محمد مهدي شمس الدين للشيعة: اندمجوا في دولكم

«الشرق الأوسط» تنشر نص حوار غير معلن بين رجل الدين اللبناني ومناصرين لـ«حزب الله» عام 1997

الشيخ محمد مهدي شمس الدين خلال زيارة لمصر (أرشيف الشيخ الراحل)
الشيخ محمد مهدي شمس الدين خلال زيارة لمصر (أرشيف الشيخ الراحل)
TT

محمد مهدي شمس الدين للشيعة: اندمجوا في دولكم

الشيخ محمد مهدي شمس الدين خلال زيارة لمصر (أرشيف الشيخ الراحل)
الشيخ محمد مهدي شمس الدين خلال زيارة لمصر (أرشيف الشيخ الراحل)

تنشر «الشرق الأوسط»، بدءاً من اليوم، نصاً مطولاً هو عبارة عن حوار بين رئيس المجلس الإسلامي الشيعي في لبنان، الشيخ الراحل محمد مهدي شمس الدين، وأعضاء قريبين من بيئة «حزب الله»، عام 1997. وللنص أهمية بالغة؛ كونه يتناول وضع الشيعة في بلدانهم وضرورة اندماجهم فيها، عوض أن يكونوا جزءاً من مشروع تابع لإيران. وكما هو معروف، همّش مؤيدون لـ«حزب الله» وحركة «أمل» الشيخ شمس الدين على مدى سنوات طويلة، علماً أنه تهجّر من حارة حريك في الضاحية الجنوبية لبيروت وأقام خارجها بسبب مواقفه التي تعارضت مع مواقف مؤيدي إيران في لبنان.

ومن المقرر أن ينشر إبراهيم محمد مهدي شمس الدين، نجل الشيخ الراحل، نص الحوار في كتاب يحمل عنوان: «الشيعة اللبنانيون والشيعة العرب - العلاقة مع الغير والعلاقة مع الذات». وتنشر «الشرق الأوسط» مقتطفات مطولة من النص بمناسبة ذكرى مرور 25 سنة على وفاة رجل الدين الشيعي اللبناني التي تصادف اليوم السبت 10 يناير (كانون الثاني).

إبراهيم شمس الدين... لماذا الآن؟

مهّد إبراهيم شمس الدين لنشر النص/الوثيقة بمقدمة شرح فيها سبب كشفه عن مضمون الحوار بعد كل هذه السنوات التي مرت عليه. وجاء فيها: اخترت أن أنشر هذا النص لوالدي الشيخ محمد مهدي شمس الدين بمناسبة مرور 25 سنة على رحيله؛ تكريماً له وإحياءً لفكره، وتذكيراً ببصيرته العميقة والمُدرِكة، وشجاعته وصلابته في بيان الرأي الحق الذي يحفظ الناس، ويحفظُ الوطن والدولة لكلِّ الناس، ويضع وحدة المجتمع السياسي الوطني أولوية عُظمى تتقدمُ أي خصوصية - ولا خصوصية لأي جماعة - ومنهم اللبنانيون المسلمون الشيعة، وكذلك المسلمون الشيعة في أوطانهم العربية؛ إذ إنهم جزء من الاجتماع الوطني العام، وجزء من الاجتماع العربي العام، بالإضافة إلى كونهم جزءاً من الاجتماع الإسلامي العام.

هذا النص هو خلاصة جلسة حوار، محفوظ على أشرطة تسجيل، استغرق أكثر من أربع ساعات من ليل الثلاثاء في 18/3/1997 بين الشيخ الإمام ومجموعة كبيرة من كوادر «الحركة الإسلامية» في لبنان – الذين هم شديدو القرب من الحالة الحزبية التي تولّدت داخل اللبنانيين المسلمين الشيعة في لبنان في وسط الثمانينات، برعاية إيرانية مباشرة ومستقرة. ومما دفعني خصوصاً إلى اختيار هذا النص للنشر – وهو غيرُ منشورٍ سابقاً – في ذكرى رحيل الشيخ الإمام، هو ما عالجه وبيّنَه وعلّلَه من مسائل إشكالية ساخنة في حينه، على صعيد علاقة الشيعة اللبنانيين تحديداً مع مواطنيهم اللبنانيين، وبإطارهم اللبناني الوطني، وفي محيطيَهم العربي والإسلامي، ولا سيما إشكالية علاقتهم بإيران، الجمهورية الإسلامية.

وقد عزّز لديّ هذا الاختيار، أن تلك المسائل الإشكالية لا تزال هي ذاتها، القضايا المطروحةَ اليوم بحرارةٍ وإلحاحٍ وتوترٍ أيضاً، وهي تتفاعل بقوة، وحاضرةٌ دائماً مع المتغيرات الجيوسياسية في منطقتنا والعالم؛ وبالتالي لا يكونُ هذا النص/الوثيقة نصاً قديماً، بل هو كلام راهنٌ حيّ، يخاطب حاضراً ساخناً ومُترقّباً. سيصدر هذا النص بعد مدّة، مع توسعة لخلاصته، في كتاب يحمل العنوان التالي: «الشيعة اللبنانيون والشيعة العرب - العلاقة مع الغير والعلاقة مع الذات».

الشيخ محمد مهدي شمس الدين (المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في لبنان)

الشيعة اللبنانيون والشيعة العرب

يبدأ نص الحوار بسؤال من أحد الشبان الحاضرين: عرفناك قطباً وعَلماً من أعلام الحركة الإسلامية الأصولية ولَّما تَزَلْ. ومع الوقت وعمق التجربة والممارسة، بدأت المسافة تبتعد بين قسم من هذه القاعدة وبينك. ربما يكون السبب اختلاف الموقع واقترابك من مواقع الحكم والمسؤولية الرسمية... ونسأل: هل أنكم من موقعكم الحالي تعبّرون عن ضرورات الدولة أم خيارات الشعب؟

يجيب شمس الدين: لا أزال في موقعي القديم، ولم يتغير هذا الموقع قيد أنملة، بل لعله ازداد عمقاً وشمولية وازداد نضجاً. ما يبدو لكم أو لبعضكم أنه ابتعادٌ منّي، أؤكد لكم أنه لم يحصل منّي أي ابتعاد. الذي حصل إنما كان بسبب بعض المُعمَّمين وبعض من تأثر بهم، وبروحٍ حزبية محضة، حزبية تكاد تكون وثنية. لقد وُضعت حواجز - حتى الآن لا أدرك ماهيتها. ربما تكون تشكيكات، وربما تكون إغراءات. وُضعت حواجز، وحدث ما أشرتم إليه، وأنا شخصياً فوجئت؛ الذي يخطط لشيء لا يُفاجأ.

