آمال جرحى غزة تنعقد على فتح معبر رفح غداً

قائمة طويلة تضم أكثر من 20 ألف فلسطيني بينهم أكثر من 4 آلاف طفل تنتظر العبور

إسلام صالح التي أصيبت في ساقها اليسرى أثناء غارة إسرائيلية على ملجأ مدرسي بجباليا عام 2024 تجلس على كرسي متحرك داخل خيمة عائلتها في زويدة بقطاع غزة (أ.ب)
إسلام صالح التي أصيبت في ساقها اليسرى أثناء غارة إسرائيلية على ملجأ مدرسي بجباليا عام 2024 تجلس على كرسي متحرك داخل خيمة عائلتها في زويدة بقطاع غزة (أ.ب)
TT

آمال جرحى غزة تنعقد على فتح معبر رفح غداً

إسلام صالح التي أصيبت في ساقها اليسرى أثناء غارة إسرائيلية على ملجأ مدرسي بجباليا عام 2024 تجلس على كرسي متحرك داخل خيمة عائلتها في زويدة بقطاع غزة (أ.ب)
إسلام صالح التي أصيبت في ساقها اليسرى أثناء غارة إسرائيلية على ملجأ مدرسي بجباليا عام 2024 تجلس على كرسي متحرك داخل خيمة عائلتها في زويدة بقطاع غزة (أ.ب)

أُصيبت الطفلة الغزاوية ريماس أبو ليحية قبل 5 أشهر، عندما أطلقت القوات الإسرائيلية النار على حشد من الجياع الذين كانوا يتجمهرون حول شاحنة مساعدات غذائية في غزة، فأصابت رصاصة ركبتها اليسرى. والآن، أفضل فرصة لها للمشي مجدداً هي إجراء جراحة في الخارج.

وريماس ضمن قائمة طويلة تضم أكثر من 20 ألف فلسطيني، بينهم 4500 طفل، ينتظرون - بعضهم لأكثر من عام - إجلاءهم من القطاع لتلقي العلاج من جروح الحرب أو الأمراض المزمنة، وفقاً لوزارة الصحة في غزة. وتنعقد آمالهم على إعادة فتح معبر رفح الحدودي الحيوي بين غزة ومصر، وهو نقطة محورية في ظل وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه منذ نحو 4 أشهر بين إسرائيل و«حماس». وقد أعلنت إسرائيل أن المعبر سيُفتح في كلا الاتجاهين غداً (الأحد).

إسلام صالح التي أصيبت في ساقها اليسرى جراء غارة إسرائيلية على ملجأ مدرسي بجباليا عام 2024 تعرض تقاريرها الطبية داخل خيمة عائلتها في زويدة بغزة (أ.ب)

وأعلنت الهيئة العسكرية الإسرائيلية المسؤولة عن تنسيق المساعدات لغزة، أمس (الجمعة)، أنه سيتم السماح بـ«حركة محدودة للأفراد فقط». وكان رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، قد صرّح سابقاً بأن إسرائيل ستسمح بمغادرة 50 مريضاً يومياً، بينما تحدث آخرون عن إمكانية مغادرة ما يصل إلى 150 مريضاً يومياً. ويمثل هذا زيادة كبيرة مقارنةً بنحو 25 مريضاً أسبوعياً سُمح لهم بالمغادرة منذ بدء وقف إطلاق النار، وفقاً لإحصاءات الأمم المتحدة. إلا أن الأمر سيستغرق ما بين 130 و400 يوم من عمليات العبور لإخراج جميع المحتاجين.

وقالت أبو ليحية إن حياتها تعتمد على فتح المعبر. وقالت وهي تبكي وتشير إلى الكرسي المتحرك الذي تعتمد عليه في التنقل لوكالة «أسوشييتد برس»: «أتمنى لو لم أكن مضطرة للجلوس على هذا الكرسي. أحتاج إلى مساعدة للوقوف، وارتداء الملابس، والذهاب إلى دورة المياه».

مستشفيات متضررة

وتُعدّ عمليات الإجلاء ضرورية للغاية، إذ تضررت مستشفيات غزة بشدة؛ فقد أدت الحرب الإسرائيلية على غزة إلى تدمير القطاع الصحي في القطاع، حيث اكتظت المستشفيات القليلة المتبقية بالجرحى. ويعاني القطاع من نقص حاد في الإمدادات الطبية، وقد فرضت إسرائيل قيوداً على دخول المساعدات.

