بغداد تصارع لتأمين الرواتب وخبراء يحذرون من أشهر صعبة مقبلة

إذا استمرت المواجهة الأميركية-الإيرانية... وغلق «مضيق هرمز»

عملات عراقية من فئتي الـ25 و5 آلاف (وكالة الأنباء العراقية)
عملات عراقية من فئتي الـ25 و5 آلاف (وكالة الأنباء العراقية)
TT

بغداد تصارع لتأمين الرواتب وخبراء يحذرون من أشهر صعبة مقبلة

عملات عراقية من فئتي الـ25 و5 آلاف (وكالة الأنباء العراقية)
عملات عراقية من فئتي الـ25 و5 آلاف (وكالة الأنباء العراقية)

ما زال الكثير من الموظفين في القطاع العام من دون مرتبات شهر يوليو (تموز) الماضي، نتيجة حالة «العسرة الاقتصادية» التي تمر بها الدولة العراقية بعد أن وجدت نفسها من دون مداخيل مالية تغطي حاجتها للإنفاق، نتيجة الحرب الأميركية-الإيرانية، وما نجم عنها من إغلاق «مضيق هرمز» الذي تمر من خلاله معظم صادرات البلاد النفطية.

ومع إمكانية تفجر الأوضاع الأمنية في المنطقة عموماً، وبقاء المضيق الحيوي مغلقاً، فإن مشاعر إحباط آخذة في التنامي لدى العراقيين، خصوصاً المشتغلين في القطاع العام، والمتقاعدين، والمستفيدين من برامج الحماية الاجتماعية الذين تقدر نسبتهم بنحو 23 في المائة من إجمالي سكان العراق.

من وسط بغداد (رويترز)

ولا تبدو الأزمة المالية الحالية ناجمة عن غلق «مضيق هرمز» فقط وإيقاف صادرات النفط، حسب كثير من الخبراء والاقتصاديين، بل إنها ترتبط ببنية النظام الاقتصادي، وسوء إدارة الموارد والفساد المستشري.

وقد استشرف السياسي الراحل أحمد الجلبي عام 2008، ما يجري حالياً، حين توقع عدم قدرة الحكومة على سداد رواتب الموظفين والمتقاعدين في غضون 10 سنوات من ذلك التاريخ، نتيجة «سوء الإدارة المالية، وتضخم التوظيف الحكومي، وإهمال القطاع الخاص».

وحتى مع إمكانية نجاح الحكومة في توفير رواتب الشهرين المقبلين، فإن توقعات اقتصادية متشائمة لا تستبعد عجزها عن ذلك، خلال الأشهر اللاحقة، في حال استمرار حالة الحرب واللاحرب بين الولايات المتحدة وإيران.

وتعاني الحكومة العراقية من فجوة كبيرة بين الأموال المتاحة والنفقات المطلوبة، وفي وقت سابق، اعترف وزير المالية فالح الساري، بوجود عجز مالي حقيقي يعرقل استكمال صرف رواتب الموظفين والمتقاعدين ومستفيدي الرعاية الاجتماعية، وتحدث عن أن إجمالي الالتزامات الشهرية للرواتب يبلغ نحو 7.8 تريليون دينار (نحو 6 مليارات دولار).

المصرف المركزي العراقي (وكالة الأنباء العراقية)

ورغم اعتراف الحكومة بالأزمة المالية الخانقة التي تواجهها، ما زال التباين واضحاً بين تصريحات الشخصيات الحكومية والقريبة منها وخبراء المال والاقتصاد بشأن حدود الأزمة ونتائجها وطرق معالجتها.

فقد كشف مظهر محمد صالح، المستشار المالي والاقتصادي لرئيس الوزراء علي الزيدي، عن آليات مواجهة الأزمة المالية وتأمين صرف رواتب الموظفين خلال الفترة المقبلة.

وقال صالح في تصريحات صحافية إن «استمرار الحرب حتى مطلع العام المقبل، وما سيرافقها من تأثير محتمل في صادرات النفط، قد يدفع الحكومة إلى مواصلة اعتماد مزيج من أدوات التمويل، من بينها الاقتراض الداخلي والخارجي، ولا سيما في حال إقرار قانون الاقتراض المعروض حالياً على مجلس النواب».

وأضاف أن «المرحلة الحالية تتطلب أيضاً إعادة ترتيب أولويات الإنفاق العام، والاستفادة من الاحتياطيات الأجنبية بوصفها أداة ضمان للحفاظ على استقرار التدفقات المالية، واستمرار صرف الرواتب والوفاء بالالتزامات الأساسية للدولة».

