هدوء حذر في الزاوية الليبية عقب اشتباكات مسلحة بين ميليشيات

وسط حديث عن «إعادة ترتيب» المشهد الأمني في المدينة

عنصر أمني في مدينة الزاوية الخميس الماضي (مديرية أمن المدينة)
عنصر أمني في مدينة الزاوية الخميس الماضي (مديرية أمن المدينة)
TT

هدوء حذر في الزاوية الليبية عقب اشتباكات مسلحة بين ميليشيات

عنصر أمني في مدينة الزاوية الخميس الماضي (مديرية أمن المدينة)
عنصر أمني في مدينة الزاوية الخميس الماضي (مديرية أمن المدينة)

شهد الوضع الأمني في مدينة الزاوية غرب ليبيا، السبت، حالة هدوء حذر أعقبت ليلة دامية من المواجهات المسلحة، التي وُصفت بأنها «الأعنف» بين فصيلين يتبعان اسمياً لسلطات طرابلس، مما أسفر عن حصار عشرات العائلات داخل المناطق السكنية، وسط مساعٍ حكومية ومحلية لفرض التهدئة.

ووسط صمت حكومي من جانب المجلس الرئاسي وحكومة «الوحدة الوطنية» في غرب ليبيا، أفادت مصادر ميدانية بعودة حركة السير لطبيعتها في حي «السيدة زينب» بعد توقف المواجهات، التي بدأت منذ مساء الجمعة وحتى ساعات الصباح الأولى ليوم السبت، بين «جهاز دعم الاستقرار» التابع لـ«الرئاسي» و«الكتيبة 459»، التابعة رسمياً لوزارة الدفاع بحكومة الدبيبة.

ورصدت تقارير ميدانية حدوث انسحاب ملحوظ لـ«الكتيبة 459» والقوات المتحالفة معها، التابعة لآمر «اللواء 111 مشاة»، عبد السلام الزوبي من عدة نقاط تمركز رئيسية داخل مدينة الزاوية، وتحديداً من منطقة «الضمان» و«وسط المدينة»، بينما تم رصد تقدم لآليات تابعة لـ«دعم الاستقرار» في المواقع التي أُخليت، مما يشير إلى سيطرتهم على المواقع الحيوية التي كانت محل نزاع.

وفي إطار جهود احتواء الاشتباكات وتأمين المنطقة، انتشرت قوة المهام التابعة للكتيبة 103 مشاة في التقاطعات الرئيسية بمنطقة القتال، تنفيذاً لتعليمات وزارة الدفاع بحكومة الوحدة، ومنطقة الساحل الغربي العسكرية، بهدف تثبيت وقف إطلاق النار وحماية المدنيين والممتلكات، تزامناً مع جهود وساطة محلية لمنع تجدد القتال.

وتشهد الزاوية، ذات الأهمية الاستراتيجية، منذ أعوام اشتباكات متكررة بين تشكيلات مسلحة محلية، تتنازع النفوذ ومصادر التمويل، كما تُعرف على نطاق واسع بكونها إحدى أكثر المدن اضطراباً في الغرب الليبي.

وقال عضو مجلس أعيان الزاوية، البشتي الزحوف، إن قوات «فض النزاع» نجحت في احتواء الموقف، مشيراً إلى «توقف الاشتباكات التي اندلعت على خطوط التماس بين الزاوية وورشفانة».

وتحدث شهود عيان عن حركة أرتال مسلحة على الطريق الساحلي، فجر السبت، وتوجه عدد من الآليات العسكرية التابعة للزوبي نحو العاصمة طرابلس وتاجوراء، وهو ما يعزز فرضية الانسحاب الكامل من مسرح العمليات في الزاوية لتجنب مزيد من الخسائر أو الاستنزاف.

جلسة محادثات عسكرية بين إبراهيم الدبيبة ومسؤولين عسكريين من المجر الجمعة (وزارة الدفاع في غرب ليبيا)

ويرى مراقبون في هذا التراجع «ضربة لنفوذ حكومة الوحدة داخل المدينة»، ويستندون في ذلك إلى شهادات متطابقة عن «بسط القوات المنافسة سيطرتها على المواقع الاستراتيجية، مما ينهي جولة القتال الحالية بتغيير واضح في خريطة السيطرة الميدانية لصالح الأجسام، التابعة للمجلس الرئاسي».

