذلك تلجأ إلى استخدام الطائرات المسيّرة لإحداث ضغط نفسي على السكان، ودفع بعضهم إلى النزوح، أكثر من سعيها إلى حسم المعركة عسكرياً في الوقت الحالي.

ومع ذلك، فإن القلق لم يعد محلياً فقط، فقد دفعت التطورات الأخيرة الأمم المتحدة وعدداً من الدول الغربية إلى التحذير من التصعيد العسكري حول المدينة والدعوة إلى وقف الهجوم عليها، في مؤشر على تنامي المخاوف من تدهور الوضع الإنساني، إذا استمرت العمليات العسكرية بالوتيرة الحالية.

وبين تطمينات الجيش وتحذيرات المجتمع الدولي، ومخاوف السكان الذين يعيشون تحت أصوات المسيرات وانقطاع الخدمات، تبدو الأبيض اليوم واحدة من أكثر مدن السودان حساسية في هذه المرحلة من الحرب.

فإذا كانت الفاشر قد تحولت إلى نموذج يستحضره الجميع عند الحديث عن الحصار والسقوط، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم في عروس الرمال هو ما إذا كانت المدينة قادرة على تفادي ذلك المصير، أم أن الحرب تدفعها تدريجياً إلى السيناريو نفسه، وإن اختلفت الأدوات والظروف.