الطفلة الغزاوية ريماس أبو ليحية التي أصيبت في ساقها اليسرى بخان يونس (أ.ب)

وتعجز المستشفيات عن إجراء عمليات جراحية معقدة لكثير من الجرحى، بمن فيهم آلاف مبتورو الأطراف، أو علاج كثير من الأمراض المزمنة. وأُغلق مستشفى غزة المتخصص الوحيد لعلاج السرطان في بداية الحرب، وفجرته القوات الإسرائيلية مطلع عام 2025. وزعم الجيش، دون تقديم أي دليل، أن مقاتلي «حماس» كانوا يستخدمونه، رغم أنه كان يقع في منطقة خاضعة للسيطرة الإسرائيلية طوال معظم فترة الحرب.

ووفقاً لمنظمة الصحة العالمية، غادر أكثر من 10 آلاف مريض غزة لتلقي العلاج في الخارج منذ بدء الحرب. وبعد أن سيطرت القوات الإسرائيلية على معبر رفح وأغلقته في مايو (أيار) 2024، وحتى وقف إطلاق النار، لم يُجلَ سوى نحو 17 مريضاً أسبوعياً من غزة، باستثناء زيادة وجيزة تجاوزت 200 مريض أسبوعياً خلال فترة وقف إطلاق النار التي استمرت شهرين مطلع عام 2025.

ووفقاً لوزارة الصحة، يعاني نحو 440 من طالبي الإجلاء من إصابات أو أمراض تهدد حياتهم. وأعلنت الوزارة، يوم الثلاثاء، وفاة أكثر من 1200 مريض أثناء انتظارهم الإجلاء.

وقال مسؤول أممي إن أحد أسباب بطء عمليات الإجلاء هو تردد كثير من الدول في استقبال المرضى، لأن إسرائيل لا تضمن عودتهم إلى قطاع غزة. وتحدث المسؤول شريطة عدم الكشف عن هويته لوكالة «أسوشييتد برس». وقد توجهت غالبية المُجَلّين إلى مصر والإمارات العربية المتحدة وقطر وتركيا.

وقال المسؤول إنه ليس من الواضح ما إذا كان الوضع سيتغير مع فتح معبر رفح، أم لا. وأضاف أنه حتى مع عمليات الإجلاء «اليومية أو شبه اليومية»، فإن العدد ليس مرتفعاً جداً. كما صرحت إسرائيل بأنها ستسمح لنحو 50 فلسطينياً فقط بالدخول إلى غزة يومياً، بينما يأمل عشرات الآلاف من الفلسطينيين في العودة.

الضفة الغربية محظورة

وأوضح المسؤول أن إسرائيل حظرت أيضاً إرسال المرضى إلى مستشفيات الضفة الغربية المحتلة والقدس الشرقية منذ بدء الحرب، وهي خطوة قطعت ما كان سابقاً المنفذ الرئيسي للفلسطينيين الذين يحتاجون إلى علاج غير متوفر في غزة. وقدّمت 5 منظمات حقوقية التماساً إلى المحكمة العليا الإسرائيلية لرفع الحظر، إلا أن المحكمة لم تصدر حكماً بعد. ومع ذلك، سُمح لمريض سرطان واحد في غزة بالسفر إلى الضفة الغربية لتلقي العلاج في 11 يناير (كانون الثاني)، بعد أن قبلت محكمة القدس الجزئية التماساً في قضيته من منظمة «جيشا» الحقوقية الإسرائيلية.

آلاف من مرضى السرطان ينتظرون

ويحتاج آلاف مرضى السرطان إلى الإجلاء، إذ يوجد في غزة أكثر من 11 ألف مريض سرطان، ونحو 75 في المائة من أدوية العلاج الكيميائي اللازمة غير متوفرة، وفقاً لوزارة الصحة. وأضاف التقرير أن ما لا يقل عن 4 آلاف مريض سرطان بحاجة إلى علاج عاجل في الخارج.

