مخاوف لبنانية من خطة إسرائيلية لإفراغ الجنوب وخنقه اقتصادياً

الاستهدافات تتكثف على معدات إعادة الإعمار وتطال منشآت صناعية

رجال إطفاء يشاركون في إخماد حرائق اندلعت في مصنع للإسمنت استهدفته غارات إسرائيلية بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
رجال إطفاء يشاركون في إخماد حرائق اندلعت في مصنع للإسمنت استهدفته غارات إسرائيلية بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

مخاوف لبنانية من خطة إسرائيلية لإفراغ الجنوب وخنقه اقتصادياً

رجال إطفاء يشاركون في إخماد حرائق اندلعت في مصنع للإسمنت استهدفته غارات إسرائيلية بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
رجال إطفاء يشاركون في إخماد حرائق اندلعت في مصنع للإسمنت استهدفته غارات إسرائيلية بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

رفعت الاستهدافات الإسرائيلية العنيفة لجنوب لبنان ليل الخميس، المخاوف من أن تكون تل أبيب تطبق «سياسة ممنهجة لخنق الجنوب اقتصادياً ومنع عودة الحياة إليه»، كونها انتقلت إلى قصف منشآت مدنية وصناعية، تستخدم في إعادة الإعمار.

وبعد أسبوع على قصف آليات وحفارات تُستخدم في إعادة الإعمار، بلغ هذا التصعيد ذروته مساء الخميس، حين نفّذ الطيران الحربي الإسرائيلي غارات عنيفة على وادي بصفور بين بلدتي أنصار وسيناي الواقعتين شمال الليطاني، ما أدى إلى تدمير واسع في معامل إسمنت وورش صناعية، وتردّد دوي الانفجارات في مناطق النبطية والزهراني.

ووصفت «الوكالة الوطنية للإعلام» الغارات بأنها «من الأعنف منذ أسابيع»، مشيرة إلى أنّ الصواريخ أحدثت وميضاً غير مسبوق وارتجاجات قوية شعر بها السكان في القرى المجاورة.

ولم تقتصر الخسائر على المنشآت الصناعية والورش الإنشائية، فقد أعلنت مؤسسة مياه «لبنان الجنوبي» في بيان، أنّ الغارات أدّت إلى «إصابة وتدمير المخزن الاستراتيجي لمؤسسة مياه لبنان الجنوبي الخاص بالمحروقات وخسارة ما فيه بالكامل»، لافتةً إلى أنّ المخزن كان يحتوي على نحو نصف مليون لتر من مادة المازوت كانت تُستخدم لتشغيل مولدات الكهرباء العائدة لمحطات وآبار المياه، وتُوزَّع على القرى والبلدات الجنوبية لتأمين ضخ المياه للسكان.

لبنانيون يتفقدون منشأة لصناعة الإسمنت استهدفتها الغارات الإسرائيلية ليل الخميس (رويترز)

وجاءت تلك الغارات في ظل استهدافات متواصلة يقول الجيش الإسرائيلي إنها ملاحقات لعناصر في «حزب الله»، إضافة إلى خروقات أخرى لاتفاق وقف إطلاق النار. واستهدفت مسيرة إسرائيلية، بعد ظهر الجمعة، سيارة في بلدة خربة سلم بجنوب لبنان، أدت إلى مقتل شخص. كما ألقت مسيّرة إسرائيلية قنبلة صوتية، في اتجاه منطقة قطعة الزيتونة في بلدة بليدا بقضاء مرجعيون.

استهداف اقتصادي

وأثار هذا التصعيد جدلاً واسعاً حول طبيعة الأهداف ودلالاتها، بين من يراه استمراراً للعمليات العسكرية التقليدية، ومن يعتبر أنه يتجاوز البعد العسكري ليطال البنية الاقتصادية والإنتاجية في الجنوب.

ويرى عدد من أبناء المنطقة أن «الضربات لم تعد تقتصر على مواقع عسكرية محتملة، بل أصابت شرايين الحياة المدنية»، مؤكدين أنّ «المواجهة الحالية لا تُقاس بعدد الصواريخ، بل بعدد الورش المدمّرة والعمال الذين فقدوا مصدر رزقهم»، في وقتٍ يتنامى فيه القلق من أن يتحوّل الاستهداف الاقتصادي إلى وسيلة ضغط لدفع السكان نحو النزوح تحت وطأة الفقر والخسائر المتراكمة.