عاملون يسيرون بين خطوط الأنابيب في حقل الرميلة النفطي بالبصرة العراقية (رويترز)

ورأى صالح أن «طبيعة الأزمة الحالية لا تتمثل في غياب الموارد أو خطر الإفلاس، بل هي، في الأساس، أزمة إدارة تدفقات نقدية في ظرف استثنائي يتسم بارتفاع مستوى عدم اليقين، ما يعني أن الدولة ما زالت تمتلك القدرة على احتواء الضغوط، شريطة إدارة أدواتها المالية والنقدية بكفاءة ودقة».

على الجانب الآخر، يرى أستاذ الاقتصاد عماد عبد اللطيف سالم أن من «الصعب جداً تمويل رواتب الموظفين والمتقاعدين والحماية الاجتماعية، وهذه الصعوبة سوف تتفاقم بشدة شهراً بعد آخر، وصولاً إلى حد العجز عن الدفع، إذا استمر الوضع على ما هو عليه الآن».

وذكر سالم في سلسلة تدوينات لا تخلو من الغضب عبر منصة «إكس» أن «عدد الموظفين في القطاع العام هو 7.350 مليون، مع مليونين ومائة ألف مستفيد من شبكة الحماية الاجتماعية، ليصبح العدد الإجمالي 9.5 مليون».

وأضاف أنه «يجب القيام بإعادة ضبط صارمة للإنفاق العام. هناك الكثير من التبديد والبَطر والترف والترهل في الموازنة التشغيلية. هناك مئات الآلاف من الموظفين والمتقاعدين (الفضائيين)، وهناك أرتال من الحمايات الخاصة التي لا ضرورة لها سوى تضخيم الإنفاق على متطلبات الوجاهة الزائفة».

وتابع: «تصوروا حجم الفشل وانعدام الكفاءة وانحطاط الإدارة في دولة تعرف أن ليس لديها سوى النفط الخام، وتحصل من تصديره على 150 مليار دولار سنوياً (كمعدل) طيلة 23 عاماً، ومع ذلك لا تتحسب للمتغيرات، ولا تستثمر ولا تدّخر، وليس لديها صندوق سيادي. ليصل بها الحال الآن إلى العجز عن دفع رواتب موظفيها».

شاحنات نفط عراقية في طريقها إلى ميناء بانياس في سوريا بعد غلق «مضيق هرمز» (رويترز)

أما الباحث الاقتصادي زياد الهاشمي فيرى أن «العراق يدخل رسمياً حالة (العسرة المالية)، والحكومة تمر بأسوأ حالاتها، والشعب ينتظر استلام استحقاقاته المالية».

وقال عبر تدوينة في «إكس»، إنه «ليس مفاجئاً أن تعترف الحكومة العراقية أخيراً بشح السيولة في خزانتها، بعد أشهر طويلة من المكابرة والإنكار والعناد، وبعد أن أجبرها التدهور المستمر في الإيرادات على الاعتراف بالحقيقة المُرّة أمام الشعب، إنما المفاجئ حقاً أن هناك من كان مطمئناً إلى أن كل شيء يسير على ما يرام، وأنه لا يوجد ما يدعو إلى القلق».

وأضاف أن «من سوء حظ العراق أن إيراداته النفطية تعتبر (إيرادات مستنزفة) حتى قبل أن تصل إلى خزينة الحكومة، فالفاسدون ينتظرون حصتهم، والمكاتب الاقتصادية الحزبية تنتظر حصتها، وجماعات السلاح تنتظر حصتها، والدائنون ينتظرون حصتهم، والموظفون الوهميون ينتظرون حصتهم، ليأتي الموظف العراقي الحقيقي في آخر القائمة».


مقالات ذات صلة

سماء العراق مفتوحة للطيران المدني بعد سنوات من الحظر العسكري

المشرق العربي واجهة مطار بغداد الدولي (رويترز)

سماء العراق مفتوحة للطيران المدني بعد سنوات من الحظر العسكري

​بعد 10 سنوات على حظرها، أعلن العراق، الجمعة، فتح مناطق، كانت مخصصة للعمليات العسكرية ضد تنظيم «داعش»، أمام المجال الجوي المدني في البلاد.

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي الزيدي يواجه اختبارات مركبة قبيل الانسحاب الأميركي من العراق

الزيدي يواجه اختبارات مركبة قبيل الانسحاب الأميركي من العراق

عاد رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى بغداد، الأربعاء، بعد جولة أوروبية شملت فرنسا وألمانيا، في وقت يسعى فيه إلى توسيع الشراكات مع الغرب.