وترافق الحديث عن تغيير معادلة النفوذ الأمني في الزاوية مع شكاوى أهالي مدينة الزاوية، التي نقلتها وكالة «الأنباء الليبية» الرسمية من هشاشة الوضع الأمني في المدينة، وتكرر اندلاع الاشتباكات في المدينة بين مجموعات مسلحة منذ فترة طويلة.

وبدت انعكاسات هذا الوضع الأمني واضحة مع تعليمات أصدرها «مركز طب الطوارئ والدعم» في مدينة الزاوية للمواطنين، والأسر العالقة في مناطق الاشتباكات المسلحة، بالاحتماء في الغرف البعيدة عن واجهات المنازل، والابتعاد التام عن النوافذ والشرفات وأسطح المباني، كما حذر من الخروج إلى الشوارع تحت أي ظرف حتى تهدئة الأوضاع الأمنية، داعياً المواطنين لتوخي الحيطة والحذر الشديدين.

بدورها، ناشدت منظمة «الهلال الأحمر» جميع أهالي المنطقة البقاء في منازلهم والابتعاد عن النوافذ حفاظاً على سلامتهم، وطالب كافة الأطراف المتنازعة بوقف النار، ومنح ممر آمن لفريق الطوارئ لإخراج العائلات العالقة بمناطق الاشتباكات، كما طالب أخذ أقصى درجات الحيطة والحذر إلى حين عودة الأوضاع إلى طبيعتها.

ويلحظ متابعون أن اندلاع القتال بين الميليشيات المسلحة في الزاوية جاء بعد ساعات قليلة فقط من إنهاء رئيس المجلس الرئاسي، محمد المنفي، زيارة رسمية لمدينة الزاوية، بهدف «تعزيز اللحمة الوطنية وبسط هيبة الدولة»، بحسب البيانات الرسمية.

وبدا أن هذه الاشتباكات تضع المجلس الرئاسي، بصفته «القائد الأعلى للجيش»، في موقف حرج؛ إذ تبدو أوامره بالتهدئة «عاجزة أمام نفوذ قادة الميدان»، بالإضافة إلى فشل محاولات شرعنة المجموعات المسلحة عبر دمجها في مؤسسات الدولة، دون خطة حقيقية لجمع السلاح وتوحيد العقيدة العسكرية.

إلى ذلك، أعلنت وزارة الدفاع التابعة لحكومة «الوحدة» عن الاتفاق على فتح آفاق التعاون العسكري مع المجر، بما يشمل مجالات التدريب، وتوطين المعرفة، وتعزيز التطور التكنولوجي في المجال العسكري.

وقالت إن وفداً رفيع المستوى، ترأسه مستشار الأمن القومي، إبراهيم الدبيبة، وضم مسؤولين بالوزارة، اجتمع مع وزير دفاع المجر، وعقد لقاءات مكثفة مع مؤسسات متخصصة في الصناعات الدفاعية، وأشاد بالنتائج الإيجابية للزيارة لتعزيز التطور التكنولوجي الدفاعي بين البلدين.

من جهة أخرى، وصل بشكل مفاجئ، السبت، إلى باكستان، رئيس الحكومة المكلفة من البرلمان أسامة حمّاد، في زيارة رسمية، وقال حماد، بحسب بيان حكومي، إنه سيجرى «محادثات تهدف إلى تعزيز العلاقات الثنائية، وتطوير مجالات التعاون المشترك بين البلدين الصديقين».


مقالات ذات صلة

ليبيا: حفتر لمعالجة ملف النازحين بتشكيل لجنة عسكرية- أمنية

شمال افريقيا حفتر خلال لقاء مع قيادات قبلية من المنطقة الغربية بليبيا في نوفمبر الماضي (القيادة العامة)

ليبيا: حفتر لمعالجة ملف النازحين بتشكيل لجنة عسكرية- أمنية

أصدر القائد العام لـ«الجيش الوطني» في شرق ليبيا، المشير خليفة حفتر، قراراً بتشكيل لجنة عليا تضم قيادات عسكرية وأمنية بارزة، لإدارة ملف النازحين.

