«الاتحاد من أجل المتوسط»... خريطة طريق لمستقبل غزة بعد الحرب

بن فرحان يشدّد على أولوية الإنهاء الفوري للعمليات العسكرية

TT

«الاتحاد من أجل المتوسط»... خريطة طريق لمستقبل غزة بعد الحرب

الوزراء المشاركون في اجتماع «الاتحاد من أجل المتوسط» في برشلونة (رويترز)
الوزراء المشاركون في اجتماع «الاتحاد من أجل المتوسط» في برشلونة (رويترز)

في الوقت الذي تتكثُف الجهود الدبلوماسية على أكثر من جبهة لوقف المجزرة التي يشهدها قطاع غزة والكارثة الإنسانية غير المسبوقة التي تسبّبت بها الحرب الإسرائيلية، استضافت مدينة برشلونة، الاثنين، الاجتماع الدوري لـ«منتدى الاتحاد من أجل المتوسط»، الذي يضمّ وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي والدول المطلّة على البحر المتوسط، وعلى جدول أعماله بند رئيسي واحد هو رسم خريطة طريق لمستقبل القطاع وفلسطين بكاملها بعد أن تضع أوزارها الحرب الدائرة بين إسرائيل و«حماس».

وبينما جرت العادة على أن يخصص هذا المنتدى اجتماعاته لتعزيز التعاون بين البلدان الأعضاء في الاتحاد الأوروبي وتلك الواقعة على الضفة الجنوبية للمتوسط، تحوّلت هذه الدورة منتدى سياسياً بامتياز سجّل رقماً قياسياً من حيث عدد المشاركين على أعلى المستويات، وبحضور وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان؛ بصفته ضيفاً خاصاً على المنتدى؛ كونه رئيساً للجنة الوزارية التي انبثقت عن القمة العربية - الإسلامية التي انعقدت مؤخراً في الرياض.

وكان وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس قد عقد اجتماعاً مطولاً قبل افتتاح المنتدى مع نظيره الفلسطيني رياض المالكي، تناولا فيه الدعم الذي تحتاج إليه السلطة الوطنية الفلسطينية لتولّي إدارة قطاع غزة بعد نهاية الحرب، كما أكّد مصدر دبلوماسي مسؤول لـ«الشرق الأوسط».

وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان خلال الصورة التذكارية لاجتماع «منتدى الاتحاد من أجل المتوسط» (أ.ف.ب)

ولدى سؤاله عن البيان الذي صدر عن «حماس» واصفاً موقف رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانتشيز ونظيره البلجيكي ألكسندر دي غرو خلال الزيارة التي قاما بها مؤخراً إلى إسرائيل بأنه «واضح وجريء»، اكتفى ألباريس بالقول: إنه لا يعلّق على «البيانات التي تصدر عن المنظمات الإرهابية»، وإن الحكومة الإسبانية أدانت منذ اليوم الأول العملية التي قامت بها «حماس» في السابع من الشهر الماضي.

وكانت المواقف التي صدرت عن بعض أعضاء الحكومة الإسبانية من الحرب الدائرة في غزة قد تسبّبت في أزمة دبلوماسية بين مدريد وتل أبيب تمّ خلالها استدعاء سفراء الطرفين للاحتجاج على تلك المواقف. ويذكر، أن وزيرة الحقوق الاجتماعية في إسبانيا ايلوني بيلارّا كانت قد دعت إلى إحالة رئيس الوزراء الإسرائيلي (بنيامين نتنياهو) على المحكمة الجنائية الدولية لارتكابه جرائم حرب وإبادة ضد الشعب الفلسطيني، وطالبت بقطع العلاقات مع إسرائيل. وفي جلسة الثقة الأخيرة التي جددّ فيها سانتشيز ولايته كرئيس للحكومة، دعته نائبته وحليفته الرئيسية يولاندا دياز زعيمة حزب «سومار» إلى عدم التردد في اتخاذ موقف حازم من الأحداث الجارية في غزة على غرار الموقف الذي اتخذه الاتحاد الأوروبي من الحرب في أوكرانيا. وفي زيارته الأخيرة إلى إسرائيل، قال سانتشيز أمام نتنياهو: «إن رؤية المدنيين يقتَلون في غزة مشهد لا يحتمل على الإطلاق»؛ ما أدّى إلى صدور بيان عن الحكومة الإسرائيلية يتهم سانتشيز بدعم الإرهاب؛ وهو ما استدعى دعوة الخارجية الإسبانية للسفيرة الإسرائيلية لاستفسارها عن تلك التصريحات والاحتجاج عليها.