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي طلاب عراقيون ينشدون النشيد الوطني بمدرسة غرب بغداد في أكتوبر 2023 (أ.ف.ب)

تأجيل الموسم الدراسي يثير جدلاً واسعاً في العراق

أثار قرار «التربية» العراقية تأجيل الموسم الدراسي جدلاً واسعاً بشأن الأسباب الحقيقية التي دعت الوزارة إلى هذا الإجراء بالتزامن مع انسحاب القوات الأميركية...

فاضل النشمي (بغداد)
خاص خريجون من كلية الشرطة يستعرضون أمام رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي خلال حفل ببغداد يوم 13 سبتمبر 2026 (إعلام حكومي)

خاص خفايا تقويض «حصر السلاح» في بغداد... ترسانة الفصائل باقية حتى 2028

نجحت فصائل عراقية بمساعدة إيرانية في إفراغ خطة حصر السلاح بعدما حاصرت رئيس الحكومة علي الزيدي سياسياً وانتزعت منه أدوات الضغط والتنفيذ، وفق مصادر موثوقة.

علي السراي (الرياض)
المشرق العربي ضباط من الشرطة في الأنبار العراقية يعاينون مقذوفات ومسيرات تم ضبطها في المحافظة (إعلام أمني)

العراق يضبط مسيرات وصواريخ في الصحراء الغربية

أعلنت وزارة الداخلية العراقية، السبت، عن ضبط 47 طائرة مسيّرة و46 مقذوفاً في موقع مهجور غرب المحافظة، يرجح أنه تابع لأحد الفصائل المسلحة.

فاضل النشمي (بغداد)

الحكومة العراقية تستعدّ لـ«تجريد السلاح غير الرسمي»

سوق الشورجة للبيع بالجملة في وسط بغداد بالعراق (رويترز)
سوق الشورجة للبيع بالجملة في وسط بغداد بالعراق (رويترز)
TT

الحكومة العراقية تستعدّ لـ«تجريد السلاح غير الرسمي»

سوق الشورجة للبيع بالجملة في وسط بغداد بالعراق (رويترز)
سوق الشورجة للبيع بالجملة في وسط بغداد بالعراق (رويترز)

قال مسؤول عراقي بارز، أمس (السبت)، إن الانسحاب الأميركي من البلاد «يمنح المؤسسات المشروعية لتجريد السلاح غير الرسمي».

ورأى صباح النعمان، الناطق باسم القائد العام للقوات المسلحة، في تصريحات نقلتها الوكالة الرسمية أن 30 سبتمبر (أيلول) الجاري «نقطة تحول نحو إدارة الأمن بأيدٍ وطنية دون الحاجة إلى مظلات أجنبية». وشدد النعمان على أن «أي مبرر لتحرك السلاح خارج أطر الدولة سيسقط بعد 30 سبتمبر».

من جهته، شدد قاسم الأعرجي، مستشار رئيس الوزراء، في تصريح متلفز، على أن «الحكومة ستعامل كل من يستمر في حمل السلاح بصورة غير شرعية بعد اكتمال عملية حصر السلاح بوصفه خارجاً عن القانون».

وأكد حيدر العبودي، المتحدث باسم الحكومة، أن «العراق يمتلك أدوات دستورية وسياسية تُمكِّنه من إدارة أمنه الوطني من خلال قواته المسلحة». كما عدّ موعد 30 سبتمبر «استحقاقاً سيادياً يؤسس لانتقال علاقة العراق مع دول التحالف الدولي إلى علاقات ثنائية قائمة على احترام السيادة والمصالح المتبادلة».


إسرائيل ترهن الانسحاب بـ«تقوية الجيش اللبناني»

آليات إسرائيلية تقوم بجرف منازل في بلدة المنصوري (رويترز)
آليات إسرائيلية تقوم بجرف منازل في بلدة المنصوري (رويترز)
TT

إسرائيل ترهن الانسحاب بـ«تقوية الجيش اللبناني»

آليات إسرائيلية تقوم بجرف منازل في بلدة المنصوري (رويترز)
آليات إسرائيلية تقوم بجرف منازل في بلدة المنصوري (رويترز)

تواصل إسرائيل ربط انسحابها من جنوب لبنان بتحقق شروط أمنية متعاقبة، كان آخرها التأكيد على ضرورة امتلاك الجيش اللبناني القدرة على تولّي الأمن. وقال السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي، أمس، إن الجيش الإسرائيلي سيبقى في جنوب لبنان «حتى يصبح الجيش اللبناني قوياً». ويرى اللواء الركن المتقاعد عبد الرحمن شحيتلي، أن ذلك يأتي في سياق الضغوط الإسرائيلية على الدولة اللبنانية، التي تهدف لفرض ترتيبات أمنية وسياسية تمهّد لعلاقة مباشرة مع إسرائيل.