لا أزال حتى الآن أعيش المفاجأة لهذا الذي حصل، وأنا أعرف دوافع الذين قاموا به. دوافع الذين قاموا به هي دوافع تقوم على استحواذٍ معين لأجل بناء وجاهة - وهذا أمر نعرفه في كل الحركات، خاصة داخل التشيع منذ عهد الأئمة المعصومين (...). أقول لكم: فيكم شخص أو شخصان لعلهما على اطلاع منذ نحو 20 سنة على هذا الأمر، منذ تشكيل «الاتحاد اللبناني للطلبة المسلمين» والذي هو صُنْعي، يعني أنا اكتشفت ضرورته وكوّنت مضمونه وكتبتُ نظامه، وكثير من الرجال والنساء فيه أسهمتُ في تربيتهم. وبأسلوب يعرفه بعضهم، انقلب هذا الاتحاد، يعني حُجب عني، منذ ذلك التاريخ. وتبين لي أن هناك شخصاً - لا يزال يعيش حتى الآن ونسأل الله أن يعامله بعدله، وهو دجال كبير من دجاجلة هذا الدين - تواطأ مع دجال آخر من دجاجلة الحياة الحزبية وكوّنوا هذه الحالة (يشير إبراهيم شمس الدين في هامش النص إلى أن الكلام هنا يتناول قضية: الانقلاب على الشيخ والتحاق قيادة «اتحاد الطلبة المسلمين» بـ«حزب الدعوة»، وتالياً بتنظيم «حزب الله»)».

يتابع الشيخ شمس الدين: «أؤكد لكم أنَّ فيكم أبرياء كثيرين، وربما فيكم أو في أمثالكم أشخاص ارتكبوا في حقي أخطاء. أنا أبرأت الذمم من بعضها، وبعضها الآخر أتركه ليوم القيامة. كنتم وأنا كنت معكم، - لعلَّ بعضكم لم يكن من هذه المجموعات - ضحيةً لهذا الكيد الخفي، كيد الليل وكيد النهار والذي انطلق من روح حزبية صنمية بكل شرّاويتها.

أنا لا أزال حيث كنت وسأفارق الدنيا على ما كنت عليه، ولكن الذي حصل هو هذا. تحمّلي مسؤولية المجلس (الإسلامي الشيعي الأعلى) لم تؤثر قيد أنملة على فهمي والتزامي وتديني بما كنت عليه منذ الخمسينات في العراق وإلى الآن.

أما حكاية أن هذا الموقع (رئاسة المجلس الشيعي) يتصل بضرورات الدولة في مقابل خيارات الشعب، فتذكرون أني أنا صاحب مقولة «ضرورات الأنظمة وخيارات الأمة». هذه المقولة أنا اخترعتها ولا أزال أستعملها إلى الآن. كلا، هذا المجلس هو أساساً لم ينْتَمِ يوماً (...) إلى ضرورات النظام أو الأنظمة. هو دائماً كان موجوداً في خيارات الأمة وكان يعبّر عن خيارات الأمة.

لكن الكلام في أن هذا الأمر أو ذاك هل هو من الخيارات أو من الضرورات، ربما نختلف في أن هذا الموقف أو ذاك ينتسب إلى خيارات الأمة أو ينتسب إلى ضرورات الأنظمة. هذا خلاف مشروع. ولكن كنت ألاحظ على مدى السنين أن هناك تشويهاً من هذه الفئة بعينها؛ وهي فئة كبرت. الآن الجروح حصلت، والآن أنا لست متظلماً أمام أحد، أنا متظلم عند الله تعالى. هذه الجروح فيها عرب وعجم ولبنانيون وغير لبنانيين. الآن أنا لست متظلماً، لكن بُنِيَ نظام مصالح اقتصادية بالفعل، يعني يوجد ناس بنوا نظام مصالحهم المعنوية والسياسية والاقتصادية على هذه الحالة (الانقلاب على الشيخ) ولا يزالون يغذونها لأنها تتصل بنظام مصالحهم. هؤلاء أيضاً يسهِمون حتى في هذه التفاصيل، يساهمون في إراءتكم أو إراءة أمثالكم بأن هذا التفصيل ينتمي إلى ضرورات الأنظمة ولا ينتمي إلى خيارات الأمة. هذه المسألة تشبه... اعتراض عمر بن الخطاب على النبي (ص) في الحديبية، وأنه لا نعطي الدنية في ديننا تشبه هذا؛ مع أن الحديبية تمثّل نموذجاً لضرورات الأنظمة. هذه النقطة فقهية يحسن أن تنتبهوا لها أنتم وغيركم: صلح الحديبية ينتمي إلى ضرورات الأنظمة من إنسان هو في الوقت نفسه يمثّل خيارات الأمة. في أيامنا هذه، هناك مَنّ أقول عنهم بأنهم يجعلون أنفسهم مسلمين أكثر من النبي داخل الحركة الإسلامية. (يشير هامش النص هنا إلى أن الشيخ شمس الدين كان يأخذ على الحركات الإسلامية في ذلك الوقت أن لديها «كثيراً من الحميَّة والحماسة، على قليل من الفقه والورع»).