يعاني محمود أبو إسحاق (14 عاماً) من فقدان البصر بسبب حالة في القرنية... يُظهر والده عينه للكاميرا بينما ينتظران الحصول على إذن للسفر خارج قطاع غزة لتلقي العلاج الطبي - خان يونس (أ.ب)

ويُعاني أحمد برهم، وهو طالب جامعي يبلغ من العمر 22 عاماً، من سرطان الدم (اللوكيميا). وقد خضع لعمليتين جراحيتين لاستئصال الغدد الليمفاوية في يونيو (حزيران)، لكن المرض لا يزال ينتشر «بمعدل ينذر بالخطر»، كما قال والده، محمد برهم.

وأضاف برهم الأب: «لا يوجد علاج متوفر هنا».

وأُدرج برهم اسم ابنه، الذي فقد 35 كيلوغراماً (77 رطلاً)، على قائمة الانتظار العاجلة للإحالة إلى الخارج الأسبوع الماضي، لكنه لم يتلقَّ تأكيداً للسفر حتى الآن. وقال الأب: «ابني يموت أمام عيني».

وفي انتظار فتح معبر رفح، ينتظر محمود أبو إسحاق، البالغ من العمر 14 عاماً، منذ أكثر من عام على قائمة الإحالة لتلقي العلاج في الخارج. وانهار سقف منزل عائلته عندما سقطت غارة إسرائيلية بالقرب من بلدة بني سهيلة جنوب البلاد. وأُصيب الصبي بانفصال في شبكية العين. وقال والده، فواز أبو إسحاق: «أصبح الآن كفيفاً تماماً. ننتظر فتح المعبر».

آلاف ينتظرون العلاج

أُصيبت أبو ليحية في أغسطس (آب) الماضي، عندما خرجت من خيمتها العائلية في مدينة خان يونس جنوب البلاد، بحثاً عن شقيقها الأصغر، مهند، كما صرّحت لوكالة «أسوشييتد برس». وكان الصبي قد خرج في وقت سابق من ذلك الصباح، على أمل الحصول على بعض الطعام من شاحنات الإغاثة.

في ذلك الوقت، حين كانت غزة على وشك المجاعة، كانت حشود غفيرة تنتظر الشاحنات بانتظام، وتسحب صناديق الطعام منها، وكثيراً ما كانت القوات الإسرائيلية تطلق النار على هذه الحشود. وادعى الجيش الإسرائيلي أن قواته كانت تطلق طلقات تحذيرية، لكن مئات الأشخاص لقوا حتفهم على مدى عدة أشهر، وفقاً لمسؤولين صحيين في غزة.

وعندما وصلت أبو ليحية إلى مشارف منطقة سيطرة عسكرية كانت تمر منها الشاحنات، كان عشرات الأشخاص يفرون بينما كانت القوات الإسرائيلية تطلق النار. وقالوا إن رصاصة أصابت أبو ليحية في ركبتها، فسقطت على الأرض وهي تصرخ.

وفي مستشفى ناصر القريب، خضعت لعدة عمليات جراحية، لكن الأطباء لم يتمكنوا من إصلاح ركبتها. وأخبرها الأطباء بأنها بحاجة إلى جراحة استبدال مفصل الركبة خارج غزة.

وأبلغ المسؤولون العائلة الشهر الماضي بأنها ستُجلى في يناير. لكن حتى الآن لم يحدث شيء، كما قال والدها، سرحان أبو ليحية. وتابع: «حالتها تتدهور يوماً بعد يوم»، وقال: «إنها تجلس وحيدة وتبكي».


مقالات ذات صلة

إسرائيل تفتح معبر رفح الأربعاء أمام حركة «محدودة» للأفراد

شؤون إقليمية سيارات إسعاف مصرية تقف أمام معبر رفح من الجانب المصري قبل إعادة إغلاقه (رويترز)

إسرائيل تفتح معبر رفح الأربعاء أمام حركة «محدودة» للأفراد

قالت هيئة تنسيق أعمال ​الحكومة الإسرائيلية في المناطق (كوغات)، وهي الجهة العسكرية المسؤولة عن الشؤون الإنسانية، إن معبر ‌رفح سيُعاد فتحه يوم الأربعاء.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شمال افريقيا رافعة بناء تدخل من الجانب المصري لمعبر رفح الحدودي مع قطاع غزة (أرشيفية - أ.ف.ب)

غزيون في مصر بين معاناة غلق معبر رفح وانتظار المجهول

معاناة يتجرعها غزيون في مصر مع استمرار إسرائيل في إعاقة عودة الفلسطينيين لقطاع غزة أو دخول آخرين من القطاع للعلاج، مع غلق المعابر وبينها رفح الحدودي.

