التحديات الميدانية والخروقات الإسرائيلية يصعبان مهمة الجيش اللبناني جنوب البلاد

«صحراء لوجستية» تواجه العسكريين في مواقع الانتشار

ضابط بالجيش اللبناني يتمركز في موقع بقرية زوطر الغربية جنوب لبنان خلال عملية انتشار للجنود اللبنانيين في واحدة من 3 مناطق تُعرف بـ«المناطق التجريبية» عقب انسحاب القوات الإسرائيلية (رويترز)
ضابط بالجيش اللبناني يتمركز في موقع بقرية زوطر الغربية جنوب لبنان خلال عملية انتشار للجنود اللبنانيين في واحدة من 3 مناطق تُعرف بـ«المناطق التجريبية» عقب انسحاب القوات الإسرائيلية (رويترز)
TT

التحديات الميدانية والخروقات الإسرائيلية يصعبان مهمة الجيش اللبناني جنوب البلاد

ضابط بالجيش اللبناني يتمركز في موقع بقرية زوطر الغربية جنوب لبنان خلال عملية انتشار للجنود اللبنانيين في واحدة من 3 مناطق تُعرف بـ«المناطق التجريبية» عقب انسحاب القوات الإسرائيلية (رويترز)
ضابط بالجيش اللبناني يتمركز في موقع بقرية زوطر الغربية جنوب لبنان خلال عملية انتشار للجنود اللبنانيين في واحدة من 3 مناطق تُعرف بـ«المناطق التجريبية» عقب انسحاب القوات الإسرائيلية (رويترز)

بعد مرور أكثر من عشرة أيام على انطلاق العمل فعلياً بطرح «المناطق التجريبية» التي أقرها اتفاق الإطار الذي وقّعه الطرفان اللبناني والإسرائيلي في واشنطن الشهر الماضي، لا تزال تحديات كثيرة تعترض الجيش اللبناني الذي تم توكيله، بموجب الاتفاق، الانتشار في هذه المناطق التي ينسحب منها الجيش الإسرائيلي وضمان نزع السلاح غير الشرعي فيها.

لكن بالرغم من مهاجمة «حزب الله» للاتفاق وما نتج عنه وإعلانه صراحة التعاطي معه كأنه لم يكن، لا تزال الإشكالية الأساسية التي تعترض الجيش في مناطق الجنوب مرتبطة باستمرار إسرائيل بخروقاتها وانتهاكاتها التي نبّهت قيادة الجيش، كما رئاسة الجمهورية، أنها تعرقل تنفيذ اتفاق الإطار.

وبدأ الجيش اللبناني، في 21 يوليو (تموز) الماضي، الانتشار في زوطر الغربية، وهي المنطقة التجريبية الوحيدة التي كانت أطرافها محتلة فعلياً، بخلاف بلدتي فرون وصريفا اللتين لم تشهدا وجوداً فعلياً للقوات الإسرائيلية، وإنما كانتا تخضعان لما وصفته بـ«السيطرة النارية».

الجيش لا يدخل المنازل

وتشدد مصادر عسكرية على أن «أبرز تحدٍ يواجهه الجيش جنوباً هو الاعتداءات والانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة، من تفجيرات وعمليات قصف واستهدافات مباشرة، مما يعيق إتمام المهام المفترض على العسكريين تنفيذها». لافتة إلى أن البيان العالي اللهجة الذي صدر عن القيادة، الأسبوع الماضي، هو «رسالة للداخل والخارج اللذين يطالبان الجيش بحصر السلاح والمضي قدماً بتنفيذ مهامه، بينما المطلوب منهم تركيز الضغوط راهناً على إسرائيل لوقف اعتداءاتها، مما يمكّن الجيش اللبناني من المضي قدماً بما هو مطلوب منه».