علم حركة أمل الشيعية في الشياح بضاحية بيروت الجنوبية عام 2024 (أ.ف.ب)

ويتابع شمس الدين: «في الحالة التي يتضمنها السؤال، هذه الجهة بعينها تصوّر للناس بالأسلوب الحزبي أو غير الحزبي أن هذا التفصيل (عملٌ أو مسعى ما) هو شُغل دولة، وأنَّ الشيخ (محمد مهدي شمس الدين) والمجلس الشيعي مع الحكومة؛ والعقلية الشيعية في هذا الأمر تملك حساسية معينة معروفة عند كثيرين (معارضة الدولة والنظام)، ومِثْلُ هذا الكلام يؤثّر في الأوساط الشيعية المحتقنة، وكنتُ أنا الضحية إلى جانب كثير من الأبرار. أما الذين مشوا في هذه الفتنة مفتوحي الأعين فهم قليلون. أما المضلَّلون، وهم الأكثرية، فأسألُ الله أن يغفر لهم.

حصل هذا الأمر. هذا الموضوع هو الآن مسؤوليتكم. ليس مسؤوليتي... هذا مسؤولية كل إنسان من رجل أو امرأة يريد أن يكون بريء الذمة مع الله ويريد أن يلقى الله سبحانه وتعالى بصفحة نقية. من جانبي ليس عندي شيء أندم عليه. هذا السؤال يعكس مشكلة حقيقية موجودة؛ وهذه المشكلة حقيقتها هي ما شرحته لكم».

العلاقة مع مصر

ورداً على سؤال من أحد الحاضرين عن زيارته لمصر، أجاب الشيخ شمس الدين:

«دُعيت إلى مصر كما أُدعى لغيرها. لمصر دُعيت مراراً كثيرة في السنوات الماضية، وكان من المدهش للمصريين وغيرهم حينما علموا أنني حتى الآن لم أزر مصر، هي الزيارة الأولى. قلت لهم: إننا أيام العراق ما كنا في وارد أن نزور، لم نكن في عالم سياحة أو تواصل. بعدما جئنا إلى لبنان، في السنوات الأولى لمجيئنا، توفي (المرجع) السيد محسن الحكيم، و(استغرقتنا قضايا عامة وغيرها). وإلى أن لملمنا أنفسنا جاءت قضايا المفاوضات وكامب ديفيد، ثم دخلنا في فتنتنا نحن أيضاً (في إشارة إلى الحرب الأهلية في لبنان). ودُعيت بعد السادات في الواقع مرات عدة، وكل مرة كنا نهمّ بالسفر وتحُول الحوائل... مؤخَّراً عزمنا على السفر لأجل عقد مؤتمر القدس الشهير، وأيضاً هذا الأمر تعذّر بسبب المصريين: هم أبدوا رغبة في عقده بلبنان بعد عدوان الإسرائيليين في نيسان (أبريل) الماضي، ثم كانت هذه الدعوة.

الخلفية هي اهتمام متبادل مع المصريين. لم أزر مصر سابقاً، ولكني كنت على صلة أحياناً مباشرة وأحياناً غير مباشرة بالحركة الإسلامية في مصر، في آليات هذه الحركة، بدور مصر في حماية الشيعة في أفريقيا. (كلّفت) النظام المصري تكليفات عدة لحماية المغتربين اللبنانيين في أفريقيا، في أزمات ليبيريا وسيراليون وزائير السنة الماضية، أو الغابون، والجماعة (أي المصريين) لم يخذلوننا. وهناك أمور أخرى، من جملتها قضية التقريب بين المذاهب وقضية تأصيل خط الإمامية داخل كليات الشريعة في الأزهر. هذه هي الخلفية، لا توجد خلفية أخرى».

ورداً على سؤال عن وضع الشيعة في مصر والكلام عن مشكلة حصلت قبل الزيارة، رد شمس الدين:

«هذه المشكلة عالجتها وأنا هنا قبل أن أسافر، وكانت الدعوة موجودة قبل أن تنفجر هذه القضية. أرسلت رسالة إلى الرئيس مبارك وإلى شيخ الأزهر؛ وهو رجل أعرفه سابقاً منذ كان على رأس الإفتاء في مصر. عولجت بمعنى لُجم الفلتان الإعلامي. أما مضمونها السياسي، فأنا من الأساس قلت كلاماً علنياً لعلَّ الكل اطلعوا عليه. المجموعة السرية التي (شكّلت) نواة حزب أو نواة تجمّع، ومنهم ذاك المخلوق التعيس «شحاته» وأمثاله، هؤلاء الجماعة لا يعنوننا، إن كانوا صادقين أو دجالين. هم يمثلون قضية ارتباط سياسي معين، والارتباط السياسي لا يمكن أن يتحمل وزره خط فكري، خط فقهي، خط مذهبي.

الشيخ محمد مهدي شمس الدين خلال إفطار في القصر الجمهوري اللبناني (أرشيف الشيخ الراحل)

عندما ذهبت، طبعاً عالجت الذيول التي منها إطلاق سراح من بقي منهم، وتسويتها نهائياً بحيث أني الآن واثق من عدم تكرار ما حدث. هذا هو جو الزيارة؛ وهو اهتماماتي العربية والإسلامية العامة واهتماماتي الشيعية: عندنا موضوع الجامعة الإسلامية في لبنان وعلاقتها مع الأزهر، عندنا موضوع إعادة الاعتبار لمذهب الإمامية داخل الأزهر - وهو توقف منذ أكثر من خمس عشرة سنة (...) وقضية ما يسمى تقريب بين المذاهب. عندي تصور (حول قضية التقريب) أبعد من التصور المألوف، وإن شاء الله سيقرّ. ولديَّ اهتمامٌ بتعزيز توجهات الرئيس مبارك في التضامن العربي، في التعاون مع سوريا. هذه التوجهات عبّرت عنها أكثر من مرة وبصيغ متنوعة.

العلاقة مع الأنظمة

ورداً على سؤال عن الود الذي يظهر خلال زياراته المتكررة لدول عربية، وهل «من المصلحة عدم التصعيد ومعالجة العلاقة مع هذه الأنظمة بالتي هي أحسن»، أجاب شمس الدين:

الحكاية عن ود، هؤلاء يُودّون. أنا أستحق الود وهم يستحقونه. ناس مسلمون طيّبون يُودّون، لماذا لا يُودون؟ أهل مصر أو أهل السعودية أو أهل الخليج أو الهند أو باكستان. نحن نزور الناس، نزور الكل، نزور الأنظمة ونزور الشعوب. أنا في مصر وفي السعودية وفي الخليج ما كنت محصوراً. في مصر التقيت مع المعارضة ومع الموالاة، مع حزب الوسط الذي هو ضد الدولة. علناً التقينا وخطبت فيهم وحاورتهم وكتبوا عني؛ التيار الإسلامي جلست معه وحاورته وحاورني وأحبني.

