«وصلت إلى 50 %»... البطالة تفتك بالفلسطينيين بعد الحرب

العمال الفلسطينيون في إسرائيل ما زالوا بلا عمل رغم وقف النار

عمال فلسطينيون ينتظرون الانتقال من الجانب الفلسطيني من معبر إيريز شمال غزة إلى الجانب الإسرائيلي بين إسرائيل وقطاع غزة في سبتمبر 2023 (د.ب.أ)
عمال فلسطينيون ينتظرون الانتقال من الجانب الفلسطيني من معبر إيريز شمال غزة إلى الجانب الإسرائيلي بين إسرائيل وقطاع غزة في سبتمبر 2023 (د.ب.أ)
TT

«وصلت إلى 50 %»... البطالة تفتك بالفلسطينيين بعد الحرب

عمال فلسطينيون ينتظرون الانتقال من الجانب الفلسطيني من معبر إيريز شمال غزة إلى الجانب الإسرائيلي بين إسرائيل وقطاع غزة في سبتمبر 2023 (د.ب.أ)
عمال فلسطينيون ينتظرون الانتقال من الجانب الفلسطيني من معبر إيريز شمال غزة إلى الجانب الإسرائيلي بين إسرائيل وقطاع غزة في سبتمبر 2023 (د.ب.أ)

أظهرت أرقام فلسطينية رسمية أن معدل البطالة في فلسطين خلال عدوان الاحتلال الإسرائيلي على الضفة الغربية وقطاع غزة ارتفع إلى 50 في المائة في المتوسط، بواقع 34 في المائة في الضفة الغربية، و80 في المائة في قطاع غزة.

وقال «الجهاز المركزي للإحصاء» الفلسطيني، في بيان أصدره الاثنين، بمناسبة اليوم العالمي للإحصاء، إن «عدد العاطلين عن العمل وصل إلى نحو 550 ألف عاطل في الضفة وغزة». فيما ضيّق الاحتلال الإسرائيلي على حركة العاملين في الداخل المحتل.

وكان نحو 180 ألف فلسطيني يعملون في إسرائيل والمستوطنات قبل هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023 بشكل اعتيادي، قبل أن تلغي إسرائيل تصاريحهم.

وانتظر العمال منذ عامين أي تغيير محتمل على القرار الإسرائيلي، لكن ذلك لم يحدث، وقال عامل مقيم في الضفة الغربية، فضّل عدم نشر اسمه، إنه بات «متشائماً» بإمكان عودتهم.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «لقد استُنفدنا تماماً، منذ عامين ونحن بلا مصدر دخل. وحاولت التسلل إلى إسرائيل أكثر من مرة وكدت أُقتل أثناء محاولتي لأوفر لأولادي لقمة العيش. كنت أنتظر لحظة الفرج بانتهاء الحرب، لكنها لم تأتِ». وتساءل بأسى: «هل يجب أن نقتل ونحن نحاول توفير حياة كريمة لأولادنا؟!».

عمال فلسطينيون تقطّعت بهم السبل في إسرائيل بعد «هجوم 7 أكتوبر» يعودون إلى غزة في نوفمبر 2023 (أ.ف.ب)

وقتلت إسرائيل الكثير من العمال وهم يحاولون التسلل إلى المناطق التي تحتلها عبر ثغرات في الجدار الفاصل، واعتقلت الآلاف منهم بعد أن وصلوا إلى داخلها دون تصاريح.

وبحسب الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين، فقد «قُتل 40 عاملاً فلسطينياً منذ السابع من أكتوبر 2023 برصاص قوات الاحتلال، وسُجل أكثر من 30 ألف حالة اعتقال في صفوف العمال».

ويضطر العمال إلى المخاطرة بالتسلل، بسبب عدم إعادة إسرائيل تصاريحهم، وانعدام فرص العمل في الضفة الغربية.

ورصدت إسرائيل ازدياد عدد المتسللين في الأشهر الأخيرة، وتقدر أجهزة الأمن الإسرائيلية أنه منذ تقليص التصاريح بعد 7 أكتوبر، يدخل نحو 40 ألف فلسطيني شهرياً إلى إسرائيل بشكل غير قانوني للعمل، أي ضعف عددهم قبل الحرب. وعادة ما يُدفع لهؤلاء العمال نقداً، وغالباً ما يكون ذلك بشكل سري، ويفتقرون جميعاً إلى الحماية القانونية والتنظيمية الممنوحة للموظفين الآخرين.

