محمد مهدي شمس الدين للشيعة: اندمجوا في دولكم

«الشرق الأوسط» تنشر نص حوار غير معلن بين رجل الدين اللبناني ومناصرين لـ«حزب الله» عام 1997

الشيخ محمد مهدي شمس الدين خلال زيارة لمصر (أرشيف الشيخ الراحل)
الشيخ محمد مهدي شمس الدين خلال زيارة لمصر (أرشيف الشيخ الراحل)
TT

محمد مهدي شمس الدين للشيعة: اندمجوا في دولكم

الشيخ محمد مهدي شمس الدين خلال زيارة لمصر (أرشيف الشيخ الراحل)
الشيخ محمد مهدي شمس الدين خلال زيارة لمصر (أرشيف الشيخ الراحل)

تنشر «الشرق الأوسط»، بدءاً من اليوم، نصاً مطولاً هو عبارة عن حوار بين رئيس المجلس الإسلامي الشيعي في لبنان، الشيخ الراحل محمد مهدي شمس الدين، وأعضاء قريبين من بيئة «حزب الله»، عام 1997. وللنص أهمية بالغة؛ كونه يتناول وضع الشيعة في بلدانهم وضرورة اندماجهم فيها، عوض أن يكونوا جزءاً من مشروع تابع لإيران. وكما هو معروف، همّش مؤيدون لـ«حزب الله» وحركة «أمل» الشيخ شمس الدين على مدى سنوات طويلة، علماً أنه تهجّر من حارة حريك في الضاحية الجنوبية لبيروت وأقام خارجها بسبب مواقفه التي تعارضت مع مواقف مؤيدي إيران في لبنان.

ومن المقرر أن ينشر إبراهيم محمد مهدي شمس الدين، نجل الشيخ الراحل، نص الحوار في كتاب يحمل عنوان: «الشيعة اللبنانيون والشيعة العرب - العلاقة مع الغير والعلاقة مع الذات». وتنشر «الشرق الأوسط» مقتطفات مطولة من النص بمناسبة ذكرى مرور 25 سنة على وفاة رجل الدين الشيعي اللبناني التي تصادف اليوم السبت 10 يناير (كانون الثاني).

إبراهيم شمس الدين... لماذا الآن؟

مهّد إبراهيم شمس الدين لنشر النص/الوثيقة بمقدمة شرح فيها سبب كشفه عن مضمون الحوار بعد كل هذه السنوات التي مرت عليه. وجاء فيها: اخترت أن أنشر هذا النص لوالدي الشيخ محمد مهدي شمس الدين بمناسبة مرور 25 سنة على رحيله؛ تكريماً له وإحياءً لفكره، وتذكيراً ببصيرته العميقة والمُدرِكة، وشجاعته وصلابته في بيان الرأي الحق الذي يحفظ الناس، ويحفظُ الوطن والدولة لكلِّ الناس، ويضع وحدة المجتمع السياسي الوطني أولوية عُظمى تتقدمُ أي خصوصية - ولا خصوصية لأي جماعة - ومنهم اللبنانيون المسلمون الشيعة، وكذلك المسلمون الشيعة في أوطانهم العربية؛ إذ إنهم جزء من الاجتماع الوطني العام، وجزء من الاجتماع العربي العام، بالإضافة إلى كونهم جزءاً من الاجتماع الإسلامي العام.

هذا النص هو خلاصة جلسة حوار، محفوظ على أشرطة تسجيل، استغرق أكثر من أربع ساعات من ليل الثلاثاء في 18/3/1997 بين الشيخ الإمام ومجموعة كبيرة من كوادر «الحركة الإسلامية» في لبنان – الذين هم شديدو القرب من الحالة الحزبية التي تولّدت داخل اللبنانيين المسلمين الشيعة في لبنان في وسط الثمانينات، برعاية إيرانية مباشرة ومستقرة. ومما دفعني خصوصاً إلى اختيار هذا النص للنشر – وهو غيرُ منشورٍ سابقاً – في ذكرى رحيل الشيخ الإمام، هو ما عالجه وبيّنَه وعلّلَه من مسائل إشكالية ساخنة في حينه، على صعيد علاقة الشيعة اللبنانيين تحديداً مع مواطنيهم اللبنانيين، وبإطارهم اللبناني الوطني، وفي محيطيَهم العربي والإسلامي، ولا سيما إشكالية علاقتهم بإيران، الجمهورية الإسلامية.

وقد عزّز لديّ هذا الاختيار، أن تلك المسائل الإشكالية لا تزال هي ذاتها، القضايا المطروحةَ اليوم بحرارةٍ وإلحاحٍ وتوترٍ أيضاً، وهي تتفاعل بقوة، وحاضرةٌ دائماً مع المتغيرات الجيوسياسية في منطقتنا والعالم؛ وبالتالي لا يكونُ هذا النص/الوثيقة نصاً قديماً، بل هو كلام راهنٌ حيّ، يخاطب حاضراً ساخناً ومُترقّباً. سيصدر هذا النص بعد مدّة، مع توسعة لخلاصته، في كتاب يحمل العنوان التالي: «الشيعة اللبنانيون والشيعة العرب - العلاقة مع الغير والعلاقة مع الذات».

الشيخ محمد مهدي شمس الدين (المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في لبنان)

الشيعة اللبنانيون والشيعة العرب

يبدأ نص الحوار بسؤال من أحد الشبان الحاضرين: عرفناك قطباً وعَلماً من أعلام الحركة الإسلامية الأصولية ولَّما تَزَلْ. ومع الوقت وعمق التجربة والممارسة، بدأت المسافة تبتعد بين قسم من هذه القاعدة وبينك. ربما يكون السبب اختلاف الموقع واقترابك من مواقع الحكم والمسؤولية الرسمية... ونسأل: هل أنكم من موقعكم الحالي تعبّرون عن ضرورات الدولة أم خيارات الشعب؟

يجيب شمس الدين: لا أزال في موقعي القديم، ولم يتغير هذا الموقع قيد أنملة، بل لعله ازداد عمقاً وشمولية وازداد نضجاً. ما يبدو لكم أو لبعضكم أنه ابتعادٌ منّي، أؤكد لكم أنه لم يحصل منّي أي ابتعاد. الذي حصل إنما كان بسبب بعض المُعمَّمين وبعض من تأثر بهم، وبروحٍ حزبية محضة، حزبية تكاد تكون وثنية. لقد وُضعت حواجز - حتى الآن لا أدرك ماهيتها. ربما تكون تشكيكات، وربما تكون إغراءات. وُضعت حواجز، وحدث ما أشرتم إليه، وأنا شخصياً فوجئت؛ الذي يخطط لشيء لا يُفاجأ.

لا أزال حتى الآن أعيش المفاجأة لهذا الذي حصل، وأنا أعرف دوافع الذين قاموا به. دوافع الذين قاموا به هي دوافع تقوم على استحواذٍ معين لأجل بناء وجاهة - وهذا أمر نعرفه في كل الحركات، خاصة داخل التشيع منذ عهد الأئمة المعصومين (...). أقول لكم: فيكم شخص أو شخصان لعلهما على اطلاع منذ نحو 20 سنة على هذا الأمر، منذ تشكيل «الاتحاد اللبناني للطلبة المسلمين» والذي هو صُنْعي، يعني أنا اكتشفت ضرورته وكوّنت مضمونه وكتبتُ نظامه، وكثير من الرجال والنساء فيه أسهمتُ في تربيتهم. وبأسلوب يعرفه بعضهم، انقلب هذا الاتحاد، يعني حُجب عني، منذ ذلك التاريخ. وتبين لي أن هناك شخصاً - لا يزال يعيش حتى الآن ونسأل الله أن يعامله بعدله، وهو دجال كبير من دجاجلة هذا الدين - تواطأ مع دجال آخر من دجاجلة الحياة الحزبية وكوّنوا هذه الحالة (يشير إبراهيم شمس الدين في هامش النص إلى أن الكلام هنا يتناول قضية: الانقلاب على الشيخ والتحاق قيادة «اتحاد الطلبة المسلمين» بـ«حزب الدعوة»، وتالياً بتنظيم «حزب الله»)».