حكاية ود... أولاً ليس الودّ أمراً مستنكراً. ثانياً، الود لا يعني العشق والغرام. يوجد بيننا قضايا جامعة: القضية الإسلامية العامة وقضية المشروع الصهيوني. هاتان القضيتان الكبيرتان وما في داخلهما من تفاصيل... يوجد فهم مشترك (مع من أزورهم) في كثير من الحالات. حينما يتَّفق اثنان بالرأي ينسجمان بالتأكيد. تُرى لو أن غيري ذهب، هل كان يستقبل بالشتائم؟ أيضاً يُستقبل بالود. كلمة «الودّ» في سؤالكم هي كلمة مزروعة، ومَنْ زرعها يبني عليها!

(...) العقدة النفسية الموجودة عند الشيعي أنه منبوذ، سببها أنه هو نابذ. سؤالكم يعكس القلق الشيعي العميق والذي هو نتيجة سوء تربية، سوء تنشئة (أخبرتنا/أشربتْنا) أن العالم ضدنا... كلا، العالم ليس ضدنا! نحن ضد العالم! إحدى مهمات رسالتي هي إخراج الشيعة من أن يكونوا ضد العالم. العالم بمقدارٍ ما هو ضدهم بلا ريب، كما أنه ضدُّ بعضه بعضاً أيضاً.

الآن الجزائر ليس فيها شيعة وهي تتذابح، يعني مبدأ التدافع الاجتماعي، التدافع التكويني داخل المجتمعات هو حقيقة قرآنية قائمة في الخلق وفي التكوين. الآن السودانيون يتحاربون إلى حد القتل وليس فيهم شيعة وسنة: ختمية مع ختمية ويتذابحون. فوجود حالة نبذ ووجود حالة دفع ضد الشيعة موجودة، ولكن العلة الأساسية هي أن الشيعة في موقفهم التاريخي - وهو موقف في جذوره مبرر ولكن في امتداداته الآن غير مبرر – يعتبرون أنفسهم ضحيَّة مؤامرة، ويعيشون جو المؤامرة... أن العالم يريد أن يذبحنا، العالم يريد أن يأخذ حقوقنا، العالم يريد أن يغير عقيدتنا! وهذا الوضع طبعاً يخلق حالات استهداف عند الآخرين.

بعض القيادات الشيعية، خاصة بعد نشوء الحالة الحركية الإسلامية داخل الشيعة، صارت تستغل هذا الوضع استغلالاً خالياً من أي ورع، وخالياً من أي أخلاق. صارت تغذي هذا لأجل أن تُمحور حولَ نفسها، لأجل أن تستقطب، ووُجدت هذه الحالة... وإلّا فالدنيا بخير. يعني أنت حينما لا تحمل مشروعاً يخيف الآخرين، حينما لا تهدد نظام مصالح الآخرين بنظام مصالحك الخاص، قليل (من الناس) يقف في وجهك. داخل التسنن توجد تناقضات وداخل التشيع أيضاً توجد تناقضات.

الآن أذكر النموذج العراقي الذي وصل إلى حد التذابح بين حزب الدعوة وغيره من الشيعة. طبعاً ما صاروا شاطرين مثل اللبنانيين بين «أمل» و«حزب الله» (الإشارة هنا إلى ما سُمّي «حرب الأخوة» بين «أمل» و«حزب الله»، في النصف الثاني من ثمانينات القرن الماضي). هؤلاء شيعة وشيعة، مثل الأفغان أو السودانيين أو الجزائريين الذين هم سنّة وسنّة.

عندي قضية يا أولادي، أنا عندي دماؤكم وأعراضكم وحريتكم وكرامتكم. يهمني أن الشيعي حينما يكون في وطن - ولا يمثل نظام غلبة - أن يكون مقبولاً، أو حينما يروح لا يكون مثل الوباء الذي يُتوقى منه. أنا أريد أن أخلق حالة ثقة وعلاقة نقية بين الناس وبين الشيعة... وما عندي شيء أتكلم به سراً. أنا كل كلامي الذي أقوله وراء الأبواب المغلقة هو الذي تعرفونه في الميكرفون. أنا أقول: اندمجوا في دولكم، اندمجوا في شعوبكم، اندمجوا في أنظمة مصالحكم، لا تنشئوا نظام مصالح خاصاً، لا تثيروا ريبة الآخرين، احترموا قوانينكم.

هذا الأمر أنا أقوله وأقوله عن قناعة فقهية. أنا أُحرّم الغِيلة وأحرم الغُلول (السرقة الخفية من المال العام)، يعني ما يقال بأنَّ أموال الدولة حلال (أن تُسرق)، لا!.. أنا أقول بأنَّ أموال الدولة حرام أن تُسرق. دولة سنيّة أو دولة شيعية هما عندي متل بعض...

هذه رسالتي؛ رسالتي أن أجعل الشيعة مقبولين داخل مجتمعاتهم وداخل الأمة، وأريدهم أن يكونوا مقبولين لذاتهم، لا لأنهم يمثلون (محمية) لدولةٍ أخرى، يعني أن أكون مقبولاً لأن إيران تحميني! هذه أنا لا أريدها. أنا (هنا في لبنان) صيرورة تاريخية موجودة منذ عهد الرسول - سلام الله عليه - وسأبقى إلى عهد ظهور الإمام المهدي. أنا أحمل جنسية بلدٍ معيَّن وأريد أن أكون مقبولاً لذاتي، لأني مقبول في محيطي وفي مجتمعي، لا لأني أمثّل حالة سياسية تنشر الرعب ويُجامِلُها الآخرون، كما هو الحال الآن، كما تحاول بعض الجهات أن تخلق هذه الحالة... «أنه نحن نخوّف»...! أُخْبرِتُ أنَّ بعض هؤلاء يقول لمخالفيهم والآخرين: «انتبهوا!.. نحنُ (الحزب الفلاني)، وإذا عملتم معنا شيئاً (لا نرضاه) هنا، نطالُكم في أمكنةِ أخرى!».

