رحلة زوجة ممداني إلى سوريا ولبنان تفجر جدلاً في نيويورك

شرطة المدينة ترفض مرافقتها إلى دولتين على قائمة «عدم السفر»

المرشح الديمقراطي لمنصب عمدة مدينة نيويورك زهران ممداني وزوجته راما دواجي يلوحان للحشد بعد فوز ممداني بعمادة مدينة نيويورك (رويترز)
المرشح الديمقراطي لمنصب عمدة مدينة نيويورك زهران ممداني وزوجته راما دواجي يلوحان للحشد بعد فوز ممداني بعمادة مدينة نيويورك (رويترز)
TT

رحلة زوجة ممداني إلى سوريا ولبنان تفجر جدلاً في نيويورك

المرشح الديمقراطي لمنصب عمدة مدينة نيويورك زهران ممداني وزوجته راما دواجي يلوحان للحشد بعد فوز ممداني بعمادة مدينة نيويورك (رويترز)
المرشح الديمقراطي لمنصب عمدة مدينة نيويورك زهران ممداني وزوجته راما دواجي يلوحان للحشد بعد فوز ممداني بعمادة مدينة نيويورك (رويترز)

تحولت رحلة عائلية تعتزم راما دواجي، زوجة عمدة نيويورك زهران ممداني، القيام بها إلى سوريا ولبنان، الشهر المقبل، إلى أزمة سياسية وأمنية داخل أكبر مدينة أميركية، بعد أن دخل مكتب العمدة وشرطة نيويورك في سجال علني حول توفير حماية أمنية لها من شرطة نيويورك من أموال دافعي الضرائب الأميركيين، إضافة إلى تساؤلات عن تكلفة إرسال ضباط أميركيين إلى بلدين تصنفهما وزارة الخارجية ضمن أعلى مستويات التحذير من السفر، وقد رفضت شرطة نيويورك الطلب بعد جدل واسع.

وبحسب صحيفة «نيويورك بوست»، تخطط دواجي، وهي فنانة أميركية من أصول سورية تبلغ من العمر 29 عاماً، للسفر في 20 سبتمبر (أيلول) لزيارة أفراد عائلتها في سوريا ولبنان. ونقلت الصحيفة عن مصدر مطلع، أن الرحلة «ليست مهمة رسمية»، ولا ترتبط بأي أعمال لحكومة مدينة نيويورك.

رئيس بلدية نيويورك زهران ممداني خلال احتفال بتخريج رجال شرطة في ماديسون سكوير الاثنين (أ.ب)

لكن الجدل انفجر عندما أعلنت المتحدثة باسم العمدة، دورا بيكيتش، أن فريق الحماية التابع لشرطة نيويورك سيرافق دواجي بناء على توصية قوية من الشرطة نفسها. ولم يستمر هذا الإعلان طويلاً؛ إذ سارعت شرطة نيويورك إلى نفيه بصورة قاطعة، مؤكدة أنها لا ترسل ضباطاً إلى دول خاضعة لتحذير سفر من المستوى الرابع في رحلات اختيارية لا ترتبط بمهام تحقيقية. وبالتالي لن يسافر أفراد من شرطة نيويورك إليها.

وفي تطور زاد من مستوى الإحراج السياسي، أقر ممداني لاحقاً بوجود «سوء تواصل» بين موظفي مكتبه وشرطة نيويورك، بعدما تبين أن ما أعلنته المتحدثة باسمه لا يتطابق مع موقف الشرطة. ما يعني اعترافاً أن دواجي لن تحصل على مرافقة من عناصر شرطة نيويورك خلال الرحلة، خلافاً للانطباع الذي قدمه مكتب العمدة في البداية.

«لا تسافر»

تكمن حساسية القضية في وجهتي الرحلة، فوزارة الخارجية الأميركية تصنف كلاً من سوريا ولبنان عند المستوى الرابع بتحذير واضح «لا تسافر»، وتحذر الأميركيين من السفر إلى سوريا ولبنان بسبب مخاطر الإرهاب والخطف واحتجاز الرهائن والاضطرابات والنزاع المسلح، كما أن الولايات المتحدة لا تزال تعلق عمليات سفارتها في دمشق منذ عام 2012. وكانت واشنطن قد أمرت في فبراير (شباط) الماضي بمغادرة الموظفين الحكوميين غير الأساسيين وأفراد عائلاتهم.

