اتخذت الحكومة اللبنانية خطوة على طريق إيجاد حلول جذرية لقضية المحكوم عليهم والموقوفين السوريين في السجون اللبنانية تقضي بالإفراج عنهم على دفعات، خصوصاً أن حلها يطول واحدة من أهم المشكلات الشائكة العالقة بين البلدين، ويترتب عليه انفراج يفتح الباب أمام طي صفحة الماضي، وتعبيد الطريق لتعزيز الثقة، وبناء علاقات على أسس متينة لمصلحة البلدين إفساحاً في المجال أمام البحث بترسيم الحدود البرية والبحرية بينهما.
أبرز مقررات جلسة مجلس الوزراء في قصر بعبدا:- إقرار اتفاقية بين لبنان وسوريا بشأن نقل المحكومين من بلد صدور الحكم إلى بلد جنسية الموقوف.- تعيين مدير عام وأعضاء الهيئة الوطنية لإدارة النفايات الصلبة.- الموافقة على منهجية إعادة الإعمار.- تعيين رشا أبو غزالة نائبًا لرئيس مجلس... pic.twitter.com/B4pTeJk7k4
— Lebanese Presidency (@LBpresidency) January 30, 2026
ووافق مجلس الوزراء في جلسته، يوم الجمعة، على مشروع الاتفاقية القضائية التي أعدّها وزير العدل عادل نصّار للبدء بالإفراج على مراحل عن المحكوم عليهم والموقوفين السوريين على نحو يُسهم في تخفيف الاكتظاظ في السجون والنظارات ومراكز التوقيف اللبنانية، لا سيما أنها تتلازم مع خطوات تُعدها وزارة العدل لتشمل السجناء والموقوفين اللبنانيين وبينهم ما يسمى «الإسلاميين».
تعاون لبنانية - سوري
كشف نائب رئيس مجلس الوزراء طارق متري أن الاتفاقية التي أقرها مجلس الوزراء هي نتيجة تعاون لبناني - سوري في لجنة مشتركة اجتمعت 6 مرات، وترأسها وزيرا العدل في البلدين للبدء بالإفراج عن السجناء والموقوفين السوريين على دفعات، وكلفت متري التوقيع عليها مع السلطات القضائية السورية المختصة، وقالت إن التوقيع سيتم، الأسبوع المقبل، على أن تصبح نافذة فور نشرها في الجريدة الرسمية، وتشمل نحو 300 سجين سوري ينتمي معظمهم إلى «جبهة النصرة»، وأمضوا في السجون اللبنانية 10 سنوات سجنية وما فوق، وإن الإجراءات للإفراج عنهم ستتم لاحقاً على دفعات.
وكشف متري لـ«الشرق الأوسط» أن مجلس الوزراء تطرق أيضاً إلى السجناء السوريين الذين معظمهم لا يزالون قيد المحاكمة من دون أن تصدر بحقهم أحكام، على أساس أنهم محالون أمام محكمة الجنايات أو قاضي التحقيق، ولم يُنظر حتى الساعة في التهم الموجهة إلى معظمهم. وقال إن عددهم يقارب الـ2000 سجين سوري، وأكد أنه سيتم البحث في مصيرهم في وقت لاحق في ضوء العمل على إعداد اتفاقية قضائية لبنانية - سورية ثانية خاصة بهم وتحتاج لموافقة البرلمان اللبناني.
السجناء اللبنانيون
وبالنسبة إلى المحكوم عليهم والموقوفين اللبنانيين، أكد متري أن قضيتهم كانت موضع متابعة ومناقشة من قبل مجلس الوزراء لإيجاد المخارج القانونية للإفراج عمن يستوفي الشروط للإفراج عنه. وقال إن هناك هيئة استشارية في وزارة العدل أوكل إليها النظر في تخفيض الأحكام، وأن هناك ضرورة لتعزيز صلاحياتها بما يمكّنها من خفض مدة العقوبات وربما إلى النصف، خصوصاً أن العدد الأكبر منهم لا يزال موقوفاً ولم يُحل للمحاكمة، ويمكن الإفراج عنهم على دفعات آخذين في الحسبان سلوكهم طوال مدة توقيفهم، أو تنفيذ الأحكام الصادرة بحقهم، ويمكن خفض العقوبة.