وفي العرقوب، تتخذ التحركات الإسرائيلية طابعاً مختلفاً، إذ تعتمد القوات الإسرائيلية على التوغّل وتنفيذ عمليات ثم الانسحاب، من دون احتلال مباشر للقرى. ويصف العميد الركن المتقاعد حسن جوني هذا الأسلوب بأنه «حرية عمل من دون احتلال مباشر»، مشيراً إلى خصوصية التعامل الأمني الإسرائيلي مع المنطقة.

وفي السياق نفسه، أكّد قائد «يونيفيل» الميجر جنرال ديوداتو أبانيارا، ضرورة ضمان قدرة الجيش اللبناني ووكالات الأمم المتحدة على تولّي المهام التي تنفذها «يونيفيل» قبل بدء انسحابها المقرر نهاية العام.


سوريا: توقيف ضابط سابق برتبة لواء اتهم بقيادة هجمات ضد «المعارضة»

 اللواء أحمد محمد إسماعيل أحد قيادات الصف الأول في الحرس الجمهوري إبان حكم نظام الأسد (قوى الأمن الداخلي السوري)
اللواء أحمد محمد إسماعيل أحد قيادات الصف الأول في الحرس الجمهوري إبان حكم نظام الأسد (قوى الأمن الداخلي السوري)
TT

سوريا: توقيف ضابط سابق برتبة لواء اتهم بقيادة هجمات ضد «المعارضة»

 اللواء أحمد محمد إسماعيل أحد قيادات الصف الأول في الحرس الجمهوري إبان حكم نظام الأسد (قوى الأمن الداخلي السوري)
اللواء أحمد محمد إسماعيل أحد قيادات الصف الأول في الحرس الجمهوري إبان حكم نظام الأسد (قوى الأمن الداخلي السوري)

أعلنت السلطات السورية، السبت، توقيف ضابط كبير سابق في جيش خلال حكم الرئيس المخلوع بشار الأسد، مشيرة إلى أنه قاد عمليات ضد مناطق كانت خاضعة لسيطرة المعارضة خلال الحرب التي شهدتها البلاد على مدى 13 عاما.

وأفاد بيان لقوى الأمن الداخلي عن «إلقاء القبض على اللواء السابق أحمد محمد إسماعيل، أحد قيادات الصف الأول في الحرس الجمهوري إبان حكم النظام البائد».

أضاف البيان أن السجلات العسكرية تفيد بأنه «بدأ عمله قائدا لفصيلة، ثم قائدا لسرية في الكتيبة الثانية التابعة للفوج 101 إنزال جوي، قبل ترقيته مطلع عام 2016 إلى رئيس عمليات الفوج ذاته، ومشاركته المباشرة في قيادة الهجمات العسكرية على مدن حلب ودرعا والغوطة الشرقية».

وكانت الغوطة الشرقية القريبة من دمشق معقلا للمعارضة حتى عام 2018، وموقعا لهجوم كيميائي كبير وقع قبل خمس سنوات.

وتقول الاستخبارات الأميركية إن أكثر من ألف شخص قتلوا بغاز السارين في الغوطة عام 2013 إبان الحرب في سوريا.

ونُسب الهجوم إلى الجيش في عهد بشار الأسد الذي أُطيح به في ديسمبر (كانون الأول) 2024، لكن الحكومة آنذاك نفت تورطها وحملت فصائل مسلحة معارضة المسؤولية.

ومنذ الإطاحة بالأسد، أوقفت السلطات الجديدة في سوريا عشرات المسؤولين الأمنيين السابقين، وبدأت بمحاكمتهم في شهر أبريل (نيسان).

وفي وقت سابق هذا الشهر، أعلنت السلطات السورية توقيف تسعة طيارين سابقين، بينهم ثلاثة عمداء، بتهمة المشاركة في عمليات قصف دامية استهدفت مدنا وبلدات سورية خلال عهد الأسد.

وأصدرت محكمة سورية في شهر أغسطس (آب) حكما غيابيا بالإعدام بحق بشار الأسد وشقيقه ماهر وخمسة مسؤولين أمنيين آخرين، بعد إدانتهم بارتكاب جرائم خلال الحرب.

وفرّ الرئيس السابق من سوريا مع انهيار نظامه، ويُعتقد أنه يقيم في روسيا.