جوزيب بوريل خلال المنتدى في برشلونة (إ.ب.أ)

وفي حديث مع مجموعة من الصحافيين على هامش المنتدى، قال وزير الخارجية الإسباني: إنه ينتظر من السفيرة الإسرائيلية شروحاً واضحة حول الأسباب التي أدّت إلى صدور تلك التصريحات التي تعدّها إسبانيا غير مقبولة وعارية عن الصحة، وإنه سيطلب منها ضمانات بعدم تكرارها في المستقبل. وقال ألباريس: إن اتهامات إسرائيل لـ«حماس» باستخدام المدنيين دروعاً بشرية في الحرب لا يمكن أن تشكّل ذريعة لقتلهم.

وفي كلمته أمام المنتدى، شدد الوزير فيصل بن فرحان على نتائج القمة العربية - الإسلامية المشتركة غير العادية، التي عُقدت في الرياض، وتكليفها للجنة الوزارية التي زارت الكثير من الشركاء الرئيسيين في جميع أنحاء العالم من أجل نقل موقف الأمتين الإسلامية والعربية الموحد، والعمل على تمهيد طريقٍ واضحة لحل الأزمة في قطاع غزة.

وأشار إلى أهمية أن يعطي المجتمع الدولي الأولوية للإنهاء الفوري للعمليات العسكرية في قطاع غزة، وضمان المرور الكافي والآمن للمساعدات الإنسانية، والإفراج عن جميع الرهائن المدنيين. ورحّب وزير الخارجية السعودي باتفاق الهدنة الذي تم التوصل إليه، مشيراً إلى أن ذلك يعدّ تطوراً إيجابياً ويسمح بالمرور الآمن للمساعدات الإنسانية العاجلة، إلا أنه لا يكفي لدخول جميع المساعدات إلى غزة، ما لم يتبع الهدنة وقفٌ شامل ودائم للعمليات العسكرية. وقال: «إن استمرار التصعيد في قطاع غزة أسفر عن المزيد من الدمار والتطرف والمزيد من القتل للأبرياء، ويهدد الأمن الإقليمي»، مشيراً إلى أن المملكة تدين أشكال العنف كافة واستهداف المدنيين منذ بداية الأزمة، ورغم ذلك تصاعدت العمليات العسكرية التي تقوم بها القوات الإسرائيلية مع التجاهل التام لحياة المدنيين، وتقاعس المنظمات الدولية. وأكد أهمية السعي الجاد للتغلب على الأزمة الحالية في قطاع غزة، والتحرك نحو خطة جدية وذات مصداقية لإحياء عملية السلام، بما يضمن إقامة دولة فلسطينية ذات سيادة مستقلة يتحقق فيها الكرامة والازدهار للشعب الفلسطيني الشقيق.

وزير الخارجية المصري سامح شكري في برشلونة اليوم (رويترز)

كما اجتمع بن فرحان بنظيره الإيطالي أنطونيو تاياني وبحث معه في أهمية الالتزام بالهدنة الإنسانية مع وقف كامل ومستدام لإطلاق النار بما يضمن حماية المدنيين وعودة الأمن والاستقرار إلى قطاع غزة. وشدد الوزير السعودي على أنه لا بديل من حل الدولتين لحل النزاع.

كما التقى الأمير فيصل بن فرحان وزيرة أوروبا والشؤون الخارجية الفرنسية كاثرين كولونا، على هامش «منتدى الاتحاد من أجل المتوسط». وأوضحت وكالة الأنباء السعودية، أنه جرى خلال اللقاء بحث الأوضاع في قطاع غزة ومحيطها، والجهود المبذولة لوقف إطلاق النار بشكلٍ مستدام بما يضمن حماية المدنيين، وأهمية تثبيت الهدنة والبناء عليها، بالإضافة إلى مناقشة الكثير من الموضوعات ذات الاهتمام المشترك، بما يعزز أمن واستقرار الشرق الأوسط والعالم. وأكد وزير الخارجية السعودي، أهمية تكثيف الجهود الدولية المبذولة للالتزام بتطبيق قواعد القانون الدولي، والقانون الدولي الإنساني، والعودة إلى مسار السلام بما يضمن إقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة، وفقاً للقرارات الدولية ذات الصلة.