هذا النوع من الكلام أعلم أنه قيل وليس أنه يمكن أن يقال، وأخبركم أنه قيل؛ قيل في أوروبا وقيل في الشرق العربي وقيل في آسيا؛ هذا كلام قيل... كأن يُقبض على أحدهم بعملية تهريب ممنوعات، أو تزوير وثيقة في بلدٍ ما، فيهدِّدُ بأنه من الحزب الشيعي الفلاني، وأنَّ حزبَه سيؤذيهم في أماكن أخرى إذا لم يطلقوا سراحه!... وفي أحيانٍ كثيرة ينال ما أراد. لكن من يتحمَّل عواقب مثل هذا السلوك؟ يتحملها هذا الجسم المبارك، (الناس الصالحون) هذه الصفوة التي هي صفوة الإسلام هي تتحملها. نعم يتغاضون عن فعله... ولكن يُبنى على هذا ما يبنى؛ لأن أنظمة المصالح أيضاً تدافع عن نفسها، ولا أحد يستسلم.

جنود لبنانيون في مواجهة مناصرين لحركة أمل وحزب الله في بيروت عام 2019 (أ.ف.ب)

الآن هدفي وتكليفي الشرعي بكل علنية وبكل وضوح، هو أن أجعل الشيعة مقبولين في العالم الإسلامي، مقبولين كما هم في تربتهم (سجدة الصلاة) وسبحتهم وأساليبهم، من طريقة موالاتهم لأهل البيت - وموالاة أهل البيت أمر شائع في المسلمين جميعاً - يعني تمذهبهم الخاص، كما هم. أنا وظيفتي أنْ أجعلهم مقبولين مكرمين مثل غيرهم.

موضوع جعل الشيعة حالة متمايزة داخل الإسلام، كما يحاولون هم والذين يستغلونهم بحسن نية أو بسوء نية، وأيضاً الاستشراق الأجنبي، هذا أمرٌ غيرُ صحيح وغير سليم. مثلاً، تُعقد مؤتمرات إسلامية عامة، و(لكن) تعقد مؤتمرات لخصوص الشيعة بعينهم كأنهم مخلوق فيه شذوذ معين! أنا أرى أن تكليفي الشرعي - وهذا موجب فقهي وعلمي – هو أنْ (أُخرج) الشيعة من (هذا المأزق)... والحمد الله أفلحت بنسبة كبيرة.

«أخطاء الحركة الإسلامية»

ورداً على سؤال عن «التصدي لأخطاء الأنظمة» كونه تحدث عن «أخطاء الحركات الإسلامية»، أجاب:

أنا وأمثالي نتصدى لأخطاء الأنظمة... الحركة الإسلامية ليست حركة واحدة. أنا استخدمت تعبير «الحركة الإسلامية العالمية»، ولكن نقول هذا الكلام من أجل كرامتنا، يعني لكي نحفظ كرامتنا... وإلا ليس هناك حركة إسلامية عالمية بمعنى الكلمة. توجد حركات إقليمية وتوجد حركات داخل الإسلام السنّي إذا صح التعبير، وتوجد حركات داخل الإسلام الشيعي إذا صح التعبير أيضاً. توجد أخطاء نعم، أخطاء وأخطاء مألوفة، لكن موجعة، وأخطاؤها أثّرت على الشيعة غير الحركيين وغير الحزبيين.

مثلاً، أنا معني الآن بالوضع الجزائري. سمِعتموني أدعو إلى مؤتمر فقهي ينظر في أسلوب الحركيَّةَ الإسلامية. لعله أيضاً ليس كل الذبح الذي نسمع به هو من صنع الإسلاميين الجزائريين، وأنا أعرف فيهم أناساً يُستسقى بهم الغمام، رجالاً ونساءً. يجوز أنَّ بعض جيوب المخابرات الأجنبية تقوم بهذه الجرائم حتى تعطي هذا الانطباع. لكن لا ريب في وجود عقلية دم، عقلية قتل، يعني عقلية الشُراة (فرقة قديمة من فرق الخوارج)، أي عقلية الخوارج. عند الشيعة أيضاً هي موجودة، وأنتم «عملتم اللازم»، يعني أنكم هنا في لبنان قتلتم بعضكم بعضاً، وكنتم صائمين أيضاً! (في إشارة إلى الحرب بين «أمل» و«حزب الله»، والتي ابتدأت في شهر رمضان).

(...) «حزب الله» حاربنا لأننا ما ناصرناه، وحركة «أمل» حاربتنا لأننا لم نناصرها. أرجو ألا تدخل المسألة في باب المفاكهة. يوجد شيء حقيقي وعميق. أنا الحمد الله ألقى الله سبحانه وتعالى وليس في ذمتي وفي سجلي قطرة دم من دمائكم. أرادونا على شيء، ووقانا الله منه من الطرفين.

«قصدي أنكم وقعتم فيما وقع فيه غيركم. في العراق حدث ذلك، الآن في أفغانستان مذابح مركّبة: شيعة وشيعة، سنة وشيعة، سنة وسنة (...)

توجد أخطاء ونحن ننتقدها، الله يعلم والحركات ذات العلاقة تعلم، والأفغانيون يعرفون والجزائريون يعرفون إلى حد، وكذلك السودانيون، يعرفون أنه بالسر نحكي معهم كثيراً. والأنظمة أيضاً تخطئ، ونحن ننتقد الأنظمة بالأسلوب نفسه الذي ننتقد به الحركات الإسلامية أو غير الإسلامية. الحركة القومية يقال عنها الكلام ذاته. غاية الأمر الآن أنَّ الذي يملك الطاقة والقدرة على التأثير والتغيير هي الأنظمة.