ضابط بالجيش اللبناني يحمل غلاف قذيفة فارغاً عُثر عليه في حقل يملكه مزارع في قرية زوطر الغربية جنوب لبنان (رويترز)

وتعدّ المصادر، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أنه «على الطرف الأميركي تكثيف ضغوطاته على إسرائيل حفاظاً على الاتفاق ومندرجاته»، لافتة إلى أن «ما ينجزه الجيش يحصل بإمكانات ضئيلة جداً، وفي ظل وعود بدعمه وتقويته، معظمها لم ينفذ». وتضيف: «أما على مستوى (حزب الله)، فواضح أنه لا اعتراضات لديه على انتشار الجيش جنوب الليطاني وحصر السلاح هناك، لذلك يمضي الجيش قدماً بالسيطرة على الذخائر والأسلحة التي يتم وضع اليد عليها في الأودية والأماكن العامة. أما دخول المنازل لتفتيشها فلم يحصل بانتظار حل المسألة قضائياً».

ويعمل الجيش بكثافة على أكثر من خط تنفيذاً للمهمة الأمنية في المناطق التجريبية، حيث إلى جانب انتشار الوحدات العسكرية في المنطقة التي انسحبت منها القوات الإسرائيلية والتعامل مع الذخائر غير المنفجرة، يشدد الجيش التدابير الأمنية في المنطقة، من ناحية التدقيق في هويات العابرين والداخلين إلى المنطقة، وتفتيش السيارات والآليات والملكيات العامة.

وقد تعرضت وحدة تابعة للجيش اللبناني لإطلاق نار من القوات الإسرائيلية أثناء انتشارها في زوطر الغربية في أولى أيام الانتشار، وهو ما اعترف به الجيش الإسرائيلي، الذي زعم أن تلك القوة «حاولت التقدم في المنطقة الآمنة مخترقة حواجز في زوطر الشرقية بما يخالف التفاهمات».

3 تحديات أساسية

ويفضّل الأستاذ المحاضِر في الجيوسياسة، العميد المتقاعد خليل الحلو، استخدام مصطلح «المناطق النموذجية». في الإشارة إلى المناطق التي تناولها اتفاق الإطار، موضحاً أن تلك التي لحظتها المرحلة الأولى «تقع خارج الخط الأصفر الذي رسمته إسرائيل والذي يمتد إلى 10 كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية».

ويعدد الحلو، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، مجموعة من التحديات التي تعترض الجيش في المناطق التجريبية، إلى جانب صعوبات التنقل، بالتمركز خصوصاً في زوطر الغربية، «حيث لم يتم تحديد خط انتشار الجيش اللبناني بعدما أصبحت بلدة زوطر الشرقية، التي لا تزال تحتلها إسرائيل، وتلك الغربية التي يفترض أن الجيش الإسرائيلي انسحب منها، متداخلتين»، مضيفاً: «كما أنه بات واضحاً أنه لن يحصل انسحاب من زوطر الشرقية، التي تتمسك بها إسرائيل، لأن الجسر الذي أقامته فوق نهر الليطاني ليعبر جنودها من خلاله باتجاه قلعة الشقيف وقضاء النبطية موجود في زوطر الشرقية، لذلك فتحوا النار على عناصر الجيش الثلاثاء لينبهوا إلى عدم الوصول لمناطق وجودهم».

أما التحدي الثاني، الذي يتحدث عنه الحلو، فهو أن هذه المناطق باتت «صحراء لوجستية، أي مناطق تغيب عنها الكهرباء والمياه ومقومات العيش الأخرى. أضف أن 60 في المائة من زوطر مدمرة، وعندما يكون الوضع صعباً جداً على المدنيين، فالأمر مماثل بالنسبة للعسكريين، مما يعني أيضاً تكلفة إضافية لوجستياً على الجيش».

دبابة إسرائيلية تسير في قرية زوطر الشرقية التي تحتلها القوات الإسرائيلية (أ.ب)

وعن التحدي الثالث، يقول الحلو: «هو تحدي تفتيش المنازل. فحتى الساعة القضاء اللبناني لم يصدر أي قرار يسمح للجيش بالتفتيش من دون مذكرة قضائية، وبالتالي لا يمكن لوم العسكريين إذا لم يفعلوا ذلك». ويضيف: «عملانياً نحن لا نتوقع معارك بين الجيش و(حزب الله). والأسلحة الموجودة راهناً خارج المنازل تتم مصادرتها. أما الأهالي الذين يعودون فلا شك أن بينهم أهالي مقاتلين في الحزب، أو مقاتلين في الحزب، لأن المنطقة منطقة مؤيدة له، ولا يمكن للجيش أن يمنع عودة هؤلاء إلى بلداتهم، ويحقق معهم للتأكد ما إذا كانوا عناصر من الحزب أم مجرد مدنيين».