وقال مفوض شرطة نيويورك السابق بيل براتون، إن إرسال عناصر من شرطة المدينة في مثل هذه المهمة سيكون أمراً «غير حكيم»، محذراً من أنه سيعرض الضباط للخطر، وسيتطلب ترتيبات أمنية معقدة وتعاوناً واسعاً مع الحكومة الفيدرالية، فضلاً عن كلفته المرتفعة.

يضاف إلى ذلك عامل التوقيت؛ إذ تتزامن الرحلة مع اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، وهي واحدة من أكثر فترات السنة ضغطاً على شرطة المدينة؛ بسبب وصول عشرات رؤساء الدول والحكومات والوفود الأجنبية، وما يتطلبه ذلك من انتشار أمني استثنائي.

راما دواجـي خلال موكب الاحتفال بفوز فريق «نيويورك نيكس» بلقب الدوري الأميركي للمحترفين لعام 2026 في 18 يونيو 2026 (غيتي)

وأثار الخلاف سؤالاً أوسع حول وضع زوجة العمدة نفسها. فقد حرص ممداني سابقاً على وصف دواجي بأنها شخصية مستقلة وخاصة، وليست مسؤولة منتخبة أو موظفة في حكومة المدينة. لكن منتقديه يقولون إن طلب توفير حماية ممولة من دافعي الضرائب لرحلة شخصية إلى منطقة عالية الخطورة يجعل الفصل بين المجالين الخاص والعام أكثر تعقيداً.

وتقول صحيفة «نيويورك بوست»، نقلاً عن مصدر مطلع، إن دواجي طلبت الحماية بعد رحلة خارجية سابقة قامت بها الشهر الماضي من دون مرافقة أمنية. غير أن شرطة نيويورك رسمت خطاً واضحاً بين الحماية التي قد تقدم داخل الولايات المتحدة وإرسال ضباط إلى دول تحذر الحكومة الفيدرالية مواطنيها من السفر إليها.

عمدة مدينة نيويورك زهران ممداني خلال مؤتمر صحافي في الرابع من أغسطس (رويترز)

واستغل دوف هيكيند، العضو السابق في جمعية ولاية نيويورك ومؤسس منظمة «أميركيون ضد معاداة السامية» (وهو من أبرز منتقدي ممداني وزوجته بسبب مواقفهما تجاه إسرائيل )، القضية لمهاجمة دواجي، معتبراً أن المخاطر الأكبر ستقع على عناصر الشرطة إذا أُرسلوا إلى المنطقة.

ارتباطات عائلية

لا تمثل الرحلة بالنسبة لدواجي زيارة إلى منطقة غريبة عنها، فهي فنانة سورية - أميركية لها ارتباطات عائلية وثقافية بالمنطقة، وسبق أن أمضت إقامة فنية لمدة شهرين في بيروت مع مؤسسة «Haven for Artists»، وأقامت هناك معرضاً فردياً بعنوان «Face to Face»، بحسب مقابلة منشورة عام 2019 عن عودتها إلى دمشق بعد سنوات الحرب.

لكن هويتها الفنية والسياسية جعلت الرحلة عرضة لتفسيرات تتجاوز بعدها العائلي؛ فأعمال دواجي ومواقفها العلنية تناولت القضية الفلسطينية وانتقدت السياسات الإسرائيلية، كما تعرض نشاطها السابق على وسائل التواصل الاجتماعي لتدقيق واسع منذ وصول زوجها إلى منصب العمدة.

ولهذا، تداخل في الجدل الحالي ملفان مختلفان: سؤال مشروع حول من يتحمل مسؤولية حماية زوجة عمدة نيويورك عندما تسافر بصورة شخصية إلى منطقة عالية الخطورة، وصراع سياسي أوسع حول مواقف ممداني وزوجته من إسرائيل والشرق الأوسط. والأكثر إحراجاً للعمدة ربما ليس سفر زوجته بحد ذاته، بل التناقض العلني بين مكتبه وشرطة المدينة. فالقضية التي بدأت كسؤال عن حجم الحماية الأمنية تحولت سريعاً إلى اختبار للانضباط داخل الإدارة الجديدة وحدود سلطة المدينة على القرارات المهنية للشرطة.


