إسرائيل تستبق اجتماعات الفصائل في القاهرة بغارات قتلت 11 غزياً

تهديد بتوسيع عملياتها والفصائل تبحث حل الرزمة الواحدة

فلسطيني يبكي خلال تشييع ضحايا غارات إسرائيلية من مستشفى الشفاء في مدينة غزة الخميس (أ.ف.ب)
فلسطيني يبكي خلال تشييع ضحايا غارات إسرائيلية من مستشفى الشفاء في مدينة غزة الخميس (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تستبق اجتماعات الفصائل في القاهرة بغارات قتلت 11 غزياً

فلسطيني يبكي خلال تشييع ضحايا غارات إسرائيلية من مستشفى الشفاء في مدينة غزة الخميس (أ.ف.ب)
فلسطيني يبكي خلال تشييع ضحايا غارات إسرائيلية من مستشفى الشفاء في مدينة غزة الخميس (أ.ف.ب)

استبقت إسرائيل، اجتماعات الفصائل الفلسطينية التي ستستضيفها القاهرة، خلال أيام، ونفذت سلسلة غارات متزامنة، فجر الخميس، أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 11 فلسطينياً.

وشنت طائرات مسيّرة ومروحية وحربية، عند الساعة 2:40 دقيقة من فجر، الخميس، 4 غارات متزامنة استمرت لنحو 10 دقائق، باتجاه 4 شقق سكنية في مناطق عدة من مدينة غزة.

ومن المقرر أن تناقش الفصائل الفلسطينية وفي مقدمتها «حماس» في القاهرة، مقاربات لمقترح يحرك الجمود بشأن الخطوات الإضافية في اتفاق وقف إطلاق النار الهش في غزة والذي أعلن في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، لكن إسرائيل اخترقته بشكل مستمر وقتلت منذاك أكثر من 900 فلسطيني.

وأثارت كثافة الغارات وتزامنها هلعاً بين الغزيين، واستدعى بعضهم مقارنات بغارات شبيهة نفذتها إسرائيل في الثامن عشر من مارس (آذار) 2025، حين اخترقت إسرائيل الهدنة الأولى بقصف عشرات المنازل في وقت واحد، واستهدفت حينها قيادات من «حماس» وغيرها.

وطالت الغارات، شقة سكنية في منطقة المخابرات شمال غربي مدينة غزة، وأخرى في منطقة دوار أبو الأمين في حي الشيخ رضوان على بعد نحو كيلومترين من الغارة الأولى، في حين نفذت غارة ثالثة في مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة، ورابعة في حي تل الهوى جنوب غربي المدينة.

طفل فلسطيني ينظر إلى أنقاض المباني السكنية وسيارة متضررة بعد غارة إسرائيلية على مدينة غزة الخميس (أ.ف.ب)

ووفقاً لمصادر ميدانية تحدثت إلى «الشرق الأوسط»، فإن الغارات المتزامنة طالت نشطاء بارزين في جهاز «الأمن العام» التابع لـ«حماس»، وبعضهم كان ينشط سابقاً في مجالات أخرى داخل «كتائب القسام»، وبعضهم كان يُصنّف من الصفين الثاني والثالث في مناطق نشاطهم.

وأدت الغارات إلى مقتل 3 نشطاء، مع بعض زوجاتهم وأفراد عائلاتهم، في حين نجا رابع من إحدى الغارات. حيث كان من بين الضحايا 3 نساء، و3 أطفال.

وبعد ساعات من غارات الفجر، استهدفت طائرة مسيّرة دراجة كهربائية في مواصي خان يونس، صباح الخميس؛ ما أدى إلى إصابة ناشط من «حماس»، في حين حاولت طائرة أخرى ظهراً، استهداف مركبة في حي تل الهوى جنوب غربي مدينة غزة، كان على متنها شخصان نجوا رغم إطلاق 3 صواريخ اتجاههما.

وبعد تلك الغارات ارتفع عدد الضحايا الفلسطينيين منذ وقف إطلاق النار في أكتوبر الماضي، إلى أكثر من 947، وإصابة نحو 3 آلاف.

وسجل القطاع مقتل 119 فلسطينياً خلال شهر مايو (أيار) الماضي، وهو أكبر رقم يسجل خلال شهر واحد منذ بداية العام الحالي، كما ذكرت وزارة الصحة بغزة.

