لبنان أمام استحقاقات داهمة تحدّد منحى الإصلاحات واستدامة النمو

السياحة تستعيد بريقها وارتفاع قياسي لقيمة مخزون الذهب

مجلس الوزراء اللبناني ملتئماً برئاسة رئيس الحكومة نواف سلام (الوكالة الوطنية)
مجلس الوزراء اللبناني ملتئماً برئاسة رئيس الحكومة نواف سلام (الوكالة الوطنية)
TT

لبنان أمام استحقاقات داهمة تحدّد منحى الإصلاحات واستدامة النمو

مجلس الوزراء اللبناني ملتئماً برئاسة رئيس الحكومة نواف سلام (الوكالة الوطنية)
مجلس الوزراء اللبناني ملتئماً برئاسة رئيس الحكومة نواف سلام (الوكالة الوطنية)

تفرض الاستحقاقات الدستورية والسياسية المتلاحقة خلال الأشهر المقبلة إيقاعها الاستثنائي على واقع الاقتصاد اللبناني في العام الجديد، بعدما أسهم النشاط السياحي القوي، بنهاية العام السابق، وقبله في الموسم الصيفي، إلى جانب زخم أنشطة القطاع الخاص، في تأكيد استعادة «أوليّة» لمسار النمو الإيجابي بنسبة متوقعة تقارب 5 في المائة.

جلسة مهمة للحكومة

وتشكّل الجلسة الأولى لمجلس الوزراء، خلال الأسبوع الحالي، التي ستحدّد وجهة المراحل التالية لمهمة سيطرة الجيش المكتملة على منطقة جنوب الليطاني، الاختبار الأصعب بدلالاته، حسب مسؤول مالي، لقياس التقدم الداخلي المنشود في إدارة الملفات الشائكة، واستهداف تعزيز عوامل استدامة الاستقرار، وإعادة بناء الثقة، بوصفها فجوات بنيوية تصدّرت بأهميتها وتأثيراتها أولويات العهد الرئاسي المشرف على بدء عامه الثاني، والمتوافق مع البيان الوزاري لحكومته الأولى.

وبدا الارتفاع القياسي العالمي في أسعار الذهب، وبنسب قياسية غير مسبوقة، بمنزلة «الضمانة» المتجدّدة، من دون أي جهد محلي، لتحفيز السلطات اللبنانية والقوى السياسية على الاستثمار الناجع في الفرصة الفريدة، التي حققّت قفزة استثنائية تعدّت 16 مليار دولار في التقييم السعري لمخزون المعدن الثمين لدى البنك المركزي اللبناني، ليتعدّى إجمالي الاحتياطي حد 40 مليار دولار، معززاً بمواصلة تنمية الاحتياطيات النقدية لتبلغ نحو 12 مليار دولار.

مقر «المصرف المركزي» في بيروت (الوكالة الوطنية للإعلام)

ويمثّل ارتقاء إجمالي الاحتياطيات النقدية والذهبية فوق مستوى 52 مليار دولار، وفق المسؤول المالي، ركيزة متينة لإعادة هيكلة الاقتصاد الهش على قاعدة تنمية عوامل استدامة الاستقرار، ومعالجة حصيلة الانكماش الحاد بنسبة مجمعة تتعدّى 40 في المائة من إجمالي الناتج المحلي على مدار 6 سنوات متتالية، عقب انفجار الأزمات النقدية والمالية، والمتوّجة بحرب تدميرية، فرضت بدورها مهمات داخلية بالغة التعقيد، ضمن ملف حصر السلاح بيد القوى الشرعية.

أهمية إقرار الموازنة

ولا تقل الملفات التالية أهمية وتأثيراً على مجمل المسارات الداخلية، وفق المسؤول المالي، حيث تبرز أولوية إقرار الموازنة العامة قبل نهاية الشهر الحالي، بما يمهد لشروع لجنة المال والموازنة بمناقشة مشروع قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع، بعد المخاض الصعب الذي رافق إقراره في مجلس الوزراء بنهاية العام الماضي، حيث تشاركت كتلة وزارية وازنة ومن أطراف غير منسجمة سياسياً (9 وزراء)، في الاعتراض على مواد ومندرجات أساسية واردة في المشروع.