مقالات ذات صلة

قصف إسرائيلي يستهدف بلدات في جنوب لبنان

المشرق العربي جرافات إسرائيلية تهدم منازل في بلدة زوطر الشرقية بجنوب لبنان (أ.ف.ب) p-circle

قصف إسرائيلي يستهدف بلدات في جنوب لبنان

قصفت المدفعية الإسرائيلية، عصر اليوم الثلاثاء، أطراف بلدة عيتا الجبل في جنوب لبنان، كما طال القصف أطراف بلدتيْ ميفدون وزوطر الشرقية بجنوب البلاد.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي جرافات إسرائيلية تهدم منازل في بلدة زوطر الشرقية بجنوب لبنان في شهر نوفمبر الماضي (أ.ف.ب)

التفجيرات الإسرائيلية تغيّر معالم قرى الجنوب وتفاقم عزلتها

تتجاوز عمليات التلغيم والتفجير التي تنفّذها القوات الإسرائيلية في جنوب لبنان المواقع العسكرية والتلال، لتطول مناطق سكنية وأراضي زراعية وشبكات طرق وجسوراً.

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي مؤيدون لـ«حزب الله» يرددون شعارات خلال الذكرى السنوية الثانية لاغتيال حسن نصر الله (أرشيفية - د.ب.أ)

تعهُّد «حزب الله» عدم إسناد إيران هل يُلزم «مجلسه الجهادي»؟

يتعامل لبنان بجدية مع الرسائل التحذيرية التي وصلت إليه، سواء بالواسطة أو مباشرةً، وتحمل تنبيهاً من أن إسرائيل ستضطر إلى توسعة المنطقة الأمنية.

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي عائلات تغادر الضاحية الجنوبية لبيروت على عجل بعد أوامر إسرائيلية بشن غارات على المنطقة وسط موجة نزوح جديدة ومخاوف من اتساع رقعة التصعيد في لبنان (الشرق الأوسط - أرشيفية)

الخوف من تجدد الحرب يغيّر خريطة السكن في ضاحية بيروت

يدفع الخوف من تجدد الحرب سكاناً في الضاحية الجنوبية لبيروت إلى تغيير أماكن إقامتهم، أو استئجار منازل في مناطق أخرى، رغم امتلاك بعضهم منازل سليمة

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي دخان يتصاعد عقب غارة إسرائيلية بين قريتي كفر تبنيت وأرنون في جنوب لبنان السبت (أ.ف.ب)

معلومات إسرائيلية تعزز مخاوف اللبنانيين من خطر حرب جديدة

كشفت «معاريف» عن استعدادات للجيش الإسرائيلي لاحتمال احتلال ثلاث مدن رئيسية في جنوب لبنان، هي صور وصيدا والنبطية، في حال استئناف الحرب مع إيران وتدخل «حزب الله».

كارولين عاكوم (بيروت)

«كردستان العراق» يخطو نحو حكومة جديدة بعد التئام البرلمان

رئيسة برلمان إقليم كردستان الجديدة فالا فريد (إلى اليسار) تتحدث في مؤتمر صحافي عقب جلسة لبرلمان الإقليم في أربيل 4 نوفمبر 2026 (أ.ف.ب)
رئيسة برلمان إقليم كردستان الجديدة فالا فريد (إلى اليسار) تتحدث في مؤتمر صحافي عقب جلسة لبرلمان الإقليم في أربيل 4 نوفمبر 2026 (أ.ف.ب)
TT

«كردستان العراق» يخطو نحو حكومة جديدة بعد التئام البرلمان

رئيسة برلمان إقليم كردستان الجديدة فالا فريد (إلى اليسار) تتحدث في مؤتمر صحافي عقب جلسة لبرلمان الإقليم في أربيل 4 نوفمبر 2026 (أ.ف.ب)
رئيسة برلمان إقليم كردستان الجديدة فالا فريد (إلى اليسار) تتحدث في مؤتمر صحافي عقب جلسة لبرلمان الإقليم في أربيل 4 نوفمبر 2026 (أ.ف.ب)

بعد أكثر من عامين على انتخابات إقليم كردستان التي أُجريت في أكتوبر (تشرين الأول) 2024، تمكّن برلمان الإقليم، الأربعاء، من عقد جلسته الأولى، في غياب «الاتحاد الوطني» الكردستاني، بزعامة بافل طالباني، وبمشاركة فاعلة من الحزب «الديمقراطي» الكردستاني، بزعامة مسعود بارزاني.