الأنظمة على قسمين: قسم يمكن أن يوظَّف في المشروع العام للأمة؛ المشروع العام للأمة الآن هو مشروع ممانعة وليس مشروع انتصار: هو مشروع احتفاظ بالذات، بعد ذلك الله سبحانه وتعالى هو يعلم متى سيكون التغيير. لعل بعضكم سمعني في الماضي أقول: دعونا نكف عن المحاربة بأسلوب العدو، ونبني ذاتنا وننتظر؛ نقول للغرب نحن لا نريد أن نحارب إسرائيل ولكن لا نريد أن نصالح إسرائيل. نحن ننمو على وضعنا وهم ينمون على وضعهم.

هذا الموضوع في الماضي كان موجوداً، والآن ما زال موجوداً. الذي أضعف الممانعة هو حرب الخليج الأولى والثانية. حرب العراق ضد إيران وضد الكويت أضعفت الأمة العربية إضعافاً تعرفونه جميعاً، بحيث إن قدرة الممانعة أمام الأغيار أصبحت جداً محدودة وضعيفة، وبقيت بقية من الأنظمة التي لا تزال قادرةً على التَّماسُك. هذه (الأنظمة) تحتاج إلى دعم، وتحتاج إلى تشجيع لأجل أن تبقى في هذا الموقف. ألا تخطئ؟ هي تخطئ، نحن نخطئ؛ لكن لا أستطيع محاسبة حسني مبارك على غلطة أنور السادات. تُرى هل مشى معها أم لا؟ لا أدري؛ لكن أنا أمامي الآن رجل وعنده مجموعة يحاولون أن يقوموا بدور ممانعة... أنا أدعمهم وأعمل أي شيء يمكننا أن نطور أي ذرة من ذرات التماسك في البنية العامة. أنا أنظر إلى المسألة بصورة كلية، ولا أنظر إلى غلطةٍ ضدَّ هذا أو ضِدَّ ذاك - وأقول: الآن المواجهة مع حكومة نتنياهو هي أن نعزله، هي أن نجعله يتراجع، هي أن نجعل حكومته تستقيل. هذه تحتاج إلى دعم ولا تأتي عن طريق الشتائم.

هذا الأمر يناقضه ماذا؟ يناقضه عقلية «الشُراة»، عقلية أن كل شيء يجب أن يُضرب، العقلية التدميرية التي هي غالباً موجودة وموروثة داخل قسم من الشيعة منذ القدم. هذا من قبيل أنه إذا أفطر شخص في شهر رمضان يصيحون فيه: لقد كفر! عمّي... الله فتح باب التوبة. لا، أنت كفرت! هذه الحالة موجودة وتعرفونها؛ أنا استعملت مرة تعبير «مسلمين أكثر من النبي»! هؤلاء هم.

نحن نعيش تارةً حالة الأبيض والأسود، حالة «الولاية والبراءة». كلامكم عن الأنظمة يعني أنه يجب أن نتبرأ منها وأنها كلها يجب أن نرجمها بالحجارة! هذه الحالة قلما تمر في التاريخ، هذه في علاقات الأفراد تمر، والتولّي والتبرّي يكون في علاقات الأفراد. يعني إذا كان زيد فاسداً أنا أرتب عليه حكم الفساد، وإذا كان عادلاً أرتب عليه حكم العدالة؛ وحتى هذه نحن مأمورون فيها بالمداراة. يوجد أخبار صحيحة عن أئمتنا سلام الله عليهم تقول: نصف أو ثلث الدين هو المداراة (...) حالة الحدّية هذه ليست من الشرع، هذه نزعةٌ خلقتها الحالة الحزبية، الحالة التي فيها قطب مُعيّن يعرف أن الخيارات إذا تعددت أمام إنسان يصبح لديه أكثر من قطب، ويصبح هذا الإنسان مُخَيَّراً بين اثنين أو ثلاثة، فيصلّي جماعة في مكانين، يسمع موعظتين، يوزع فلوسه بين شخصين. لكن لهدف أن يُمْسَك رسنه (ذاك الإنسان) مسكاً كاملاً، يجب أن يتحطم (جميع الأقطاب أو المراجع الآخرين). تنشأ هذه الحالة التي أنتم تعيشونها وتطرحون أسئلتكم من خلالها. هذه ليست من الشرع في شيء وليست من الإسلام في شيء.

  • أقول: اندمجوا في دولكم... اندمجوا في شعوبكم... اندمجوا في أنظمة مصالحكم... لا تنشئوا نظام مصالح خاصاً... لا تثيروا ريبة الآخرين... احترموا قوانينكم
  • رسالتي أن أجعل الشيعة مقبولين داخل مجتمعاتهم وداخل الأمة... وأريدهم أن يكونوا مقبولين لذاتهم لا لأنهم يمثلون «محمية» لدولةٍ أخرى... يعني أن أكون مقبولاً لأن إيران تحميني!
  • العقدة النفسية الموجودة عند الشيعي أنه منبوذ سببها أنه هو نابذ (...) العالم ليس ضدنا! نحن ضد العالم! إحدى مهمات رسالتي هي إخراج الشيعة من أن يكونوا ضد العالم

محمد مهدي شمس الدين


مقالات ذات صلة

الجيش الإسرائيلي يعلن مقتل جندي في هجوم بمسيّرة لـ«حزب الله»

شؤون إقليمية تصاعد الدخان جراء غارات إسرائيلية على جنوب لبنان (د.ب.أ)

الجيش الإسرائيلي يعلن مقتل جندي في هجوم بمسيّرة لـ«حزب الله»

أعلن الجيش الإسرائيلي، اليوم الاثنين، مقتل أحد جنود الاحتياط في هجوم بطائرة مسيّرة شنّه «حزب الله» بشمال إسرائيل.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي عنصر في الدفاع المدني يحمل الطفلة مريم فحص التي تبلغ 6 أشهر من عمرها والتي قُتلت مع عائلتها في القصف الإسرائيلي الذي استهدف بلدة السكسكية في قضاء صيدا يوم السبت (رويترز)

التصعيد الإسرائيلي يتواصل جنوب لبنان

تواصل التصعيد الإسرائيلي، الأحد، في جنوب لبنان، حيث قُتل مسعفان، وأصيب 5 آخرون جراء استهداف «الهيئة الصحية الإسلامية» التابعة لـ«حزب الله».