يتابع الشيخ شمس الدين: «أؤكد لكم أنَّ فيكم أبرياء كثيرين، وربما فيكم أو في أمثالكم أشخاص ارتكبوا في حقي أخطاء. أنا أبرأت الذمم من بعضها، وبعضها الآخر أتركه ليوم القيامة. كنتم وأنا كنت معكم، - لعلَّ بعضكم لم يكن من هذه المجموعات - ضحيةً لهذا الكيد الخفي، كيد الليل وكيد النهار والذي انطلق من روح حزبية صنمية بكل شرّاويتها.

أنا لا أزال حيث كنت وسأفارق الدنيا على ما كنت عليه، ولكن الذي حصل هو هذا. تحمّلي مسؤولية المجلس (الإسلامي الشيعي الأعلى) لم تؤثر قيد أنملة على فهمي والتزامي وتديني بما كنت عليه منذ الخمسينات في العراق وإلى الآن.

أما حكاية أن هذا الموقع (رئاسة المجلس الشيعي) يتصل بضرورات الدولة في مقابل خيارات الشعب، فتذكرون أني أنا صاحب مقولة «ضرورات الأنظمة وخيارات الأمة». هذه المقولة أنا اخترعتها ولا أزال أستعملها إلى الآن. كلا، هذا المجلس هو أساساً لم ينْتَمِ يوماً (...) إلى ضرورات النظام أو الأنظمة. هو دائماً كان موجوداً في خيارات الأمة وكان يعبّر عن خيارات الأمة.

لكن الكلام في أن هذا الأمر أو ذاك هل هو من الخيارات أو من الضرورات، ربما نختلف في أن هذا الموقف أو ذاك ينتسب إلى خيارات الأمة أو ينتسب إلى ضرورات الأنظمة. هذا خلاف مشروع. ولكن كنت ألاحظ على مدى السنين أن هناك تشويهاً من هذه الفئة بعينها؛ وهي فئة كبرت. الآن الجروح حصلت، والآن أنا لست متظلماً أمام أحد، أنا متظلم عند الله تعالى. هذه الجروح فيها عرب وعجم ولبنانيون وغير لبنانيين. الآن أنا لست متظلماً، لكن بُنِيَ نظام مصالح اقتصادية بالفعل، يعني يوجد ناس بنوا نظام مصالحهم المعنوية والسياسية والاقتصادية على هذه الحالة (الانقلاب على الشيخ) ولا يزالون يغذونها لأنها تتصل بنظام مصالحهم. هؤلاء أيضاً يسهِمون حتى في هذه التفاصيل، يساهمون في إراءتكم أو إراءة أمثالكم بأن هذا التفصيل ينتمي إلى ضرورات الأنظمة ولا ينتمي إلى خيارات الأمة. هذه المسألة تشبه... اعتراض عمر بن الخطاب على النبي (ص) في الحديبية، وأنه لا نعطي الدنية في ديننا تشبه هذا؛ مع أن الحديبية تمثّل نموذجاً لضرورات الأنظمة. هذه النقطة فقهية يحسن أن تنتبهوا لها أنتم وغيركم: صلح الحديبية ينتمي إلى ضرورات الأنظمة من إنسان هو في الوقت نفسه يمثّل خيارات الأمة. في أيامنا هذه، هناك مَنّ أقول عنهم بأنهم يجعلون أنفسهم مسلمين أكثر من النبي داخل الحركة الإسلامية. (يشير هامش النص هنا إلى أن الشيخ شمس الدين كان يأخذ على الحركات الإسلامية في ذلك الوقت أن لديها «كثيراً من الحميَّة والحماسة، على قليل من الفقه والورع»).

علم حركة أمل الشيعية في الشياح بضاحية بيروت الجنوبية عام 2024 (أ.ف.ب)

ويتابع شمس الدين: «في الحالة التي يتضمنها السؤال، هذه الجهة بعينها تصوّر للناس بالأسلوب الحزبي أو غير الحزبي أن هذا التفصيل (عملٌ أو مسعى ما) هو شُغل دولة، وأنَّ الشيخ (محمد مهدي شمس الدين) والمجلس الشيعي مع الحكومة؛ والعقلية الشيعية في هذا الأمر تملك حساسية معينة معروفة عند كثيرين (معارضة الدولة والنظام)، ومِثْلُ هذا الكلام يؤثّر في الأوساط الشيعية المحتقنة، وكنتُ أنا الضحية إلى جانب كثير من الأبرار. أما الذين مشوا في هذه الفتنة مفتوحي الأعين فهم قليلون. أما المضلَّلون، وهم الأكثرية، فأسألُ الله أن يغفر لهم.

حصل هذا الأمر. هذا الموضوع هو الآن مسؤوليتكم. ليس مسؤوليتي... هذا مسؤولية كل إنسان من رجل أو امرأة يريد أن يكون بريء الذمة مع الله ويريد أن يلقى الله سبحانه وتعالى بصفحة نقية. من جانبي ليس عندي شيء أندم عليه. هذا السؤال يعكس مشكلة حقيقية موجودة؛ وهذه المشكلة حقيقتها هي ما شرحته لكم».

العلاقة مع مصر

ورداً على سؤال من أحد الحاضرين عن زيارته لمصر، أجاب الشيخ شمس الدين:

«دُعيت إلى مصر كما أُدعى لغيرها. لمصر دُعيت مراراً كثيرة في السنوات الماضية، وكان من المدهش للمصريين وغيرهم حينما علموا أنني حتى الآن لم أزر مصر، هي الزيارة الأولى. قلت لهم: إننا أيام العراق ما كنا في وارد أن نزور، لم نكن في عالم سياحة أو تواصل. بعدما جئنا إلى لبنان، في السنوات الأولى لمجيئنا، توفي (المرجع) السيد محسن الحكيم، و(استغرقتنا قضايا عامة وغيرها). وإلى أن لملمنا أنفسنا جاءت قضايا المفاوضات وكامب ديفيد، ثم دخلنا في فتنتنا نحن أيضاً (في إشارة إلى الحرب الأهلية في لبنان). ودُعيت بعد السادات في الواقع مرات عدة، وكل مرة كنا نهمّ بالسفر وتحُول الحوائل... مؤخَّراً عزمنا على السفر لأجل عقد مؤتمر القدس الشهير، وأيضاً هذا الأمر تعذّر بسبب المصريين: هم أبدوا رغبة في عقده بلبنان بعد عدوان الإسرائيليين في نيسان (أبريل) الماضي، ثم كانت هذه الدعوة.

الخلفية هي اهتمام متبادل مع المصريين. لم أزر مصر سابقاً، ولكني كنت على صلة أحياناً مباشرة وأحياناً غير مباشرة بالحركة الإسلامية في مصر، في آليات هذه الحركة، بدور مصر في حماية الشيعة في أفريقيا. (كلّفت) النظام المصري تكليفات عدة لحماية المغتربين اللبنانيين في أفريقيا، في أزمات ليبيريا وسيراليون وزائير السنة الماضية، أو الغابون، والجماعة (أي المصريين) لم يخذلوننا. وهناك أمور أخرى، من جملتها قضية التقريب بين المذاهب وقضية تأصيل خط الإمامية داخل كليات الشريعة في الأزهر. هذه هي الخلفية، لا توجد خلفية أخرى».