محمد محمود (القاهرة)
المشرق العربي فلسطيني يحمل طفلة بينما يصل الفلسطينيون القادمون من معبر رفح الحدودي إلى مستشفى ناصر في خان يونس جنوب قطاع غزة يوم 9 فبراير الحالي (رويترز) p-circle 05:08

«أغروهم بالمال للرجوع إلى مصر»... صدمة إسرائيلية من العائدين إلى غزة

خيّمت الصدمة على السلطات الإسرائيلية من أعداد الفلسطينيين الراغبين في العودة لقطاع غزة رغم ما حل به من دمار، بينما نقلت شهادات عن إغرائهم بالأموال للرجوع لمصر

نظير مجلي (تل أبيب)
شؤون إقليمية مبانٍ مدمرة في مخيم جباليا للاجئين بشمال غزة (أ.ف.ب) p-circle

الجيش الإسرائيلي يقتل أربعة «مسلّحين» خرجوا من نفق في رفح

قال الجيش الإسرائيلي، الاثنين، إنه قتل أربعة مسلحين فلسطينيين عند خروجهم من نفق في رفح بجنوب قطاع غزة، متهماً إياهم بأنهم كانوا يطلقون النار على جنود إسرائيليين

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
خاص عائدون من مصر دخلوا من معبر رفح أمام مستشفى ناصر في خان يونس الأربعاء (أ.ف.ب) p-circle 05:08

خاص عائدون إلى غزة... من غربة صعبة إلى رحلة شاقة للقطاع

عاش العائدون رحلة طويلة شاقة لم يتوقعها أي منهم، في ظل التغيرات التي أحدثتها الحرب الإسرائيلية التي استمرت عامين على القطاع.

«الشرق الأوسط» (غزة)

120 ألف سوري يغادرون لبنان إلى سوريا منذ بدء الحرب

نقطة «المصنع» اللبنانية على الحدود مع سوريا (أرشيفية - أ.ف.ب)
نقطة «المصنع» اللبنانية على الحدود مع سوريا (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

120 ألف سوري يغادرون لبنان إلى سوريا منذ بدء الحرب

نقطة «المصنع» اللبنانية على الحدود مع سوريا (أرشيفية - أ.ف.ب)
نقطة «المصنع» اللبنانية على الحدود مع سوريا (أرشيفية - أ.ف.ب)

عاد نحو 120 ألف سوري إلى بلدهم من لبنان المجاور منذ اندلاع الحرب بين إسرائيل و«حزب الله» قبل أكثر من أسبوعين، بحسب أرقام «المنظمة الدولية للهجرة».

وقالت المنظّمة التابعة للأمم المتحدة في تصريحات لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «حتى تاريخ 17 مارس (آذار)، دخل 125784 شخصاً إلى سوريا من لبنان منذ 2 مارس»، موضحة أن «نحو 119 ألفاً منهم سوريون». وطالت الحرب في الشرق الأوسط لبنان في 2 مارس بعدما أطلق «حزب الله» صواريخ على الدولة العبرية، رداً على اغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي في أول أيام الهجوم الأميركي-الإسرائيلي على الجمهورية الإسلامية.

وتردّ إسرائيل بشنّ غارات واسعة النطاق على لبنان، وبدأت عملية برية في جنوب البلاد. وكشفت وزارة الصحة اللبنانية الثلاثاء عن مقتل أربعة سوريين بضربة إسرائيلية في جنوب لبنان. من جهتها، بقيت سوريا حتى الآن بمنأى عن الحرب الإقليمية، في حين عاد أكثر من نصف مليون سوري من لبنان في عام 2025، وفق مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، وذلك عقب سقوط حكم بشار الأسد، الذي كان مدعوماً من «حزب الله» وطهران، في العام 2024.