وقال عضو كتلة «التنمية والتحرير» النائب محمد خواجة، إنّ الاستهداف الأخير لمعامل الإسمنت والكسارات في الجنوب ليس مصادفة ولا ردّاً ميدانياً محدوداً، «بل هو سياسة ممنهجة لخنق الجنوب اقتصادياً ومنع عودة الحياة إليه». ورأى عبر «الشرق الأوسط» أنّ الجانب الإسرائيلي، «منزعج من عودة مئات العائلات إلى بلداتها في عيترون ومارون الراس وبليدا والخيام، بعدما راهن على أن تبقى هذه المناطق فارغة من سكانها». وأوضح أنّ «إصرار الأهالي على ترميم بيوتهم، ولو بغرفة واحدة، أربك الاحتلال الذي كان يسعى لتحويل الجنوب إلى منطقة مهجورة».

إفراغ الجنوب

ولفت إلى أنّ «التكلفة المادية لهذه الاعتداءات تجاوزت 15 مليون دولار، نتيجة تدمير أكثر من 300 آلية هندسية وشاحنة، بعضها تابع لشركات متعاقدة مع وزارة الأشغال العامة»، مؤكداً أنّ «الهدف الحقيقي هو إبقاء الجنوب في حالة شلل ومنع أي نهوض اقتصادي أو إعمار فعلي».

وفي رده على تبريرات المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي، قال خواجة: «ما يروّجه أدرعي عن استخدام (حزب الله) لهذه المنشآت لترميم بنيته العسكرية، ادعاء ساذج لتبرير عدوانٍ غير مبرر. فهذه المنشآت تعمل ضمن مشروعات إنمائية مرخّصة، تخضع لإشراف الوزارات اللبنانية، ولا تمتّ بصلة إلى أي نشاط عسكري».

وشدّد على أنّ إسرائيل تحاول «استخدام سلاح الاقتصاد لإخضاع لبنان سياسياً بعدما فشلت في تحقيق أهدافها عسكرياً»، مضيفاً: «المطلوب اليوم وحدة لبنانية شاملة، لأنّ الخطر الإسرائيلي لا يستهدف الجنوب وحده، بل كل لبنان».

رجال إطفاء يشاركون في إخماد حرائق نتجت عن غارات إسرائيلية استهدفت منطقة المصيلح الأسبوع الماضي (د.ب.أ)

القرار على الأرض

ومن الزاوية العسكرية - الاستراتيجية، يرى العميد المتقاعد ناجي ملاعب، أنّ «الاستهداف الإسرائيلي لم يعد عسكرياً بحتاً؛ بل بات يركّز على المنشآت الاقتصادية والمدنية؛ مثل المقالع، ومعامل الباطون، والجرّافات، بهدف تعطيل إعادة الإعمار ومنع عودة الحياة الطبيعية إلى القرى».

ويشرح لـ«الشرق الأوسط» أنّ «إسرائيل تدرك أنّ من يعيد إعمار الأرض يملك قرارها السياسي والاجتماعي، لذلك تسعى إلى ضرب القواعد المادية التي تُمكّن الناس من الصمود». ويضيف: «حين أرسل (حزب الله) بعد وقف إطلاق النار نحو ألف ومئتي مهندس وفني لتقييم الأضرار ومساعدة الأهالي، أدركت إسرائيل أنه يملأ الفراغ الرسمي، فقررت الرد عبر ضرب البنية التي يعتمد عليها الناس لإعادة البناء».

ويعدّ ملاعب «هذه الغارات تمثل عقاباً اقتصادياً يستهدف بيئة الجنوب، لأن كل ورشة تُقصف وكل مجبل يُدمّر يعني تأخيراً لعودة الناس إلى بيوتهم، وفتح الباب أمام التهجير البطيء». ويضيف: «الجنوب اليوم يواجه تهديداً مزدوجاً، ونار الطائرات في السماء، وخنقاً اقتصادياً على الأرض».

لبنانيون يتفقدون الدمار الناتج عن غارات إسرائيلية استهدفت مصنعاً للإسمنت في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

وفي الميدان، تتحدث الصور عن هذا الجانب؛ حيث تظهر مصانع متوقفة، وجرافات محترقة، وعمالاً بلا عمل. ويقول ملاعب إنّ «إسرائيل تستخدم الاقتصاد سلاحاً طويل الأمد، لأنه يضرب قدرة الناس على الصمود، ويحوّل إعادة الإعمار إلى معركة استنزاف يومية»، مؤكداً أنّ «كل ضربة لمعمل أو مجبل هي ضربة للبنية الاجتماعية، لا للبنية العسكرية».