مخرجات لاتفاق حول وقف النار

ويأتي التصعيد الإسرائيلي على وقع لقاءات من المقرر أن تبدأ في القاهرة، السبت، وقدّرت مصادر من «حماس» أنها «ستكون مهمة في إطار البحث عن مخرجات يمكن أن تفضي لاتفاق يتعلق بالاستمرار في وقف إطلاق النار».

ومن المقرر أن يصل الجمعة، وفد حركة «حماس»، وقيادات من الفصائل الفلسطينية، إلى جانب حضور وفود من الدول الوسيطة قطر وتركيا إلى العاصمة المصرية القاهرة، للمشاركة في اللقاءات التي ستعقد.

وأوضحت 4 مصادر من «حماس»، ومصدران من فصيلين مختلفين، أن لقاءً سيُعقد في البداية بين وفد الحركة والفصائل؛ لبحث مسودات صياغة بعض الأفكار التي تم بحثها في اجتماعات عُقدت مع الوسيطين القطري والتركي مؤخراً، إلى جانب مشاورات داخلية أجرتها الحركة وكذلك مع بعض الفصائل.

فلسطينيون بجانب جثامين عدد من ضحايا الغارات الإسرائيلية في مستشفى بمدينة غزة الخميس (أ.ف.ب)

واتفق مصدران من «حماس»، على أن اللقاءات التمهيدية مع الوسطاء كانت «جيدة، ويمكن البناء على بعض النقاط فيها» مع توقعات بالوصول إلى «صياغات أفضل» يتم العمل عليها في القاهرة.

لكن مصدراً ثالثاً من «حماس»، ورابعاً من فصيل فلسطيني اطلعا على النقاط، كانا أقل تفاؤلاً ووصفها أحدهم بأنها «كانت فضفاضة، في ظل الإصرار على ربط كل شيء بنزع السلاح»، كما ينقل الوسطاء عن (مجلس السلام)، وإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وإسرائيل.

«تمسك ببنود المرحلة الأولى»

وفي المقابل، بيَّن مصدران من «حماس» وثالث من الفصائل، أنه خلال جميع اللقاءات كانت هناك مطالبات باتجاه الدفع إلى إلزام إسرائيل بتطبيق بنود المرحلة الأولى، وإدخال اللجنة الوطنية لإدارة غزة، إلى القطاع لتولي مهامها كاملةً؛ الأمر الذي سيؤثر إيجاباً على باقي مراحل الاتفاق والمضي قدماً فيه.

ووفقاً لمصدر فصائلي ثانٍ، فإن «بعض الوسطاء نقلوا رسائل من (مجلس السلام) بأنه لا يمكن للجنة إدارة غزة الدخول للقطاع قبل الاتفاق على قضية حصر وتسليم السلاح». ووفق المصدر نفسه، فإن الفصائل «تلقت معلومات عن تهديدات إسرائيلية بتوسيع عملياتها العسكرية في غزة، والسيطرة على مزيد من الأراضي وتكثيف الاغتيالات».

أجزاء داخلية متضررة من مبنى سكني بعد غارة إسرائيلية على مدينة غزة الخميس (أ.ف.ب)

قاعدة الاتفاق الواسع

وبيَّن المصدر أن اللقاءات في القاهرة ستركز على حلول عدة، منها إمكانية تطبيق «الاتفاق على قاعدة (الرزمة الواحدة) أي اتفاق واسع من دون تجزئة، وخاصةً ما يتعلق بوقف الخروق والانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة».

وأكد أحد المصادر الفصائلية، أن هناك تمسكاً لدى المشاركين بـ«المرونة» لصالح ما يخدم أهل القطاع ويوقف الخروق الإسرائيلية ويمنعها من التوسع داخل غزة

وكانت قيادة «حماس» عقدت لقاءات مع مسؤولين أتراك وقطريين، بمتابعة من مصر، وسط جهود كبيرة من الدول الوسيطة التي توحد جهودها لإحداث اختراق حقيقي في ظل التهديد الإسرائيلي بتصعيد الهجمات في قطاع غزة.