وكان بن فرحان قد رأس اللجنة الوزارية المكلفة من القمة العربية - الإسلامية خلال اللقاء مع وزير خارجية إسبانيا على هامش المنتدى، حيث شدد على وجوب السعي إلى تجاوز الأزمة الحالية في قطاع غزة، والعمل على خطة سلام ذات مصداقية لإنهاء الوضع الكارثي، مؤكداً أن لا بديل عن حل الدولتين والاعتراف بالدولة الفلسطينية.

ولعل الغائب الأكبر عن اجتماع «منتدى الاتحاد من أجل المتوسط» كان إسرائيل التي أبلغت منتصف الأسبوع أنها لن تحضر بذريعة أن جدول الأعمال قد تمّ تعديله من غير استشارتها ليقتصر على الحرب في غزة.

وتجهد الدبلوماسية الإسبانية منذ أسابيع في إطار الرئاسة الدورية للاتحاد الأوروبي التي تنتهي مع نهاية الشهر المقبل؛ لمنع اتساع الهوة التي أحدثتها هذه الحرب بين العالمين الغربي والإسلامي، كما قال أحد الدبلوماسيين الإسبان المكلفين إدارة هذه الجهود وتنسيقها على جبهات عدة.

وشهد المنتدى نقاشاً محتدماً وعالي النبرة من جانب الوفود العربية التي أوضحت أنها لا توافق على تضمين البيان الختامي إشارة إلى حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها بعد هجمات السابع من الشهر الماضي، في حين أبدت ألمانيا تحفظها عن توجيه طلب بوقف إطلاق النار، وأيدّت الدعوة إلى هدنات إنسانية لإدخال المساعدات. واتجهت المساعي الدبلوماسية إلى التركيز على الدعوة لعقد مؤتمر دولي لتسوية النزاع على أساس حل الدولتين والاعتراف المتبادل بين الإسرائيليين والفلسطينيين، وهي مبادرة كان قد تبناها الاتحاد الأوروبي وأيّدتها جامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي التي كانت حاضرة في المنتدى، لكنها قوبلت بالرفض الإسرائيلي.

من جهته، قال المسؤول الأوروبي للسياسة الخارجية جوزيب بورّيل: إن التحدي الأكبر هو الوضع الذي سيكون عليه قطاع غزة بعد وقف الحرب، ليس فقط من حيث الدمار الهائل الذي قضى على البنى التحتية الأساسية، بل أيضاً بعد تفكيك «حماس» التي كانت تتولّى الإدارة المدنية لسكان غزة. وقال بورّيل: إن الاتحاد الأوروبي يميل إلى تكليف هذه المهمة إلى الأمم المتحدة ريثما تصبح السلطة الوطنية الفلسطينية قادرة على توليها.

وكان بورّيل قد نفى بشكل قاطع أن يكون هذا الاجتماع للمنتدى «مؤامرة ضد إسرائيل».


مقالات ذات صلة

مقتل 4 فلسطينيين على الأقل في غارات إسرائيلية على غزة

المشرق العربي رجل يحمل جثمان طفل أمس السب تقتل جرَّاء قصف مدفعي إسرائيلي على منازل سكنية قرب مستشفى كمال عدوان في بيت لاهيا شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

مقتل 4 فلسطينيين على الأقل في غارات إسرائيلية على غزة

قال مسؤولو صحة في قطاع غزة إن هجمات للجيش الإسرائيلي أسفرت عن مقتل أربعة فلسطينيين على الأقل اليوم الأحد.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي أقام مسؤولون انتخابيون فلسطينيون مركز اقتراع في خيمة لإجراء الانتخابات البلدية بدير البلح (أ.ف.ب)

الأولى منذ اندلاع الحرب... بدء التصويت في الانتخابات البلدية بالضفة ووسط غزة

فتحت مراكز التصويت صباح اليوم (السبت)، في جميع مناطق الضفة الغربية ووسط قطاع غزة، أمام الناخبين الفلسطينيين لانتخاب المجالس البلدية.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي أحد عناصر هندسة المتفجرات التابعة لشرطة غزة يتعامل مع قذيفة غير منفجرة (الشرطة الفلسطينية)