سيناريوهات ما بعد القصف

وفي قراءته لمآلات هذا التصعيد، يحذّر ملاعب من أنّ «النهج الإسرائيلي الراهن قد يمهّد لتطبيق سيناريو مشابه لما حدث في جنوب سوريا، حيث أُقيمت مناطق منزوعة السلاح وتُدار بهياكل محلية تحت رقابة دولية». ويقول إنّ «إسرائيل قد تبرّر هذا المشروع بذريعة تأمين حدودها من الإرهاب، فيما الهدف الحقيقي هو تفريغ الجنوب»، مؤكداً أنّ «الحل الوطني لا يتحقق إلا بترسيم واضح للحدود البرية وضمان السيادة اللبنانية الكاملة على الأرض».


مقالات ذات صلة

مقتل صحافية لبنانية بغارة إسرائيلية على الجنوب

المشرق العربي مسجد مدمر في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

مقتل صحافية لبنانية بغارة إسرائيلية على الجنوب

قُتلت الصحافية اللبنانية آمال خليل، الأربعاء، جراء غارة إسرائيلية استهدفت منزلاً في بلدة الطيري القريبة من الحدود في جنوب لبنان، كما أعلن الدفاع المدني اللبناني

المشرق العربي وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ومستشار الوزارة مايكل نيدهام والمندوب الأميركي لدى الأمم المتحدة مايك والتز والسفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى خلال محادثات السلام بين السفيرة اللبنانية في واشنطن ندى حمادة معوض ونظيرها الإسرائيلي يحيئيل ليتر في واشنطن (د.ب.أ)

ضغوط على ترمب لمطالبة إسرائيل بوقف «إبادة» القرى اللبنانية

تشهد واشنطن الخميس جولة محادثات ثانية رفيعة المستوى بين لبنان وإسرائيل، من المقرر أن يشارك فيها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو.

علي بردى (واشنطن)
المشرق العربي صورة عامة تُظهر منازل ومنشآت دمرها الجيش الإسرائيلي في قرية بيت ليف جنوب لبنان 22 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

«حزب الله» يعلن استهداف مربض مدفعية للجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان

أعلن «حزب الله»، في بيان، اليوم (الأربعاء)، أن عناصره استهدفوا مربض مدفعية مستحدثاً تابعاً للجيش الإسرائيلي في بلدة البياضة، جنوب لبنان.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي تشييع عدد من مقاتلي «حزب الله» في بلدة كفرصير قتلوا في مواجهات مع الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

الرئيس اللبناني مطمئن لنتائج اتصاله بترمب

كشفت مصادر سياسية عن محاولات تولاها أصدقاء مشتركون لرأب الصدع بين رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون و«حزب الله».

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي جانب من الدمار الذي لحق بالمباني والمنازل في بلدة كفرصير بقضاء بنت جبيل في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

جنوب الليطاني ساحة المواجهة: معادلة ردع جديدة مقيدة بالسقف الإسرائيلي

بعد فرض إسرائيل واقعاً ميدانياً جديداً إثر التوصل إلى هدنة، تظهر معادلة ردع جديدة عنوانها حصر نطاق المواجهات في منطقة جنوب نهر الليطاني

كارولين عاكوم (بيروت)

إسرائيل و«حزب الله» يخوضان مناوشات «قواعد الاشتباك»


فرق الإنقاذ تزيل الأنقاض أمس من مبنى قصفه الجيش الإسرائيلي في بلدة حناويه بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
فرق الإنقاذ تزيل الأنقاض أمس من مبنى قصفه الجيش الإسرائيلي في بلدة حناويه بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل و«حزب الله» يخوضان مناوشات «قواعد الاشتباك»


فرق الإنقاذ تزيل الأنقاض أمس من مبنى قصفه الجيش الإسرائيلي في بلدة حناويه بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
فرق الإنقاذ تزيل الأنقاض أمس من مبنى قصفه الجيش الإسرائيلي في بلدة حناويه بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

يخوض الجيش الإسرائيلي و«حزب الله» مناوشات «قواعد الاشتباك»، إذ يُظهر تبادل إطلاق النار في جنوب لبنان محاولات لحصر نطاق المواجهات في منطقة جنوب نهر الليطاني الحدودية مع إسرائيل، حيث تواصل القوات الإسرائيلية عملياتها العسكرية ضمن المناطق التي تسيطر عليها، في مقابل اقتصار عمليات الحزب على هذه المنطقة مترافقة مع ردود محدودة على خروق الهدنة ضمن نطاق شمال إسرائيل.