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا المنفي يلقي كلمة خلال زيارته إلى مدينة الزاوية (المجلس الرئاسي)

انتقاد المنفي لإدارة ملف النفط يثير مخاوف الليبيين

جاءت تصريحات رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي حول ملف النفط مفاجئة في توقيتها ولافتة في لغتها، خصوصاً أنها بدت موجهة بشكل غير مباشر إلى الوحدة.

جاكلين زاهر (القاهرة )
شمال افريقيا صدام حفتر يتوسط عناصر «اللواء 106- القوات الخاصة» 29 يناير (القيادة العامة)

ليبيا: سباق البحث عن «دعم عسكري» يطغى على «مسارات التسوية»

تعمل الولايات المتحدة ودول إقليمية عدة على مساعدة طرفَي النزاع في ليبيا على توحيد المؤسسة العسكرية المنقسمة، لكن دون إحداث تغيير بالمشهد المحتقن.

جمال جوهر (القاهرة)
العالم العربي المنفي يلقي كلمة خلال لقاء مع مكونات اجتماعية وأمنية في مدينة الزاوية غرب ليبيا 29 يناير (مكتب المنفي)

بعد «المالية» و«الطاقة»... المنفي يُطلق لجنة جديدة لضبط الإنفاق في ليبيا

رغم تعدد اللجان التي شكّلها رئيس المجلس الرئاسي الليبي، محمد المنفي، لمواجهة أزمات الاقتصاد والأمن، يرى مراقبون أن نتائجها بقيت محدودة على الأرض.

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا صدام حفتر مستقبلاً بولس في القيادة العامة 25 يناير (القيادة العامة)

«الاجتماعات السرية»... مسارات موازية لأفرقاء الأزمة السياسية الليبية

منذ بداية الأزمة السياسية، عرفت ليبيا «الاجتماعات السرية» التي احتضنتها عواصم دولية وإقليمية عديدة، خاصة بين قيادات تشكيلات مسلحة، ثم سياسيين وعسكريين نظاميين.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

تذبذب سعر الذهب يُربك مصريين يبحثون عن «الادخار الآمن»

الارتفاع القياسي لأسعار الذهب كابوس يلاحق أحلام الزواج (الصفحة الرسمية لشعبة الذهب والمجوهرات المصرية)
الارتفاع القياسي لأسعار الذهب كابوس يلاحق أحلام الزواج (الصفحة الرسمية لشعبة الذهب والمجوهرات المصرية)
TT

تذبذب سعر الذهب يُربك مصريين يبحثون عن «الادخار الآمن»

الارتفاع القياسي لأسعار الذهب كابوس يلاحق أحلام الزواج (الصفحة الرسمية لشعبة الذهب والمجوهرات المصرية)
الارتفاع القياسي لأسعار الذهب كابوس يلاحق أحلام الزواج (الصفحة الرسمية لشعبة الذهب والمجوهرات المصرية)

ترددت المصرية الخمسينية أحلام سمير (اسم مستعار) في شراء ذهب، الجمعة الماضية، رغم انخفاض سعره نسبياً عن الأيام السابقة، مترقبة تراجعاً أكبر، وقالت لـ«الشرق الأوسط» إنها ادخرت على مدار شهور مبلغ 20 ألف جنيه (الدولار نحو 47 جنيهاً)، وترغب في الاستثمار بالذهب، مبدية ندمها على أنها لم تلتفت لهذا الوعاء الادخاري في عقود سابقة.

مثل أحلام، لفتت أسعار الذهب المتزايدة أنظار الكثيرين، ممن لجأوا إليه كوعاء استثماري آمن، راغبين في تحقيق مكاسب، لكن ذلك لا يخلو من التردد والارتباك في ظل تذبذب السوق، وعدم قدرة الكثير من صغار المستثمرين على اقتناص أنسب فرصة للشراء.

وتجاوز سعر جرام الذهب عيار 24 في مصر، السبت، حاجز الـ7700 جنيه، وعيار 21 سجل 6750 جنيهاً، أما عيار 18 فسجل نحو 5780 جنيهاً، وهي أرقام تعكس استقراراً نسبياً للسوق منذ الجمعة التي شهد فيها تراجعاً نسبياً مقارنة بمنتصف الأسبوع الماضي، حين استمر في تسجيل ارتفاعات طفيفة حتى وصل الأربعاء إلى نحو 7850 جنيهاً لجرام الذهب عيار 24.