ورغم أن انعقاد الجلسة، التي ترقبتها أوساط سياسية وإقليمية، يمهّد الطريق أمام تشكيل حكومة جديدة في الإقليم، فإنه يعكس في الوقت نفسه تكريساً لانقسام غير مسبوق بين الحزبين الرئيسيين في كردستان.

وكانت المحكمة الاتحادية العليا في العراق قد رفضت نهاية أكتوبر الماضي، دعوى أقامها النائب علي حمه أمين لحل برلمان الإقليم بدورته السادسة لعدم تمكنه من عقد جلسته الأولى بعد نحو عامين من إجراء الانتخابات.

اكتمال نصاب الجلسة

ويوم الأربعاء، تمكّن برلمان الإقليم من تحقيق النصاب القانوني المطلوب، أي النصف زائد واحد (51 نائباً) لانتخاب رئيس البرلمان ونائبه وسكرتيره. وأسفرت الانتخابات عن فوز النائبة فالا فريد، عن الحزب «الديمقراطي» الكردستاني، بمنصب رئيس البرلمان، ورامي نوري، ممثلاً عن «الكوتا»، بمنصب نائب الرئيس، فيما فازت منى قهوجي، ممثلة عن «الكوتا» التركمانية، بمنصب سكرتير البرلمان.

وحسب مصادر في الحزب «الديمقراطي»، شاركت كتلته البرلمانية بكامل أعضائها في الجلسة، إلى جانب عدد من أعضاء كتلتي «الاتحاد الوطني» وحركة «الجيل الجديد»، فضلاً عن ممثلين عن أحزاب أخرى ذات تمثيل محدود في البرلمان.

ومع انعقاد الجلسة وانتخاب رئيس البرلمان ونائبه وسكرتيره، يُفترض أن ينتخب البرلمان رئيس إقليم كردستان خلال 30 يوماً، ليكلّف الأخير الكتلة البرلمانية الأكبر بتقديم مرشحها لرئاسة الحكومة، وفق آلية مشابهة لتلك المعمول بها في البرلمان الاتحادي.

غير أن ذلك سيصطدم بمقاطعة حزب «الاتحاد الوطني» للبرلمان، وهو الذي يملك ثاني أكبر تمثيل، ويمتد نفوذه على محافظة السليمانية ومناطق أخرى في الإقليم.

من جانبه، قال عضو المكتب السياسي في «الاتحاد الوطني» يوسف غوران، إن «الحزب (الديمقراطي) وعبر ضغوط وطرق غير قانونية، نجح في جمع العدد المطلوب من البرلمانيين، لانتخاب هيئة رئاسة البرلمان، لكن السؤال الذي يجب التفكير فيه هو: هل نجاح الإجراءات البرلمانية يكفي إذا كان ثمنه الانقسام السياسي وتعريض استقرار الإقليم للخطر».

وأضاف أن «إقليم كردستان ليس مجرد مقاعد برلمانية يمكن جمعها بطريقة حسابية، بل هو تجربة سياسية تأسست على مبدأ التوازن والشراكة المعقدة، وأي محاولة لإدارة مؤسساته بعيداً عن التفاهم بين القوتين الرئيسيتين، تفتح الباب أمام أزمة أعمق بكثير مما تصوره مخططو هذه الجلسة».

كما اتهم مصدر رفيع في حزب «الاتحاد»، الحزب الديمقراطي بـ«العمل منذ فترة على استقطاب عدد من البرلمانيين، من بينهم نواب من (الاتحاد الوطني) الكردستاني وحركة (التغيير)».