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي تشييع أكثر من 7 أشخاص قتلوا بضربات إسرائيلية على بلدة السكسكية بجنوب لبنان (إ.ب.أ) p-circle 00:33

مقتل مسعفَين وإصابة 5 آخرين بقصف إسرائيلي على جنوب لبنان

قُتل مسعفان وأصيب 5 آخرون، الأحد؛ جراء قصف إسرائيلي استهدف نقطتين للهيئة الصحية التابعة لـ«حزب الله» في جنوب لبنان...

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي استهداف سيارة على طريق السعديات في جنوب بيروت (متداول)

إسرائيل توسّع الملاحقات إلى حدود بيروت... ومجازر متنقلة جنوباً

وسّع الجيش الإسرائيلي زخم الملاحقات بالمسيرات إلى جنوب بيروت، للمرة الأولى منذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي تصاعد الدخان عقب القصف الإسرائيلي في جنوب لبنان (أ.ف.ب) p-circle

الجيش الإسرائيلي يطالب بإخلاء 9 بلدات في جنوب لبنان

أصدر الجيش الإسرائيلي اليوم (السبت) إنذاراً بإخلاء عدد من القرى والبلدات في جنوب لبنان بصورة فورية تمهيداً لتوجيه ضربات محتملة رغم سريان هدنة مع «حزب الله».

«الشرق الأوسط» (بيروت)

الاتحاد الأوروبي يريد تفعيل تعاونه مع دمشق لتمكين السوريين من العودة إلى بلدهم

السوريون في تركيا يواصلون عودتهم إلى بلادهم ديسمبر الماضي منذ سقوط نظام الأسد (أ.ب)
السوريون في تركيا يواصلون عودتهم إلى بلادهم ديسمبر الماضي منذ سقوط نظام الأسد (أ.ب)
TT

الاتحاد الأوروبي يريد تفعيل تعاونه مع دمشق لتمكين السوريين من العودة إلى بلدهم

السوريون في تركيا يواصلون عودتهم إلى بلادهم ديسمبر الماضي منذ سقوط نظام الأسد (أ.ب)
السوريون في تركيا يواصلون عودتهم إلى بلادهم ديسمبر الماضي منذ سقوط نظام الأسد (أ.ب)

يسعى الاتحاد الأوروبي، اليوم الاثنين، إلى تفعيل تعاونه مجدداً مع سوريا؛ دعماً لاستقرار هذا البلد بعد سنوات الحرب الطويلة؛ على أمل أن يسهم ذلك في عودة اللاجئين السوريين المقيمين بدول الاتحاد إلى بلدهم.

ويلتقي وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي نظيرهم السوري أسعد الشيباني، لبدء «حوار سياسي» رفيع المستوى، بعد عام ونصف عام على سقوط حكم الرئيس بشار الأسد، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأوضح مسؤول في بروكسل أن الاتحاد الأوروبي يرغب في دعم عملية إعادة الإعمار بسوريا، في ظل وضع على الأرض لا يزال، على حد وصفه، «مروّعاً» جرّاء أعوام الحرب الأهلية الخمسة عشر.

وشرح المسؤول أن نحو 13 مليون سوري؛ أي ما يقرب من نصف عدد السكان، يحتاجون إلى مساعدات غذائية. وفي يناير (كانون الثاني) الماضي، تعهّد الاتحاد الأوروبي بتقديم مساعدة مالية قدرها 620 مليون يورو، خلال فترة 2026-2027.

وقال أحد دبلوماسيي الاتحاد الأوروبي في بروكسل: «نحن بحاجة إلى أن تنجح الحكومة السورية الانتقالية في إرساء الاستقرار ببلدها؛ لأن ذلك يصب في مصلحتنا».

كانت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لايين قد وعدت بعد لقائها الرئيس السوري أحمد الشرع في دمشق، في مطلع يناير الماضي، بأن تبذل أوروبا «كل ما في وسعها» للمساعدة في إعادة إعمار سوريا.

ويُتوقع أن يتخذ الأوروبيون قراراً بإعادة تفعيل اتفاق التعاون مع سوريا بعدما عُلّق في عام 2011 بسبب انتهاكات لحقوق الإنسان ارتكبتها حكومة الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد.

وقبل تعليق العمل بالاتفاق، كان حجم التبادل التجاري بين سوريا والاتحاد الأوروبي يبلغ نحو 7 مليارات يورو. وفي عام 2023، انخفضت واردات الاتحاد الأوروبي من سوريا إلى 103 ملايين يورو، وصادراته إلى 265 مليون يورو.

«سرعة غير كافية»

ويريد الاتحاد الأوروبي أيضاً الذهاب إلى أبعد من ذلك، من خلال الشروع في مفاوضات لإبرام اتفاق شراكة أكثر طموحاً، على غرار ما سبق أن فعل مع دول أخرى بالمنطقة كمصر وإسرائيل ولبنان.

لكنّ بروكسل تقرّ بأن هذه المفاوضات ستستغرق وقتاً طويلاً، وهي تالياً تريد أن تُسهّل لدمشق الاستحصال على التمويل، بوصفه عاملاً أساسياً لتحفيز الاقتصاد.

ويعتزم «الاتحاد» أيضاً مساعدة المزارعين السوريين، من خلال توفير مضخات للري مثلاً، وسيوقّع كذلك اتفاقاً في مجال الصحة يتيح إعادة تأهيل مستشفى بالغ الأهمية في منطقة حمص، وفقاً لما أفاد مسؤول بـ«الاتحاد».

وتُولي بعضُ دول الاتحاد الأوروبي تحديداً استعادة سوريا استقرارها أهمية كبيرة، إذ تستضيف مئات الآلاف من السوريين الذين تركوا بلدهم بسبب الحرب.

ولجأت الغالبية الكبرى من هؤلاء إلى ألمانيا، التي شكلت ملاذاً آمناً لنحو مليون منهم. ويدعو المستشار الألماني فريدريش ميرتس، في الوقت الراهن، إلى تشديد سياسة الهجرة، في ظل تنامي قوة اليمين المتطرف.