مقالات ذات صلة

«ضرب الأنفاق أم بصمة الصوت»... لماذا بات اغتيال إسرائيل لقيادات «القسام» سريعاً؟

خاص من اليمين قيادات بـ«كتائب القسام» اغتالتهم إسرائيل في هجمات منفصلة: محمد عودة ورافع سلامة وأبو عبيدة ومحمد الضيف (صورة نشرها الجيش الإسرائيلي) p-circle

«ضرب الأنفاق أم بصمة الصوت»... لماذا بات اغتيال إسرائيل لقيادات «القسام» سريعاً؟

فرضت الاغتيالات الإسرائيلية لقيادات «حماس» و«القسام» تساؤلات عن أسباب تسارعها، وفي حين تتحدث مصادر عن تنامي العمل «الاستخباري» يشير البعض إلى دور تدمير الأنفاق.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينيون ينتظرون لتلقي الطعام من مطبخ خيري في مدينة غزة يوم الثلاثاء (رويترز) p-circle

«حماس» تكثف لقاء الوسطاء... وملادينوف يربط مشاركته بـ«تقدم إيجابي»

تكثف حركة «حماس» اللقاءات مع وسطاء اتفاق وقف إطلاق النار في غزة من مصر وقطر وتركيا، لإيجاد مقاربات بشأن القضايا العالقة باتفاق وقف إطلاق النار.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي جنود إسرائيليون يؤمنون الجولة الأسبوعية للمستوطنين في شوارع الخليل بالضفة الغربية المحتلة (رويترز)

القوات الإسرائيلية تقتل فلسطينياً حاول دخول القدس عبر الجدار الفاصل

قتلت القوات الإسرائيلية فلسطينياً أثناء محاولته دخول القدس عن طريق تسلق الجدار المقام في الضفة الغربية المحتلة، وفق ما أفادت مصادر فلسطينية.

«الشرق الأوسط» (القدس)
شؤون إقليمية كتلة خرسانية تمثل «الخط الأصفر» الذي رسمه الجيش الإسرائيلي في البريج وسط قطاع غزة العام الماضي (أرشيفية - أ.ف.ب)

شهادات لجنود إسرائيليين من غزة: وقف النار «مزحة»... والقتل لم يتوقف

تحدثت وكالة «أسوشييتد برس» لعدد من الجنود الإسرائيليين خدموا في غزة عن «قتل المدنيين» خلف الخط الأصفر داخل القطاع.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
خاص عناصر من «كتائب القسام» التابعة لحركة «حماس» برفح جنوب غزة في فبراير 2025 (رويترز)

خاص «القيادة الجماعية مطروحة»... ما خيارات «حماس» لملء فراغ «القسام»؟

عقّدت الاغتيالات الإسرائيلية المتتابعة لقيادات «كتائب القسام» ظروف إدارتها، وباتت محاولات «حماس» لملء فراغ رئاسة أركان الكتائب أكثر صعوبة... فما الخيارات؟

«الشرق الأوسط» (غزة)

سكان جنوب لبنان مرتبكون: هل يعيدنا اتفاق واشنطن إلى ديارنا؟

مشهد من بلدة دبين في جنوب لبنان حيث تواصل وحدات من الجيش اللبناني فتح الطرق وإزالة الأنقاض وسط أحياء دمّرتها الحملة العسكرية الإسرائيلية (رويترز)
مشهد من بلدة دبين في جنوب لبنان حيث تواصل وحدات من الجيش اللبناني فتح الطرق وإزالة الأنقاض وسط أحياء دمّرتها الحملة العسكرية الإسرائيلية (رويترز)
TT

سكان جنوب لبنان مرتبكون: هل يعيدنا اتفاق واشنطن إلى ديارنا؟

مشهد من بلدة دبين في جنوب لبنان حيث تواصل وحدات من الجيش اللبناني فتح الطرق وإزالة الأنقاض وسط أحياء دمّرتها الحملة العسكرية الإسرائيلية (رويترز)
مشهد من بلدة دبين في جنوب لبنان حيث تواصل وحدات من الجيش اللبناني فتح الطرق وإزالة الأنقاض وسط أحياء دمّرتها الحملة العسكرية الإسرائيلية (رويترز)

أعادت نتائج الجولة الرابعة من المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية التي استضافتها واشنطن طرح السؤال الأكثر إلحاحاً داخل البيوت الجنوبية: هل اقترب موعد العودة أم أن النزوح مرشح لأن يطول؟ ويتردد هذا السؤال في ظل ضبابية تحيط بالاتفاق الذي أعلن عنه فجر الخميس في بيان الخارجية الأميركية، وتزايدت المخاوف من تعثر العودة، مع إعلان «حزب الله» رفضه للاتفاق.