تصف الخبيرة في سوق الذهب أميرة عبد الفتاح، المعروفة بـ«سيدة الدهب»، الإقبال على الادخار في هذا الوعاء بغير المسبوق، قائلة: «مع الارتفاعات السابقة للذهب، وتحديداً في مارس (آذار) 2025، حين تجاوز جرام الـ24 حاجز الـ5 آلاف جنيه لأول مرة، ظن العملاء أنه لن يرتفع أكثر من ذلك، رغم أن ذلك كان عكس توقعاتنا. ومع مرور الأيام والارتفاعات الكبيرة الأخيرة، بات الكل مقتنعاً أن السوق إلى ارتفاع، وأن الارتفاعات لا يعقبها انخفاضات كبيرة، (ما دفع البعض لبيع شقق حتى يستثمروا في الذهب)».

تقول عبد الفتاح ذلك لـ«الشرق الأوسط» في حين تتوالى الرسائل على هاتفها لعملاء يطلبون النصيحة بالشراء أو الانتظار، وتعلق: «العملاء مرتبكون، يريدون الشراء لكن لا يعلمون الوقت المناسب، وأنصحهم بالشراء لأن الأسعار لن تنخفض قريباً»، لافتة إلى أن «الإقبال على السبائك الذهبية المخصصة للادخار هو الرائج في السوق منذ شهور، مقابل تراجع الإقبال على المشغولات الذهبية التي يمكن ارتداؤها والادخار فيها في ذات الوقت».

ورصدت «الشرق الأوسط» كثافة للتساؤلات عبر مواقع التواصل الاجتماعي عن الوقت الأنسب لشراء الذهب، وسط تباين للآراء بين من ينصح بالشراء، ومن ينصح بالانتظار.

الذهب يجذب صغار المستثمرين للادخار فيه مع ارتفاعات أسعاره غير المسبوقة (الصفحة الرسمية لشعبة الذهب والمجوهرات)

ويشير سكرتير شعبة الذهب في غرفة القاهرة التجارية سابقاً، نادي نجيب، إلى أن «حركة البيع والشراء في سوق الذهب المحلية شبه متوقفة حالياً مع التذبذب الكبير في أسعار الذهب عالمياً»، لافتاً إلى أن حركته ستتضح أكثر الاثنين مع استئناف العمل في البورصة العالمية، والتي ستحدد اتجاهاته سواء بالهبوط أو الزيادة أو الاستقرار.

وأكد نجيب في تصريحه لـ«الشرق الأوسط» حالة الارتباك الكبيرة لدى العملاء؛ إذ «يسألوننا هل نشتري أو ننتظر، وأنصحهم بالانتظار».

ويرى الخبير الاقتصادي وائل النحاس، أن أفضل وسيلة للاستثمار في الذهب هي تقسيم الشراء على فترات مختلفة، بحيث يصبح لدى المستثمر متوسط سعر للجرام في عملية شرائه، وهذا يقيه من الشراء بكل أمواله دفعة واحدة، ما سيكلفه خسائر كبيرة حال انخفض السعر.

وأضاف النحاس لـ«الشرق الأوسط» أن الذهب وعاء ادخاري طويل الأجل؛ بمعنى أن تحقيق مكاسب فيه يتطلب عدم التفكير في بيعه إلا بعد عام أو عامين من الشراء، لافتاً إلى أنه رغم موجة التراجع عالمياً لسعر أونصة الذهب إلى نحو 4820 دولاراً، فقد كانت عمليات البيع في مصر تُسعّر الأونصة بما يتجاوز 6 آلاف دولار، ما يعني زيادته محلياً عن أي سوق أخرى، مطالباً بالتحقيق في ذلك.

ومنتصف الأسبوع الماضي قفز الذهب إلى مستوى قياسي جديد في البورصات العالمية، متجاوزاً 5100 دولار للأونصة (الأوقية)، مواصلاً ارتفاعه التاريخي مع ⁠إقبال المستثمرين على الأصول ​الآمنة وسط تصاعد التوترات الجيوسياسية، قبل أن يبدأ في التراجع بنهاية الأسبوع.