الأمم المتحدة تحذّر من تهديد الذخائر غير المنفجرة في غزة لجهود إعادة الإعمار

حذّرت الأمم المتحدة، من أنّ قطاع غزة الذي دمّرته الحرب، ملوّث بشدّة بذخائر غير منفجرة تقتل المدنيين وتشوههم بانتظام، وتهدّد جهود إعادة الإعمار على المدى الطويل.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
المشرق العربي فلسطينيون يتجمَّعون حول سيارة مُدمَّرة بعد استهدافها بغارة إسرائيلية في شارع صلاح الدين جنوب مخيم البريج بقطاع غزة (أ.ف.ب)

غارات إسرائيلية تقتل 10 أشخاص في غزة

 قال مسؤولون فلسطينيون في قطاع الصحة إن نيراناً إسرائيلية قتلت ما لا يقل ​عن 10 أشخاص، بينهم شرطيان، في أنحاء قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
المشرق العربي فلسطينيون يشيعون قتلى سقطوا في هجوم إسرائيلي أمام مستشفى الشفاء بمدينة غزة الخميس (أ.ف.ب)

«حماس» و«الجهاد» تحصيان خسائرهما البشرية خلال حرب غزة

دشنت «كتائب القسام» الجناح المسلح لـ«حماس»، صفحة عبر تطبيق «تلغرام»، للكشف عن قيادات ونشطاء ميدانيين قتلوا خلال الحرب وفي الخروق المستمرة بالقطاع.

«الشرق الأوسط» (غزة)

وقف النار في جنوب لبنان يترنح

الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

وقف النار في جنوب لبنان يترنح

الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

يترنّح اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل الذي مدده الرئيس الأميركي دونالد ترمب لثلاثة أسابيع إضافية، إثر تصعيد عسكري سُجّلت خلاله عشرات الضربات الجوية الإسرائيلية، وقصف أطلقه «حزب الله» باتجاه قوات إسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية.

ووسع الجيش الإسرائيلي، أمس، إنذارات إخلاء البلدات اللبنانية لتشمل 7 بلدات واقعة شمال نهر الليطاني للمرة الأولى منذ تطبيق الاتفاق قبل عشرة أيام، مما يهدد الهدنة.

واتهم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، «حزب الله»، بـ«تقويض» الاتفاق، وقال: «نحن نعمل بقوة وفق الترتيبات المتفق عليها مع الولايات المتحدة، وبالمناسبة أيضاً مع لبنان»، مشيراً إلى أن ذلك «يعني حرية العمل، ليس فقط للرد على الهجمات».

في المقابل، رفض «حزب الله» تلك الاتهامات، وتوعد بالرد العسكري، قائلاً: «لن ننتظر أو نراهن على دبلوماسية خائبة أثبتت فشلها».


العراق في «فراغ دستوري» حكومياً

العراق في «فراغ دستوري» حكومياً
TT

العراق في «فراغ دستوري» حكومياً

العراق في «فراغ دستوري» حكومياً

يدخل العراق اليوم فراغاً دستورياً على مستوى الحكومة، مع نهاية مهلة الـ15 يوماً اللازمة لتقديم مرشح لرئاسة الوزراء، وعدم تمكن «قوى الإطار التنسيقي» من الاتفاق على اسم واحد، في اجتماعها مساء السبت، رغم مرور أكثر من 5 أشهر على إجراء الانتخابات البرلمانية أواخر العام الماضي، ونحو نصف شهر على انتخاب نزار آميدي رئيساً للجمهورية.

ويتكون «الإطار التنسيقي» من 12 شخصية شيعية متفاوتة الثقل السياسي والانتخابي؛ مما أدى إلى تعقيد عملية اختيار رئيس وزراء جديد يخلف الحالي محمد شياع السوداني، رغم كثرة المرشحين لهذا المنصب وتجاوز عددهم الأربعين.

ويرى مراقبون أن دخول البلاد فراغاً دستورياً أوقع «الإطار» الشيعي في حرج سياسي كبير، فيما يحاول بعض قواه تبريره بالقول إنه لا شروط جزائية جرّاء هذا الفراغ.