ومن الواضح، حسب المسؤول عينه، أن التمثيل النيابي للوزراء المعترضين، والمدعوم باعتراضات مماثلة من قبل كتل ونواب مستقلين، وبالإضافة إلى ملاحظات مهمة أوردها حاكم البنك المركزي كريم سعيد، سيضع المشروع قيد تعديلات محورية، عشية استحقاق الانتخابات النيابية في الربيع المقبل، لا سيما ما يعود لمسؤولية الدولة «الملتبسة»، وبالأساس الآليات المقترحة لرد أموال المودعين وحقيقة استنزاف قيمها في جداول آجالها التي تتراوح بين 10 و20 سنة، و4 سنوات للمبالغ المضمونة دون حد مائة ألف دولار.

قانون إصلاح أوضاع المصارف

ويكتسب المشروع أهمية استثنائية مضافة، بفعل ارتباط تشريعه الناجز بتفعيل وبدء تنفيذ قانون إصلاح أوضاع المصارف الذي أقره مجلس النواب بنهاية شهر يوليو (تموز) من العام الماضي، بحيث يشكل ذلك مع قانون تعديلات السرية المصرفية، الثلاثية التشريعية التي اشترطها صندوق النقد الدولي لعقد اتفاق تمويلي جديد مع لبنان، يرث الاتفاق المتعثر الذي وقعه الطرفان، على مستوى فريقي العمل، في ربيع عام 2022.

لبنانية تعتصم أمام مبنى «جمعية المصارف» في بيروت بعد الأزمة المعيشية 2019 (أرشيفية - أ.ب)

كما يُشكّل المشروع الأرضية القانونية الملائمة لاستكمال الاستجابة لسد الثغور التي أوجبت إدراج لبنان من قبل مجموعتي العمل المالي الدولي (فاتف)، الإقليمية والدولية، ضمن اللائحة «الرمادية» للدول التي تعاني قصوراً في مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب. كونه يعزّز نجاعة الإجراءات التنفيذية والقضائية، والجهود المتواصلة من قبل وزارة المال والبنك المركزي لكبح ظاهرة «الاقتصاد النقدي» وإعادة ضخ السيولة ووسائل السداد ضمن القنوات المصرفية الخاضعة للرقابة وفق المعايير الدولية.

ومن الثابت، حسب المسؤول المالي، واقعية استمرار إدراج لبنان في الخانة «الرمادية»، حتى موعد اجتماعات الخريف المقبل للمجموعة الدولية، على أقل تقدير. في حين تظل المطالب الدولية متشددة بوجوب معالجة أوجه القصور الأساسية والمرتبطة خصوصاً، بانتهاء تعاملات «منظمات» غير مرخصة ضمن نطاق القطاع المالي، و«منظومات» غير مشروعة تمارس أنشطة صرافة وعمليات مالية. فضلاً عن تضخم الاقتصاد النقدي وغير القابل للتحجيم قبل حل أزمتي البنوك والمودعين.

مفاوضات مع حاملي سندات الدين

كما يندرج في لائحة الاستحقاقات المالية الداهمة هذا العام، مبادرة وزارة المال إلى الإيفاء بتعهدها فتح قنوات المفاوضات المباشرة مع حاملي سندات الدين السيادية (اليوروبوندز)، ولا سيما بينهم الأغلبية من البنوك والمؤسسات المالية الدولية، بهدف معالجة الخلل الفادح الذي أورثته الحكومة الأسبق برئاسة الدكتور حسان دياب في ربيع عام 2020، بقرارها تعليق دفع كامل المستحقات (أصول وفوائد) لمحفظة ديون تناهز 31 مليار دولار، وارتقت حالياً إلى أكثر من 42 مليار دولار، بفعل تراكمات العوائد.

وريثما تفتح الوزارة نافذة التفاوض، فقد شهد العام الماضي، قفزات لافتة في أسعار سندات «اليوروبوندز»، حيث بلغت مستويات لم تشهدها منذ تاريخ الإعلان عن التخلف عن الدفع. إذ أقفلت أسعار سندات الدين الحكومية، وفق رصد التقرير الدوري لبنك «عودة» عند 23.10 سنت للدولار الواحد في نهاية السنة، أي بارتفاع لافت نسبته 80 في المائة، بالمقارنة مع 12.75 سنت للدولار الواحد في نهاية عام 2024. في حين تترقب بنوك دولية مزيداً من الارتفاع لبلوغ مستوى 35 سنتاً للدولار خلال العام الحالي.

زينة عيد الميلاد في وسط بيروت (أ.ب)

وجذبت سندات الدين الحكومية اهتماماً لافتاً من قبل المستثمرين المؤسّساتيّين الدوليّين، حسب التقرير، في ظلّ تحسّن الانطباع العام عقب سلسلة من التطورات السياسية المحلّية في بداية العام، ولا سيّما الانتخابات الرئاسية، وتشكيل حكومة من ذوي الكفاءات، إلى جانب الترحيب الدولي بالقرار التاريخي الذي اتخذته الحكومة في 5 أغسطس (آب) بشأن بسط سيادة الدولة على كامل أراضيها بقواها الذاتية حصراً وتكليف الجيش بحصر السلاح بيد الدولة.