وفي مطلع أبريل (نيسان) الماضي، أعرب ميرتس، بعد استقباله الشرع في برلين، عن رغبة ألمانيا في عودة 80 في المائة من هؤلاء اللاجئين إلى بلدهم، خلال السنوات الثلاث المقبلة، ثم عاد وصحَّح تصريحه موضحاً أن هذا ما يريده الرئيس السوري نفسه.

وفي الدنمارك، لا تخفي السلطات هي الأخرى رغبتها في تشجيع عودة السوريين إلى بلدهم، غير أن ذلك يتطلب توافر الظروف الملائمة.

وقال الخبير في شؤون الشرق الأوسط لدى المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية ببروكسل، جوليان بارنز-دايسي، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن «معظم الأوروبيين يدركون أن الأوضاع على الأرض، وخصوصاً على الصعيد الاقتصادي، لا تتحسن في الوقت الراهن بالسرعة الكافية لإقناع السوريين بترك ما لديهم في أوروبا والعودة إلى بلدهم».

وأكّد مسؤول في الاتحاد الأوروبي أنه من غير الوارد على الإطلاق إجبار هؤلاء على العودة.

وستكون هذه المسألة مُدرجة على جدول أعمال اجتماع الاثنين. وأشار المسؤول نفسه إلى أن بروكسل تأمل في أن تحصل، على الأقل، على «ضمانات» بشأن انتظام المباحثات المتعلقة بمصير اللاجئين السوريين في الاتحاد الأوروبي.


تجريد بشار وماهر الأسد من حقوقهما المدنية

عنصر من القوات السورية الجديدة بالقرب من صورة للرئيس المخلوع بشار الأسد وشقيقه ماهر في مقر الفرقة الرابعة بدمشق يناير الماضي (رويترز)
عنصر من القوات السورية الجديدة بالقرب من صورة للرئيس المخلوع بشار الأسد وشقيقه ماهر في مقر الفرقة الرابعة بدمشق يناير الماضي (رويترز)
TT

تجريد بشار وماهر الأسد من حقوقهما المدنية

عنصر من القوات السورية الجديدة بالقرب من صورة للرئيس المخلوع بشار الأسد وشقيقه ماهر في مقر الفرقة الرابعة بدمشق يناير الماضي (رويترز)
عنصر من القوات السورية الجديدة بالقرب من صورة للرئيس المخلوع بشار الأسد وشقيقه ماهر في مقر الفرقة الرابعة بدمشق يناير الماضي (رويترز)

جرّد القضاء السوري، رئيس النظام المخلوع بشار الأسد وشقيقه ماهر، من حقوقهما المدنية، ووضع أملاكهما المنقولة وغير المنقولة تحت إدارة الحكومة.

وصدر الحكم، أمس، غيابياً، بعد أن جرى تبليغهما بالحضور لجلسة المحكمة.

وجاءت الجلسة استكمالاً لجلسة أبريل (نيسان) الماضي، وشمل الحكم كبار رموز النظام؛ وهم فهد الفريج ومحمد عيوش ولؤي العلي وقصي ميهوب ووفيق ناصر وطلال العسيمي.

كما انطلقت الجلسة الثانية العلنية من محاكمة عاطف نجيب؛ المسؤول الأمني السابق في درعا، أمام محكمة الجنايات الرابعة في «القصر العدلي» بدمشق، غير أن القاضي قرر وقف البث المباشر وخروج وسائل الإعلام من الجلسة التي استمرت مغلقة نحو ساعة؛ جرى خلالها الاستماع إلى شهادات المدعين والشهود، ووجه القاضي لائحة تضمنت أكثر من 10 تهم، مشدداً على أنها «لا تسقط بالتقادم».


تشكيل الحكومة العراقية يصطدم بـ«فيتو» إيراني مفاجئ


رئيس الحكومة المكلف علي الزيدي وعضو «التنسيقي» هادي العامري ورئيس حكومة تصريف الأعمال محمد شياع السوداني (الإطار التنسيقي)
رئيس الحكومة المكلف علي الزيدي وعضو «التنسيقي» هادي العامري ورئيس حكومة تصريف الأعمال محمد شياع السوداني (الإطار التنسيقي)
TT

تشكيل الحكومة العراقية يصطدم بـ«فيتو» إيراني مفاجئ


رئيس الحكومة المكلف علي الزيدي وعضو «التنسيقي» هادي العامري ورئيس حكومة تصريف الأعمال محمد شياع السوداني (الإطار التنسيقي)
رئيس الحكومة المكلف علي الزيدي وعضو «التنسيقي» هادي العامري ورئيس حكومة تصريف الأعمال محمد شياع السوداني (الإطار التنسيقي)

كشف مسؤولان عراقيان، أمس، عن أن «فيتو» إيراني، لمنع إقصاء الفصائل المسلحة من الحكومة العراقية، عرقل مفاوضات تشكيلها، مؤكدين أن طهران طالبت ممثلي «الإطار التنسيقي»، التحالف الشيعي الحاكم، بعدم التصويت لصالح حكومة «تمسّ بنفوذ حلفائها وتركيبة حضورهم داخل الدولة».

وتأتي هذه التطورات بالتزامن مع معلومات عن وصول إسماعيل قاآني، قائد «فيلق القدس» التابع لـ«الحرس الثوري» الإيراني، بشكل مفاجئ إلى بغداد، في وقت بلغت فيه مفاوضات رئيس الحكومة المكلف علي الزيدي مراحل متقدمة، وسط تصاعد التنافس الأميركي ـ الإيراني على شكل الحكومة المقبلة.

وقالت مصادر متقاطعة إن «قاآني وصل إلى بغداد بالفعل خلال الساعات الماضية، والتقى بضالعين في تشكيل الحكومة، مبدياً اعتراض طهران على الانصياع التام لواشنطن». وشبّه مسؤول تحدث إلى «الشرق الأوسط» المفاوضات الجارية في بغداد بـ«الحصار والحصار المضاد في مضيق هرمز».