ورسمياً تسمح إسرائيل حالياً لنحو 7 آلاف عامل فقط من الضفة بدخول مناطقها، وجميعهم مصنفون كعمال أساسيين في قطاعات مثل الضيافة أو تصنيع الأغذية، بينما يعمل 9 آلاف آخرون في المستوطنات أو المناطق الصناعية القريبة.

وعلى الرغم من رغبة الأجهزة الأمنية الإسرائيلية في عودة تدريجية للعمال ترفض الحكومة الإسرائيلية ذلك دون تفسير واضح.

وقالت صحيفة «تايمز أوف إسرائيل» إنه «بالنسبة للغالبية العظمى من الفلسطينيين في الضفة الغربية، الذين يرغبون في العمل وليس لديهم أي اهتمام بالعنف، فإن خفض التصاريح يُعد بمثابة عقاب مستمر على حرب لم يبدأوها ولم يخوضوها».

وقال أساف أديف، رئيس منظمة «معاً» الإسرائيلية - الفلسطينية لحقوق العمال، التي تمثل العمال الفلسطينيين العاملين لدى إسرائيليين في كل من إسرائيل والضفة الغربية: «هناك معاناة شديدة، ليس فقط بسبب فقدان الدخل، بل أيضاً بسبب الأثر النفسي».

وأضاف أديف: «هؤلاء أناس اعتادوا إعالة أسرهم، وكانوا يرسلون أبناءهم إلى الجامعة، والآن عليهم إخراجهم منها. هؤلاء العمال كانوا يحصلون على دخل أعلى من المتوسط ويعولون عائلاتهم الموسعة. واليوم لا يستطيعون حتى شراء الطعام، إنه أمر محبط للغاية».

عمال فلسطينيون يعبرون نقطة تفتيش قرب طولكرم بالضفة في مايو 2023 باتجاه إسرائيل (إ.ب.أ)

وقبل الحرب، كان نحو 100 ألف فلسطيني من الضفة الغربية يعملون داخل إسرائيل، إضافة إلى 40 ألفاً آخرين يعملون في المستوطنات الإسرائيلية والمناطق الصناعية الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية في الضفة الغربية، و20 ألفاً يعملون بلا تصاريح (تهريب) و20 ألفاً من قطاع غزة.

ووفقاً للإدارة المدنية التابعة لوزارة الدفاع الإسرائيلية، التي تُدير الشؤون المدنية في الضفة الغربية، فإن 90 في المائة من الفلسطينيين العاملين في إسرائيل قبل الحرب كانوا يعملون في قطاع البناء.

وقال عامل فلسطيني لم يدخل إلى إسرائيل منذ عامين، إنه حاول إدارة مشروع صغير في الضفة لكنه لم ينجح، والآن يعاني الأمرين.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «حاولت الحصول على تصريح رسمي بكل الطرق وعبر تقارير طبية، وخفت أن أتسلل. لم ينجح شيء، وهنا لا توجد حركة بناء قوية ولا أجور جيدة. لا أجد ما أُعيل به عائلتي».

وتابع: «نحن ندفع ثمناً كبيراً جداً»، لكن هذا الثمن يُدفع في إسرائيل كذلك.

وصرح تومر تسالياخ، نائب رئيس جمعية المقاولين الإسرائيليين، لـ«تايمز أوف إسرائيل»، بأن قطاع البناء لا يزال يكافح للتعافي. وأضاف: «لقد فقدنا 90 ألف عامل فلسطيني في قطاع البناء. على مدار العامين الماضيين، وصل نحو 50 ألف عامل أجنبي، معظمهم من الهند وسريلانكا. هذا يعني أننا ما زلنا نعاني من نقص نحو 40 ألف عامل للعودة إلى مستويات ما قبل الحرب».

وأشار تسالياخ إلى أنه حتى مع الأجور المرتفعة نسبياً التي يتقاضاها الفلسطينيون، فإن توظيفهم لا يزال أرخص بكثير من توظيف الأجانب الذي يتم عبر شركات القوى العاملة.


مقالات ذات صلة

وزير خارجية مصر: المياه قضيتنا الأولى والوجودية

شمال افريقيا وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ونظيره الإيطالي أنطونيو تاياني يلتقطان صوراً بعد توقيع اتفاقية تعاون بشأن المهاجرين في العاصمة الإدارية الجديدة شرق القاهرة 3 سبتمبر 2026 (إ.ب.أ)

وزير خارجية مصر: المياه قضيتنا الأولى والوجودية

أكد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، اليوم (الخميس)، أن المياه تُعد القضية الأولى والوجودية لأكثر من 110 ملايين مصري.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
المشرق العربي آليات ثقيلة تابعة للجيش الإسرائيلي تهدم مبنيين فلسطينيين قرب رام الله في الضفة الغربية (رويترز)

«الصحة الفلسطينية»: الجيش الإسرائيلي يقتل شاباً وطفلاً في الضفة الغربية

قتل الجيش الإسرائيلي فلسطينيَّين، اليوم (الخميس)، خلال مداهمته قرية المغير في الضفة الغربية.