وتابع الخبير الاقتصادي أن عودة حركة المعاملات الاثنين بالبورصة العالمية ستوضح توجه الذهب الذي شهد تراجعاً بنحو 11 في المائة خلال الأيام الماضية، لافتاً إلى أنه «حال استمر التراجع متجاوزاً 15 في المائة، فذلك يعني أننا أمام مرحلة تصحيح، ويُنصح فيها بالشراء، أما لو استقر عند سعره، أو كان التراجع دون نسبة الـ15 في المائة، فنكون في مرحلة جني أرباح للمستثمرين فيه».


جمود يسود خطة «الرباعية» لوقف حرب السودان

قائدا الجيش عبد الفتاح البرهان و«قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو «حميدتي» (أرشيفية - أ.ف.ب)
قائدا الجيش عبد الفتاح البرهان و«قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو «حميدتي» (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

جمود يسود خطة «الرباعية» لوقف حرب السودان

قائدا الجيش عبد الفتاح البرهان و«قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو «حميدتي» (أرشيفية - أ.ف.ب)
قائدا الجيش عبد الفتاح البرهان و«قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو «حميدتي» (أرشيفية - أ.ف.ب)

تسود حالة من الجمود جهود إيقاف الحرب في السودان، بعد تعثر خريطة طريق «الآلية الرباعية» في إحراز أي نتائج تذكر على مدار الأشهر الماضية.

وفي ظل انسداد الأفق، تشير مصادر كثيرة إلى أنه من غير المستبعد أن تكون هناك نقاشات دارت في الغرف المغلقة في هذا الاتجاه، أحيطت بسرية تامة تحول دون تسرب أي معلومات حولها.

وأضافت المصادر نفسها أن ثمة مسعى لما أسمتها محاولة رئيس مجلس السيادة قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان، للالتفاف على «الرباعية»، وخلق مسار تفاوضي جديد، يقوده مباشرة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وهو ما عبَّر عنه البرهان أكثر من مرة في أحاديثه.

وأفادت المصادر السياسية التي تحدَّثت لـ«الشرق الأوسط» بأنه رغم الجمود الواضح لـ«الآلية الرباعية» في إحداث اختراق واضح في تنفيذ خريطة الطريق التي طرحتها بخصوص البند الأهم، وهو وقف إطلاق النار، فإن الوسطاء لم يعلنوا فشل المبادرة أو وقف المحادثات.

خريطة طريق «الرباعية»

ممثلون لطرفَي النزاع السوداني خلال توقيع «اتفاق جدة» في مايو 2023 (رويترز)

واقترحت خريطة طريق «الرباعية»، التي تضم الولايات المتحدة والسعودية ومصر والإمارات، في سبتمبر (أيلول) الماضي، هدنةً إنسانيةً لمدة 3 أشهر؛ لتسهيل وصول المساعدات الإغاثية إلى جميع أنحاء السودان، يعقبها وقف شامل لإطلاق النار، وإطلاق عملية سياسية تُفضي إلى تشكيل حكومة مدنية شرعية تحصل على ثقة المواطنين السودانيين، في غضون 9 أشهر. غير أن المبادرة اصطدمت برفض الجيش وتشكيكه في حيادها تجاه الصراع في بلاده.

وتذهب المصادر إلى أن خريطة «الرباعية» هي المبادرة الوحيدة المطروحة لوقف الحرب في السودان، وجاءت بعد توافق أطرافها الإقليمية من أجل تعزيز الجهود لإنهاء الصراع المُدمِّر المستمر لقرابة 3 سنوات، وأفرز أكبر كارثة إنسانية في العالم، وفق الأمم المتحدة.

وقالت المصادر إن التطورات الأخيرة لا تكشف عن وجود أي مسار تفاوضي جديد خارج إطار «الرباعية»، وإن ما يجري هو محاولة إقناع الجيش بقبول مبادرة «الرباعية» في أسرع وقت. وفي هذا الصدد تتحرك بعض الدول بعلاقتها الجيدة مع الحكومة السودانية لدفعها تجاه التعاطي الإيجابي مع المبادرة.

