قصة حاكم «المركزي» اللبناني... من حائز على جوائز عالمية إلى ملاحَق قضائياً

هل كان رياض سلامة غطاء لمنظومة الفساد، أم أنه بريء وتحول إلى «كبش محرقة»؟

TT

قصة حاكم «المركزي» اللبناني... من حائز على جوائز عالمية إلى ملاحَق قضائياً

سلامة خلال اجتماع مع صندوق النقد الدولي في 2010 (رويترز)
سلامة خلال اجتماع مع صندوق النقد الدولي في 2010 (رويترز)

ليس سهلاً أو عابراً أن يتحول الحائز على عشرات الجوائز العالمية التي تصنفه كواحد من أفضل حكام المصارف المركزية على مستوى العالم كما مصدر الثقة الأول للبنانيين وحامي ليرتهم، بسحر ساحر، إلى المسؤول الأول عن الانهيار المالي الذي يشهده البلد منذ عام 2019 وإلى مطلوب من السلطات الفرنسية بعد إصدار القضاء الفرنسي والألماني مؤخراً مذكرات توقيف دولية بحقه على إثر تغيبه عن جلسة استجوابه في باريس بتهم مرتبطة بـ«اختلاس وغسل أموال وتحويلها إلى حسابات في الخارج وبإثراء غير مشروع».

الرجل السبعيني الذي طالما صُوّر «بطلاً خارقاً»، ومهندس السياسات المالية في مرحلة تعافي الاقتصاد اللبناني بعد الحرب الأهلية (1975-1990)، والذي يشغل منصب حاكم مصرف لبنان منذ 30 عاماً، أي أحد أطول حكام المصارف المركزية عهداً في العالم، أصبح ومنذ نحو عامين محور تحقيقات قضائية في لبنان والخارج من دون أن يؤثر ذلك على استمراره في موقعه الذي ينهي ولايته الخامسة فيه نهاية شهر يوليو (تموز) المقبل، في ظل تفاهم سياسي داخلي وخارجي على عدم التجديد له مرة أخرى واتجاه الأمور لتولي نائبه الأول وسيم منصوري مهامه حتى انتخاب رئيس جديد للجمهورية.

«الحاكم بأمره»!

وليس خافياً أن رئيس الحكومة الراحل رفيق الحريري كان اختار سلامة حاكماً لمصرف لبنان عام 1993 ليكون شريكه في عملية النهوض ببلد نهشته الحرب الأهلية. وبعدما نجح في لجم انهيار العملة اللبنانية وتثبيتها عند حدود الـ1500 ليرة للدولار الواحد بقرار سياسي واضح كان يتم التصديق عليه مع كل بيان وزاري، فرض نفسه «الحاكم بأمره» بالسياسة النقدية في البلد، مما أدى لتجديد ولايته التي تمتد 6 سنوات لأربع مرات متتالية في 1999 و2005 و2011 و2017.

رياض سلامة وسط سبائك الذهب في خزائن مصرف لبنان (رويترز)

خلال هذه الفترة، حاز سلامة على أوسمة وجوائز عالمية عديدة أبرزها: أفضل حاكم لمصرف مركزي عربي وأفضل حاكم في الشرق الأوسط أكثر من مرة، كما يعد واحداً من أفضل 9 حكام مصارف مركزية في العالم. أضف إلى ذلك أنه أول حاكم مصرف مركزي عربي يقرع جرس افتتاح بورصة نيويورك عام 2009.

إلا أن المرحلة الذهبية هذه، التي دامت عشرات السنوات، لامست نهاياتها مع بدء الانهيار الاقتصادي وانطلاق مظاهرات شعبية غير مسبوقة في أكتوبر 2019 ضد الطبقة السياسية المتهمة بالفساد وبتغليب منطق الصفقات في إدارة البلاد. ومنذ ذلك الحين وسلامة يسعى لاستيعاب الانهيار الصاروخي للعملة اللبنانية من 1500 ليرة للدولار الواحد لحدود 95 ألفاً للدولار، من خلال إجراءات وتعاميم شتى، يقول خبراء إنها تؤخر الارتطام وتجعل وقعه أخف.

وجمّدت فرنسا وألمانيا ولوكسمبورغ قبل عام 120 مليون يورو من الأصول اللبنانية إثر تحقيق استهدف سلامة وأربعة من المقربين منه، بينهم شقيقه رجا، بتهم غسل أموال و«اختلاس أموال عامة في لبنان بقيمة أكثر من 330 مليون دولار و5 ملايين يورو على التوالي، بين 2002 و2021». وهو يُحاكم حالياً في لبنان كما في فرنسا ودول أوروبية أخرى.