«الشرق الأوسط» ( رام الله)
المشرق العربي شعار بنك «هبوعليم» الإسرائيلي أمام أحد فروعه في تل أبيب (رويترز)

إسرائيل ترحل أزمة العلاقة مع البنوك الفلسطينية إلى ما بعد الانتخابات

قال نائب محافظ بنك إسرائيل، آندرو أفير، إن الحكومة الإسرائيلية الجديدة ستكون مطالبة بإيجاد حل للعلاقة بين البنوك الإسرائيلية ونظيراتها الفلسطينية.

كفاح زبون (رام الله)
المشرق العربي مشيّعون فلسطينيون يحملون جثمان المراهق إسلام أحمد العجوري خلال جنازته في مخيم عسكر للاجئين بالقرب من مدينة نابلس في الضفة الغربية يوم 23 أغسطس 2026 (إ.ب.أ)

الأمم المتحدة تحذّر من تدهور الأزمة الإنسانية في الضفة الغربية

أشارت الأمم المتحدة إلى أن محنة الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة تتفاقم، بينما تنفد أموال برنامج الغذاء العالمي.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شؤون إقليمية وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر (أ.ف.ب)

إسرائيل تهدد المملكة المتحدة بالرد في حال فرض عقوبات بريطانية عليها

حذّرت إسرائيل بريطانيا، الثلاثاء، من أنها سترد على أي عقوبات بعد أن تعهّدت لندن بإعادة النظر في سياستها تجاه إسرائيل رداً على أعمال عنف يرتكبها المستوطنون.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)

ما بعد «علي الطاهر»... ضغط سياسي إسرائيلي واحتمالات مفتوحة

تصاعد الدخان من موقع غارات إسرائيلية استهدفت قمة مرتفعات علي الطاهر بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
تصاعد الدخان من موقع غارات إسرائيلية استهدفت قمة مرتفعات علي الطاهر بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

ما بعد «علي الطاهر»... ضغط سياسي إسرائيلي واحتمالات مفتوحة

تصاعد الدخان من موقع غارات إسرائيلية استهدفت قمة مرتفعات علي الطاهر بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
تصاعد الدخان من موقع غارات إسرائيلية استهدفت قمة مرتفعات علي الطاهر بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

يفتح إعلان إسرائيل تحقيق ما وصفته بـ«السيطرة العملياتية» على مرتفعات علي الطاهر مرحلة جديدة في جنوب لبنان، تتجاوز مصير الموقع نفسه إلى ما قد يليه عسكرياً، وكيف يمكن توظيف التطور ميدانياً في المفاوضات المقبلة.

وأعلن الجيش الإسرائيلي أن قوات الفرقة 36 حققت «سيطرة عملياتية» على المنطقة فوق الأرض وتحتها، مشيراً إلى مقتل عناصر من «حزب الله» وفرار آخرين، وفق روايته، مع استمرار العمل على تدمير المنشآت الموجودة تحت الأرض.

من جهته، قال رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو إن المرتفعات لم تعد تشكل «تهديداً لإسرائيل»، في حين أعلن وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس أن الجيش الإسرائيلي لن ينسحب مما وصفه بـ«المنطقة الأمنية» في جنوب لبنان قبل نزع سلاح «حزب الله»، معلناً أن السيطرة على مرتفعات علي الطاهر «تمثل نهاية مرحلة ترسيخ السيطرة الإسرائيلية على هذه المنطقة».

تشكيك من «حزب الله»

بالمقابل، شكك عضو كتلة «الوفاء للمقاومة» النائب إيهاب حمادة في اكتمال السيطرة الإسرائيلية على «علي الطاهر»، عادَّاً أن استمرار القصف يناقض الحديث عن سيطرة ميدانية كاملة، ومشيراً إلى أن إسرائيل لم تعرض صوراً تثبت دخول المنشأة أو الاستيلاء على الأسلحة التي تحدثت عنها. ورأى أن تضخيم أهمية الموقع يهدف إلى استثماره سياسياً وانتخابياً لمصلحة نتنياهو، مؤكداً أن خسارته لا تعني نهاية المواجهة.

بدوره، قال نائب رئيس المجلس السياسي للحزب محمود قماطي إن إسرائيل حاولت إظهار «علي الطاهر» بوصفها «منشأة عسكرية ضخمة»، في حين هي «مجموعة نقاط دفاعية». وفي موازاة ذلك، نقلت صحيفة «معاريف» عن مصدر عسكري إسرائيلي قوله إنه عُثر على 15 جثة داخل أنفاق في المنطقة.