وبينما انشغل المسؤولون بقراءة بنود التفاهمات الجديدة وتداعياتها السياسية والأمنية، كان أبناء القرى والبلدات الجنوبية يتابعونها من زاوية مختلفة، حيث يسألون عن المنزل الذي أُقفل على عجل، والعمل الذي انقطع، والقرية التي لا يعرف أصحابها متى يعودون إليها، ولا أي واقع سيجدونه عند عودتهم.

وتكشف شهادات من صور وزوطر الشرقية وأنصار وحاروف أن المفاوضات الأخيرة لم تنجح حتى الآن في تبديد القلق الذي يرافق آلاف النازحين منذ أشهر، بل دفعت كثيرين إلى إعادة طرح أسئلة قديمة بصيغة أكثر إلحاحاً: هل العودة ممكنة فعلاً؟ وهل سيكون الجنوب الذي سيعودون إليه هو الجنوب الذي غادروه؟

الخوف من واقع جديد

تقول رزان شرف الدين، ابنة مدينة صور، إن السؤال الأول الذي يهيمن على أحاديث الناس بعد المفاوضات هو ما إذا كانت العودة لا تزال ممكنة في المدى المنظور.

وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «أول ما يشغل الناس اليوم هو معرفة ما إذا كانت هناك عودة أم لا. هذا هو السؤال الأساسي الذي يتردد في كل مكان».

غير أن مخاوفها لا تقتصر على موعد العودة، بل تمتد إلى طبيعة الواقع الذي قد يواجه الجنوبيين إذا عادوا إلى مناطقهم. تقول: «إذا عدنا إلى صور، فهل سنجد الإسرائيلي موجوداً؟ وهل سنعود إلى ظروف أصعب مما كان قائماً قبل عام 2000؟ وهل يمكن أن نصل إلى مرحلة تفرض فيها قيود أو ترتيبات تشبه تلك التي كانت قائمة خلال فترة الاحتلال؟».

وتضيف: «تركنا منازلنا، لكننا لا نعرف ما الذي سنجده عند العودة. هناك خوف من أن تتغير الوقائع على الأرض بصورة تجعل العودة مختلفة عما يتصوره الناس اليوم».

ولا تخفي شرف الدين أن استمرار النزوح بدأ يطرح تحديات معيشية متزايدة. وتقول: «إذا لم تتحقق العودة قريباً، فأين سيبقى الناس؟ لا أحد يريد أن يعيش في مراكز إيواء أو أن يبقى معتمداً على النزوح الدائم، لكن في المقابل إلى متى تستطيع العائلات تحمل أعباء الإيجارات والابتعاد عن مصادر رزقها؟».

أعمدة الدخان تتصاعد من مناطق في جنوب لبنان عقب غارات إسرائيلية في مشهد التُقط من مدينة النبطية (رويترز)

وتستعيد أشهر الانتظار الطويلة بقولها: «كانت الحقائب جاهزة دائماً. كلما سمعنا خبراً أو شائعة أو حديثاً عن اتفاق، تعلقنا بالأمل، ثم نعود ونؤجل فكرة العودة مرة أخرى».

تفاقم الخوف من عدم العودة

في زوطر الشرقية، يبدو المزاج العام أكثر تشاؤماً. يقول أحمد إسماعيل إن التجارب المتكررة خلال الأشهر الماضية بدلت نظرة الأهالي إلى أي حديث عن وقف لإطلاق النار أو تفاهمات جديدة. ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «في كل مرة كان يُعلن فيها عن فرضية اتفاق أو تهدئة، كان الناس يتمسكون بالأمل، لكن ما جرى لاحقاً جعلهم أكثر حذراً وأقل استعداداً للتفاؤل».