إسرائيل تدمر جسور جنوب لبنان تمهيداً لعزل المنطقة الحدودية

دمار ونيران في جسور القاسمية الساحلية على نهر الليطاني بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
دمار ونيران في جسور القاسمية الساحلية على نهر الليطاني بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تدمر جسور جنوب لبنان تمهيداً لعزل المنطقة الحدودية

دمار ونيران في جسور القاسمية الساحلية على نهر الليطاني بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
دمار ونيران في جسور القاسمية الساحلية على نهر الليطاني بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

بدأت إسرائيل عزل منطقة جنوب الليطاني الحدودية عن شماله في جنوب لبنان، عبر استهداف جسور رئيسية على النهر شمال مدينة صور الساحلية، وإعلان الجيش الإسرائيلي عن أنه سيستهدف المعابر لمنع نقل المقاتلين والأسلحة، وذلك على إيقاع توسعة في الاستهدافات إلى وسط بيروت، ومواجهات مسلحة على جبهتي الخيام والطيبة في الجنوب.

وفي وقت توعّد وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، فيه بـ«مفاجآت كبيرة سترفع مستوى الحرب ضد إيران و(حزب الله) في لبنان»، برز تطور ميداني لافت تمثّل في تركيز الضربات على الجسور والطرق الحيوية في جنوب لبنان، لا سيما على مجرى نهر الليطاني، في خطوة تُقرأ ضمن استراتيجية تهدف إلى عزل منطقة جنوب الليطاني عن شماله.

وأنذر المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، أفيخاي أدرعي، السكان بضرورة الانتقال إلى شمال نهر الزهراني، معلناً «الاستعداد لاستهداف معابر الليطاني لمنع نقل تعزيزات ووسائل قتالية». وأعقب الإنذار تنفيذ غارات طالت العبّارة الاحتياطية فوق نهر الليطاني في برج رحال، وجسر الكينايات في القاسمية، بالتوازي مع قصف عنيف على المنطقة. كما أدّت الغارات إلى قطع الطريق الساحلية في القاسمية، حيث أعلن الجيش اللبناني تحويل السير نحو أوتوستراد برج رحال حفاظاً على السلامة العامة، في ظل استمرار الاستهداف بين أبو الأسود والقاسمية.

وترافقت هذه الضربات مع أوامر إخلاء طالت بلدات خربة سلم وبيت ياحون وصريفا ودير قانون النهر، إضافة إلى تحذيرات متكررة لسكان المناطق الواقعة جنوب الزهراني.

وأعلن كاتس الأربعاء، أن «الجيش دمر جسرين إضافيين على نهر الليطاني» في جنوب لبنان، مشيراً إلى أن عناصر «حزب الله» استخدمت هذه الجسور لتهريب الأسلحة إلى الجنوب. وأضاف: «هذا الإجراء يمثل رسالة واضحة للحكومة اللبنانية، بأن إسرائيل لن تسمح لـ«حزب الله» باستخدام البنية التحتية للدولة اللبنانية» لأغراض عسكرية.

توغلات برية

وترافق التصعيد مع محاولات إسرائيلية للتوغل، حيث تواصلت المعارك في محور الخيام، وسُجّل تحرّك رتل دبابات إسرائيلية من مرتفعات كفرشوبا باتجاه أطراف حلتا عبر شانوح، بالتزامن مع قصف مدفعي طال كفرشوبا وكفرحمام.

وتصدرت المواجهات في الطيبة التطورات الميدانية، حيث يحاول الجيش الإسرائيلي الوصول إلى إحدى ضفاف نهر الليطاني. وقالت مصادر محلية إن الجيش الإسرائيلي وصل إلى «مشروع المياه» في الطيبة، وهو النقطة الأعلى ارتفاعاً، والمطلة على نهر الليطاني في الأسفل كما تطل على العمق في جنوب لبنان، لكنه لم يستطع الدخول إلى البلدة. وتحدثت المصادر عن اشتباكات على أطراف البلدة، وعن صواريخ موجهة تستهدف الدبابات الإسرائيلية في «مشروع الطيبة»، وصواريخ «كاتيوشا» تستهدف التجمعات الإسرائيلية في المنطقة.

جنود إسرائيليون بدورية مؤللة على الحدود مع لبنان في الجليل الأعلى (أ.ف.ب)

وفي المقابل، وسع الجيش الإسرائيلي دائرة القصف المدفعي إلى أطراف القليعة وبرج الملوك وجديدة مرجعيون على الضفة الغربية لسهل الخيام، وذلك في محاولة لمنع أي استهدافات لقواته التي تتوغل في وسط مدينة الخيام وتسعى منذ يومين إلى التقدم نحو شمالها. وأفادت وسائل إعلام لبنانية باشتباكات تجددت في وسط الخيام، بموازاة صواريخ وغارات جوية تتعرض لها المدينة.