مقر سفارة الولايات المتحدة في روما حيث عُقدت الجولة الـ7 من المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية (أ.ب)

ورقة ضغط في روما

في السياق، قالت الأكاديمية والباحثة السياسية الدكتورة حياة الحريري لـ«الشرق الأوسط» إن «ما حصل في مرتفعات علي الطاهر ليس تفصيلاً عسكرياً عادياً، كما تحاول بعض الأصوات في (حزب الله) وحلفائه تصويره، ولا يمكن وضعه في سياق المواقع التي شهدت مواجهات سابقة؛ لأن أهمية (علي الطاهر) ترتبط بموقعها الاستراتيجي وتأثيرها في مجمل المشهد الميداني في جنوب لبنان».

وأوضحت الحريري أن «السيطرة على (علي الطاهر) تعني، من الناحية العملياتية، فرض نفوذ على جزء واسع من جنوب لبنان؛ كون المرتفعات تكشف النبطية وسهل مرجعيون وصولاً إلى الجليل الأعلى؛ ما يمنحها أهمية عسكرية واستراتيجية كبيرة. والأخطر أن التقدم إلى ما بعد (علي الطاهر)، في حال حصل، قد يجعل التحرك باتجاه إقليم التفاح وجبل الريحان وقضاء جزين أكثر سهولة».

وأضافت: «إذا واصلت إسرائيل هذا المسار، فإن ذلك يعني، حسب تقديري، أنها تتقدم في اتجاه تكريس منطقة عازلة تمتد من الناقورة وصولاً إلى البقاع الغربي، وتتصل جغرافياً بالمسرح السوري، وهو تصور كانت إسرائيل تتحدث عنه بأشكال مختلفة منذ عام 2023».

وعن التزامن بين التطورات في «علي الطاهر» والإفراج عن أسرى لبنانيين، قالت الحريري إن «هناك قراءات عدة تحدثت عن وجود ترابط أو تزامن سياسي بين الملفين، ولا يمكن تجاهل أن السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى كان قد أشار قبل أيام إلى ضرورة انتظار ما سيحدث في (علي الطاهر)، في وقت كان يقوم فيه أيضاً بدور مباشر في ملف الأسرى».

ورأت أن التطورات الميدانية، وفي مقدمها ما حصل في «علي الطاهر»، «ستتحول أوراقاً تستخدمها إسرائيل لممارسة مزيد من الضغط على لبنان في المفاوضات المرتقبة في روما. وستحاول إسرائيل القول إن الدولة اللبنانية لم تتمكن من دفع (حزب الله) إلى تسليم الموقع للجيش اللبناني، وإن الجيش الإسرائيلي هو الذي قام بالمهمة ميدانياً».

وقالت: «نعلم أن هناك خطوطاً حمراء أميركية أمام إسرائيل في لبنان، لكنها تتعلق، بصورة أساسية بمنع توسع المواجهة إلى بيروت والضاحية الجنوبية، في حين يبقى هامش التحرك الإسرائيلي في الجنوب أوسع. وإذا نجحت إسرائيل في تكريس روايتها بأن الدولة اللبنانية لا تزال غير قادرة على معالجة ملف سلاح (حزب الله) وانتشاره، فقد تحصل على هامش إضافي للتحرك، من دون أن يعني ذلك بالضرورة الذهاب إلى حرب شاملة».

وعدَّت أنّ «ما حصل سيزيد الضغط السياسي على الدولة اللبنانية، وسيشكل ورقة تفاوضية إسرائيلية جديدة في الجولة المقبلة في روما. وحتى تأخير المفاوضات تمكن قراءته في ضوء تطورات (علي الطاهر)؛ لأن إسرائيل تريد، قبل الذهاب إلى طاولة التفاوض، تعزيز أوراقها الميدانية ومحاولة تكريس واقع أمني وسياسي جديد في جنوب لبنان، ثم التفاوض انطلاقاً منه».

تصاعد أعمدة الدخان من جرّاء القصف على حرش علي الطاهر جنوب لبنان (الوكالة الوطنية للإعلام)

حدود التمدد عسكرياً

بدوره، قال القائد السابق لقطاع جنوب الليطاني، العميد الركن المتقاعد الدكتور خليل الجميل، لـ«الشرق الأوسط»، إن «التطور في مرتفعات علي الطاهر يعني سقوط موقع استراتيجي مهم، لكن الحديث عن السيطرة الإسرائيلية عليه يحتاج إلى تدقيق؛ لأن تقديري أن إسرائيل لم تستكمل السيطرة على كامل الموقع حتى الآن، وإن كانت قد بدأت تفرض سيطرتها على سطحه وتتحرك فيه، في حين تواصل استهداف الأنفاق والمنشآت الموجودة تحته بالنار».