وقال المصدر لـ«الشرق الأوسط»: «الإيفاء بالالتزام الدستوري بعقد الجلسة قد يقابله إخفاق سياسي له تداعياته خطيرة، قد تصل في نهاية المطاف إلى تقسيم الإقليم»، مستبعداً «إمكانية مشاركة (الاتحاد الوطني) الكردستاني في حكومة الإقليم المقبلة».

مبنى برلمان إقليم كردستان العراق أربيل يوم 4 نوفمبر 2026 (أ.ف.ب)

الحكومة أو المعارضة

بدوره، وصف كفاح محمود، المستشار الإعلامي لرئيس الحزب «الديمقراطي» الكردستاني مسعود بارزاني، التفكير في الانقسام، تحت أي ذريعة، بأنه «انتحار سياسي».

وقال محمود لـ«الشرق الأوسط» إن اعتراض بعض الأصوات داخل «الاتحاد الوطني» على مخرجات الجلسة البرلمانية الأولى لا يعدو كونه «ردود فعل انفعالية»، أكثر من كونه مواقف سياسية أو قانونية، مشيراً إلى أن البرلمان نجح في معالجة وضع استثنائي وغير صحي لم يعد من الممكن استمراره.

ورغم تصدر الحزب «الديمقراطي» الكردستاني قائمة الأحزاب الفائزة في البرلمان وحصوله على ضعف أصوات حزب «الاتحاد»، فإن محمود يرى أن «(الاتحاد الوطني) يبقى شريكاً سياسياً، لكن عليه أن يكون أكثر واقعية في التعامل مع القواعد القانونية والدستورية للبرلمان، الذي ينعقد وفق مبدأ الأغلبية، أي النصف زائد واحد».

وأشار إلى أن «الأبواب لا تزال مشرعة أمامهم، سواء للمشاركة في تشكيل الحكومة أو لممارسة دور المعارضة الفاعلة داخل البرلمان»، مضيفاً أن «الحكمة، التي طالما كانت من سمات (الاتحاد الوطني)، ستدفعه إلى اختيار أحد المسارين: المشاركة في الحكومة، أو ممارسة المعارضة المؤثرة داخل البرلمان».


تحقيق عراقي يتهم فصائل مسلحة بالتلاعب في عقود المطارات

واجهة مطار بغداد الدولي (أرشيفية - رويترز)
واجهة مطار بغداد الدولي (أرشيفية - رويترز)
TT

تحقيق عراقي يتهم فصائل مسلحة بالتلاعب في عقود المطارات

واجهة مطار بغداد الدولي (أرشيفية - رويترز)
واجهة مطار بغداد الدولي (أرشيفية - رويترز)

كشف مصدر رسمي عراقي عن رصد تلاعب في عقود المطارات، يشتبه في ارتباطه بتحقيق مكاسب اقتصادية لجهات مسلحة خارجة عن القانون. وفي حين اتهمت «كتائب حزب الله» السلطات في بغداد ببيع النفط بسعر مخفض، أكد مصدر مطلع أنها اضطرت إلى ذلك بسبب إغلاق مضيق هرمز وعدم امتلاك العراق أسطولاً لنقل النفط.

وقال المصدر، الذي تحدث إلى «وكالة الأنباء العراقية (واع)» الرسمية، الأربعاء، إن «هيئة النزاهة» تدقق في عقود وزارة النقل والمطارات، وإنها رصدت تلاعباً يشتبه في ارتباطه بتمويل جهات مسلحة، مضيفاً أن بعض العقود جرى التلاعب بها «لمصلحة اقتصادات جهات مسلحة خارجة عن القانون».

ولم يحدد المصدر الجهات المسلحة المعنية أو طبيعة التلاعب في العقود، كما لم يوضح حجم الأموال التي يُشتبه في توجيهها إلى تلك الجهات.

ويأتي الكشف عن التحقيق في وقت تزداد فيه التساؤلات بشأن العلاقة بين النفوذ السياسي للفصائل المسلحة ومصالحها الاقتصادية، في ظل استمرار الضغوط على الحكومة العراقية لحصر السلاح بيد الدولة.