ورداً على سؤال عن وضع الشيعة في مصر والكلام عن مشكلة حصلت قبل الزيارة، رد شمس الدين:

«هذه المشكلة عالجتها وأنا هنا قبل أن أسافر، وكانت الدعوة موجودة قبل أن تنفجر هذه القضية. أرسلت رسالة إلى الرئيس مبارك وإلى شيخ الأزهر؛ وهو رجل أعرفه سابقاً منذ كان على رأس الإفتاء في مصر. عولجت بمعنى لُجم الفلتان الإعلامي. أما مضمونها السياسي، فأنا من الأساس قلت كلاماً علنياً لعلَّ الكل اطلعوا عليه. المجموعة السرية التي (شكّلت) نواة حزب أو نواة تجمّع، ومنهم ذاك المخلوق التعيس «شحاته» وأمثاله، هؤلاء الجماعة لا يعنوننا، إن كانوا صادقين أو دجالين. هم يمثلون قضية ارتباط سياسي معين، والارتباط السياسي لا يمكن أن يتحمل وزره خط فكري، خط فقهي، خط مذهبي.

الشيخ محمد مهدي شمس الدين خلال إفطار في القصر الجمهوري اللبناني (أرشيف الشيخ الراحل)

عندما ذهبت، طبعاً عالجت الذيول التي منها إطلاق سراح من بقي منهم، وتسويتها نهائياً بحيث أني الآن واثق من عدم تكرار ما حدث. هذا هو جو الزيارة؛ وهو اهتماماتي العربية والإسلامية العامة واهتماماتي الشيعية: عندنا موضوع الجامعة الإسلامية في لبنان وعلاقتها مع الأزهر، عندنا موضوع إعادة الاعتبار لمذهب الإمامية داخل الأزهر - وهو توقف منذ أكثر من خمس عشرة سنة (...) وقضية ما يسمى تقريب بين المذاهب. عندي تصور (حول قضية التقريب) أبعد من التصور المألوف، وإن شاء الله سيقرّ. ولديَّ اهتمامٌ بتعزيز توجهات الرئيس مبارك في التضامن العربي، في التعاون مع سوريا. هذه التوجهات عبّرت عنها أكثر من مرة وبصيغ متنوعة.

العلاقة مع الأنظمة

ورداً على سؤال عن الود الذي يظهر خلال زياراته المتكررة لدول عربية، وهل «من المصلحة عدم التصعيد ومعالجة العلاقة مع هذه الأنظمة بالتي هي أحسن»، أجاب شمس الدين:

الحكاية عن ود، هؤلاء يُودّون. أنا أستحق الود وهم يستحقونه. ناس مسلمون طيّبون يُودّون، لماذا لا يُودون؟ أهل مصر أو أهل السعودية أو أهل الخليج أو الهند أو باكستان. نحن نزور الناس، نزور الكل، نزور الأنظمة ونزور الشعوب. أنا في مصر وفي السعودية وفي الخليج ما كنت محصوراً. في مصر التقيت مع المعارضة ومع الموالاة، مع حزب الوسط الذي هو ضد الدولة. علناً التقينا وخطبت فيهم وحاورتهم وكتبوا عني؛ التيار الإسلامي جلست معه وحاورته وحاورني وأحبني.

حكاية ود... أولاً ليس الودّ أمراً مستنكراً. ثانياً، الود لا يعني العشق والغرام. يوجد بيننا قضايا جامعة: القضية الإسلامية العامة وقضية المشروع الصهيوني. هاتان القضيتان الكبيرتان وما في داخلهما من تفاصيل... يوجد فهم مشترك (مع من أزورهم) في كثير من الحالات. حينما يتَّفق اثنان بالرأي ينسجمان بالتأكيد. تُرى لو أن غيري ذهب، هل كان يستقبل بالشتائم؟ أيضاً يُستقبل بالود. كلمة «الودّ» في سؤالكم هي كلمة مزروعة، ومَنْ زرعها يبني عليها!

(...) العقدة النفسية الموجودة عند الشيعي أنه منبوذ، سببها أنه هو نابذ. سؤالكم يعكس القلق الشيعي العميق والذي هو نتيجة سوء تربية، سوء تنشئة (أخبرتنا/أشربتْنا) أن العالم ضدنا... كلا، العالم ليس ضدنا! نحن ضد العالم! إحدى مهمات رسالتي هي إخراج الشيعة من أن يكونوا ضد العالم. العالم بمقدارٍ ما هو ضدهم بلا ريب، كما أنه ضدُّ بعضه بعضاً أيضاً.

الآن الجزائر ليس فيها شيعة وهي تتذابح، يعني مبدأ التدافع الاجتماعي، التدافع التكويني داخل المجتمعات هو حقيقة قرآنية قائمة في الخلق وفي التكوين. الآن السودانيون يتحاربون إلى حد القتل وليس فيهم شيعة وسنة: ختمية مع ختمية ويتذابحون. فوجود حالة نبذ ووجود حالة دفع ضد الشيعة موجودة، ولكن العلة الأساسية هي أن الشيعة في موقفهم التاريخي - وهو موقف في جذوره مبرر ولكن في امتداداته الآن غير مبرر – يعتبرون أنفسهم ضحيَّة مؤامرة، ويعيشون جو المؤامرة... أن العالم يريد أن يذبحنا، العالم يريد أن يأخذ حقوقنا، العالم يريد أن يغير عقيدتنا! وهذا الوضع طبعاً يخلق حالات استهداف عند الآخرين.

بعض القيادات الشيعية، خاصة بعد نشوء الحالة الحركية الإسلامية داخل الشيعة، صارت تستغل هذا الوضع استغلالاً خالياً من أي ورع، وخالياً من أي أخلاق. صارت تغذي هذا لأجل أن تُمحور حولَ نفسها، لأجل أن تستقطب، ووُجدت هذه الحالة... وإلّا فالدنيا بخير. يعني أنت حينما لا تحمل مشروعاً يخيف الآخرين، حينما لا تهدد نظام مصالح الآخرين بنظام مصالحك الخاص، قليل (من الناس) يقف في وجهك. داخل التسنن توجد تناقضات وداخل التشيع أيضاً توجد تناقضات.

الآن أذكر النموذج العراقي الذي وصل إلى حد التذابح بين حزب الدعوة وغيره من الشيعة. طبعاً ما صاروا شاطرين مثل اللبنانيين بين «أمل» و«حزب الله» (الإشارة هنا إلى ما سُمّي «حرب الأخوة» بين «أمل» و«حزب الله»، في النصف الثاني من ثمانينات القرن الماضي). هؤلاء شيعة وشيعة، مثل الأفغان أو السودانيين أو الجزائريين الذين هم سنّة وسنّة.

عندي قضية يا أولادي، أنا عندي دماؤكم وأعراضكم وحريتكم وكرامتكم. يهمني أن الشيعي حينما يكون في وطن - ولا يمثل نظام غلبة - أن يكون مقبولاً، أو حينما يروح لا يكون مثل الوباء الذي يُتوقى منه. أنا أريد أن أخلق حالة ثقة وعلاقة نقية بين الناس وبين الشيعة... وما عندي شيء أتكلم به سراً. أنا كل كلامي الذي أقوله وراء الأبواب المغلقة هو الذي تعرفونه في الميكرفون. أنا أقول: اندمجوا في دولكم، اندمجوا في شعوبكم، اندمجوا في أنظمة مصالحكم، لا تنشئوا نظام مصالح خاصاً، لا تثيروا ريبة الآخرين، احترموا قوانينكم.