وأكد أن قضية «الإسلاميين» الموقوفين حتى الآن بلا محاكمة مشمولة بما تقرره الهيئة الاستشارية؛ لأنه من غير الجائز الإبقاء عليهم موقوفين بلا محاكمة، ويعود للهيئة أن تقرر خفض العقوبة. وقال إن توقيف معظم «الإسلاميين» جاء على خلفية التهم الموجهة إليهم بانتمائهم لمنظمات إرهابية. ولفت إلى أن الحكومة تولي أهمية لإيجاد حلول جذرية للموقوفين بمن فيهم الإسلاميون؛ ما يسهم في تنفيس الاحتقان، وتحديداً في طرابلس والشمال، على أساس أن غالبيتهم ينتمون لهذه المناطق.
وكشف متري أن قضية الموقوفين اللبنانيين وُضعت على نار حامية، وأن مجلس الوزراء تبنّى اقتراح مشروع القانون الذي أعده في هذا الخصوص الوزير نصّار، وقال إن أمين عام مجلس الوزراء القاضي محمود مكيّة كُلّف بإحالته، الاثنين، على المجلس النيابي لمناقشته والتصديق عليه، بعد أن أبدى كل تجاوب بإقراره لما يترتب عن الإفراج عنهم من تبعات مالية وقضائية لا بد من معالجتها في مشروع القانون بعد التصديق عليه.
جلسة هادئة
وفي هذا السياق، أجمع عدد من الوزراء على أن الجلسة كانت هادئة بامتياز، وربما تكون واحدة من الجلسات التي لم تسجّل احتكاكاً أو تبايناً في العمق بين عدد من الوزراء، وأن تهديد أمين عام «حزب الله» نعيم قاسم بالتدخل إسناداً لإيران، في حال قررت الولايات المتحدة الأميركية شن حرب عليها، لم يُدرج على جدول أعمالها، وغاب كلياً عن المداولات، رغم أن بعض القوى السياسية كانت قد ألمحت إلى أن وزراء يصنَّفون على خانة خصومة الحزب سيطلبون من الحكومة إصدار بيان رداً على ما قاله قاسم. وقالوا رداً على سؤال لـ«الشرق الأوسط» عما إذا كانت الاتصالات التي سبقت انعقاد الجلسة كانت وراء تهيئة الأجواء أمام سحب تهديده من التداول بغياب أي موقف مؤيد له، وتحديداً من رئيس المجلس النيابي نبيه بري وقياديين في حركة «أمل» آثروا عدم التعليق أسوة بامتناعهم عن تأييد الحزب لتفرّده بإسناده لغزة، وأكدوا أن حالة من الترقب سيطرت على الجلسة بانتظار ما ستؤول إليه التهديدات الأميركية، وأن الضرورة تقضي بالحفاظ على استقرار البلد، وعدم استدراجه للانزلاق نحو التصعيد السياسي، والدخول في متاهات هم في غنى عنها.

وبالنسبة لما تتناقله بعض وسائل الإعلام العربية والمحلية من مرئية ومسموعة ومكتوبة حول أن السلطات السورية تقدّمت رسمياً إلى لبنان بلائحة تضم أسماء 200 ضابط سوري من فلول النظام السابق موجودين على الأراضي اللبنانية، ويتحركون ضد النظام الحالي، طالبةً تسليمهم، فقد أكدت مصادر وزارية أن هده المعلومات عارية عن الصحة، ولا أساس لها، وهذا ما تأكد لنا، كما قالت لـ«الشرق الأوسط»، من الزيارات المتعددة للمسؤول عن الشق الأمني في العلاقات السورية بلبنان، العميد عبدالرحمن الدباغ، الذي التقى القيادات الأمنية والعسكرية اللبنانية وعلى رأسهم مدير الأمن العام اللواء حسن شقير، ومدير المخابرات في الجيش اللبناني العميد طوني قهوجي.
وأكدت أنه لم يحمل معه أي لائحة في هذا الخصوص، وأن اللقاءات اللبنانية - السورية على جميع المستويات تطرقت في العموميات إلى مخاوف من وجود ضباط من فلول النظام السابق يقومون بتحضيرات لتهديد أمن واستقرار سوريا، وأن الرد اللبناني كان واضحاً بأن السلطات المعنية لن تسمح باستخدام أراضيها منصة للإساءة لأمن واستقرار سوريا، وأن حرصها الشديد يكمن في طي صفحة الماضي لمصلحة تمتين العلاقات على قاعدة تعزيز الثقة المتبادلة لإيجاد الحلول لما تبقى من مشكلات عالقة بعد إيجاد حل لقضية المحكوم عليهم والموقوفين السوريين، أبرزها ترسيم الحدود بين البلدين، وتطوير أوجه التعاون على نحو يخدم تطوير العلاقات والارتقاء بها إلى المستوى السياسي المطلوب.