وتستحضر قضية عقود النقل والمطارات في العراق تجربة «مطار رفيق الحريري الدولي» في بيروت، حيث أثار نفوذ «حزب الله» داخل المؤسسات الأمنية والإدارية للمطار تساؤلات بشأن قدرة الدولة على إحكام الرقابة على مرافقها الحيوية.

وفي العراق، لا يقتصر نفوذ الفصائل المسلحة على حضورها العسكري؛ إذ تمتلك قوى مرتبطةٌ بها أدواراً سياسية ومواقع داخل مؤسسات الدولة، في حين تثير التحقيقات بشأن العقود الحكومية تساؤلات بشأن مدى استفادة تلك الجهات من موارد الدولة والإنفاق العام.

عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)

تصعيد بشأن حصر السلاح

تزامن الكشف عن التحقيق مع تصعيد «كتائب حزب الله» العراقية ضد الحكومة و«الإطار التنسيقي»، مطالبة بالكشف عن مسودة اتفاق قالت إن الجماعة التي تسمي نفسها «المقاومة الإسلامية» أبرمته مع لجنة من «الإطار» بشأن حصر السلاح.

وقال حساب على منصة «إكس» يحمل اسم «أبو مجاهد العساف»، ويقدّم نفسه مسؤولاً أمنياً في «الكتائب»، إن الفصائل المسلحة لا تزال تنتظر نسخة من الاتفاق، مضيفاً أنها أوقفت تنفيذ أي عمليات عسكرية داخل العراق حتى إشعار آخر.

ولم تعلن السلطات في بغداد قبل هذا أنها تلقت نسخة من اتفاق أبرمته الفصائل، لكن متحدثين من أحزاب شيعية أعلنوا أن تلك الجماعات كانت تتفاوض مع لجنة رباعية من «الإطار التنسيقي» للتوصل إلى اتفاق بشأن سلاحها.

وانتقد العساف أداء الحكومة، متهماً إياها بالاكتفاء بإطلاق وعود لم تنفذ، وتساءل عن عقود بيع النفط إلى شركة إقليمية، وما إذا كان أعضاء «الإطار التنسيقي» يوافقون على بيع النفط بأسعار مخفضة والمشاركة في الأرباح.

وذكر أن الأرباح تتجاوز 4.5 تريليون دينار شهرياً، من دون تقديم تفاصيل أو أدلة تدعم الرقم الذي أورده. كما لم يتسنَّ الحصول على تعليق من السلطات المعنية بقطاع الطاقة في البلاد.

إلا إن مصدراً سياسياً مطلعاً أفاد بأن العراق يبيع شحنات من النفط بسعر مخفض بسبب «أزمة الملاحة في هرمز، وتحمل المشترين مخاطر النقل والعبور، إلى جانب الضغط الذي تعانيه البلاد من جراء عدم امتلاكها أسطول نقل».

يأتي هذا التصعيد بعد تعذّر عقد اجتماع دوري لـ«الإطار التنسيقي» مساء الأحد؛ بسبب غياب عدد من أعضائه، وفي ظل خلافات متواصلة بشأن توزيع المناصب والحقائب الوزارية في حكومة علي الزيدي.

ويرى الباحث في الشأن السياسي، فلاح المشعل، أن تصعيد «كتائب حزب الله» يرتبط بعوامل عدة، بينها موافقة «الإطار التنسيقي» على إجراءات إغلاق المنافذ الحدودية مع إيران، والضغوط بشأن حصر سلاح الفصائل، فضلاً عن اعتراضات على بعض إجراءات الحكومة في سياستها الخارجية.

وقال المشعل لـ«الشرق الأوسط» إن تطوير العراق علاقاته مع سوريا والأردن، والانفتاح على المحيط العربي، والتزام الاتفاقات مع الولايات المتحدة، كلها عوامل جعلت «الكتائب» تشعر بأن «الإطار التنسيقي»، الذي كان حليفاً لها، تخلى عن التزاماته وتعهداته السابقة.

جانب من أحد اجتماعات تحالف «الإطار التنسيقي» الحاكم في بغداد (واع)

خلافات المعسكر الشيعي

لم يقتصر التوتر على «كتائب حزب الله»، إذ شنّت «عصائب أهل الحق»، بزعامة قيس الخزعلي، هجوماً على فصائل مسلحة ترفض تسليم سلاحها، من دون أن تسميها.