«أطفال درعا» يتحدثون لـ«الشرق الأوسط» خلال محاكمة عاطف نجيب

نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)
نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)
TT

«أطفال درعا» يتحدثون لـ«الشرق الأوسط» خلال محاكمة عاطف نجيب

نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)
نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)

الشابة ذات الثمانية والعشرين عاماً كادت ترقص فرحاً وهي تشدو من خلف نقابها الأسود «جاييك الدور يا دكتور» وسط المتجمهرين أمام باب قاعة المحكمة في أثناء انعقاد أولى جلسات محاكمة عاطف نجيب رئيس فرع الأمن السياسي في درعا.

الشابة التي كانت عند اندلاع الاحتجاجات في درعا 2011، بعمر 15 عاماً لم تسعفها الكلمات للتعبير عن مشاعرها لـ«الشرق الأوسط»، ثم قالت: «أنا من عائلة الشيخ أحمد الصياصنة، كل أبناء عمومتي وكل أبناء درعا تعرضوا للاعتقال والملاحقة والقتل، الفرحة كبيرة بمحاكمة القاتل، اليوم انتصرنا، وأتمنى القصاص لكل من انتهك حقوق الإنسان في سوريا».

إغلاق شرطة مكافحة الشغب لقاعة المحكمة الجنائية في دمشق أمام الجمهور خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا (أ.ب)

أمام باب القاعة وفي أروقة القصر العدلي الواقع في شارع النصر، انتشر عناصر حفظ النظام بكثافة، بينما احتلت كاميرات الإعلام معظم مساحة القاعة؛ ما أثار استنكار أطراف الادعاء الشخصي الذين جاءوا من محافظة درعا في ساعات الصباح الباكر، واضطروا إلى الانتظار خارج القاعة إلى أن يُنادى عليهم.

صرخ أحدهم: «هل الإعلاميون أولى بالحضور من أصحاب الادعاء؟ إلا أن أحداً لم يجب وسط ضوضاء القصر العدلي، حيث تابعت دوائره ومحاكمه سير أعمالها الاعتيادي، رغم الحضور الكثيف لعناصر حفظ النظام في الأروقة، وأمام باب القاعة لتنظيم دخول الراغبين بحضور لحظة تاريخية نادرة، يجتمع فيها المتهم مع ضحاياه تحت قوس العدالة».

علا أبا زيد كانت بين الأطفال الذين اعتُقلوا في قضية أطفال الحرية بدرعا 2011 (الشرق الأوسط)

أكثر من 50 شخصاً قدموا من درعا بينهم 6 شبان من الذين اعتقلهم عاطف نجيب في فبراير (شباط )2011 فيما عُرف حينها بقضية «أطفال الحرية»، وذلك بتهمة كتابة عبارة «أجاك الدور يا دكتور» على جدار إحدى المدارس.

في حينها، اعتُقل أكثر من 20 طفلاً بتهمة الكتابة على الجدران «أية كتابة حتى لو كانت اسم شخصي أو ذكرى طفولية بريئة»، وفق ما قالته علا أبا زيد لـ«الشرق الأوسط»، وقد جاءت مع شقيقها عبد الرحمن لحضور المحاكمة بصفة طرف الادعاء، حيث سيواجه شقيقها مع 5 آخرين منهم أحمد وإبراهيم رشيدات وسامر الصياصنة وإياد خليل، المتهم عاطف نجيب بالأدلة على اعتقالهم وتعذيبهم حين كانوا تلاميذ في المدرسة.

شابة من عائلة الشيخ أحمد الصياصنة في درعا تعرضت وأقرانها الصغار للاعتقال والقتل (الشرق الأوسط)

تقول علا إن نجيب ينكر اعتقال الأطفال وتعذيبهم، علماً أن كل من دخل سجون الأسد دون استثناء تعرض لشتى صنوف التعذيب الرهيب. كانوا أطفالاً أكبرهم أربعة عشر عاماً، منهم من استُشهد لاحقاً، ومنهم من هاجر، ومنهم من بقي وجاء ليشهد أمام المحكمة.

وطالبت علا السلطات السورية بالاهتمام أكثر بتنظيم وصول أصحاب الادعاء إلى قاعة المحكمة، متمنية أن ينال نجيب وكل من ارتكب انتهاكات من رموز النظام البائد بحق السوريين الجزاء العادل، وأن «يجربوا طعم المرار الذي تجرعه أهالي المعتقلين والشهداء والمفقودين».