هذا الأمر أنا أقوله وأقوله عن قناعة فقهية. أنا أُحرّم الغِيلة وأحرم الغُلول (السرقة الخفية من المال العام)، يعني ما يقال بأنَّ أموال الدولة حلال (أن تُسرق)، لا!.. أنا أقول بأنَّ أموال الدولة حرام أن تُسرق. دولة سنيّة أو دولة شيعية هما عندي متل بعض...

هذه رسالتي؛ رسالتي أن أجعل الشيعة مقبولين داخل مجتمعاتهم وداخل الأمة، وأريدهم أن يكونوا مقبولين لذاتهم، لا لأنهم يمثلون (محمية) لدولةٍ أخرى، يعني أن أكون مقبولاً لأن إيران تحميني! هذه أنا لا أريدها. أنا (هنا في لبنان) صيرورة تاريخية موجودة منذ عهد الرسول - سلام الله عليه - وسأبقى إلى عهد ظهور الإمام المهدي. أنا أحمل جنسية بلدٍ معيَّن وأريد أن أكون مقبولاً لذاتي، لأني مقبول في محيطي وفي مجتمعي، لا لأني أمثّل حالة سياسية تنشر الرعب ويُجامِلُها الآخرون، كما هو الحال الآن، كما تحاول بعض الجهات أن تخلق هذه الحالة... «أنه نحن نخوّف»...! أُخْبرِتُ أنَّ بعض هؤلاء يقول لمخالفيهم والآخرين: «انتبهوا!.. نحنُ (الحزب الفلاني)، وإذا عملتم معنا شيئاً (لا نرضاه) هنا، نطالُكم في أمكنةِ أخرى!».

هذا النوع من الكلام أعلم أنه قيل وليس أنه يمكن أن يقال، وأخبركم أنه قيل؛ قيل في أوروبا وقيل في الشرق العربي وقيل في آسيا؛ هذا كلام قيل... كأن يُقبض على أحدهم بعملية تهريب ممنوعات، أو تزوير وثيقة في بلدٍ ما، فيهدِّدُ بأنه من الحزب الشيعي الفلاني، وأنَّ حزبَه سيؤذيهم في أماكن أخرى إذا لم يطلقوا سراحه!... وفي أحيانٍ كثيرة ينال ما أراد. لكن من يتحمَّل عواقب مثل هذا السلوك؟ يتحملها هذا الجسم المبارك، (الناس الصالحون) هذه الصفوة التي هي صفوة الإسلام هي تتحملها. نعم يتغاضون عن فعله... ولكن يُبنى على هذا ما يبنى؛ لأن أنظمة المصالح أيضاً تدافع عن نفسها، ولا أحد يستسلم.

جنود لبنانيون في مواجهة مناصرين لحركة أمل وحزب الله في بيروت عام 2019 (أ.ف.ب)

الآن هدفي وتكليفي الشرعي بكل علنية وبكل وضوح، هو أن أجعل الشيعة مقبولين في العالم الإسلامي، مقبولين كما هم في تربتهم (سجدة الصلاة) وسبحتهم وأساليبهم، من طريقة موالاتهم لأهل البيت - وموالاة أهل البيت أمر شائع في المسلمين جميعاً - يعني تمذهبهم الخاص، كما هم. أنا وظيفتي أنْ أجعلهم مقبولين مكرمين مثل غيرهم.

موضوع جعل الشيعة حالة متمايزة داخل الإسلام، كما يحاولون هم والذين يستغلونهم بحسن نية أو بسوء نية، وأيضاً الاستشراق الأجنبي، هذا أمرٌ غيرُ صحيح وغير سليم. مثلاً، تُعقد مؤتمرات إسلامية عامة، و(لكن) تعقد مؤتمرات لخصوص الشيعة بعينهم كأنهم مخلوق فيه شذوذ معين! أنا أرى أن تكليفي الشرعي - وهذا موجب فقهي وعلمي – هو أنْ (أُخرج) الشيعة من (هذا المأزق)... والحمد الله أفلحت بنسبة كبيرة.

«أخطاء الحركة الإسلامية»

ورداً على سؤال عن «التصدي لأخطاء الأنظمة» كونه تحدث عن «أخطاء الحركات الإسلامية»، أجاب:

أنا وأمثالي نتصدى لأخطاء الأنظمة... الحركة الإسلامية ليست حركة واحدة. أنا استخدمت تعبير «الحركة الإسلامية العالمية»، ولكن نقول هذا الكلام من أجل كرامتنا، يعني لكي نحفظ كرامتنا... وإلا ليس هناك حركة إسلامية عالمية بمعنى الكلمة. توجد حركات إقليمية وتوجد حركات داخل الإسلام السنّي إذا صح التعبير، وتوجد حركات داخل الإسلام الشيعي إذا صح التعبير أيضاً. توجد أخطاء نعم، أخطاء وأخطاء مألوفة، لكن موجعة، وأخطاؤها أثّرت على الشيعة غير الحركيين وغير الحزبيين.

مثلاً، أنا معني الآن بالوضع الجزائري. سمِعتموني أدعو إلى مؤتمر فقهي ينظر في أسلوب الحركيَّةَ الإسلامية. لعله أيضاً ليس كل الذبح الذي نسمع به هو من صنع الإسلاميين الجزائريين، وأنا أعرف فيهم أناساً يُستسقى بهم الغمام، رجالاً ونساءً. يجوز أنَّ بعض جيوب المخابرات الأجنبية تقوم بهذه الجرائم حتى تعطي هذا الانطباع. لكن لا ريب في وجود عقلية دم، عقلية قتل، يعني عقلية الشُراة (فرقة قديمة من فرق الخوارج)، أي عقلية الخوارج. عند الشيعة أيضاً هي موجودة، وأنتم «عملتم اللازم»، يعني أنكم هنا في لبنان قتلتم بعضكم بعضاً، وكنتم صائمين أيضاً! (في إشارة إلى الحرب بين «أمل» و«حزب الله»، والتي ابتدأت في شهر رمضان).

(...) «حزب الله» حاربنا لأننا ما ناصرناه، وحركة «أمل» حاربتنا لأننا لم نناصرها. أرجو ألا تدخل المسألة في باب المفاكهة. يوجد شيء حقيقي وعميق. أنا الحمد الله ألقى الله سبحانه وتعالى وليس في ذمتي وفي سجلي قطرة دم من دمائكم. أرادونا على شيء، ووقانا الله منه من الطرفين.

«قصدي أنكم وقعتم فيما وقع فيه غيركم. في العراق حدث ذلك، الآن في أفغانستان مذابح مركّبة: شيعة وشيعة، سنة وشيعة، سنة وسنة (...)

توجد أخطاء ونحن ننتقدها، الله يعلم والحركات ذات العلاقة تعلم، والأفغانيون يعرفون والجزائريون يعرفون إلى حد، وكذلك السودانيون، يعرفون أنه بالسر نحكي معهم كثيراً. والأنظمة أيضاً تخطئ، ونحن ننتقد الأنظمة بالأسلوب نفسه الذي ننتقد به الحركات الإسلامية أو غير الإسلامية. الحركة القومية يقال عنها الكلام ذاته. غاية الأمر الآن أنَّ الذي يملك الطاقة والقدرة على التأثير والتغيير هي الأنظمة.

الأنظمة على قسمين: قسم يمكن أن يوظَّف في المشروع العام للأمة؛ المشروع العام للأمة الآن هو مشروع ممانعة وليس مشروع انتصار: هو مشروع احتفاظ بالذات، بعد ذلك الله سبحانه وتعالى هو يعلم متى سيكون التغيير. لعل بعضكم سمعني في الماضي أقول: دعونا نكف عن المحاربة بأسلوب العدو، ونبني ذاتنا وننتظر؛ نقول للغرب نحن لا نريد أن نحارب إسرائيل ولكن لا نريد أن نصالح إسرائيل. نحن ننمو على وضعنا وهم ينمون على وضعهم.