وقال المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي إن قوات «الفرقة91» استهدفت خلية تابعة لـ«حزب الله» كانت تنقل قذائف «آر بي جي»، مؤكداً «القضاء عليها قبل تنفيذ هجوم، إضافة إلى استهداف عنصرين آخرين أطلقا صواريخ نحو القوات الإسرائيلية».

وأفادت معلومات ميدانية بتوغّل دبابات إسرائيلية في أطراف بلدة حلتا بقضاء حاصبيا، في وقت استمر فيه القصف على بلدات مرجعيون وإبل السقي والقليعة لليوم الثاني؛ ما أدى إلى مقتل شخصين إثر استهداف منزل في القليعة.

إصابة الـ«يونيفيل» وتصاعد المخاوف

وفي تطور موازٍ، أقرّ الجيش الإسرائيلي بإصابة موقع لـ«قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل)» في جنوب لبنان بنيران دباباته مطلع الشهر؛ ما أدى إلى إصابة عناصر من الكتيبة الغانية، في حادثة تعكس ارتفاع المخاطر التي تواجهها القوات الدولية.

دخان يتصاعد جراء ضربات إسرائيلية تستهدف جنوب لبنان كما تظهر من شمال إسرائيل (أ.ف.ب)

غارات تمتد إلى مرافق صحية

ووسّع الطيران الإسرائيلي دائرة الاستهداف لتشمل عشرات البلدات، من بينها شبعا، وعيتيت، وزبقين، ودير الزهراني، وكفرا، والنبطية، وميفدون، وبرج قلاوية، إضافة إلى استهداف محطات وقود تابعة لـ«شركة الأمانة للمحروقات».

وفي تصعيد طال محيط مرافق صحية، أفادت «الوكالة الوطنية للإعلام» بأن غارة استهدفت مبنى سكنياً محاذياً لموقف السيارات الخلفي لـ«مستشفى الشيخ راغب حرب» في بلدة تول (قضاء النبطية)، ما أدى إلى تدميره وإلحاق أضرار جسيمة بالمباني المجاورة وبمبنى المستشفى.

كما استهدفت غارة منزلاً في بلدة قناريت (قضاء صيدا) وأسفرت عن مقتل 3 أشخاص، فيما أدّت غارة على سحمر في البقاع الغربي إلى مقتل شخصين وإصابة 6.

وفي النبطية، قُتل 3 أشخاص بغارة على مبنى في حبوش، مع استمرار عمليات البحث عن مفقودين، إضافة إلى إصابة 11 عنصراً من الدفاع المدني، في حين قُتل 4 أشخاص من الجنسية السورية في غارة على جبشيت.

أما في بعلبك، فأدّت غارة إلى مقتل 4 أشخاص وإصابة 7 آخرين.

سكان يسيرون فوق ركام ناتج عن قصف إسرائيلي لمنطقة الباشورة بمحيط وسط بيروت (أ.ف.ب)

وفي صيدا، استهدفت غارة إسرائيلية سيارة على الكورنيش البحري؛ ما أدى إلى مقتل شخصين، أحدهما عنصر في الدفاع المدني. وأعلن الجيش الإسرائيلي وجهاز «الشاباك» تنفيذ عملية اغتيال طالت مسؤولاً في جمع الأموال لحركة «حماس».

وأثار مقتل عنصر الدفاع المدني إدانات رسمية، إذ أكد وزير الداخلية، أحمد الحجار، أن هذه الاعتداءات تمثل «انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني»، محذراً من تداعيات استهداف فرق الإغاثة على سلامة المدنيين.

بيانات «حزب الله»

في المقابل، أعلن «حزب الله»، في سلسلة بيانات، تنفيذ هجمات استهدفت تجمعات ومواقع للجيش الإسرائيلي على طول الحدود، مؤكداً استهداف تجمع لجنود في «مشروع الطيبة»، وآخر في تلة العويضة بالعديسة، بصليات صاروخية، أسفرا عن إصابات مباشرة، استدعت تدخل مروحيات لإخلاء الجرحى. كما أعلن «الحزب» تصدّيه لمحاولة تقدّم لقوات إسرائيلية في محيط معتقل الخيام، حيث اندلعت اشتباكات مباشرة.