مقالات ذات صلة

محادثات متوقعة بين أميركا والصين حول سلامة الذكاء الاصطناعي في سبتمبر

الاقتصاد مهندس يقوم بتهيئة روبوت خلال فعاليات سيميكون تايوان 2026 في تايبيه 2 سبتمبر 2026 (إ.ب.أ)

محادثات متوقعة بين أميركا والصين حول سلامة الذكاء الاصطناعي في سبتمبر

تستعد أميركا والصين لمناقشة مخاطر سلامة الذكاء الاصطناعي خلال حوار مقرر في منتصف سبتمبر، وذلك في وقت تصل فيه قدرات الذكاء الاصطناعي لنقطة تحول عالمية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق عاد إلى ماء لم يعد كما تركه أسلافه (قسم التعليم في جمعية حماية الحياة البرّية)

اختفى 100 عام... ثعلب الماء يفاجئ نيويورك بعودته

أظهرت صورة التُقطت في أوائل يونيو (حزيران) الحيوان وهو يبحث عن الغذاء في المجرى المائي، في أول ظهور له منذ أوائل القرن العشرين، ممّا يؤشّر إلى تعافيه البيئي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
المشرق العربي الرئيس السوري أحمد الشرع خلال كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة بنيويورك في سبتمبر (أ.ف.ب)

الشرع إلى نيويورك في سبتمبر... ترسيخ الحضور السوري في المنصة الدولية

قالت مصادر دبلوماسية في دمشق إن الرئيس السوري أحمد الشرع سيشارك في الاجتماعات المقبلة للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك سبتمبر (أيلول) المقبل.

منصور حسين
الاقتصاد شاشات تعرض سعر صرف الين الياباني مقابل الدولار في غرفة لتداول العملات الأجنبية في طوكيو (رويترز)

اليابان قد تكشف غداً عن حجم التدخل المشترك مع أميركا لوقف تراجع الين

من المقرر أن تعلن وزيرة المالية اليابانية، يوم الاثنين، أن طوكيو وواشنطن نفذتا تدخلاً مشتركاً في سوق العملات لوقف هبوط الين إلى أدنى مستوياته في 40 عاماً.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الولايات المتحدة​ تشارلز كوشنر يغادر قصر الإليزيه الرئاسي في باريس بعد اجتماع مع الرئيس الفرنسي عام 2025 (أ.ف.ب) p-circle

والد جاريد كوشنر يغادر نيويورك متهماً رئيس البلدية وزوجته بـ«معاداة السامية»

أعلن المستثمر الأميركي في قطاع العقارات تشارلز كوشنر عزمه مغادرة مدينة نيويورك، التي عاش فيها طوال حياته، والانتقال إلى ولاية فلوريدا.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

حالة الاستياء الشديد مستمرة في السويداء السورية غداة الاعتداء على أحد وجهائها

عاطف هنيدي خلال مشاركته في مظاهرة في محافظة السويداء السورية (شبكة السويداء 24)
عاطف هنيدي خلال مشاركته في مظاهرة في محافظة السويداء السورية (شبكة السويداء 24)
TT

حالة الاستياء الشديد مستمرة في السويداء السورية غداة الاعتداء على أحد وجهائها

عاطف هنيدي خلال مشاركته في مظاهرة في محافظة السويداء السورية (شبكة السويداء 24)
عاطف هنيدي خلال مشاركته في مظاهرة في محافظة السويداء السورية (شبكة السويداء 24)

أكدت مصادر درزية في مدينة السويداء السورية، لـ«الشرق الأوسط»، أن حالة كبيرة من الاستياء تعم الأوساط الشعبية بعد مهاجمة «الحرس الوطني» التابع للشيخ حكمت الهجري ليل الخميس - الجمعة، منزل عاطف هنيدي الذي يطلق عليه لقب «الباشا» في المحافظة، ومن ثم اختطافه و«نفيه»، صباح الجمعة، إلى دمشق، بسبب إصداره بياناً انتقد فيه بشدة تصريحات الهجري، التي قال فيها إن الدروز «يشتركون في العقيدة مع دولة إسرائيل»، وإنهم «جزء لا يتجزأ منها».