هذا الموضوع في الماضي كان موجوداً، والآن ما زال موجوداً. الذي أضعف الممانعة هو حرب الخليج الأولى والثانية. حرب العراق ضد إيران وضد الكويت أضعفت الأمة العربية إضعافاً تعرفونه جميعاً، بحيث إن قدرة الممانعة أمام الأغيار أصبحت جداً محدودة وضعيفة، وبقيت بقية من الأنظمة التي لا تزال قادرةً على التَّماسُك. هذه (الأنظمة) تحتاج إلى دعم، وتحتاج إلى تشجيع لأجل أن تبقى في هذا الموقف. ألا تخطئ؟ هي تخطئ، نحن نخطئ؛ لكن لا أستطيع محاسبة حسني مبارك على غلطة أنور السادات. تُرى هل مشى معها أم لا؟ لا أدري؛ لكن أنا أمامي الآن رجل وعنده مجموعة يحاولون أن يقوموا بدور ممانعة... أنا أدعمهم وأعمل أي شيء يمكننا أن نطور أي ذرة من ذرات التماسك في البنية العامة. أنا أنظر إلى المسألة بصورة كلية، ولا أنظر إلى غلطةٍ ضدَّ هذا أو ضِدَّ ذاك - وأقول: الآن المواجهة مع حكومة نتنياهو هي أن نعزله، هي أن نجعله يتراجع، هي أن نجعل حكومته تستقيل. هذه تحتاج إلى دعم ولا تأتي عن طريق الشتائم.

هذا الأمر يناقضه ماذا؟ يناقضه عقلية «الشُراة»، عقلية أن كل شيء يجب أن يُضرب، العقلية التدميرية التي هي غالباً موجودة وموروثة داخل قسم من الشيعة منذ القدم. هذا من قبيل أنه إذا أفطر شخص في شهر رمضان يصيحون فيه: لقد كفر! عمّي... الله فتح باب التوبة. لا، أنت كفرت! هذه الحالة موجودة وتعرفونها؛ أنا استعملت مرة تعبير «مسلمين أكثر من النبي»! هؤلاء هم.

نحن نعيش تارةً حالة الأبيض والأسود، حالة «الولاية والبراءة». كلامكم عن الأنظمة يعني أنه يجب أن نتبرأ منها وأنها كلها يجب أن نرجمها بالحجارة! هذه الحالة قلما تمر في التاريخ، هذه في علاقات الأفراد تمر، والتولّي والتبرّي يكون في علاقات الأفراد. يعني إذا كان زيد فاسداً أنا أرتب عليه حكم الفساد، وإذا كان عادلاً أرتب عليه حكم العدالة؛ وحتى هذه نحن مأمورون فيها بالمداراة. يوجد أخبار صحيحة عن أئمتنا سلام الله عليهم تقول: نصف أو ثلث الدين هو المداراة (...) حالة الحدّية هذه ليست من الشرع، هذه نزعةٌ خلقتها الحالة الحزبية، الحالة التي فيها قطب مُعيّن يعرف أن الخيارات إذا تعددت أمام إنسان يصبح لديه أكثر من قطب، ويصبح هذا الإنسان مُخَيَّراً بين اثنين أو ثلاثة، فيصلّي جماعة في مكانين، يسمع موعظتين، يوزع فلوسه بين شخصين. لكن لهدف أن يُمْسَك رسنه (ذاك الإنسان) مسكاً كاملاً، يجب أن يتحطم (جميع الأقطاب أو المراجع الآخرين). تنشأ هذه الحالة التي أنتم تعيشونها وتطرحون أسئلتكم من خلالها. هذه ليست من الشرع في شيء وليست من الإسلام في شيء.

  • أقول: اندمجوا في دولكم... اندمجوا في شعوبكم... اندمجوا في أنظمة مصالحكم... لا تنشئوا نظام مصالح خاصاً... لا تثيروا ريبة الآخرين... احترموا قوانينكم
  • رسالتي أن أجعل الشيعة مقبولين داخل مجتمعاتهم وداخل الأمة... وأريدهم أن يكونوا مقبولين لذاتهم لا لأنهم يمثلون «محمية» لدولةٍ أخرى... يعني أن أكون مقبولاً لأن إيران تحميني!
  • العقدة النفسية الموجودة عند الشيعي أنه منبوذ سببها أنه هو نابذ (...) العالم ليس ضدنا! نحن ضد العالم! إحدى مهمات رسالتي هي إخراج الشيعة من أن يكونوا ضد العالم

محمد مهدي شمس الدين


مقالات ذات صلة

مشهد النزوح يعود إلى جنوب لبنان

المشرق العربي زحمة سيارات قادمة من الجنوب على الطريق الساحلي في مدينة صيدا (أ.ف.ب)

مشهد النزوح يعود إلى جنوب لبنان

عاد مشهد النزوح ليطلّ من جديد على بلدات جنوب لبنان، مع تصاعد العمليات العسكرية الإسرائيلية منذ مساء الجمعة.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
شؤون إقليمية مرتفعات «علي الطاهر» ويبدو أسفلها الدمار في بلدة كفرتبنيت بجنوب لبنان (الشرق الأوسط) p-circle

هل منحت واشنطن إسرائيل ضوءاً أخضر لاجتياح «علي طاهر»؟

أكدت مصادر سياسية في تل أبيب أن التصعيد الإسرائيلي في الجنوب اللبناني، خلال الأيام الثلاثة الأخيرة، يحظى بتفهم أميركي، شرط ألا يؤدي إلى اشتعال الحرب مجدداً.

نظير مجلي (تل أبيب)
المشرق العربي عمال إنقاذ لبنانيون يبحثون عن ضحايا أسفل الركام بعد غارة إسرائيلية على منطقة أنصار بجنوب لبنان (د.ب.أ) p-circle

الجيش الإسرائيلي يقتل قيادياً بارزاً بوحدة «بدر» التابعة لـ«حزب الله»

قال الجيش الإسرائيلي، اليوم (الأحد)، إنَّه استهدف قائداً بارزاً في وحدة «بدر» التابعة لـ «حزب الله» في منطقة دير الزهراني، أمس (السبت).

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي الدخان يتصاعد من تلة علي الطاهر في النبطية جراء غارات إسرائيلية (أ.ف.ب)

نتنياهو يفرض شروطه بالنار على جنوب لبنان

تبقى الأنظار مشدودة إلى السباق المحموم بالنار بين إصرار رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو على سيطرته على تلال «علي الطاهر» ما لم يستجب «حزب الله» لشروطه

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي عناصر من الدفاع المدني ينقلون جثمان ضحية قتلت في استهداف إسرائيلي لبلدة أنصار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

لبنان يخشى على المفاوضات من «الاستباحة» الإسرائيلية

ندّد لبنان الرسمي بالتصعيد الإسرائيلي المفاجئ في جنوب لبنان؛ إذ قرأ فيه رسائل سياسية، أُولاها «للمسار التفاوضي وللجهود الأميركية الرامية إلى تطبيق هذا الاتفاق»

«الشرق الأوسط» (بيروت)

مشهد النزوح يعود إلى جنوب لبنان

زحمة سيارات قادمة من الجنوب على الطريق الساحلي في مدينة صيدا (أ.ف.ب)
زحمة سيارات قادمة من الجنوب على الطريق الساحلي في مدينة صيدا (أ.ف.ب)
TT

مشهد النزوح يعود إلى جنوب لبنان

زحمة سيارات قادمة من الجنوب على الطريق الساحلي في مدينة صيدا (أ.ف.ب)
زحمة سيارات قادمة من الجنوب على الطريق الساحلي في مدينة صيدا (أ.ف.ب)

عاد مشهد النزوح ليطلّ من جديد على بلدات جنوب لبنان، مع تصاعد العمليات العسكرية الإسرائيلية منذ مساء الجمعة، وما رافقها من غارات واستهدافات طالت عدداً من المناطق. وشهدت الطرقات الجنوبية باتجاه بيروت وصيدا، يومي السبت والأحد، حركة سير كثيفة، في مؤشر إلى بدء موجة نزوح جديدة من عدد من البلدات الجنوبية، ولو أن حجمها لا يزال مرتبطاً بتطورات الساعات والأيام المقبلة.