مقالات ذات صلة

مقاتلات إسرائيلية تخرق جدار الصوت فوق بيروت

المشرق العربي الدخان يتصاعد من ضاحية بيروت الجنوبية إثر استهدافها بغارة إسرائيلية (رويترز)

مقاتلات إسرائيلية تخرق جدار الصوت فوق بيروت

أفاد الإعلام الرسمي اللبناني بأن مقاتلات إسرائيلية خرقت جدار الصوت فوق بيروت ليل السبت، فيما سمع صحافيو وكالة فرانس برس وسكان دوي انفجارات قوية في أجواء العاصمة

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي جنود سوريون في قرية حوش السيد علي (أرشيفية - أ.ب)

دمشق: نفق تهريب على الحدود مع لبنان... وكبتاغون

أعلنت وزارة الدفاع السورية عن تنفيذ عمليتين أمنيتين منفصلتين على الحدود السورية - اللبنانية، تمثّلتا بإحباط محاولة تهريب مواد مخدرة واكتشاف نفق يُستخدم للتهريب

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي جانب من مؤتمر «إنقاذ لبنان» الذي دعا إليه حزب «القوات اللبنانية» (القوات اللبنانية)

مؤتمر «لإنقاذ لبنان»: دعوة لحصر السلاح ومحاسبة المسؤولين

شدّد رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع على أن «لبنان ليس إيران».

«الشرق الأوسط» (بيروت)
خاص رئيس الجمهورية جوزيف عون مستقبلاً رئيس البرلمان نبيه بري (أرشيفية- رئاسة الجمهورية)

خاص لبنان يرفض ربط طهران مصيره بمفاوضاتها الموعودة مع واشنطن

ينشغل لبنان بمواكبة حركة الاتصالات لعلها تؤدي لإنضاج الظروف وتحضير الأجواء، أمام معاودة المفاوضات الأميركية- الإيرانية، بضيافة باكستانية وبوساطة عربية إسلامية.

محمد شقير (بيروت)
تحليل إخباري دخان يتصاعد من أحد المباني في الضاحية الجنوبية لبيروت إثر استهدافها بغارة إسرائيلية (أ.ب)

تحليل إخباري صواريخ «حزب الله» تُهدد الطيران المدني

أعلن «حزب الله» تنفيذ عمليات متتالية في المجال الجوي اللبناني، تمثّلت في إطلاق صاروخ أرض-جو باتجاه طائرة حربية إسرائيلية في سماء بيروت يوم الجمعة.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

مقتل 6 أشخاص في غارتين إسرائيليتين على نقطتي تفتيش في غزة

تصاعد الدخان في خان يونس بعد غارة إسرائيلية قرب مخيم يؤوي نازحين في دير البلح بوسط قطاع غزة (د.ب.أ)
تصاعد الدخان في خان يونس بعد غارة إسرائيلية قرب مخيم يؤوي نازحين في دير البلح بوسط قطاع غزة (د.ب.أ)
TT

مقتل 6 أشخاص في غارتين إسرائيليتين على نقطتي تفتيش في غزة

تصاعد الدخان في خان يونس بعد غارة إسرائيلية قرب مخيم يؤوي نازحين في دير البلح بوسط قطاع غزة (د.ب.أ)
تصاعد الدخان في خان يونس بعد غارة إسرائيلية قرب مخيم يؤوي نازحين في دير البلح بوسط قطاع غزة (د.ب.أ)

قال مسؤولون محليون في قطاع الصحة إن غارتين جويتين إسرائيليتين استهدفتا نقطتي تفتيش تابعتين ​لقوة الشرطة التي تقودها حركة «حماس» وأسفرتا عن مقتل ما لا يقل عن ستة فلسطينيين بينهم طفل. يأتي هذا في أحدث جولة من العنف على الرغم من وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات ‌المتحدة والذي ‌مضى عليه الآن أكثر ​من ‌خمسة أشهر.

وقال ⁠مسعفون ​إن طائرات ⁠إسرائيلية هاجمت نقطتي تفتيش تابعتين للشرطة في خان يونس جنوب قطاع غزة، مما أسفر عن مقتل ثلاثة من أفراد الشرطة وثلاثة مدنيين، بينهم فتاة، وإصابة أربعة آخرين.