وأوضح الجميل أن «ما تسميه إسرائيل السيطرة العملياتية تعني، في هذه المرحلة، أنها باتت تتحرك فوق المرتفعات، وأن جرافاتها تعمل فيها، مع فرض سيطرة نارية على محيطها والبدء بالدخول إلى أجزاء منها، وليس بالضرورة أنها دخلت إلى كل الأنفاق والمنشآت الموجودة تحت الأرض وسيطرت عليها بالكامل».

وأضاف: «(علي الطاهر) موقع مهم جداً بالنسبة إلى منطقة النبطية؛ لأنه يشرف غرباً على النبطية ومحيطها، بما في ذلك شوكين وميفدون وكفرجوز وكفررمان، كما يشرف من الجهة الشرقية على الوادي الممتد في اتجاه إقليم التفاح وجزين، وصولاً إلى منطقة الخردلي. وبالتالي، فإن السيطرة عليه توسع مساحة الرصد والسيطرة النارية الإسرائيلية على هذه الجغرافيا».

لكن الجميل شدد على أن «هناك مرتفعات ومواقع أعلى منها، أبرزها الريحان وسجد وجبل الرفيع، وهي بدورها مواقع حاكمة وكاشفة على (علي الطاهر) وعلى المنطقة المحيطة به». وقال: «ما حصل يمثل إنجازاً عسكرياً إسرائيلياً وخسارة لـ(حزب الله)، لكنها ليست خسارة استراتيجية بالحجم الذي يعني انهيار الجبهة».

وأضاف: «السيناريو الأخطر، في حال اتخذت إسرائيل قراراً بعملية برية أوسع، هو محاولة التقدم من محور بلاط ودبين باتجاه السريرة وكفرحونة، ثم نحو مرتفعات سجد أو جبل الريحان. ومن شأن الوصول إلى هذه المرتفعات أن يفتح مجالاً للإشراف غرباً على إقليم التفاح، وفي اتجاه مرتفعات جزين وتومات نيحا، بما يكشف عن أجزاء من البقاع الغربي وبلداته».

إلا أن الجميل استبعد أن يكون هذا السيناريو وشيكاً، قائلاً: «هذه مناورة كبيرة جداً وليست عملية سهلة؛ لأن المنطقة واسعة ومعقدة، و(حزب الله) موجود فيها، وأي عملية بهذا الحجم تحتاج إلى قرار مختلف وغطاء دولي وأميركي».

ورأى أن «الاحتمال الأقرب، في غياب تطورات جديدة، هو أن تتوقف العملية الإسرائيلية عند (علي الطاهر) في المرحلة الحالية»، مضيفاً: «إذا قررت إسرائيل لاحقاً توسيع عملياتها، فقد يصبح اتجاه النبطية ومحيطها أحد الاحتمالات، ولا سيما بعدما باتت تملك من (علي الطاهر) قدرة أكبر على الإشراف والسيطرة النارية على المنطقة».


ضحايا «حراك تشرين» في العراق يحضّرون لمقاضاة زعيم منظمة «بدر»

بعض المعاقين في العراق هم من ضحايا قمع «حراك تشرين» 2019 (رويترز)
بعض المعاقين في العراق هم من ضحايا قمع «حراك تشرين» 2019 (رويترز)
TT

ضحايا «حراك تشرين» في العراق يحضّرون لمقاضاة زعيم منظمة «بدر»

بعض المعاقين في العراق هم من ضحايا قمع «حراك تشرين» 2019 (رويترز)
بعض المعاقين في العراق هم من ضحايا قمع «حراك تشرين» 2019 (رويترز)

تواصلت ردود الفعل في العراق على تصريحات مثيرة للجدل أدلى بها زعيم منظمة «بدر»، هادي العامري، بخصوص مشاركة الفصائل المسلحة في قمع ما يُعرف بـ «حراك تشرين» عام 2019، وسط معلومات عن تحركات لمقاضاته.

ففي سياق دفاعه عن الفصائل بشأن ما عدّه دورها في الدفاع عن النظام السياسي الحالي، إن كان على مستوى محاربة تنظيم «داعش» أو في سياق محاولة التصدي لكل محاولات زعزعة أركانه، أكد العامري أن الفصائل هي التي تولت إخماد ما سمّاها «فتنة تشرين»، في إشارة إلى التظاهرات الشعبية التي اندلعت في أكتوبر (تشرين الأول) عام 2019.