زوطر النموذج

وتمثل زوطر الغربية، إحدى البلدات التي كان الجيش اللبناني قد انتشر فيها قبل أن ينسحب منها الجيش الإسرائيلي، أولى «المناطق التجريبية»، نموذجاً عما يعاني منه أهالي الجنوب الذين يعيشون على وقع القلق وعدم الاستقرار.

يحمل عمال الإنقاذ كيساً بلاستيكياً يحتوي على جثة شخص قُتل في منزل تعرض لغارة جوية إسرائيلية في قرية دير الزهراني بجنوب لبنان يوم السبت (أ.ب)

ويقول رئيس بلدية زوطر الغربية عبد عز الدين لـ«الشرق الأوسط» إن التصعيد العسكري الذي شهده الجنوب ليل السبت، وما رافقه من مقتل عائلة كاملة في بلدة أنصار، أعاد الخوف إلى نفوس الأهالي، مشيراً إلى تسجيل حركة نزوح من زوطر، كما من بلدات عدة في الجنوب، خشية اتساع التصعيد العسكري، ولا سيما في ظل التهديدات الإسرائيلية.

ويضيف عز الدين: «غادر عدد كبير من العائلات من زوطر، لا سيما التي تضم أطفالاً وكباراً بالسن. من لديه مأوى بقي فيه، مثل العائلات التي احتفظت بالبيوت التي كانت قد استأجرتها خلال الحرب، ومن ليس لديه منزل يغادر خلال الليل ويعود خلال النهار».

ويصف رئيس البلدية واقع الأهالي بالقول: «يفضلون إخراج الأطفال وكبار السن من المناطق الخطرة ولو سيجلسون في الشوارع».

وأضاف أن «هذه حال أهالي الجنوب، الخوف وعدم الاستقرار بانتظار ما ستؤول إليه الأمور».

ولا يقتصر القلق على المناطق التي تتعرض مباشرة للقصف، إذ إن مجرد استمرار التصعيد والتهديدات يعيد دفع العائلات إلى البحث عن أماكن أكثر أمناً، في حركة يصعب تقدير حجمها النهائي في ظل عدم وضوح المسار العسكري والسياسي.

مبنى متضرر في بلدة أنصار بعد تعرضه لقصف إسرائيلي سقطت نتيجته عائلة بأكملها (إ.ب.أ)

الدولة تستنفر

وفي موازاة حركة الأهالي، بدأت السلطات المعنية الاستعداد لاحتمال توسع موجة النزوح. وأكدت وزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيد أنها تتابع تطورات التصعيد الأخير، مشيرة إلى تنسيق متواصل مع الوزارات والجهات المعنية ووحدة إدارة مخاطر الكوارث في رئاسة مجلس الوزراء والمحافظات، لضمان الجهوزية لمواكبة أي حركة نزوح أو احتياجات طارئة.

ودعت السيد كل مواطن يحتاج إلى أي نوع من المساعدة إلى التواصل مع غرف إدارة الكوارث في المحافظات، عبر خطوط الاتصال الساخنة المخصصة لمراكز الإيواء، لتوجيهه ومتابعة احتياجاته بالشكل المناسب. وشددت على أنه «لا يجوز أن يبقى اللبنانيون عرضة لدورات متكررة من الخوف والنزوح»، مؤكدة أن الأولوية تبقى لوقف التصعيد وتجنيب لبنان وأهله المزيد من الدمار والنزوح.

إقليم الخروب يستعد

وتستعد منطقة إقليم الخروب في الشوف، التي تعتبر من أكثر المناطق التي استقبلت نازحين خلال الحرب، لمواكبة أي موجة نزوح جديدة، وتشير معطيات سابقة إلى أن المنطقة استقبلت نحو 100 ألف نازح، ما شكّل ضغطاً كبيراً على البلديات والقدرات المحلية.

ومع عودة حركة النزوح باتجاه الإقليم، دعا رئيس اتحاد بلديات إقليم الخروب الشمالي ماجد ترو في بيان له «جميع السكان وأصحاب الشقق والمنازل المؤجرة في المنطقة إلى تسجيل أسماء المهجرين والنازحين الوافدين إليهم، وكذلك الذين يستأجرون شققاً لديهم منذ فترة سابقة، لدى البلديات المعنية».

كما طلب ممن سبق أن قدموا معلومات إلى البلديات المبادرة إلى تحديث البيانات المتعلقة بالمهجرين والنازحين المقيمين لديهم، بما يضمن دقة المعلومات ومواكبة حركة النزوح المستجدة، مشدداً على ضرورة الالتزام بهذه الإجراءات لما لها من أهمية في تنظيم ومتابعة أوضاع النازحين.


قآاني يضبط إيقاع الردود العراقية على ملف «حصر السلاح»

رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي (أ.ف.ب)
رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي (أ.ف.ب)
TT

قآاني يضبط إيقاع الردود العراقية على ملف «حصر السلاح»

رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي (أ.ف.ب)
رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي (أ.ف.ب)

في وقت تواصل الحكومة العراقية جهودها لضمان حصر السلاح بيد الدولة ومؤسساتها الرسمية فقط، تسرّبت معلومات عن عدم تمكن قائد «فيلق القدس» الإيراني، إسماعيل قآاني، من تحقيق اختراق خلال زيارته الأخيرة لبغداد، لجهة التأثير على خطط رئيس الوزراء العراقي، علي الزيدي، لنزع سلاح «الفصائل المسلحة» مع نهاية سبتمبر (أيلول) المقبل.

في المقابل، نجح المسؤول الأمني الإيراني، كما يبدو، في ضبط إيقاع القوى السياسية الشيعية لجهة كيفية التعامل مع هذا الملف الحساس، وهو أمر تجلَّى في تصاعد الأصوات الرافضة تسليم السلاح.

وبات مراقبون سياسيون في العاصمة العراقية يربطون بين عزم رئيس الحكومة على إتمام مهمة حصر السلاح كاملة، مع انسحاب آخر جندي أميركي من العراق بنهاية سبتمبر المقبل، طبقاً للتعهد الذي ألزم نفسه به، وبين حاجة طهران للمناورة في سياق مواجهتها مع الولايات المتحدة وحاجتها إلى ربط بعض أذرع ما يُعرف بـ«محور المقاومة»، ومنها الفصائل العراقية، مع مجريات المفاوضات المتعثرة بين الطرفين.

وفي سياق ربط الوقائع مع بعضها، يبدو أن الزيارة الأخيرة التي قام بها قآاني للعراق، وهي زيارة غير معلنة كالعادة، رسمت ملامح المرحلة المقبلة لجهة كيفية التعامل مع ملف الفصائل الرافضة تسليم سلاحها تحت ذريعة «عقائدية السلاح».

وتُطالب قوى وأطراف سياسية وعقائدية مرتبطة بإيران برفض الشروط الأميركية على إيران والشروط الأميركية على الحكومة العراقية فيما يخص نزع سلاح الفصائل، على أساس أن ذلك جزء من عملية تجريد طهران من مصادر قوتها، سواء في داخل إيران أو مع أذرعها في عدد من دول المنطقة، ومنها العراق.