لكن المصادر، التي فضلت عدم ذكر اسمها بسبب الوضع الأمني القائم، ذكرت لـ«الشرق الأوسط»، أن انتقادات الأوساط الشعبية للحادثة تجري «همساً وفي الغرف المغلقة، ولم تشهد المحافظة تحركات على الأرض»، رفضاً لما حصل، وذلك فيما دعا محافظ السويداء، مصطفى البكور، «الوجهاء والعقلاء في المحافظة» إلى رفع الصوت ورفض ما يحصل.

صورة نشرتها «السويداء 24» لعناصر من «الحرس الوطني» (الهجري)

وأصدر آل هنيدي بياناً نشرته صفحات تعنى بأخبار السويداء، أكدوا فيه أن «الاعتداء على دار العائلة وإطلاق النار والقنابل وترويع النساء والأطفال هو جريمة جنائية موصوفة لن نسامح بها الآن أو مستقبلاً بالوسائل القانونية المتاحة كافة»، مستنكرين «الاعتداء المسلح والتصدي غير الحضاري لأي رأي، بصرف النظر إن كان تأييداً أو رفضاً أو تحفظاً».

وعدَّ البيان «أن القيام بالتهجم وترحيل عاطف هنيدي هو سابقة خطيرة ومستنكرة لا يمكننا القبول بها كعائلة، لا بالنسبة لعاطف ولا لغيره».

وقالت العائلة في البيان: «إننا نضع هذه البنود آنفة الذكر في عهدة أهل القانون ورعاته والمجتمع وأطيافه للوقوف عند مسؤولياتهم في حماية هذا النسيج وسيادة القانون والمؤسسات، وكي لا تتكرر مثل هذه التصرفات»، مؤكدة «أن المحاسبة حق وواجب، ويجب أن تطال كل الجرائم التي حصلت ضد الأهالي والوطن في يوليو (تموز) 2025 وما قبله وما بعده».

في المقابل، انتشر بيان باسم «أهالي بلدة المجدل» التي يتحدر منها هنيدي، على وسائل التواصل الاجتماعي، وذكر أنه «وبعد التشاور بين أبناء البلدة وأصحاب الشأن، تقرر إبعاده (عاطف هنيدي) عن المجدل، بما يحفظ أمن البلدة واستقرارها وكرامة أهلها».

رفع صورة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مع صورة الشيخ حكمت الهجري من قِبل الموالين للأخير بالسويداء (أرشيفية - متداولة)

لكن مصادر درزية في السويداء قالت لـ«الشرق الأوسط»، إن البيان أصدرته مجموعات «الحرس الوطني» المسيطرة على بلدة المجدل.

وبخلاف الصمت الذي يسيطر على الشارع في السويداء، وجد نشطاء في مواقع التواصل الاجتماعي متنفساً للتعبير عن مواقفهم مما جرى.

واعتبر الدكتور فايز قنطار، في منشور في صفحته على «فيسبوك»، السبت، «أن اختطاف عاطف هنيدي ودفعه خارج بيته وبيت أجداده يضع السويداء في دائرة خطر الانقسام، ولن يرضى أهل الجبل بقمع الحريات وتكميم الأفواه وبكل هذا التعسف... لقد طفح الكيل»، مشيراً إلى أن «هذه هي ملامح دولة باشان الموعودة من قمع واختطاف ومصادرة الحريات والاستفراد بقرار السويداء ومستقبل أبنائها».

بدوره، أكد الناشط أسامة الحلبي في منشور له، «أن الأصوات الوطنية الأصيلة في الجبل لن تتوقف، بل ستتعالى أكثر فأكثر... لأن الأصل لا ينهزم أمام التطبع المؤقت والمصالح الآنية والأوهام».