ماذا أنجز سلامة؟

يشير الباحث في الشؤون الاقتصادية الدكتور محمود جباعي إلى أنه «بعد عودة الرئيس الراحل رفيق الحريري إلى لبنان بعد الحرب الأهلية وفي ظل الأزمة المالية الكبيرة التي كان يمر بها البلد وانهيار عملته من 3 ليرات إلى 3 آلاف ليرة، استُدعي رياض سلامة نظراً لخبرته العالية بإدارة الملفات النقدية والمالية في العديد من الشركات الدولية. وعندما تسلم الحاكمية بدأ العمل على تحسين سعر الصرف الذي انخفض من 3 آلاف ليرة إلى 1500 ليرة وصولاً لتثبيته من خلال عدة سياسات وأفكار، منها اجتذاب الرساميل إلى البلد والتوظيفات المالية والودائع الخليجية، إضافة لاستقدام الحريري لمساعدات مالية من خلال مؤتمرات «باريس 1 و2 و3».

سلامة خلال اجتماع مع صندوق النقد الدولي في 2010 (رويترز)

وأوضح جباعي في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «كل ما سبق أدى لثقة بالحاكم وأكد الحاجة إليه وهو ما أبقاه في منصبه طوال هذا الوقت، خاصة أنه في كل مرة كان يتعرض فيها البلد لاهتزازات مالية ونقدية كان يستطيع بسياساته وهندساته تهدئة سعر الصرف، بغض النظر عن التكلفة التي دُفعت من «المركزي»، علماً أن تثبيت سعر الصرف كان يصدر بالبيانات الوزارية للحكومات المتعاقبة.

تثبيت سعر الصرف

من جهتها، تعتبر الباحثة في الشأنين الاقتصادي والمالي والأستاذة الجامعية الدكتورة ليال منصور أن «تفاهمه مع المنظومة السياسية سمح ببقائه كل هذه الأعوام في منصبه»، موضحة أن «الجوائز التي نالها هي نتيجة نجاح سياسات تثبيت سعر الصرف خاصة خلال الظروف السياسية والأمنية الصعبة التي مرت بها البلاد طوال الأعوام الماضية. وبالتالي ما يمكن تأكيده أن الجوائز لم يحصدها لأنه عمل على تحسين وتطوير الليرة واستيعاب الاستثمارات».

وأضافت في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «أصاب سلامة عندما أتى إلى الحاكمية فثبّت العملة لأنه في أي بلد مدولر لا يمكن أن يطبق عليه تحرير العملة. لكن بعد استيعاب المرض كان يُفترض معالجته. بعد عام 2000 شهد البلد مراحل من الاستقرار، وهو أخطأ لأنه لم يضع هدفاً أمامه بتخفيف الدولرة، كما أنه يمكن لومه على النقص بالشفافية وإصراره على القول إن الليرة بخير وبألف خير».

أما الخبير الاقتصادي البروفسور جاسم عجاقة فيتحدث عن «هدف نقدي واضح لسلامة ضمن السياسة الاقتصادية التي وضعها الحريري، وهي استقرار سعر الصرف بهدف استقرار الأسعار عامّة. وهو ما نجح في تحقيقه. وما احتواء البيانات الوزارية للحكومات المتعاقبة على عبارة «الاستمرار بسياسية الثبات النقدي» إلا إثبات على هذا الأمر. لذلك من الضروري القول إن الرخاء الاجتماعي الذي عاشه الشعب اللبناني منذ عام 1997 وحتى عام 2019، يعود إلى ثبات العملة، وليس إلى السياسات الاقتصادية للحكومات على الرغم من الظروف السياسية والأمنية التي مرّ بها لبنان. وبالتالي فإن خيار الاستقرار النقدي كان خياراً صائباً».

أخطاء سلامة

وفي مقابل ما قد يُعتبر إنجازات لسلامة، تطول لائحة الأخطاء. ويقول البروفسور مارون خاطر، الكاتب والباحث في الشؤون الماليّة والاقتصاديّة إن «رياض سلامة ليس حيثية قائمة بذاتها، بل هو جزءٌ من منظومةٍ متكاملة وزّعَت الأدوار فيما بينها وغالت في المُرور عبر بعض مواد قانون النَّقد والتسليف، وفي تبذير أموال الدولة والمودعين على حدٍ سواء»، لافتاً في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى أنه «إذا كان قانون النقد والتسليف يُلزِم المصرف المركزي بإقراض الدولة بناءً على طلب الحكومة، فهو لا يُلزم حاكماً أن يبقى في كرسيِّه». ويضيف: «جعلت استدامة تمويل الدولة للمصارف عبر (المركزي) من رياض سلامه حاجةً للسياسيين المتعاقبين وهم بأغلبيتهم من الفاسدين. وأمَّنت وفرة التدفقات تمويل الزبائنية السياسية والمحاصصة والفساد وجعلت الإصلاح غائباً بسبب تضارب المصالح».