جانب من أحد اجتماعات «الإطار التنسيقي» بحضور رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي (إكس)

وفيما تُحاول قوى «الإطار التنسيقي» الشيعي، المنقسمة أصلاً على نفسها، مسك العصا من الوسط في العلاقة بين الزيدي والفصائل المسلحة من جهة، وبين الزيدي وإيران من جهة ثانية، يبدو موعد الثلاثين من سبتمبر المقبل من أكثر المواعيد صعوبة في العراق في الفترة المقبلة. ويمثّل هذا التاريخ اختباراً للتحالف الحاكم منذ عام 2003 حينما ساعد الأميركيون، بعد إسقاطهم نظام صدام حسين، القوى الشيعية في الوصول إلى السلطة ببغداد. وفي السنوات اللاحقة، تحوّل بعض القوى الشيعية المسلحة إلى طرح مسألة شرعية «مقاومة المحتل»، بذريعة أن عودة الولايات المتحدة للعراق عام 2014، بعد انسحابها منه عام 2011، تُمثّل احتلالاً جديداً للبلاد.

وفي هذا السياق، وفي ضوء التوتر الجاري حالياً بين مشروع رئيس الوزراء الهادف إلى حصر السلاح بيد الدولة وعدم قبوله بأي ثنائية مسلحة بعد موعد سبتمبر المقبل، ومشروع الفصائل الرافضة تسليم سلاحها تحت حجة «المقاومة»، يقول سياسي شيعي، لـ«الشرق الأوسط»، إن «القول بالخطر الذي يواجه نظام الحكم الذي نشأ في مرحلة ما بعد عام 2003، في حال جرى نزع سلاح القوى المسلحة، إنما هو كلام يراد به تخويف المواطن العراقي البسيط الواقع حالياً بين مطرقة قوى السلاح بذريعة المقاومة وسندان الضغوط الأميركية التي يمكن أن تصل إلى حد حرمان العراق من مبيعات نفطه التي تذهب إلى الخزانة الأميركية، وتأتي إلى العراق بالطائرات لتوزيعها كرواتب».

ويشير هذا السياسي، وهو قيادي حزبي سابق، إلى «فشل قوى المحاصصة السياسية والطائفية في بناء دولة بعد عام 2003»، موضحاً أن التقصير في هذا المجال «لا يقتصر على الشيعة وحدهم بل أيضاً على أبرز شريكين لهم، وهما الشريك السني والشريك الكردي».

ويتابع أن «التركيز على التحالف الحاكم (الشيعي) يأتي من منطلق أن الشيعة هم الأغلبية السكانية، ومن ثم الأغلبية السياسية الحاكمة في البلاد»، لافتاً إلى أن أصحاب هذا الرأي يعدّون أن مخاطر نزع السلاح تواجه الشيعة تحديداً، لا الأكراد ولا السنة. ويرى هذا السياسي الشيعي أن طرح الأمر من هذا المنظور «يعقّد على الحكومة الإجراءات الخاصة في مسألة حصر السلاح».

إسماعيل قاآني قائد «فيلق القدس» التابع لـ«الحرس الثوري» الإيراني (أ.ب)

إلى ذلك، يُخطط رئيس الوزراء علي الزيدي للدخول إلى أهم معاقل فصيل «كتائب حزب الله» بالعراق، وهي منطقة «جرف الصخر» بمحافظة بابل. ويسيطر على هذه المنطقة في شكل تام مسلحون مرتبطون بـ«الحرس الثوري» الإيراني. وتحرك حكومة الزيدي لاستعادة السيطرة على «جرف الصخر» جزء من الإجراءات الخاصة بحصر السلاح، وإعادة نازحي هذه المنطقة إلى ديارهم.

وقادت «منظمة بدر»، بزعامة هادي العامري، مهمة الوقوف في وجه رئيس الوزراء في هذا المجال. فبعد يوم من بيان لرئيس المكتب السياسي للمنظمة رفض فيه تسليم السلاح بالقوة، دعا المسؤول الأمني في مجلس محافظة بابل، التابع لـ«منظمة بدر» نفسها، الزيدي إلى ما سمّاه «ترك اللعب للكبار» في مساحة حصر السلاح.

ولم ترد الأوساط المقربة من رئيس الوزراء على ما بدا تحدياً واضحاً لأعلى سلطة حكومية في البلاد. لكن ردود الفعل على كلام المسؤول الأمني في مجلس محافظة بابل، والذي ورد في مقطع فيديو متداول على نطاق واسع، عكس إشكالية «الدولة واللادولة» في العراق. وتركزت غالبية ردود الفعل على أهمية إنزال أقصى العقوبات بحق الأصوات التي ترى أن «صوت السلاح الموازي» أقوى من الدولة التي يُفترض أنها وحدها من يحتكر السلاح.

ويأتي ذلك في وقت أكد رئيس «خلية الإعلام الأمني»، الفريق سعد معن، أن هيبة الدولة لا تُبنى بالتصعيد وإنما بقدرتها على تطبيق القانون، مشيراً إلى أن الحكومة العراقية تعمل على توحيد القرار الأمني، وجعل القوة العسكرية تحت مظلة الدولة بوصفها قوة واحدة، وفق ما أوردت «وكالة الأنباء العراقية (واع)».

وقال الفريق معن إن «موعد 30 سبتمبر ليس مصدر قلق، إذ إن قنوات التفاهم والمسارات الدستورية والقانونية والإدارية مفتوحة أمام الجميع، مع تثمين بطولاتهم السابقة في مناهضة عصابات (داعش) الإرهابية، في حين تقتضي مصلحة العراق الحالية المضي في المسار القانوني الصحيح».

وأضاف أن «قرار السلم والحرب محصور بيد الدولة، ولا يمكن القبول بتعدد القرارات أو خلق قوى موازية للقوات الرسمية؛ فالبلاد تحكمها دولة واحدة، وحكومة واحدة، وقانون واحد، مع حفظ الاحترام للجميع».


«مؤامرة» الإطاحة بنتنياهو شملت جنرالات ومعارضين وأحزاباً عربية

اجتماع سابق للمعارضة الإسرائيلية لإسقاط حكومة نتنياهو يضم (من اليمين) ليبرمان ولبيد وساعر (الشبكات الاجتماعية)
اجتماع سابق للمعارضة الإسرائيلية لإسقاط حكومة نتنياهو يضم (من اليمين) ليبرمان ولبيد وساعر (الشبكات الاجتماعية)
TT

«مؤامرة» الإطاحة بنتنياهو شملت جنرالات ومعارضين وأحزاباً عربية

اجتماع سابق للمعارضة الإسرائيلية لإسقاط حكومة نتنياهو يضم (من اليمين) ليبرمان ولبيد وساعر (الشبكات الاجتماعية)
اجتماع سابق للمعارضة الإسرائيلية لإسقاط حكومة نتنياهو يضم (من اليمين) ليبرمان ولبيد وساعر (الشبكات الاجتماعية)

كشفت معلومات جديدة أدلى بها وزير الخارجية الإسرائيلي، جدعون ساعر، عن أن المحاولة التي جرت للإطاحة برئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في صيف عام 2024 لم تكن تقتصر على تحرك داخل حزب «الليكود»، وإنما جرت بالتنسيق مع أطراف واسعة في معسكر المعارضة، بما في ذلك الأحزاب العربية، وبمشاركة شخصيات عسكرية وسياسية بارزة.