ليست عابرة

كان محافظ السويداء مصطفى البكور أصدر ليل الجمعة - السبت، بياناً نشره في حسابه على «تلغرام»، اعتبر فيه «أن ما جرى من اقتحام بيت ومضافة هنيدي، وما تبعه من اعتقاله وإبعاده عن السويداء على يد مجموعات خارجة عن القانون، لا يمكن التعامل معه بوصفه حادثة عابرة يمكن السكوت عنها، أو التعامل معها وكأنها أمر طبيعي».

محافظ السويداء مصطفى البكور (محافظة السويداء)

وحذر البكور من «خطورة أن تتكرر هذه الأفعال حتى يعتادها الناس، فالسكوت عن التجاوز اليوم قد يجعله عرفاً غداً، ومن يعتقد أن القضية لا تعنيه لأنها وقعت على غيره، فعليه أن يسأل نفسه: من يضمن ألا يأتي الدور غداً على بيته أو مضافته أو أحد أبنائه؟».

وأضاف: «نحن لا ندعو إلى اقتتال، ولا إلى ثأر، ولا إلى مواجهة السلاح بالسلاح، لكن عدم الدعوة إلى العنف لا يعني القبول بالذل أو السكوت عن التجاوز، وهناك فرق كبير بين الحكمة والخضوع، وبين الحرص على السلم الأهلي وبين أن يصبح الخوف مبرراً للصمت».

وأوضح البكور، مخاطباً أهل السويداء: «إن هيبة المجتمع لا يصنعها السلاح المنفلت، وإنما يصنعها موقف الناس عندما يقولون بصوت واحد: لا أحد فوق المجتمع، ولا أحد فوق القانون، ولا يحق لأي مجموعة أن تنصّب نفسها قاضياً وسجّاناً وصاحبة قرار بمصير الناس». ولذلك، فإن المطلوب، وفق البكور، «موقف اجتماعي وأهلي واضح، من العقلاء والوجهاء وأصحاب الكلمة وكل من يخاف على مستقبل السويداء، يرفض اقتحام البيوت والمضافات والاعتقال والإبعاد وفرض الرأي بقوة السلاح، مهما كان اسم الفاعل ومهما كان اسم المستهدف».

وذكر مصدر في مدينة السويداء أن بيان البكور كان له «أثر جيد، لكن القرار (لحل أزمة السويداء) بيد الدول الإقليمية وخاضع إلى تفاهمات وليس للأهالي تأثير في هذا الملف والقرار».


«حزب الله» يحمّل الدولة اللبنانية مسؤولية التصعيد الإسرائيلي

جانب من الدمار الذي أصاب بلدة ميفدون في جنوب لبنان إثر القصف الذي استهدفها مساء الجمعة (أ.ف.ب)
جانب من الدمار الذي أصاب بلدة ميفدون في جنوب لبنان إثر القصف الذي استهدفها مساء الجمعة (أ.ف.ب)
TT

«حزب الله» يحمّل الدولة اللبنانية مسؤولية التصعيد الإسرائيلي

جانب من الدمار الذي أصاب بلدة ميفدون في جنوب لبنان إثر القصف الذي استهدفها مساء الجمعة (أ.ف.ب)
جانب من الدمار الذي أصاب بلدة ميفدون في جنوب لبنان إثر القصف الذي استهدفها مساء الجمعة (أ.ف.ب)

مع مواصلة «حزب الله» حملته على السلطة اللبنانية، عدَّ مصدر وزاري «أن هذا الأمر ليس جديداً» متسائلاً عن صمت الحزب المطبق حيال سقوط «علي الطاهر»، بعد ترجيح صفقة إيرانية - أميركية.

وقال المصدر لـ«الشرق الأوسط»: «من المؤسف أن يستمر هذا الخطاب في تحميل السلطة المسؤولية، بينما الجميع يعرف مَن جرَّ البلد إلى هذه الحرب، ولخدمة مَن فعل ذلك».