ويشدد خاطر على أن «لبنان لم يصل إلى ما وصل إليه لأن رياض سلامة كان حاكماً لمصرف لبنان، بل لأنه كان لصيقاً ببيئة سياسية حاضنة للفساد والهدر والمحاصصة والزبائنية والتبعية استبدلت بالموقع الوظيفيّ العام شخصه وورّطته. كما أنه في زمن الأزمة الأخيرة، فاضت مَلكَة الحاكم تعاميم وبيانات ومنصات وتدخلات في محاولة للتخفيف من تداعيات، مما تسبب به مع رفاقه في المنظومة من مآسٍ وويلات، تدابيرٌ فيها من التجاوزات والاستنسابية ما يكفي».

متظاهرون أمام مقر مصرف لبنان في بيروت (أ.ف.ب)

وعن الأخطاء التي ارتكبها سلامة، يقول محمود جباعي: «من يعمل يخطئ. قد تكون هناك بعض الأخطاء التي ارتكبت بالسياسة النقدية. كما أنه قد يكون قد أخطأ بالموافقة على دفع كل هذه الأموال في إطار سياسة الدعم، لكنني لا أعلم إذا كانت القوانين تسمح له بأن يرفض إقراض الدولة، لكنه بكل الأحوال كان يفترض أن يخرج ليوضح للناس أن هذه السياسة خاطئة». ويضيف: «لكن مما لا شك به أيضاً أن سلامة اتخذ الكثير من الإجراءات الصحيحة، وخاصة بعد الانهيار حيث أدار الملف النقدي والاقتصادي بنجاح، وهو ما يجعل قسماً كبيراً من اللبنانيين لا يزال يثق به ويعتبر أنه قادر على لجم سعر الصرف».

أما ليال منصور، فتشدد في تصريح لـ«الشرق الأوسط» على أنه «لا يوجد بلد مدولر في العالم وغير فاسد، فهذه البلدان تشهد أعلى نسب من الفساد، لأن الدولرة تنعش وتعزز الفساد. لذلك كان يستطيع سلامة وضع خطط لتخفيف الدولرة كما في إسرائيل مثلاً، لكنه لم يقم بذلك طوال 30 عاماً رغم مرور البلد بفترات من الاستقرار!».

وتؤكد ليال منصور أنه «كان من الممكن تفادي الانهيار أولاً من خلال تخفيف الدولرة وتعزيز الثقة بالليرة، كما من خلال عدم إقراض الدولة الفاسدة والفاشلة.. فسلامة لم يكن يعطي قروضاً للمشاريع، إنما للصرف العشوائي بغياب الخطط الإنتاجية والاستثمارية». وتضيف: «صحيح أن (المركزي) مجبر على إقراض الدولة لكن كان باستطاعة سلامة الخروج لمصارحة الناس بأننا مقبلون على انهيار.. كما أنه كان يفترض به الاستجابة لتقارير صندوق النقد الدولي التي نبهت منذ عام 2005 من خطورة الدولرة ومن الانهيار».

ويتفق معظم الخبراء الماليين على أن عدم خروج سلامة لمصارحة الناس بما يجري واستمراره تمويل الدولة كان أبرز «خطاياه». وهنا يقول جاسم عجاقة إن «تمويل الدولة كل هذه الفترة وتصديق الوعود السياسية بالقيام بالإصلاحات هو من الأمور التي لم يكن على الحاكم القبول بها حتى ولو كلّفه الأمر منصبه. فالكل يعلم أن بلداً يعيش عجزين مزمنين (عجز في الموازنة وعجز في الحساب الجاري) مصيره الإفلاس!».