إسرائيل توسع بنك أهدافها إلى بيروت لاختبار «تماسك» الداخل اللبناني

عامل إنقاذ يحمل طفلاً بُعيد استهداف إسرائيلي في محيط وسط بيروت (أ.ب)
عامل إنقاذ يحمل طفلاً بُعيد استهداف إسرائيلي في محيط وسط بيروت (أ.ب)
TT

إسرائيل توسع بنك أهدافها إلى بيروت لاختبار «تماسك» الداخل اللبناني

عامل إنقاذ يحمل طفلاً بُعيد استهداف إسرائيلي في محيط وسط بيروت (أ.ب)
عامل إنقاذ يحمل طفلاً بُعيد استهداف إسرائيلي في محيط وسط بيروت (أ.ب)

دخلت العاصمة اللبنانية بيروت الأربعاء مرحلة جديدة من التصعيد، مع تعرّضها لسلسلة غارات إسرائيلية متتالية فجر الأربعاء، أعقبتها ضربة صباحية استهدفت شقة سكنية في منطقة زقاق البلاط، في تطور يعكس تحوّلاً واضحاً في نمط العمليات، وتوسيعاً لرقعة الاستهداف داخل المدينة.

وبحسب مركز عمليات طوارئ الصحة التابع لوزارة الصحة العامة أدّت حصيلة الغارات على منطقتي البسطة وزقاق البلاط في العاصمة بيروت إلى مقتل 10 أشخاص وجرح 27 آخرين. وطالت الضربات أربع مناطق متفرقة، بينها الباشورة وزقاق البلاط والبسطة، مع تسجيل تكرار استهداف مبانٍ سبق أن تعرّضت لغارات في الأيام الماضية، فيما بدا أنه تكريس لنمط تصعيدي متدرّج يقوم على إعادة ضرب الأهداف نفسها حتى إخراجها نهائياً من الخدمة.

سقوط الاستثناء

تشير الضربات الأخيرة إلى سقوط عملي لما كان يُعرف بـ«الاستثناء البيروتي»، إذ لم تعد العاصمة خارج نطاق العمليات، بل باتت جزءاً مباشراً من مسرح المواجهة. وتؤكد القراءة السياسية أن الاستهداف لم يعد محصوراً بجغرافيا محددة، بل يجري تعميمه على مختلف المناطق، بما يعكس توجهاً نحو توسيع نطاق الضغط، وتكريس معادلة مفتوحة لا تستثني أي موقع.

وفي هذا السياق، قال النائب محمد خواجة لـ«الشرق الأوسط»: إن «إسرائيل لا تميّز في استهدافاتها بين منطقة وأخرى داخل لبنان، ولا يمكن الحديث عن أي مظلّة أمنية خاصة تحمي بيروت، أو غيرها»، مؤكداً أن «نطاق العمليات يشمل مختلف الأراضي اللبنانية، وليست العاصمة وحدها».

سكان في زقاق البلاط يخلون منازلهم بعد استهداف إسرائيلي للمنطقة المحيطة بوسط بيروت (إ.ب.أ)

وأوضح خواجة أن «ما يجري لا يندرج في إطار ضغط سياسي مباشر بقدر ما هو استخدام للأدوات العسكرية والأمنية بهدف التأثير على الداخل اللبناني»، مشيراً إلى أن «هذه الاستراتيجية تقوم على محاولة خلق توترات داخلية، ولا سيما في المناطق المختلطة، بما يؤدي إلى زيادة الضغوط الاجتماعية». معتبراً أن «إسرائيل تعتمد على استهداف مناطق متعددة، من دون حصر عملياتها بجغرافيا معينة، وهي تستخدم قدراتها العسكرية بشكل واسع، مستفيدة من تفوقها الجوي»، لافتاً إلى أن «استهداف المدنيين أو المناطق المدنية ليس جديداً، وقد شهدته بيروت في مراحل سابقة، ومن غير المستبعد تكراره».

نحو الضغط الشامل

يتجاوز التصعيد البعد العسكري المباشر، ليحمل أبعاداً سياسية واجتماعية واضحة تقوم على استخدام الضربات كوسيلة تأثير على الداخل اللبناني.