وفي حين لم يصدر عن الحزب أي موقف واضح من سقوط «علي الطاهر»، سأل المصدر: «لماذا لم يدافعوا عن علي الطاهر؟ ولماذا لا يقولون الحقيقة لبيئتهم عمّا حصل فعلياً هناك، بدلاً من هذا الصمت المطبق؟». وأضاف: «كيف انتقل الخطاب من التأكيد على أهمية علي الطاهر، وما رافق ذلك من تهديد ووعيد، إلى الحديث عنها بعد سقوطها وكأنها غير مهمة؟».

آثار الدمار صباح السبت إثر الغارات التي شنها الجيش الإسرائيلي ليلاً واستهدفت قرية ميفدون في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

تصعيد إسرائيلي في الجنوب والبقاع

ارتفعت حصيلة التصعيد الإسرائيلي، الذي سُجِّل مساء الجمعة، إلى 4 أشخاص وإصابة 32 آخرين في غارات إسرائيلية استهدفت مناطق في جنوب لبنان، وفق ما أعلنت وزارة الصحة اللبنانية اليوم، بعدما كانت الحصيلة الأولية تحدثت عن 3 قتلى و23 جريحاً.

وشنّت إسرائيل غارات على 7 قرى في جنوب وشرق لبنان، خصوصاً في منطقة النبطية، وأسفرت الغارات في بلدة ميفدون عن مقتل شابة تبلغ 18 عاماً.

في المقابل، أعلن الجيش الإسرائيلي أنه شنَّ غارات، ليل الجمعة، على عناصر وبنى تحتية تابعة لـ«حزب الله»، رداً على إطلاق مسيّرة باتجاه قواته في جنوب لبنان. وقال إن الغارات استهدفت «مستودعات وسائل قتالية» كان من المقرر استخدامها ضد قواته ومواطني إسرائيل، عادّاً أن الضربات هدفت إلى إزالة «تهديد فوري».

الدخان يتصاعد من بلدة المنصوري إثر استهدافها بقصف إسرائيلي ليل السبت (د.ب.أ)

وسُجِّل السبت تحليق طيران مسيّر إسرائيلي فوق بيروت والضاحية الجنوبية على علو منخفض، بينما شنَّت الطائرات الإسرائيلية غارتين متتاليتين على بلدة المنصوري جنوب صور، استهدفتا عدداً من المنازل. كذلك نفَّذت القوات الإسرائيلية تفجيرات عدة في أطراف البلدة، بينها تفجير برميل يحتوي على متفجرات قوية سُمع صداه في القرى المحيطة، كما عملت مسيّرة على نقل مواد متفجرة وإلقائها على منازل البلد، وفق «الوكالة الوطنية للإعلام».

وبعد الظهر، أفادت «الوطنية» بتنفيذ الجيش الإسرائيلي تفجيرات ضخمة في بلدة بني حيان في قضاء مرجعيون، وانتشرت مقاطع فيديو تظهر لحظة التفجيرات مع تصاعد الدخان من مساحات شاسعة في المنطقة.

التفجيرات الضخمة التي نفَّذها الجيش الإسرائيلي بعد ظهر السبت في بني حيان (الوكالة الوطنية للإعلام)

«حزب الله» يصعّد ضد الحكومة

إلى ذلك، صعَّد «حزب الله» لهجته تجاه السلطة اللبنانية، عادّاً أن استمرار العدوان الإسرائيلي يثبت فشل الخيارات التي اعتمدتها الدولة في التعامل مع إسرائيل.

وقال الحزب، في بيان له السبت، «إن العدو الإسرائيلي يواصل تصعيد عدوانه وإجرامه بحق لبنان، قتلاً وقصفاً وتدميراً وتفجيراً ممنهجاً للمنازل والقرى في ظلِّ صمت دولي مطبق، وتواطؤ أميركي فاضح، ووسط غياب تام للسلطة اللبنانية عن تحمل مسؤولياتها».

ورأى أن استمرار السلطة في «خياراتها الخاطئة ونهجها التنازلي والاستسلامي» لم يؤدِّ إلا إلى «تكريس الاحتلال واستمرار العدو في عدوانه وإجرامه بحق اللبنانيين».