كبش محرقة؟

ويرى جباعي أنه «بعد حصول الانهيار حاول فرقاء سياسيون ولا زالوا يحاولون أن يجدوا كبش محرقة للأزمة المالية-النقدية- السياسية، للقول «عفا الله عما مضى وهذا هو المسؤول الوحيد عن كل ما حصل، وهذا ما نرى فيه ظلماً وتجنياً». ويضيف: «(المركزي) يتحمل لا شك جزءاً من المسؤولية المتعلقة بالسياسة النقدية، بموضوع الودائع والتداخل بين خزينة مصرف لبنان والدولة اللبنانية. لكننا طوال السنوات الماضية شهدنا أزمات سياسية كبيرة فرضت على الحاكم اتخاذ إجراءات للحفاظ على الاستقرار النقدي لكنها لا شك ليست السبب وراء الانهيار باعتبار أن القشة التي قصمت ظهر البعير كانت قرار حكومة حسان دياب عدم دفع سندات اليوروبوند، ومن بعده سياسة الدعم التي أدت لصرف 18 مليار دولار من أصل 33 مليار دولار كانت موجودة في (المركزي) عند اندلاع الأزمة وهنا الطامة الكبرى».

ويتفق خاطر مع جباعي على أن «البعض من باعة المبادئ حاول تحويل رياض سلامة إلى (كبش فداء) فانضمّوا إلى صفوف الحضور بل باتوا في صف الهيئة الاتهامية بدلاً من أن يكونوا معه سوياً في القفص».

بديل سلامة

يختلف الخبراء بين من يعتبر أن حاكماً آخر كان يستطيع تجنيب البلد الانهيار وبين من يؤكد أن الشخص لا يمكن أن يكون سبب الأزمة أو المنقذ. وفي هذا المجال يقول عجاقة: «لا أعتقد أن شخص الحاكم (كائناً من كان) كان ليُغيّر فيما حصل والسبب يعود إلى الحياة السياسية اللبنانية وإلى قانون النقد والتسليف، وخصوصاً المادة 91 التي يتوجّب إلغاؤها أو أقّلّه تعديلها لكي تكون خاضعة لمزيد من القيود ولا يكون تمويل الدولة مبنياً فقط على إصرار الحكومة»، معتبراً أن «الصفات الأساسية التي يفترض أن يتمتع بها من سيخلف سلامة هي أن يكون له معرفة قوية بالسياسات النقدية، قادر على إدارة ملف إعادة هيكلة المصارف، يتمتع بعلاقات دولية واسعة وغير تابع لفريق سياسي».

سلامة مجتمعاً مع الرئيس السابق ميشال عون (دالاتي ونهرا)

من جهته، يؤكد خاطر أن «أي حاكم جديد، لن يتمتع بخِبرة وقُدرة رياض سلامة على المُناورة وعلى ابتداع التدابير، هو الذي أمضى سنوات طويلة يتمرَّس في شراء الوقت الذي كان مصيره الهدر. إلا أننا نأمل ألا يطلب من أي حاكم جديد، مما طلب من رياض سلامة. من هنا وجوب أن تكون استقلالية المصرف المركزي عن السياسة هي العنوان لأي عهد جديد في حاكمية مصرف لبنان».

أما ليال منصور، فترى أن «أي حاكم جديد يفترض أن يكون متخصصاً وضليعاً في السياسات النقدية والمصارف المركزية. وأن يكون هناك تفاهم سياسي عليه كي ينجح. فللأسف هذا ما يفرضه واقع البلد».

ولا يعتبر محمود جباعي أن «هناك أفضل من سلامة ليدير الأزمة الراهنة»، معرباً عن خشيته بعد انتهاء ولايته من «فراغ كبير على أكثر من مستوى وأن يكون الوضع أصعب. ففي حال لم يتم انتخاب رئيس يفترض تمديد ولايته لعامين إضافيين، لأن أي بديل حالياً قد لا يتمكن من إدارة المرحلة في ظل المناكفات السياسية المعتادة. إلا إذا حصل انتخاب رئيس وأتى دعم خارجي فعندها يكون الوضع مختلفاً».


مقالات ذات صلة

خلاف «الفجوة» المالية يؤجل حسم مصير الودائع في لبنان

خاص يستمتع الناس بغروب الشمس على كورنيش المنارة ​​في بيروت (إ.ب.أ)

خلاف «الفجوة» المالية يؤجل حسم مصير الودائع في لبنان

بلغت الاقتراحات المعدّلة لمندرجات قانون إصلاح المصارف في لبنان، محطة الصياغة النهائية لدى لجنة المال والموازنة النيابية، لاعتمادها مكتملةً منتصف الأسبوع المقبل.