ويرى إسماعيل أن الخوف من عدم العودة بات أكبر من الأمل بتحققها. ويقول: «بعد تجارب متكررة من النزوح والعودة ثم النزوح مجدداً، أصبحت مخاوف الناس من عدم الرجوع أكبر بكثير من تفاؤلهم بإمكان العودة». ويشير إلى أن جزءاً أساسياً من القلق يرتبط بالتطورات الميدانية الجارية في المنطقة.

عَلما إسرائيل واللواء غولاني في الجيش الإسرائيلي فوق قلعة الشقيف (رويترز)

ويضيف: «هناك خوف من اتساع المناطق المحتلة، ولا سيما في محيط بلدات مثل زوطر الشرقية وأرنون ويحمر الشقيف». ويتابع: «الناس تسمع يومياً أخباراً عن تجريف منازل وأحياء كاملة، وهذا يزيد من حجم المخاوف ويجعلها أقل تفاؤلاً مما كانت عليه في السابق».

وحسب إسماعيل، فإن كثيراً من الأهالي باتوا يربطون مصير العودة بمسارات سياسية ودولية أوسع من مجرد تفاهمات مؤقتة. ويقول: «الناس تنتظر حلولاً نهائية أكثر مما تنتظر اتفاقات مرحلية، لأنها فقدت الثقة بقدرة التفاهمات المؤقتة على إنتاج استقرار دائم».

جدوى الاتفاقات

في بلدة أنصار، ينظر أحد أبناء البلدة، الذي فضل عدم الكشف عن اسمه، إلى نتائج المفاوضات بعين يغلب عليها الحذر. ويقول لـ«الشرق الأوسط»، إنه «لا يرى في التفاهمات المطروحة ما يكفي لإنتاج شعور حقيقي بالاطمئنان لدى السكان».

ويضيف: «الخوف الأكبر يتمثل في احتمال استمرار الحرب وتوسعها في أي لحظة. فلا يوجد شعور بأن المنطقة ستدخل مرحلة استقرار حقيقية». ويشير إلى أن «استمرار الاستهدافات في عدد من المناطق الجنوبية يعمق هذه المخاوف».

ويقول: «نشهد استهدافات متواصلة لا تميز دائماً بين المدنيين وغير المدنيين، وقد سقط خلال الفترة الماضية أشخاص يعرفهم أبناء المنطقة جيداً، وبعضهم من الجيران والأصدقاء والعائلات المعروفة».

ويرى أن استمرار هذا الواقع يجعل الحديث عن العودة أكثر تعقيداً. ويضيف: «حين يشعر الناس بأن الضربات قد تتجدد في أي وقت، يصبح من الصعب إقناعهم بأن الظروف باتت مهيأة لحياة مستقرة وعودة آمنة».

أعمدة الدخان تتصاعد من مناطق في جنوب لبنان عقب غارات إسرائيلية في مشهد التُقط من مدينة النبطية (رويترز)

دمار حاروف لم يبدد الشكوك

أما في حاروف، التي تعرضت لدمار واسع خلال الحرب، فينظر محمد حرب إلى المفاوضات من زاوية مختلفة.

ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «دفعت حاروف ثمناً باهظاً من الأرض والدم، لكن كثيرين لا يرون أن الاتفاقات السابقة حققت النتائج التي كانت مأمولة منها». ويضيف أن تجربة الاتفاقات السابقة لا تزال حاضرة بقوة في أذهان أبناء البلدة.

وأوضح: «هناك شعور بأن الاتفاقات التي أُبرمت في السابق لم تنجح في تحقيق الاستقرار أو منع عودة التوتر، ولذلك يتعامل الناس مع أي تفاهم جديد بكثير من الحذر».

ويرى أن حجم الدمار والخسائر التي تكبدتها البلدة لم يبدد الشكوك تجاه قدرة الاتفاقات الحالية على إحداث تغيير حقيقي. ويضيف: «الناس دفعت أثماناً كبيرة، لكنها ما زالت تنتظر نتائج ملموسة على الأرض قبل أن تقتنع بأن الأمور تتجه فعلاً نحو الاستقرار».