وفي هذا الإطار شدد النائب محمد خواجة على أن ما يجري «يستهدف بشكل مباشر البيئة الاجتماعية اللبنانية، عبر تعميق الانقسامات، وخلق توترات بين اللبنانيين»، معتبراً أن «الردّ الأكثر فاعلية في هذه المرحلة لا يكون إلا بالتمسّك بالثوابت الوطنية، وتعزيز الوحدة الداخلية».

بيروت كمساحة ضغط

يكتسب استهداف العاصمة دلالات إضافية تتصل بوظيفتها كحاضنة سكانية واسعة، لا سيما في ظل احتضانها أعداداً كبيرة من النازحين، إذ قال النائب إبراهيم منيمنة لـ«الشرق الأوسط»: إن «إسرائيل تسعى، في سياق معركتها مع (حزب الله)، إلى ممارسة أقصى درجات الضغط عليه، بما في ذلك عبر توظيف الواقع الداخلي اللبناني كأداة ضغط على المستوى الاجتماعي»، مشيراً إلى أن «استهداف بيروت لا يقتصر على ملاحقة عناصر محددة، بل يندرج أيضاً ضمن محاولة لإحداث شرخ داخلي، ودفع اللبنانيين إلى مواجهة بعضهم البعض، بما يفاقم الضغط على البيئة الحاضنة للحزب».

ورأى أنّ «هذه المعادلة لا تصيب سوى اللبنانيين، إذ يجد البلد نفسه عالقاً بين طرفين لا يملك التأثير المباشر في مسار مواجهتهما»، لافتاً إلى أن «بيروت اليوم تتحمّل عبئاً مضاعفاً باعتبارها العاصمة التي تستوعب النازحين والأهالي، فيما تتعرض في الوقت نفسه لضغوط أمنية، واستهدافات مباشرة». معتبراً أنّ «بيروت ليست مستثناة من التصعيد، ومن المرجّح أن يستمر هذا النمط خلال المرحلة المقبلة»، مشدداً على أن «الواجب يفرض تعزيز الوضع الأمني داخل المدينة، والعمل على ضبط أي مظاهر أو أهداف قد تُستخدم ذريعة للاستهداف، بما يحمي السكان، ويمنع تعريضهم للخطر».

النيران تتصاعد لحظة ارتطام صاروخ بمبنى أنذر الجيش الإسرائيلي بإخلائه تمهيداً لاستهدافه في الباشورة بوسط بيروت (أ.ف.ب)

وشدّد على أنّ «المطلوب الحفاظ على قدرة بيروت على احتضان النازحين، ومنع تحوّل الضغوط الأمنية إلى احتقان، أو احتكاكات داخلية».

وأشار إبراهيم منيمنة إلى أن «المواجهة القائمة تبدو مفتوحة، في ظل تمسّك كل من إسرائيل و«حزب الله» بخياراتهما، ما يضع لبنان واللبنانيين في موقع المتضرر الأول»، مؤكداً أن «هناك تحركات واتصالات قائمة على المستوى النيابي والبلدي لبحث سبل تحييد بيروت قدر الإمكان عن تداعيات التصعيد، وإن كانت لا تزال في إطار التداول».

الضغط المفتوح

على المستوى العسكري، يعكس نمط الضربات توجهاً واضحاً نحو توسيع بنك الأهداف، مع اعتماد سياسة تقوم على تعميم الجغرافيا، وتكرار الاستهداف. إذ قال العميد الركن المتقاعد بسام ياسين لـ«الشرق الأوسط» إن الاستهدافات الإسرائيلية التي تطال بيروت «لا تخضع لأي اعتبارات جغرافية، أو خطوط حمراء»، مشيراً إلى أن «إسرائيل تعتمد سياسة الضغط المفتوح، بحيث تضرب أينما تريد، من دون تمييز بين منطقة وأخرى».

وأوضح أن «ما يجري هو استهداف بهدف رفع مستوى الضغط، ما يعكس غياب أي ضوابط في بنك الأهداف». ورأى أن «تل أبيب تسعى إلى تعميم الضغط على كامل الأراضي اللبنانية، واستخدام العاصمة كمنصة لتكريس هذا الضغط، وإيصال رسالة بأنها وسّعت نطاق عملياتها».