الدمار يغطي المكان في بلدة ميفدون التي تعرَّضت لقصف عنيف مساء الجمعة (أ.ف.ب)

وعدَّ الحزب أن العدوان الإسرائيلي يُشكِّل ضغطاً على السلطة اللبنانية لدفعها إلى تنفيذ ما وصفها بـ«أجندات» معروفة الأهداف، محذراً من أن استمرارها في المسار التفاوضي «يعطي العدو غطاءً لاستمرار عدوانه، ويمنحه مزيداً من الوقت لتحقيق أهدافه وفرض شروطه وإملاءاته على لبنان».

كما هاجم الحزب المفاوضات المباشرة و«اتفاق الإطار»، عادّاً أن استمرار الاحتلال والعدوان «يسقط» أي حديث عن إنجازات تحققت عبر هذا المسار. وقال إن الإفراج عن بعض الأسرى اللبنانيين، «على أهميته»، لا يمكن أن يكون مبرِّراً للتغاضي عن استمرار العدوان والاحتلال والقتل.

بدوره، رأى عضو كتلة «حزب الله»، النائب حسن عز الدين، أن «السلطة السياسية في لبنان أوصلت البلاد، بخياراتها الخاطئة، إلى واقع مأزوم»، عادّاً أن رهانها على الولايات المتحدة لدعمها سياسياً في مواجهة إسرائيل «لم يكن سوى وهم».


إسرائيل تواصل توغلاتها واعتداءاتها داخل الأراضي السورية رغم المفاوضات والضغوط الأميركية

قوة عسكرية إسرائيلية في قرية أوفانيا (صفحة القنيطرة الآن)
قوة عسكرية إسرائيلية في قرية أوفانيا (صفحة القنيطرة الآن)
TT

إسرائيل تواصل توغلاتها واعتداءاتها داخل الأراضي السورية رغم المفاوضات والضغوط الأميركية

قوة عسكرية إسرائيلية في قرية أوفانيا (صفحة القنيطرة الآن)
قوة عسكرية إسرائيلية في قرية أوفانيا (صفحة القنيطرة الآن)

تواصل إسرائيل اعتداءاتها داخل الأراضي السورية، رغم وجود مفاوضات سورية - إسرائيلية. وسُجل، السبت، توغل جديد في قريتي الأصبح والرزانية بريف القنيطرة جنوب غربي سوريا، تَرافق مع مداهمة منازل وتنفيذ عمليات تفتيش، وفق قناة «الإخبارية» السورية الرسمية.

وقالت مصادر في دمشق، إن إسرائيل «تمضي في اعتداءاتها وتوغلاتها انطلاقاً من عقيدتها الأمنية بإقامة أحزمة أمنية داخل الدول التي لا تربطها معها اتفاقيات سلام (سوريا ولبنان) وأيضاً لحسابات انتخابية داخلية».

قوة إسرائيلية تتوغل في قرية اوفانيا وبلدة خان أرنبة قبل يومين (صفحة القنيطرة الآن)

وقال الباحث السياسي عباس شريفة لـ«الشرق الأوسط»، إنه «لا يمكن الحديث عن وقف التصعيد مع استمرار التدخل الإسرائيلي العسكري في سوريا»، كما «لا يمكن الحديث عن اتفاق أمني من دون الانسحاب من كل النقاط التي تَقدَّم إليها الجيش الإسرائيلي بعد سقوط نظام الأسد». لافتاً إلى «أن الضغط الأميركي على إسرائيل للتوقف عن زعزعة الاستقرار في سوريا، كان حاضراً منذ سقوط نظام الاسد، ولعب دوراً مهماً في رسم حدود التدخلات الإسرائيلية».

وتؤدي الولايات المتحدة دور وسيط رئيسي ومباشر في مفاوضات أمنية وسياسية بين سوريا وإسرائيل. ورغم التعثر، يبذل المبعوث الخاص إلى سوريا توم برَّاك، جهوداً للحفاظ على قنوات الاتصال مفتوحة، ضمن آلية تنسيق أمني مشترك يهدف إلى خفض التصعيد.