وبدا أن كلامه هذا كان بمثابة زلة لسان، خصوصاً أنه جاء بعد مرور نحو 7 سنوات على ذلك الحراك الجماهيري الذي راح ضحيته آلاف الضحايا على أيدي ما سُمّي آنذاك «الطرف الثالث» الذي لم تُكشف هويته، رغم أن الشعار الوحيد الذي رفعه المتظاهرون كان «نريد وطناً».

والعامري هو أحد أقطاب قوى الإطار التنسيقي الشيعي وعضو في اللجنة الثلاثية التي تضمه إلى جانب رئيسي الوزراء السابقين نوري المالكي ومحمد شياع السوداني لغرض التوسط بين الحكومة العراقية، من جهة، والفصائل المسلحة الرافضة تسليم سلاحها، من جهة أخرى. وجاءت تصريحاته المثيرة للجدل خلال احتفال جماهيري قبل أيام عندما قال إن «المقاومة هي التي وقفت بشجاعة أمام فتنة تشرين وحفظت الدولة والنظام السياسي».

وأثار كلامه هذا حفيظة عوائل قتلى المظاهرات والمصابين منهم.

زلة لسان

وبدت تصريحات العامري بمثابة محاولة لتبرير عدم التسرّع في تسليم سلاح الفصائل، لا سيما تلك التي أعلنت أن سلاحها عقائدي، وأنها مرتبطة بالصراع الدائر حالياً بين الولايات المتحدة وإيران، خصوصاً بعد زيارة رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف للعراق الأسبوع الماضي. لكن هذه التصريحات التي وُصفت بأنها «زلة لسان»، فتحت عليه أبواب الانتقادات من قِبل ضحايا «حراك تشرين»، خصوصاً أن هناك مَن ربط بين كلامه عن تصدي الفصائل المسلحة لـ«الفتنة» عام 2019 و«الطرف الثالث» الذي وُجّهت إليه الاتهامات بقتل المتظاهرين.

ولم تعلن الفصائل المسلحة موقفاً في السابق حيال الاتهامات التي كانت توجّه لها بوصفها «الطرف الثالث» المجهول. لكن كلام العامري أوحى بأن هذا الطرف بات معروفاً، بحيث بدأت عائلات الضحايا تحرّك دعاوى قضائية.

هادي العامري (وكالة الأنباء العراقية)

ولم يرد العامري بنفسه على التفسيرات التي قُدّمت لكلامه، لكن سياسياً شيعياً مقرباً من قوى الإطار التنسيقي قال لـ«الشرق الأوسط» إن «تصريحات العامري، مثلما أرادها، كانت دفاعاً عن موقف الفصائل في لحظة مفصلية، خصوصاً أن حراك تشرين كانت تؤيده أطراف إقليمية ودولية وكان بالفعل أخطر حراك ضد الطبقة السياسية آنذاك، رغم أن شعاراته وطنية». وتابع أن «المحاولات التي جرت لشيطنة ما سُمّي وقتها بالطرف الثالث بوصفه معادياً للطرفين، أي للحكومة وللمتظاهرين، بحيث جرى آنذاك توجيه اتهامات للبعثيين وسواهم بمن في ذلك الإسرائيليين، كانت تهدف إلى تحقيق نتيجة واحدة وهي حماية العملية السياسية من مخاطر تهددها، حسب ما تصوّرت الطبقة السياسية (الحاكمة)».

ورأى المصدر أن «العامري ما كان يمكنه أن يجد دليلاً لحماية النظام السياسي أقوى مما قامت به الفصائل، دون أن يدرك ربما تداعيات ذلك، لا سيما أن الطريقة التي حمت بها الفصائل النظام السياسي كانت عبر وسيلة واحدة هي مواجهة المتظاهرين (محاولة قمعهم)، الأمر الذي أوقع مزيداً من الخسائر».

ورداً على سؤال بشأن لماذا لا يوضح العامري طبيعة تصريحه لكي يخفف من الهجمة القوية ضده، والتي سيكون ميدانها القضاء، قال السياسي الشيعي إن «أي تبرير أو تراجع سيضعف موقفه ويزيد من الاتهامات ضد الفصائل في وقت تواجه فيه حالياً موقفاً صعباً على صعيد المطالبات بنزع سلاحها. ولذلك يبدو أنه (العامري) يفضّل المواجهة مع المحتجين (عائلات الضحايا) حتى لو ترتب على ذلك نتائج قانونية ربما لا تكون لصالحه».