وحسب ساعر، كانت الخطة تهدف إلى تشكيل حكومة أقلية بدعم من الأحزاب العربية، بحيث يكون منصور عباس، رئيس «القائمة العربية الموحدة»، جزءاً من الترتيب، فيما تقدم أيمن عودة وأحمد الطيبي بدعم عبر الامتناع عن التصويت. إلا أن نتنياهو تمكن من إحباط الخطة من خلال توسيع ائتلافه وضم ساعر وكتلته إليه، ليرتفع عدد مقاعد الائتلاف من 64 إلى 68 مقعداً.

وكان الصحافي اليميني المقرب من نتنياهو، عميت سيغال، قد كشف في نهاية الأسبوع الماضي عن جانب آخر من المحاولة، عندما تحدث عن تحرك داخل حزب «الليكود» للإطاحة بنتنياهو بعد أشهر قليلة من هجوم «حماس» في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

وقال سيغال إن وزير الاقتصاد نير بركات قاد هذا التحرك، مستفيداً من علاقاته الواسعة ومن نفوذه السياسي، بعد أن شغل سابقاً منصب رئيس بلدية القدس لمدة عشر سنوات.

إفشال قانون الموازنة العامة

جلسة الكنيست يوم 16 يوليو قبل بدء العطلة التي تسبق الانتخابات العامة المقررة في 27 أكتوبر (أ.ف.ب)

ووفقاً للرواية، أجرى بركات اتصالات مع وزراء ونواب في محاولة لإقناعهم بضرورة الإطاحة بنتنياهو، عبر إفشال قانون الموازنة العامة، إذ ينص القانون على سقوط الحكومة في حال عدم إقرار الموازنة.

كما حاول بركات، حسب سيغال، استمالة نواب من خارج الائتلاف، وأنشأ جهازاً من المستشارين الذين عملوا على تنفيذ الخطة. وكان الهدف أن يحل بركات محل نتنياهو رئيساً للحكومة ورئيساً لحزب «الليكود»، وقد تمكن من حشد نحو ثلث أعضاء الكتلة البرلمانية.

إلا أن المحاولة تعثرت بسبب خلافات داخلية حول الشخصية التي ينبغي أن تخلف نتنياهو، إذ رفض قسم من المشاركين أن يكون بركات هو البديل.

وفي تلك الأثناء، أبلغ الوزير حاييم كاتس نتنياهو بالخطة، فباشرا العمل بهدوء لإفشالها، وهو ما تم بالفعل. لكن رواية ساعر، التي عرضها خلال مقابلة مع قناة «كان 11» التلفزيونية ليلة السبت - الأحد، تضيف بعداً آخر إلى القصة، إذ يقول إن التحرك ضد نتنياهو لم يبدأ فقط من داخل «الليكود»، وإنما تزامن مع صراع سياسي وعسكري واسع حول إدارة الحرب والمفاوضات المتعلقة بالرهائن الإسرائيليين لدى «حماس».

محور القيادات العسكرية

رؤساء أركان الجيش الإسرائيلي السابقون (من اليسار) أفيف كوخافي - غادي أيزنكوت - غابي أشكينازي - بيني غانتس خلال جنازة هَدار غولدِن (أرشيفية - أ.ب)

وحسب ساعر، بدأت العملية في شتاء عام 2024 بمبادرة من الجنرالين بيني غانتس وغادي آيزنكوت، اللذين كانا في الحكومة آنذاك. ويرى ساعر أن غانتس وآيزنكوت شكّلا، عملياً، محوراً من القيادات العسكرية السابقة في مواجهة القيادة السياسية.

وكان ساعر يومها جزءاً من حزب غانتس وآيزنكوت، لكنه يقول إن غانتس رفض اختياره ممثلاً للحزب في هيئة إدارة الحرب، واختار آيزنكوت بدلاً منه. كما جرت محاولات لضم أفيغدور ليبرمان إلى الائتلاف، لكنه اشترط المشاركة في إدارة الحرب، وهو ما عارضه غانتس وآيزنكوت أيضاً.

ويربط ساعر هذا الموقف بما يعتبره توجهاً لدى غانتس وآيزنكوت إلى إعطاء الأولوية لمواقف المؤسسة الأمنية. ويقول إن هذا التوجه كان يلقى دعماً من وزير الدفاع السابق يوآف غالانت، ومن عدد من كبار قادة الأجهزة الأمنية، بينهم رئيس أركان الجيش هرتسي هاليفي، ورئيس جهاز الأمن العام (الشاباك) رونين بار، ورئيس جهاز «الموساد» دافيد برنياع.

وحسب رواية ساعر، كان هؤلاء يتفقون على سياسة تقوم على إنهاء الحرب والدفع نحو صفقة لتبادل الأسرى، في مقابل موقف نتنياهو وعدد من وزرائه. وفي يونيو (حزيران) 2024، انسحب غانتس وحزبه من الحكومة، لتدخل الساحة السياسية مرحلة جديدة من التحركات ضد نتنياهو.

دعم الأحزاب العربية

منصور عباس رئيس القائمة العربية الموحدة (يمين) يوقِّع اتفاق ائتلاف حكومي مع يائير لبيد (يسار) ونفتالي بنيت في تل أبيب يونيو 2021 (أ.ف.ب)

وفي موازاة ذلك، يقول ساعر إن غانتس وآيزنكوت سعيا إلى حشد دعم الأحزاب العربية لأي حكومة بديلة. فقد جرى، وفق روايته، الاتفاق مع منصور عباس، رئيس «القائمة العربية الموحدة»، على الانضمام إلى الحكومة، فيما طُلب من أيمن عودة وأحمد الطيبي دعمها من الخارج، من خلال امتناع كتلتيهما عن التصويت.

في تلك المرحلة، انشق ساعر عن حزب غانتس، مبرراً خطوته باعتراضه على ما اعتبره نكثاً بالوعود، وبأنه لم يكن مقتنعاً بالمشاركة في تحرك لإسقاط رئيس الحكومة أثناء الحرب. وشكّل كتلة مستقلة من أربعة نواب.

وهنا، حسب ساعر، تدخل نتنياهو مستفيداً من خبرته في إدارة التحالفات الحزبية. فعرض على ساعر العودة إلى «الليكود» بوصفه أحد قادته المستقبليين، ومنحه حقيبة الخارجية، كما ضمن له الاستمرار في الكنيست (البرلمان) خلال الدورة المقبلة. وحصل شريكه زئيف إلكين بدوره على حقيبة وزارية ثانية.

وبانضمام ساعر وكتلته إلى الائتلاف، ارتفع عدد مقاعد الحكومة إلى 68 مقعداً، ما جعل خصوم نتنياهو عاجزين عن تأمين العدد اللازم لإسقاط الحكومة. وبذلك، انتهت محاولة الإطاحة به إلى الفشل.

سيناريو قد يتكرر

ولا يستبعد هذا السيناريو، وفق المعطيات التي يطرحها ساعر، أن يعود إلى الواجهة بعد الانتخابات المقبلة. فإذا صدقت استطلاعات الرأي التي تتوقع خسارة نتنياهو، فقد يحاول آيزنكوت تشكيل حكومة أقلية من دون الاعتماد على الأحزاب العربية في البداية، ثم يضم «القائمة العربية الموحدة» لاحقاً، مع التوصل إلى تفاهم مع «الجبهة» لدعم الحكومة من الخارج.

ويرى قادة «الليكود» أن طرح هذا السيناريو يخدم حملتهم الانتخابية، لأنه يسمح لهم بتقديم الصراع السياسي باعتباره امتداداً لما يسمونه «المؤامرة المستمرة ضد نتنياهو»، وتصوير أي حكومة بديلة محتملة على أنها قد تعتمد على دعم الأحزاب العربية، وهو ما لا يريده الناخب الإسرائيلي.