ماكرون يعلن تأييد فرنسا اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال مؤتمر صحافي في مونتينيغرو (أ.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال مؤتمر صحافي في مونتينيغرو (أ.ب)
TT

ماكرون يعلن تأييد فرنسا اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال مؤتمر صحافي في مونتينيغرو (أ.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال مؤتمر صحافي في مونتينيغرو (أ.ب)

أعلن إيمانويل ماكرون، الخميس، أن فرنسا تدعم اتفاق وقف إطلاق النار في لبنان بعد إعلانه في واشنطن، وأنها «مستعدة للمضي قدماً في هذا المسار» ضمن آلية التنسيق التي أُنشئت مع الولايات المتحدة.

وقال الرئيس الفرنسي، في مؤتمر صحافي في مونتينيغرو: «نحن ندعم وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل، وأي شيء يسهم في استعادة السلام ومكافحة النشاطات الإرهابية وترسيخ سيادة لبنان ووحدة أراضيه بشكل كامل».

وأضاف، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية: «فرنسا، كما هي دائماً، مستعدة للمضي قدماً في هذا المسار. هناك آلية تنسيق قائمة بين الولايات المتحدة وفرنسا. إذا كان وقف إطلاق النار جاداً فيجب إعادة تفعيل هذه الآلية للمتابعة والتحقق من تنفيذها».

واتفق لبنان وإسرائيل على تنفيذ وقف كامل لإطلاق النار، على أن يكون ذلك مشروطاً بوقف «حزب الله» هجماته وسحب عناصره من المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني، وفق بيان مشترك صادر عن الولايات المتحدة وإسرائيل ولبنان.

وفي جزء من هذا التفاهم، اتفق الطرفان على إنشاء «مناطق تجريبية» (pilot zones) في جنوب لبنان يتولى فيها الجيش اللبناني السيطرة الحصرية، مع ضمان عدم وجود عناصر لـ«حزب الله» فيها، مقابل انسحاب الجيش الإسرائيلي من تلك المناطق.

أعلن الرئيس اللبناني جوزيف عون، اليوم (الخميس)، أنّ «تنفيذ وقف إطلاق النار قد يبدأ خلال 24 ساعة من الموافقة النهائية»، موضحاً أنه «فور تلقي الردود من جميع الأطراف الداخلية المعنية، لا سيما (حزب الله)، سيتم إبلاغ الجانب الأميركي بالموقف اللبناني ليُبنى على الشيء مقتضاه».


العراق على أعتاب هيكلة «الحشد الشعبي»

أعضاء «سرايا السلام» خلال مراسم في سامراء يوم 4 يونيو 2026 بمناسبة إعلان اندماجهم بالقوات الأمنية العراقية (أ.ف.ب)
أعضاء «سرايا السلام» خلال مراسم في سامراء يوم 4 يونيو 2026 بمناسبة إعلان اندماجهم بالقوات الأمنية العراقية (أ.ف.ب)
TT

العراق على أعتاب هيكلة «الحشد الشعبي»

أعضاء «سرايا السلام» خلال مراسم في سامراء يوم 4 يونيو 2026 بمناسبة إعلان اندماجهم بالقوات الأمنية العراقية (أ.ف.ب)
أعضاء «سرايا السلام» خلال مراسم في سامراء يوم 4 يونيو 2026 بمناسبة إعلان اندماجهم بالقوات الأمنية العراقية (أ.ف.ب)

سلّم الجناح العسكري لزعيم التيار الصدري، الخميس، الملف الأمني لمدينة سامراء إلى الجيش العراقي، ضمن مراسم رمزية تضمنت إنزال راية الفصيل في مقر العمليات.

وتزامنت الخطوة التي يراها مراقبون «نقلة نوعية»، مع إعلان الناطق باسم القوات المسلحة العراقية «الشروع بإعادة هيكلة تشكيلات (الحشد الشعبي) وضمان حقوق منتسبيه».

وقال سعد معن، رئيس خلية الإعلام الأمني، إن «جميع مقاتلي (سرايا السلام) التابعين لزعيم التيار الصدري مقتدى الصدر باتوا الآن تحت إمرة رئيس الحكومة القائد العام للقوات المسلحة».

وأظهرت لقطات مصورة بثها التلفزيون الحكومي عناصر من «سرايا السلام» وهم ينزلون راية فصيلهم من أمام مقر العمليات بحضور لجنة عسكرية أوفدها رئيس الحكومة علي الزيدي.