الإفلات من العقاب

إلى ذلك، بدأت عشرات من عائلات ضحايا «حراك تشرين» في استكمال الوثائق التي تثبت مقتل أو إصابة أبنائهم في مواجهات مع القوات الأمنية خلال مشاركتهم باحتجاجات عام 2019 لتقديمها ضمن دعاوى رسمية أمام المحاكم العراقية، على خلفية تصريحات زعيم منظمة «بدر». ومع أن عائلات الضحايا التي كلّفت محامين للدفاع عنها في الدعاوى بمواجهة العامري، تعرف بلا شك أن المحاكم قد لا تدينه بشكل مباشر كون تصريحاته سياسية، فإن الهدف الذي تسعى إلى تحقيقه هو على الأرجح رد الاعتبار لأبنائهم من قتلى وجرحى ضد الاتهامات التي وجهتها لهم السلطات آنذاك عبر إطلاق أوصاف قاسية عليهم من قبيل «العملاء» و«أبناء السفارات».

وفي هذا السياق، يقول الخبير القانوني علي التميمي في حديث لـ«الشرق الأوسط» إن «قتل المتظاهرين، طبقاً للقانون العراقي، يُعد إبادة جماعية لا تسقط بالتقادم، وبالتالي فإن الاعتداء الذي طال المتظاهرين في بغداد والناصرية وكربلاء والنجف كان عملاً إرهابياً وفق القانون العراقي وتعريف الإرهاب». وتابع أن «هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم أو مضي المدة وفق اتفاقية منع التقادم في جرائم الإبادة، ولذلك يمكن تحريكها في أي وقت زمني قادم».


عبدي: حل «قسد» بداية جديدة ويجب إشراك الأكراد في صياغة الدستور الجديد

أعلن مستشار الرئيس السوي القائد السابق لـ«قوات سوريا الديمقراطية مصطفى عبدي اكتمال حلها واندماجها في الدولة السورية في 25 أغسطس الماضي (أ.ب)
أعلن مستشار الرئيس السوي القائد السابق لـ«قوات سوريا الديمقراطية مصطفى عبدي اكتمال حلها واندماجها في الدولة السورية في 25 أغسطس الماضي (أ.ب)
TT

عبدي: حل «قسد» بداية جديدة ويجب إشراك الأكراد في صياغة الدستور الجديد

أعلن مستشار الرئيس السوي القائد السابق لـ«قوات سوريا الديمقراطية مصطفى عبدي اكتمال حلها واندماجها في الدولة السورية في 25 أغسطس الماضي (أ.ب)
أعلن مستشار الرئيس السوي القائد السابق لـ«قوات سوريا الديمقراطية مصطفى عبدي اكتمال حلها واندماجها في الدولة السورية في 25 أغسطس الماضي (أ.ب)

وصف مستشار الرئيس السوري، مصطفى (مظلوم) عبدي، حل «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) بعد 15 عاماً من العمل المسلح بأنها «نهاية، وبداية في آن واحد». وقال: «اليوم، وللمرة الأولى، تتاح للأكراد فرصة المشاركة في بناء الدولة السورية الجديدة بإرادتهم، بعدما انتهج نظام البعث سياسات تنكر الهوية الكردية».

وأضاف عبدي، في أول مقابلة مع وسيلة إعلام تركية، أن أهداف أكراد سوريا الرئيسية «ليست إنشاء كيان منفصل عن الدولة، بل أن يصبحوا أحد العناصر المؤسسة للدولة الجديدة بهويتهم الخاصة، وأن يُوسّعوا المكاسب التي تحققت بضمانات دستورية».

حل «قسد»

وأشار عبدي، القائد السابق لقوات «قسد» والمدرج على «قائمة الإرهاب» في تركيا، خلال حديث لقناة «إيلكه»، بُث ليل الخميس - الجمعة، إلى أن الأكراد «عاشوا وضعاً خاصاً في المنطقة، عاشوا كدولة، وتطلبت التطورات السياسية ذلك، لكن طرأت بعض التغييرات مؤخراً. لقد تغير النظام السوري، ويجري بناء سوريا جديدة. المجتمع الدولي يُريد للإدارة السورية الحالية النجاح، والعالم بأسره يُؤيد وحدة سوريا».

عناصر من «قسد» خلال دورية في الحسكة بعد اندماجهم في صفوف الجيش السوري (أ.ب)

وفي ردود مكتوبة على أسئلة لصحيفة «يني يشام» التركية، نشرت الجمعة أيضاً، قال عبدي، إنه كان بإمكان الأكراد من خلال الإدارة الذاتية لشمال شرقي سوريا أن يحققوا المزيد على مدى الـ15 عاماً الماضية، لكنهم لم يفعلوا ذلك.