وقال أحمد الموسوي، القيادي في «العصائب» النائب عنها في البرلمان، في مقابلة مع قناة «العهد» التابعة للحركة، إن هذه الفصائل لن تنتج سوى «مقاومة بـ10 صواريخ».

وتساءل الموسوي عن الجهة التي تقاومها تلك الفصائل، مضيفاً أن الأطراف الرافضة تسليم السلاح تهاجم «العصائب»، لكنهم؛ وفق قوله، «أقل من أن نرد عليهم».

ويعكس تبادل الانتقادات اتساع الخلافات داخل المعسكر الشيعي، في وقت كان متوقعاً فيه أن يعزز «الإطار التنسيقي» موقعه بعد اكتمال تشكيل الحكومة.

لكن التنافس على المناصب والحقائب الوزارية، إلى جانب تباين المصالح بين مكوناته، أعادا فتح الخلافات داخل «التحالف»، وأثارا تساؤلات بشأن قدرته على ضبط مواقف الفصائل المسلحة.

وفي حين تتصاعد الانتقادات المتبادلة بين الفصائل، فإن الخبير في الشأنين الأمني والسياسي، فاضل أبو رغيف، لا يرى أن ملف حصر السلاح يشهد تراجعاً بالضرورة.

وقال أبو رغيف لـ«الشرق الأوسط» إن الملف «لا يزال قائماً ما دامت هناك مهلة نهائية تمتد إلى العام المقبل»، مضيفاً أن «التصريحات الأميركية بشأن حصر السلاح تزيد الضغط على الشارع العراقي وتضع الحكومة في موقف حرج».

وأشار إلى وجود «تعاون من بعض الفصائل في هذا الملف؛ بما فيها أطراف كانت ممتنعة عن التعاون»، لكنه حذّر بأن اندلاع حرب إقليمية قد يؤدي إلى تغيير المعطيات القائمة.


استجواب 4 جنرالات سابقين كمدعى عليهم في انفجار مرفأ بيروت

أفراد عائلات ضحايا انفجار مرفأ بيروت عام 2020 وسفراء دول عدة يحيون الذكرى السادسة للانفجار (أرشيفية - أ.ف.ب)
أفراد عائلات ضحايا انفجار مرفأ بيروت عام 2020 وسفراء دول عدة يحيون الذكرى السادسة للانفجار (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

استجواب 4 جنرالات سابقين كمدعى عليهم في انفجار مرفأ بيروت

أفراد عائلات ضحايا انفجار مرفأ بيروت عام 2020 وسفراء دول عدة يحيون الذكرى السادسة للانفجار (أرشيفية - أ.ف.ب)
أفراد عائلات ضحايا انفجار مرفأ بيروت عام 2020 وسفراء دول عدة يحيون الذكرى السادسة للانفجار (أرشيفية - أ.ف.ب)

شهد ملف انفجار مرفأ بيروت تطوراً جديداً، تمثل باستجواب المحقق العدلي القاضي طارق البيطار، الأربعاء، أربعة جنرالات سابقين في الجيش اللبناني بصفة مدعى عليهم، في خطوة وسعت دائرة إطار الملاحقة قبل حسم المسؤوليات في القرار الاتهامي المرتقب قبل نهاية العام الحالي.

واكتسبت الجلسة أهمية إضافية بحضور ممثل للنيابة العامة التمييزية القاضي محمد صعب للمرة الأولى.

وخلال جلسة الاستجواب المطولة التي عقدها البيطار، الأربعاء، مثُل أمامه كل من: رئيس الأركان الأسبق في الجيش اللبناني اللواء وليد سلمان، نائب رئيس الأركان للتجهيز سابقاً العميد منوال كلجيان، رئيس قسم الذخيرة السابق العميد جورج موسى، ومدير مديرية العتاد السابق العميد منير أبو زيد. وذلك بحضور وكلاء الدفاع عنهم وفريق الادعاء الشخصي، إلى جانب المحامي العام التمييزي، القاضي محمد صعب.