و«سرايا السلام» منضوية في هيئة «الحشد الشعبي» عبر الألوية «313» و«314» و«315»، وتتولى مهام أمنية في مناطق عدة، أبرزها سامراء.

وكان الصدر قد أعلن في 27 مايو (أيار) الماضي دمج جناحه العسكري «سرايا السلام» في الدولة، داعياً فصائل «الحشد الشعبي» إلى تسليم سلاحها.

وخلال أسبوع واحد، أعلن كل من «عصائب أهل الحق» و«كتائب الإمام علي» انفصالهما أيضاً عن «الحشد الشعبي»، في حين تواصل «كتائب حزب الله» وحركة «النجباء» رفضهما الاستجابة لمطالب نزع السلاح، وتفكيك الفصائل.

«السرايا» تحت إمرة «القائد»

بعد مراسم تسليم الملف الأمني، قال نائب قائد العمليات المشتركة، قيس المحمداوي، خلال مؤتمر صحافي، إن دمج «سرايا السلام» يعني ربطها بالقائد العام للقوات المسلحة، مؤكداً «تشكيل لجنة بأمر ديواني لإعادة ارتباط وتوزيع التشكيلات المسلحة لتبتعد عن أي عنوان أو تشكيل سياسي آخر».

وتتمركز ألوية «سرايا السلام» في مدينة سامراء منذ تفجير مرقد الإمام العسكري في يونيو (حزيران) 2007. وليس من الواضح ما إذا كان عناصر «سرايا السلام» سيغادرون المدينة للمرة الأولى منذ 19 عاماً، لكن مصدراً عسكرياً أبلغ «الشرق الأوسط» أن الفصيل سلّم جميع مقراته إلى الجيش، في حين يتبع مقاتلوه القائد العام للقوات المسلحة.

مع ذلك، ما زالت تفاصيل عمليات التفكيك ونزع السلاح تفتقر إلى كثير من الوضوح بحسب مراقبين، كما تثار كثير من الأسئلة حول نوعية وحجم الأسلحة التي تمتلكها الفصائل، وإذا ما كانت ستقوم فعلاً بتسليمها إلى السلطات الحكومية، وتتخلى عنها بشكل كامل.

وأفاد مسؤول أمني عراقي بأن آلية حصر السلاح بيد الدولة «لا تزال غير واضحة»، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية». بيد أن وسائل إعلام محلية تداولت مزاعم عن طرح مبادرة للنقاش أمام تحالف «الإطار التنسيقي» تتضمن «تأمين عشرات الآلاف من الوظائف الحكومية في المؤسسات الأمنية الرسمية للأفراد الذين وافقت فصائلهم المسلحة على الانفكاك».

أعضاء «سرايا السلام» أصبحوا تحت إمرة القائد العام للقوات المسلحة (أ.ف.ب)

هيكلة «الحشد الشعبي»

في تطور لافت، أعلن الناطق باسم القائد العام للقوات المسلحة صباح النعمان، أن اللجنة المشكّلة بتوجيه من القائد العام للقوات المسلحة باشرت عملها لحصر السلاح بيد الدولة، مبيناً أن فك الارتباط بـ«الحشد الشعبي» يتضمن إعادة هيكلة التشكيلات وضمان حقوق المنتسبين.

وهذه هي المرة الأولى التي يشار فيها رسمياً إلى مصطلح «هيكلة تشكيلات (الحشد الشعبي)» منذ تأسيسه عام 2014 بهدف محاربة تنظيم «داعش».

وقال النعمان إن «مصطلح (فك الارتباط) يتضمن أطراً إدارية وإعادة هيكلة هذه التشكيلات ضمن الأجهزة الأمنية، وضمان حقوق المقاتلين وإدماجهم مع التشكيلات العسكرية».

وحسب الناطق العسكري، فإن «اللجنة تشكلت وباشرت أعمالها، وستضع الآليات لدمج وانضمام التشكيلات المعنية، وتسليم الأسلحة والمعدات والمعسكرات إلى الجهات الأمنية العراقية».