المنبر الوحيد

وقال المحلل السياسي، الجميل الفاضل، لـ«الشرق الأوسط» إن مبادرة «الرباعية» لا تزال تمثل المنبر الوحيد المتفق عليه بين دول المنطقة لحل أزمة الحرب المتطاولة في السودان، مشيراً إلى أنها كانت حاضرةً بقوة في لقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره المصري عبد الفتاح السيسي، على هامش ملتقى دافوس في منتصف يناير (كانون الثاني) الحالي.

وأشار الفاضل إلى أن النقاشات بين الرئيسين تركَّزت بشكل أساسي على الجهود المشتركة لإنهاء الحرب السودانية في إطار مبادرة «الرباعية» لتثبيت الهدنة الإنسانية أولاً، لكن المبادرة تحتاج إلى تحقيق مكاسب ملموسة على الأرض، وبأي حال لا يمكن أن نقول إنها تقترب من طريق مسدود، على حد تعبيره.

مؤتمر واشنطن الإنساني

السودان سجَّل أكبر عملية نزوح داخلي في العالم (رويترز)

ويربط المحلل السياسي بما تسَّربَ مع معلومات من دوائر مقربة من الإدارة الأميركية، بأن واشنطن تحضِّر لعقد مؤتمر دولي إنساني لدعم السودان، في 3 فبراير (شباط)، وما يتوقع أن يحدث من اختراق جوهري في الفترة القليلة المقبلة، قائلاً: «إن هذه الخطوة تعدّ جزءاً من مسار خريطة الحل المطروحة من قبل الآلية الرباعية».

وأوضح أن الإدارة الأميركية لا يمكن أن تذهب إلى تنظيم هذا المؤتمر الإنساني، دون حصولها على ضوء أخضر من الطرفين المتقاتلين، الجيش و«الدعم السريع»، بالالتزام بوقف إطلاق النار والعدائيات.

ولا يستبعد الفاضل، وفقاً للمعطيات الراهنة، أن يكون هناك اتفاق مسكوت عنه بين الأطراف بالامتثال لتنفيذ خريطة الطريق بالتزامن مع انعقاد المؤتمر الإنساني في واشنطن، غير أن نجاحها رهين بتقديم تنازلات حقيقية من جميع الأطراف.


مشاورات مصرية لاحتواء التوتر بين أميركا وإيران

عبد العاطي وعراقجي وغروسي عقب التوقيع على «اتفاق القاهرة» في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
عبد العاطي وعراقجي وغروسي عقب التوقيع على «اتفاق القاهرة» في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مشاورات مصرية لاحتواء التوتر بين أميركا وإيران

عبد العاطي وعراقجي وغروسي عقب التوقيع على «اتفاق القاهرة» في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
عبد العاطي وعراقجي وغروسي عقب التوقيع على «اتفاق القاهرة» في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)

كثّفت مصر مشاوراتها مع شركاء دوليين وإقليميين في محاولة لاحتواء التوتر بين أميركا وإيران، وأكّدت «ضرورة تهيئة الأجواء لاستعادة المفاوضات بشأن الملف النووي الإيراني».

وأجرى وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، عدة اتصالات مع نظرائه الإيراني عباس عراقجي، والتركي هاكان فيدان، والعماني بدر بن حمد البوسعيدي، ورئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري محمد بن عبد الرحمن، بالإضافة إلى المبعوث الأميركي للشرق الأوسط، ستيف ويتكوف، لبحث التطورات الإقليمية وخفض التصعيد.

وحسب إفادة لوزارة الخارجية المصرية، السبت، تناولت الاتصالات «المستجدات بالمنطقة، في ظل تصاعد حدة التوتر بالإقليم»، وشدد وزير الخارجية المصري على «ضرورة تكثيف الجهود الرامية إلى خفض التصعيد، وإيجاد حلول سلمية من خلال الدبلوماسية والحوار، بما يُسهم في الحد من التوتر والتهدئة».

وكان عبد العاطي قد تحدّث عن اتصالات مكثفة تجريها بلاده مع واشنطن وطهران، بالتعاون مع قطر وسلطنة عمان، للعمل على منع التصعيد بالمنطقة. وقال في ندوة بـ«معرض القاهرة الدولي للكتاب»، الخميس، إن «التصعيد الحالي في المنطقة لا يخدم مصلحة أحد، ويحمل مخاطر كبيرة جدّاً على استقرار الإقليم بأكمله».