طوافة لبنانية تشارك في إخماد الحريق بمرفأ بيروت بعد انفجار ضخم وقع 4 أغسطس 2020 (أرشيفية - أ.ف.ب)

وكشف مصدر قضائي لـ«الشرق الأوسط»، عن أن استدعاء الضباط المذكورين «جاء استناداً إلى ما ورد في المطالعة بالأساس التي أعدّها القاضي صعب، وادّعى فيها عليهم بشبهات تتصل بعلمهم المسبق بوجود نترات الأمنيوم في مرفأ بيروت».

واشار إلى ان التحقيق تناول «الشبهات الواردة في المطالعة؛ تمهيداً لاستكمال التحقيق بشأنها وتحديد الموقف القضائي من كل مدعى عليه، من دون أن يعني الادعاء ثبوت المسؤولية».

تعاون قضائي

وشكَّل حضور المحامي العام التمييزي القاضي محمد صعب سابقة في جلسات التحقيق أمام المحقق العدلي في هذه القضية، ومؤشر على مدى التعاون ما بين الأخير والنيابة العامة التمييزية التي سبق وقاطعت المحقق العدلي وأوقفت التعاون معه خلال وجود القاضي غسان عويدات على رأسها.

ولم يُتبع الاستجواب بقرارات تحسم الوضع الإجرائي للضباط الأربعة لجهة التوقيف أو تركهم بسندات إقامة.

وأوضح المصدر القضائي أن البيطار «لم يصدر بحق أي منهم مذكرة توقيف، كما لم يتخذ قراراً بتركه أو إخضاعه لسند إقامة، مبقياً البتّ في هذه المسألة معلقاً». ولم يكشف المصدر عن مضمون إفاداتهم أو الأجوبة التي قدموها بشأن الشبهات موضوع الادعاء.

إستدعاء جميع الذين استجوبهم سابقاً

لا تقف الخطوات المقبلة عند استجواب الضباط؛ إذ يستعد المحقق العدلي، وفق المصدر نفسه، لاستدعاء جميع الذين سبق أن استجوبهم خلال الفترة الماضية ولم يتخذ قرارات بحقهم. من بينهم: رئيس الحكومة الأسبق حسان دياب، ووزير الداخلية الأسبق نهاد المشنوق، والمدير العام السابق للأمن العام اللواء عباس إبراهيم، والمدير العام السابق لأمن الدولة اللواء طوني صليبا، إضافة إلى قضاة وموظفين كبار.

عائلات ضحايا انفجار مرفأ بيروت عام 2020 يحملون صورهم بالقرب من مركز الانفجار في الذكرى السادسة للكارثة (أ.ف.ب)

هذا التوجه يضع القرارات المؤجلة مجدداً أمام المحقق العدلي، بالتوازي مع استكمال التحقيق مع المدعى عليهم الأربعة. فالجولة المرتقبة ستشمل شخصيات سبق الاستماع إليها، وبقيت أوضاعهم من دون حسم، بما يجعل الاستدعاءات المقبلة محطة أساسية في تحديد الخطوات التي ستسبق إنجاز القرار الاتهامي، وتضع المدعى عليهم أمام حالة من الترقب وحبس الأنفاس حيال الإجراءات التي تنتظرهم.

قاضي التحقيق اللبناني في ملف انفجار مرفأ بيروت طارق البيطار (الوكالة الوطنية)

القرار الاتهامي قبل نهاية العام

في موازاة ذلك، ستعدّ النيابة العامة التمييزية مطالعة فرعية بالأساس تتعلق بالضباط الذين جرى استجوابهم، على أن تودعها لدى بيطار بأسرع وقت ممكن، وفق تقدير المصدر القضائي الذي أوضح أن المطالعة الفرعية ستضاف إلى أوراق الملف التي يدرسها المحقق العدلي في إطار التحضير لقراره، بعد الاستجوابات الجديدة وما أسفرت عنه من إفادات.

وشدد المصدر على أن البيطار «ملتزم بإصدار القرار الاتهامي قبل نهاية العام الحالي»، مؤكداً أنه «سيعكف خلال الفترة القريبة على دراسة الملف وإعداد القرار الاتهامي».