وأوضح النعمان أن «كل الأسلحة وكل المعدات سيتم تسليمها إلى اللجنة المركزية وإلى الجهات الأمنية العراقية، وخلال يومين سيتم تسليم جرد كامل إلى اللجنة المركزية التي هي بإشراف وتوجيه ومتابعة مباشرة من القائد العام للقوات المسلحة».

وتضم اللجنة جهات متعددة منها «الدفاع»، و«الداخلية»، وقيادة العمليات المشتركة، وهيئة «الحشد الشعبي».

وفوَّض «الإطار التنسيقي» رئيس الوزراء القائد العام للقوات المسلحة، علي الزيدي، باتخاذ القرارات والإجراءات الكفيلة بحفظ المصالح العليا للبلاد، وأيَّد «حصر السلاح بيد الدولة، وفك ارتباط هيئة (الحشد الشعبي) عن الأطر السياسية والحزبية والاجتماعية».

جانب من مراسم انفصال «سرايا السلام» عن التيار الصدري واندماجهم في المؤسسات الأمنية (أ.ف.ب)

ما التالي؟

من المتوقع أن تبادر «عصائب أهل الحق» التي يقودها قيس الخزعلي إلى خطوة مماثلة للتيار الصدري، بعدما اتفقت مع رئيس الحكومة على تشكيل لجنة للانفصال عن «الحشد الشعبي». والخزعلي خاضع لعقوبات أميركية، وهو أحد قادة «الإطار»، صاحب أكبر كتلة في البرلمان، وتعزّز نفوذه السياسي مع فوزه في الانتخابات النيابية الأخيرة بـ27 مقعداً. ويؤكد مصدر مقرّب من «العصائب» أنها «تعتبر حالياً العمل السياسي والوجود في الحكومة أهم من القتال (...). لذلك تريد أن تعطي تطمينات للولايات المتحدة». كذلك قالت «كتائب الإمام علي» إنها ستشكّل لجنة لـ«متابعة عملية الجرد والتسليم والنقل تحت إشراف» الزيدي، وأخرى لـ«متابعة شؤون الأفراد والمنتسبين وإعادة دمجهم ضمن مؤسسات الدولة». عملياً، يعني ذلك أن «كل القرارات المتعلقة بألويتهما بـ(الحشد الشعبي)»، ستصبح في يد الزيدي «من الناحية الإدارية»، وفق مصدر مقرّب من الفصائل.

ورحّب المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا والعراق توم برّاك بخطوة «ستسهم في بناء النظام»، وبمبادرة رئيس الوزراء علي الزيدي الذي تعهّد منذ تسلّمه منصبه الشهر الماضي حصر السلاح بيد الدولة. ويأتي ذلك في ظلّ اكتساب واشنطن نقاطاً سياسية واقتصادية في العراق، مقابل تراجع نفوذ طهران الإقليمي منذ اندلاع الحرب في قطاع غزة بين إسرائيل و«حماس» المدعومة من طهران في 2023، ثم الحرب الإسرائيلية الأولى ضد إيران في 2025، ثم الحرب الثانية التي بدأتها الولايات المتحدة وإسرائيل في فبراير (شباط)، وطالت تداعياتها العراق.

خطة نزع السلاح

كانت «الشرق الأوسط» كشفت في 9 مايو 2026 عن لجنة عراقية تضم رئيس الوزراء المكلّف علي الزيدي، تعمل على إنجاز «مشروع تنفيذي» لنزع سلاح الفصائل المسلحة، تمهيداً لعرضه على واشنطن، وسط ضغوط أميركية متصاعدة لإبعاد الميليشيات عن الحكومة الجديدة ومفاصل الدولة.

وكانت اللجنة قد عرضت على قادة ميليشيات «أفكاراً بشأن كيفية نزع السلاح»، لكن بعض الاجتماعات «لم تكن تمر بهدوء»، على حدّ وصف مطلعين.

وتشمل الخطة نزع الأسلحة الثقيلة والمتوسطة، وإعادة هيكلة «الحشد الشعبي» بالتزامن مع تغييرات مرتقبة في أجهزة أمنية حساسة، قد تشمل جهاز المخابرات. لكن مصادر سياسية شكّكت في قدرة الحكومة على تنفيذ المشروع، عادّةً أنه قد يهدف إلى «شراء الوقت».