إياد خليل أول معتقل بقضية أطفال الحرية في درعا عام 2011 (الشرق الأوسط)

إياد خليل الذي كان ينتظر مناداته لدخول القاعة والاستماع لشهادته، قال: «أنا أول معتقل في الثورة السورية في 8 فبراير 2011، كان عمري أربعة عشر عاماً»، مشيراً إلى إعاقة جسدية في ساقه: «هذه بسبب التعذيب... أذاقونا كل أنواع التعذيب لانتزاع اعتراف بأن جهات خارجية دفعتنا للكتابة على جدار المدرسة، لكني فعلت ذلك بسبب الظلم».

لا يبدو أياد فرحاً بالمحاكمة بقدر ما هو غاضب ومهتم برد الاعتبار: «عندما سمعت بنبأ اعتقال عاطف نجيب» بادرت فوراً إلى رفع دعوى قضائية عليه، وأنتظر صدور حكم الإعدام بحقه».

الجمهور الذي حضر لمتابعة جلسات محاكمة العميد عاطف نجيب المتهم بحملة القمع العنيفة ضد المتظاهرين بداية الصراع السوري في درعا (إ.ب.أ)

محامٍ من المراجعين للقصر العدلي انضم للحشود أمام قاعة محكمة الجنايات وهو يتابع البث المباشر لوقائع المحكمة عبر شاشة هاتفه المحمول، قال لزميله مستغرباً مشهد بكاء عاطف نجيب لدى وصوله إلى القصر العدلي: «عليه أن يبكي فرحاً؛ لأنه يساق إلى المحكمة باحترام». رد أحد الحضور: «لو أن هناك عقوبة أقسى من الإعدام لطالبنا بها».

العميد الركن عاطف نجيب المسؤول السابق في النظام السوري يدخل إلى جلسة محاكمته في دمشق الأحد (إ.ب.أ)

وتمنى عبد الحكيم السرحان أحد المدعين في قضية اقتحام الجامع العمري عام 2011 الذي تأذى منه كل سكان الحي، أن يكون تقرير مصير عاطف نجيب في الساحة أمام الجامع العمري، وقال: «لقد كان رئيس الفرع السياسي في درعا أي رجل الدولة الأول في محافظة درعا، وكل ما ارتُكب من انتهاكات في درعا حينها كان بأوامر منه».

أحد الحاضرين قال إن «نجيب ارتكب مجزرة أمام باب فرع الأمن السياسي عام 2011 قُتل فيها اثنا عشر شخصاً، وأصيب اثنان وثلاثون شخصا آخرون»، وطالب أن يحاسب عليها هو وكل رؤساء الأفرع الأمنية والشبيحة في درعا.

ياسر عطا عبد الغني من الجولان المحتل فقد اثنين من أشقائه في محافظة درعا (الشرق الأوسط)

أما باسل مريج، فأصيب في مجزرة النفق عام 2013، وقال إنه ضمن فريق الادعاء على رموز نظام الأسد. ويتألف الفريق من أكثر من 46 شخصاً من درعا، جاءوا جميعهم لحضور المحاكمة. رفع باسل كفاً مبتورة الأصابع نتيجة إصابته: «قُتلت عائلتي، زوجة وطفلان، في مجزرة النفق في درعا، مع أكثر من 24 مدنياً بينهم نساء وأطفال». وشدد على وجوب محاكمة كل من أعطى أوامر بالقصف والتدمير والقتل.

في حين أن ياسر عطا عبد الغني المنحدر من الجولان المحتل، ويسكن في حي القدم جورة الشرباتي، رأى أن القبض على المتهم الرئيسي في مجزرة حي التضامن أمجد يوسف، والبدء بمحاكمة رموز النظام المخلوع «فرحة كبيرة لكل أهالي الشهداء والمفقودين والمهجّرين»، متمنياً القصاص من كل من تسبب في تدمير سوريا.

عبد الغني فقد اثنين من أشقائه منذ عام 2012، ولا يعرف عنهما شيئاً، ولا يعرف ماذا يفعل، هل يقوم بإصدار شهادة وفاة لهما أم ينتظر، مؤكداً أن بدء مسار العدالة «يهدئ قلوب المكلومين»، وطالب السلطات السورية بتسريع مسار العدالة الانتقالية رأفة بذوي الضحايا.