إلا أن ثمة «تبايناً واضحاً بين المصالح الأميركية التي تقوم على أساس وحدة الأراضي السورية والحفاظ على استقرارها، وبين مصالح حكومة بنيامين نتنياهو التي عملت منذ البداية على التفتيت من خلال تغذية النزاعات الطائفية و إضعاف الدولة السورية بإبقائها تحت العقوبات، واشتراط تقديم تنازلات أمنية وسيادية لإسرائيل»، حسب الباحث شريفة، الذي أشار إلى أنه «في المقابل ورغم ذلك، أعلنت سوريا منذ بداية التحرير، أنها لن تشكل خطراً على جيرانها بما فيهم إسرائيل، لكن وكما يبدو، فإن إسرائيل، في اعتداءاتها وتوغلاتها المتكررة تنطلق من حسابات انتخابية داخلية، ومن هيمنة عقدة عملية 7 أكتوبر (تشرين الأول) التي أثَّرت في عقيدتها الأمنية».

مدينة القنيطرة (المركز الإعلامي لمحافظة القنيطرة)

ويقول شريفة إنه «ورغم الغطرسة الإسرائيلية، مضت الولايات المتحدة وضمن رؤية استراتيجية لترتيب منطقة الشرق الأوسط ما بعد اندحار النفوذ الإيراني -الذي كانت سوريا فيه أحد أهم أركانه- في رفع العقوبات عن سوريا بشكل كامل دون الأخذ في الاعتبار المطالب الإسرائيلية التي تراها واشنطن غير منطقية ومبالغاً فيها وتنطلق من حسابات خاصة بحكومة نتنياهو».

قواعد ثابتة

وتجاوزت إسرائيل في توغلاتها جنوب سوريا المنطقة العازلة، وأقامت تسع قواعد عسكرية ثابتة، بالتوازي مع توغلات يومية وحملات دهم وتفتيش في أرياف القنيطرة ودرعا ودمشق، عدا عن ممارسات عدائية تهدف إلى إبعاد الأهالي عن أراضيهم وتفريغ المناطق الحدودية.

وشهد شهر يوليو (تموز) الماضي وحده، 65 توغلاً، و52 توغلاً في الأيام الـ18 الأولى من أغسطس (آب) الفائت. بالإضافة إلى 147 حالة اعتقال ‌‌‏منذ مطلع العام الجاري، لا يزال 49 منها قيد الاحتجاز، حسب تصريح وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني مطلع الشهر الجاري.

وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني (صفحة وزارة الخارجية)

ورأى الشيباني أن تصريحات وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، بأن دولته «لن تتخلى عن جبل الشيخ، ولا عن المناطق التي توغلت إليها»، تمثل «إعلاناً صريحاً لتكريس الاحتلال»، وأكد في المقابل «تمسك سوريا بخيار الحل ‏الدبلوماسي، والانخراط في مفاوضات بوساطة الولايات المتحدة لوقف ‏الاعتداءات والاعتقالات، والانسحاب إلى خطوط ما قبل الثامن من ديسمبر (كانون الأول) 2024، والعودة الكاملة إلى اتفاق فض الاشتباك ‌‏لعام 1974... كما تمسكها بسيادتها على الجولان‏ المحتل، وحقها في بناء جيش ‌‏وطني».

بديل «هرمز»...

وعلى خلفية التصعيد في المنطقة، يبرز تلاقي المصالح المشتركة بين دمشق وواشنطن في البحث عن «بديل استراتيجي وآمن وفاعل» لمضيق هرمز في إمكانية أن «يشكل الورقة الأقوى في كبح جماح العربدة الإسرائيلية التي ستواجه مصالح الولايات المتحدة وأوروبا التي تحتاج إلى سوريا قوية ومستقرة قادرة على مواجهة أخطار الإرهاب والمخدرات والهجرة غير الشرعية والجريمة المنظمة، وقادرة على حماية خطوط الطاقة والترانزيت الدولي»، حسب الباحث شريفة، الذي أشار إلى وجود «مصلحة استراتيجية أميركية لا تقبل العبث بأمن سوريا»، مرجحاً ممارسة واشنطن مزيداً من الضغط على تل أبيب، لتوقيع «اتفاق أمني مع سوريا»، مع أن ذلك يرتبط بقدرة الولايات المتحدة على ضبط إيقاع التوتر بين أنقرة وتل أبيب.