تزامناً مع تأزم الخلاف ما بين مجلسي النواب و«الأعلى للدولة» والبعثة الأممية للدعم في ليبيا، والذي بات ينبئ بمزيد من تعقيد المشهد السياسي، وقع الانقلاب العسكري بالنيجر ليصبح الجنوب الليبي بذلك محاطاً أكثر بنيران الاضطرابات والصراعات، فضلاً عما يجري في دولة السودان المجاورة.
وأوضح سياسيون وخبراء سألتهم «الشرق الأوسط» عن تأثير الأوضاع الملتهبة في السودان والنيجر على ليبيا، أن «تداعيات تساقط دول الجوار الأفريقي المتاخمة لليبيا في مرمى الصراعات والتقلبات السياسية لن تنحصر فقط في حدوث فراغ أمني على الحدود، بل ستؤثر على المشهد السياسي بالبلاد» برمته.

في هذا السياق، رأى عضو مجلس النواب الليبي، جبريل أوحيدة، أن «هشاشة الحدود الأمنية بالجنوب وتبعات ذلك، من انتهاكها من قِبل عصابات إجرامية ومرتزقة، كان ولا يزال واقعاً تعانيه ليبيا قبل اندلاع الصراعات في دول الجوار الأفريقي».
ولفت أوحيدة إلى ما وصفه «بمؤامرة اختلاق أزمة نزوح من السودان إلى ليبيا»، وقال إنه يعتقد أنه «يتم نقل مواطنين من مناطق لا تشهد أي توتر أمني بالوقت الحاضر إلى أراضينا، رغم طول المسافة ومشقة الرحلة وارتفاع مقابلها المالي، وهي عملية تتم بتوافق مؤسسات تتبع للأمم المتحدة مع أطراف محلية».
في سياق ذلك، يرى مراقبون أن الأوضاع في تشاد أيضاً لم تستقر حتى الآن، على الرغم من مرور قرابة العامين على مقتل الرئيس التشادي إدريس ديبي، إثر اشتباكات مع جماعة متمردة، اتخذت من الجنوب الليبي ملجأً لها لبعض الوقت.
من جهته، يرى الباحث بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، أحمد عليبة، أن التأثير الأخطر لتداعيات الصراع بالدول الثلاث المجاورة لجنوب ليبيا «يكمن في عرقلته وإضعافه المخطط الذي وُضع لتحقيق الاستقرار بالبلاد». وقال عليبة: إن ليبيا «كانت بأشد الحاجة إلى تدخل سريع في إجراء ترتيبات أمنية وسياسية لتحقيق الاستقرار، الذي يكفل لها قدراً من مقاومة أي تحديات، أما في ظل ضعف مناعتها في الوقت الراهن فإنه من الصعوبة بمكان الحديث عن قدرتها، وتفادي المخاطر الناجمة عن تفجر الأزمات بتلك الدول، خاصة منها الأمنية، على مسار الحل السياسي وعلى الوضع بصفة عامة».

أما بخصوص تخوفات البعض من مساهمة تلك الصراعات في زيادة أعداد المرتزقة الأفارقة بالبلاد، فقد أوضح عليبة أنه في مرحلة خفض التصعيد العسكري «تكون عملية الاستقطاب للمرتزقة من قِبل أي قوى مسلحة بمستوى ضعيف، وبالتالي فإن التخوف هو الانتقال لمرحلة تأزم سياسي شديد يؤدي إلى تأزم أمني؛ ما يؤدي بدوره إلى ارتفاع مستوى الاستقطاب، خاصة في ظل توافر عناصره بسهولة».
وعلى الرغم من تثمينه الخطوات التي تُتخذ لفرض النظام بالجنوب، وضبط حدوده، سواء عبر السعي لتشكيل القوة الأمنية المشتركة، أو ما يقوم به «الجيش الوطني»، فقد شدد الباحث المصري على أن تلك الجهود «لن تحقق الآليات الكفيلة بالمعالجة في وقت قصير، وبما يتناسب وضخامة التحديات، وذلك بالنظر لاتساع مساحة ليبيا، وتأخر عملية الاستقرار السياسي بها».
أما وزير الدفاع الليبي السابق، محمد البرغثي، فيعتقد أن «تداعيات لجوء مواطني هذه الدول لليبيا، سواء كانوا من المدنيين الفارين من ويلات الحرب، أو من صفوف المعارضة، فإنها ليست محل اهتمام القيادات الليبية شرقاً وغرباً، على الرغم مما يحمله هذا الوضع من تهديد للأمن القومي».
ورأى البرغثي أن «تلك القيادات اكتفت بالسعي لبناء جسور مع بعض الأطراف والشخصيات في دول الجوار الأفريقي، التي ترى أنها الأنسب للتنسيق معها سياسياً واقتصادياً». وفي هذا السياق، يعتقد البرغثي أن «قضية سحب المرتزقة الأفارقة من ليبيا، والتي تشهد مزيداً من العرقلة مع تزايد الصراعات، لم تحتل حيزاً كبيراً في نقاشات تلك القيادات مع حلفائهم من دول الجوار».
أما المحلل السياسي الليبي، إسلام الحاج، فيرى أن «هناك حرباً بالوكالة مشتعلة للسيطرة على القارة السمراء، ما بين محور الولايات المتحدة وحلفائها من الدول الغربية من جهة، وبين محور روسيا والصين من جهة أخرى».
وعلى الرغم من استبعاده وجود دور رئيسي لعناصر «فاغنر» الروسية المتواجدين في ليبيا في هذا الصراع الدولي بسبب «محدودية أعدادهم وطبيعة عملهم»، فقد حذّر الحاج «من مخاطر أخرى تنعكس على الساحة الليبية جراء صراعات دول الجوار الأفريقي». مبدياً تخوفه من «تحوّل البلاد معبراً لتهريب السلاح، مع تزايد الطلب عليه، سواء تم ذلك بنشاط عصابات التهريب أو عبر قيام الدول الغربية بإرساله لحلفائها بتلك الدول، التي تشهد اضطرابات، فضلاً عن احتمال انتقال عناصر بعض التنظيمات المتطرفة المتمركزة بمنطقة الساحل والصحراء لمناطق قريبة من الحدود الجنوبية».