وأضاف أنه «في العملية الجديدة، ستبنى سوريا جديدة، ونحن كأكراد جزء من هذه العملية، وهناك تطور جديد، وعلينا المشاركة فيه، سنبني مستقبلاً جديداً مع الشعب السوري... وهذا لا يعني أن كل شيء خارج عن سيطرتنا، أو أن الأمور ستبقى على حالها».

وتابع أن «قسد انضمت إلى الجيش السوري، بكل مواردها، بموجب اتفاق وخطة، وقررنا أن نأخذ مكاننا في هذا الهيكل، ولها دور ضمن الجيش السوري».

قضية اللغة الكردية

ورداً على سؤال لقناة «إيلكه» حول اعتماد اللغة الأم للأكراد، قال عبدي: «إننا الآن في مرحلة أكثر تقدماً، تم اعتماد اللغة الكردية، للمرة الأولى، في المدارس، وهذا إنجاز عظيم» للشعب الكردي.

عبدي خلال حديثه لقناة «إيلكه تي في» التركية (موقع القناة)

وأوضح أنه بالمقارنة مع نظام التعليم الذي كان متبعاً في «روج آفا» (ما يعرف لدى الأكراد بكردستان الغربية في شمال شرقي سوريا) على مدى الـ15 عاماً الماضية، قد يبدو هذا بمثابة خطوة متأخرة، مضيفاً: «لذا، فهذه مسألة نضال بالنسبة لنا، الخطوات المتخذة إيجابية، وهي الأولى، لكنها غير كافية بالنسبة لنا، ونحن كشعب كردي، بحاجة إلى النضال من أجل هذا... في العديد من اجتماعاتنا في دمشق، كان هذا هو محور اهتمامنا، وكان خطنا الأحمر هو قضية اللغة الكردية».

وأكد عبدي ضرورة تمثيل الأكراد في لجنة صياغة الدستور السوري الجديد، قائلاً إنه لا يوجد جدول زمني محدد حتى الآن لصياغة الدستور، لكن من المتوقع تشكيل لجنة لصياغته خلال شهرين أو 3 أشهر، «ونرغب في إشراك ممثلين للأكراد في هذه اللجنة».

النظام الجديد للدولة

وأقر عبدي بـ«المخاوف بشأن استمرار النظام الاجتماعي العلماني في سوريا»، لكنه ذكر «أن ثقافة وتجربة اجتماعية قد نشأت في المنطقة، وأعتقد أنها ستستمر، كما أن سوريا ترغب في الانفتاح على المجتمع الدولي والامتثال للقانون الدولي، وبالتالي، هناك مجال أوسع لإقامة دولة ديمقراطية وعلمانية في العصر الجديد».

وشدد على «ضرورة حل مشاكل جميع شرائح المجتمع في سوريا»، لافتاً إلى أن «مشكلة الحكم الديمقراطي لا تزال قائمة، وسنسعى جاهدين لحلها من خلال العمل السياسي، وأن المهمة الأساسية التي تواجه الدولة السورية هي ضمان وجود قوي للدروز والعلويين والأكراد وجميع المجموعات الأخرى داخل الدولة، وهناك جهود جارية لتحقيق ذلك».

جانب من لقاء الشرع وعبدي وإلهام أحمد في 25 أغسطس الماضي (أ.ب)

وعن دوره مستشاراً للرئيس السوري، أحمد الشرع، قال عبدي: «بصراحة، السبب الذي دفعنا للموافقة على الوجود في دمشق خلال هذه العملية، هو ضمان نجاحها، وتحقيق الاندماج، وضمان حصول الأكراد على أقوى مكانة ممكنة في الدولة، هذا هو هدفنا الرئيسي، ومع ذلك، فإن مطلبنا هو شمولية أوسع، بمعنى أننا نريد أن نلعب دوراً إيجابياً وبنّاءً في جميع أنحاء سوريا، لا يقتصر على المناطق الكردية فقط، ونقوم بعملنا على هذا الأساس».

وبشأن العملية الجارية في تركيا لحل حزب «العمال الكردستاني» ونزع أسلحته ودمج عناصره في المجتمع، قال عبدي إن العملية بين زعيم الحزب، عبد الله أوجلان وتركيا، «قد تُسهم في حل القضية الكردية في سوريا»، مؤكداً الانفتاح على تطوير العلاقات مع تركيا في المرحلة الجديدة.

وبشأن ما تردد عن احتمالات زيارته لتركيا للقاء أوجلان، لم يقدم عبدي إجابة واضحة، مكتفياً بالقول: «سيكون ذلك جيداً».