وأعلن «حزب الله»، أمس، أنه استهدف بمسيّرة، مربض مدفعية للجيش الإسرائيلي في بلدة البياضة داخل لبنان، «ردّاً على الخروق الإسرائيلية لوقف إطلاق النار».

وعشية لقاء سفيري لبنان وإسرائيل في واشنطن، في لقاء ثانٍ، اليوم (الخميس)، حدّد الرئيس اللبناني جوزيف عون شرطه الأساسي لبدء المفاوضات، قائلاً إنه يتمثل بتثبيت وقف النار، ودعا إلى وحدة الموقف الوطني لتقوية الفريق اللبناني المفاوض، كما حثّ الأجهزة الأمنية والعسكرية على دهم مواقع تخزين الأسلحة ومنع المظاهر المسلحة.


واشنطن توقف «شحنة مالية» إلى بغداد

عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)
عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)
TT

واشنطن توقف «شحنة مالية» إلى بغداد

عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)
عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)

ذكرت مصادر أن الولايات المتحدة أوقفت «شحنة مالية» تُقدَّر قيمتها بنصف مليار دولار كانت متجهة إلى العراق، وأنها علّقت أجزاء من تعاونها الأمني مع بغداد، في خطوة تهدف إلى الضغط على الحكومة العراقية بشأن تصرفات الميليشيات المدعومة من إيران، وفق «رويترز». وقالت مصادر غربية، لـ«الشرق الأوسط»، إن التنسيق بين واشنطن وبغداد «في أدنى مستوياته خلال الوقت الراهن».

واتهمت حركة «عصائب أهل الحق»، أحدُ أبرز أقطاب التحالف الحاكم، واشنطن بالسعي لعرقلة صرف رواتب الموظفين، مشيرة إلى أن «الأميركيين يتبعون أساليب ضغط مباشرة وغير مباشرة؛ بهدف جعل الحكومة العراقية تابعة لهم».

وأفادت تقارير بأن الولايات المتحدة «هددت في وقت سابق بوقف التعاون مع بغداد في حال لم تُقدِم الحكومة على اعتقال مسلحين ينتمون إلى فصيل موالٍ لإيران، كان قد نفّذ هجوماً قرب مطار بغداد مطلع الشهر الحالي استهدف دبلوماسيين أميركيين».


«داعش» يراهن على «تناقضات» في سوريا


نقل عائلات تنظيم «داعش» من الباغوز إلى مراكز احتجاز بإدارة «قسد» في 2019 (أ.ف.ب)
نقل عائلات تنظيم «داعش» من الباغوز إلى مراكز احتجاز بإدارة «قسد» في 2019 (أ.ف.ب)
TT

«داعش» يراهن على «تناقضات» في سوريا


نقل عائلات تنظيم «داعش» من الباغوز إلى مراكز احتجاز بإدارة «قسد» في 2019 (أ.ف.ب)
نقل عائلات تنظيم «داعش» من الباغوز إلى مراكز احتجاز بإدارة «قسد» في 2019 (أ.ف.ب)

باتت منطقة الجزيرة السورية بين دير الزور والرقة والحسكة، الساحة الرئيسية، لاختبار قدرات تنظيم «داعش»، في ظل تغيير أولوياته وسباقه غير المعلن مع الحكومة السورية على اكتساب الحواضن الاجتماعية والجغرافيا.

فبعد الانسحاب الأميركي الأخير والتفاهمات الرامية لدمج قوات «قسد»، يراهن التنظيم على «التناقضات» التي قد تنجم عن عودة سلطة دمشق إلى مناطق كانت لسنوات تحت إدارة ذاتية أو نفوذ دولي، ويستغل المخاوف العشائرية من السياسات المركزية، ويعمل على التجنيد داخل المخيمات.

وإذا كان التنظيم دخل اليوم في مرحلة «كمون»، فلأنه اعتاد استغلال فترات الانكماش لإعادة التموضع والاستفادة من أي ثغرات تمهيداً لاستئناف النشاط.

وبذلك يبدو أنه مهما بذلت السلطات من جهود، تبقى قدرة «داعش» على «إزعاج» دمشق، ولو بالحد الأدنى، قائمة.