وشدد وزير الخارجية المصري، السبت، على أنه «لا توجد حلول عسكرية لمختلف التحديات التي تواجه المنطقة»، وقال إنه «من الضروري الحيلولة دون انزلاق المنطقة إلى حالة من انعدام الأمن والاستقرار، ومواصلة التفاعل والتواصل البنّاء بين الأطراف المعنية بشكل يُسهم في عودة واشنطن وطهران إلى طاولة المفاوضات، والتوصل إلى تسوية سلمية وتوافقية، على أسس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة لجميع الأطراف، وبما يدعم الأمن والاستقرار الإقليمي»، وفق «الخارجية المصرية».

وقادت القاهرة، العام الماضي، وساطة بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية، انتهت بتوقيع وزير الخارجية الإيراني، ومدير عام الوكالة الدولية، رافائيل غروسي، اتفاقاً في مصر في التاسع من سبتمبر (أيلول) الماضي، يقضي بـ«استئناف التعاون بين الجانبين، بما يشمل إعادة إطلاق عمليات التفتيش على المنشآت النووية الإيرانية»، قبل أن تعلن طهران تجميد الاتفاق في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي.

ووفق مساعد وزير الخارجية المصري السابق، رئيس بعثة رعاية المصالح المصرية السابق في إيران، السفير خالد عمارة: «هناك جهود إقليمية متنوعة لمنع انزلاق الأوضاع إلى مواجهة شاملة بين واشنطن وطهران»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «القاهرة تقوم، بالشراكة مع أطراف إقليمية، باتصالات هادئة لنزع فتيل التصعيد، وعدم تطور الأوضاع إلى حرب شاملة في المنطقة».

ويرى عمارة أن «الإقليم لا يحتمل فترات أكثر من عدم الاستقرار التي أدت إلى نزوح الملايين خارج دولهم»، مشيراً إلى أن «هناك خطة أميركية، لا تستهدف توجيه ضربة عسكرية لإيران فقط، وإنما لإسقاط النظام الإيراني»، وقال إن «هذه الرؤية تواجه تعثرات بسبب رفض جميع الأطراف الإقليمية لها».

عراقجي وغروسي أثناء التوقيع على «اتفاق القاهرة» في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)

وظهرت نية الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، توجيه ضربة عسكرية جديدة ضد إيران، عندما تعهد هذا الشهر بمساعدة المتظاهرين المناهضين للحكومة الذين يتظاهرون في طهران ومدن أخرى، ووجهت واشنطن في هذا الصدد 6 مدمرات بالشرق الأوسط، بينها المدمرة «ديلبرت دي بلاك» الموجودة في ميناء إيلات جنوبي إسرائيل، المطل على خليج العقبة، إلى جانب حاملة طائرات و3 سفن حربية أخرى.

وحذّر ترمب طهران من مواجهة إجراءات أميركية هي «الأشد قسوة» إذا لم تعد إلى طاولة المفاوضات بشأن برنامجها النووي.

ووفق مساعد وزير الخارجية المصري السابق، السفير يوسف الشرقاوي، «تأتي الاتصالات المصرية والعربية مع مختلف الأطراف الدولية بهدف خفض التصعيد في المنطقة»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «القاهرة تتبنى، مع شركائها العرب، رؤية قائمة على تبني مسار الحوار والوسائل الدبلوماسية لتسوية التوترات الإقليمية، وليس بالوسائل العسكرية».

وأشار الشرقاوي إلى أن «التحركات المصرية والعربية أسهمت في نزع فتيل الحرب ضد طهران»، مضيفاً أن «هذه الجهود تُسهم في التقاط الأنفاس والتهدئة، وتعطي فرصة للجهود الدبلوماسية والأطراف المعنية لتغليب لغة العقل، والتعامل مع الأزمة بشكل سلمي».

ولفت إلى أن «من مخاطر التصعيد أنه قد يدفع أطرافاً دولية لاتخاذ مواقف صعبة، منها روسيا والصين، وقد يُشكل مخاطر على الممرات المائية، مثل البحر الأحمر وقناة السويس»، عاداً ذلك «قد يعرض مصالح دول المنطقة للخطر».