ولم ⁠يعلق الجيش الإسرائيلي حتى الآن ‌على أحدث ‌الهجمات. وقتل الجيش أكثر من ​680 فلسطينياً في ‌غزة منذ دخول وقف إطلاق ‌النار حيز التنفيذ في نوفمبر (تشرين الثاني)، وفقا لمسؤولي الصحة المحليين، وقُتل أكثر من 72 ألف شخص منذ بدء الحرب ‌في أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

وتشن إسرائيل الآن أيضا حربا، ⁠إلى ⁠جانب الولايات المتحدة، ضد إيران، وتنفذ حملة جديدة ضد جماعة «حزب الله» اجتاحت خلالها قوات إسرائيلية جنوب لبنان.

استمر العنف في غزة على الرغم من وقف إطلاق النار ووسط الحرب بين إسرائيل وإيران. ويقول مسؤولو الصحة في القطاع إن القوات الإسرائيلية قتلت ما لا يقل ​عن 50 فلسطينيا منذ ​بدء الصراع مع إيران قبل شهر.


ميليشيا تقصف منزلاً لنيجيرفان بارزاني

تصاعُد الدخان عقب انفجار قرب مطار أربيل الدولي (أ.ف.ب)
تصاعُد الدخان عقب انفجار قرب مطار أربيل الدولي (أ.ف.ب)
TT

ميليشيا تقصف منزلاً لنيجيرفان بارزاني

تصاعُد الدخان عقب انفجار قرب مطار أربيل الدولي (أ.ف.ب)
تصاعُد الدخان عقب انفجار قرب مطار أربيل الدولي (أ.ف.ب)

أفيد في إقليم كردستان العراق، أمس، بأن ميليشيا استهدفت رئيس إقليم كردستان نيجيرفتان بارزاني بطائرة مسيّرة ملغمة انفجرت عند منزله في مدينة دهوك.

وقالت مصادر أمنية لـ«الشرق الأوسط»، إن «انفجار الطائرة تسبب بأضرار مادية، دون تسجيل خسائر في الأرواح».

وسارع رئيس حكومة تصريف الأعمال محمد شياع السوداني إلى إدانة الهجوم، مؤكداً رفضه «أي محاولة لزعزعة الاستقرار».

إلى ذلك تحدث مصدر أمني عن تحليق طائرتين مسيّرتين فوق المدينة، انفجرت إحداهما بعد سقوطها، فيما أُسقطت الأخرى قبل وصولها إلى هدفها. كما سجل سقوط مسيرة بعد تفجيرها جواً في مدينة أربيل قرب حي «دريم سيتي».

وفي تطور آخر، أعلنت السلطات السورية أن الجيش تصدى لهجوم بطائرات مسيّرة استهدف قاعدة التنف العسكرية في جنوب البلاد، مشيرة إلى أن الطائرات انطلقت من الأراضي العراقية.


إسرائيل تتقدم في «الأرض المحروقة» جنوب لبنان

آليات عسكرية إسرائيلية عند الحدود اللبنانية (إ.ب.أ)
آليات عسكرية إسرائيلية عند الحدود اللبنانية (إ.ب.أ)
TT

إسرائيل تتقدم في «الأرض المحروقة» جنوب لبنان

آليات عسكرية إسرائيلية عند الحدود اللبنانية (إ.ب.أ)
آليات عسكرية إسرائيلية عند الحدود اللبنانية (إ.ب.أ)

تتقدم القوات الإسرائيلية داخل جنوب لبنان وفق نهج تدريجي قائم على «الأرض المحروقة»، حيث يسبق التوغل تدمير واسع للقرى والبنى التحتية، في مسعى لفرض منطقة عازلة ومنع عودة السكان، وهو ما أعلنه صراحة رئيس الحكومة الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في مؤشر واضح إلى توجه إسرائيلي لفرض شريط أمني بالقوة، وذلك بالتوازي مع إنذارات إخلاء طالت عدداً من القرى جنوباً، ما يعكس توجهاً واضحاً لتثبيت واقع ميداني وأمني طويل الأمد.

وفي موازاة ذلك، سجّل تطور نوعي مع استخدام «حزب الله» صواريخ أرض–جو في الأجواء اللبنانية، في محاولة لتقييد الحركة الجوية الإسرائيلية، إلا أن إطلاقها من محيط الضاحية الجنوبية لبيروت يثير مخاطر مباشرة على سلامة الملاحة، خصوصاً في مطار رفيق الحريري الدولي.