علي زين الدين (بيروت)
خاص عمال يزيلون أنقاض المباني التي دمرتها الغارات الإسرائيلية في الضاحية الجنوبية لبيروت (رويترز)

خاص الحرب تطيح ثلث وظائف القطاع الخاص في لبنان

أظهر مسح إحصائي دولي خسائر حادة في فرص العمل، وتراجعاً بالدخل، وازدياداً في انعدام الأمن الوظيفي بلبنان؛ جراء ما سببّته الأزمة القائمة والحرب من اضطرابات حادة.

علي زين الدين (بيروت)
المشرق العربي صورة للعلمين اللبناني والسعودي (الوكالة الوطنية للإعلام)

القرار السعودي استئناف صادرات لبنان ينعش الآمال الاقتصادية والزراعية

أعاد قرار المملكة العربية السعودية استئناف استقبال الصادرات اللبنانية إحياء آمال الأوساط الاقتصادية والزراعية اللبنانية بعودة إحدى أهم الأسواق الخارجية.

صبحي أمهز (بيروت)
خاص مبنى جمعية مصارف لبنان في بيروت (رويترز)

خاص لا انقطاع بصرف الحصص الدولارية للمودعين في بنوك لبنان

بدَّد مصرف لبنان المركزي الهواجس المتداولة في الأسواق بشأن وقف العمل بدفع حصص شهرية بالدولار النقدي لصالح المودعين في البنوك.

علي زين الدين (بيروت)
الاقتصاد حاكم «المركزي» اللبناني كريم سعيد (أ.ب)

حاكم مصرف لبنان: 90 % من المودعين أولوية... والاتفاق مع صندوق النقد «المسار الأخير»

شدد حاكم مصرف لبنان، كريم سعيد، على أن خطة الإنقاذ المقترحة تضع 90 في المائة من المودعين كأولوية قصوى؛ كونه إجراءً عقلانياً واجتماعياً.

«الشرق الأوسط» (لندن)

«العدل السورية»: لجنة للتواصل مع «الإنتربول» لتسلم رموز النظام

احتفال السوريين خارج المسجد العمري بدرعا الموقع الذي بدأت فيه الثورة السورية عام 2011 وذلك عقب صدور حكم قضائي سوري بإعدام عاطف نجيب المسؤول عن حملة القمع بالمدينة (د.ب.أ)
احتفال السوريين خارج المسجد العمري بدرعا الموقع الذي بدأت فيه الثورة السورية عام 2011 وذلك عقب صدور حكم قضائي سوري بإعدام عاطف نجيب المسؤول عن حملة القمع بالمدينة (د.ب.أ)
TT

«العدل السورية»: لجنة للتواصل مع «الإنتربول» لتسلم رموز النظام

احتفال السوريين خارج المسجد العمري بدرعا الموقع الذي بدأت فيه الثورة السورية عام 2011 وذلك عقب صدور حكم قضائي سوري بإعدام عاطف نجيب المسؤول عن حملة القمع بالمدينة (د.ب.أ)
احتفال السوريين خارج المسجد العمري بدرعا الموقع الذي بدأت فيه الثورة السورية عام 2011 وذلك عقب صدور حكم قضائي سوري بإعدام عاطف نجيب المسؤول عن حملة القمع بالمدينة (د.ب.أ)

كشف معاون وزير العدل السوري، مصطفى القاسم، عن تشكيل لجنة لتسليم المجرمين الذين صدرت بحقهم أحكام قضائية بالإعدام (غيابياً)، الثلاثاء، مهمتها التواصل مع مكتب الإنتربول الدولي بغية تسليمهم لسوريا، في حين ردت وزارة العدل على تصريحات «منظمة العفو الدولية» بشأن الأحكام القضائية الصادرة، الثلاثاء، بحق بشار الأسد وأركان من نظامه، مؤكدة أن ما ورد في بيانها «لا يعكس بدقة طبيعة الإجراءات القضائية التي اتُبعت في هذه القضايا، ولا الضمانات التي كفلها القانون السوري للمتقاضين».

بشار الأسد يمين وشقيقه ماهر الأسد يقفان خلال جنازة والدهما الرئيس السابق حافظ الأسد في دمشق 13 يونيو 2000 (أ.ب)

وأصدر القضاء السوري، الثلاثاء، أحكاماً بالإعدام بحق الرئيس المخلوع بشار الأسد وعدد من أركان حكمه، بينهم المسؤول الأمني السابق عاطف نجيب، في قرارات هي الأولى من نوعها منذ إطاحة الحكم السابق أواخر عام 2024. وفور النطق بالحكم، علت الهتافات في المحكمة وفي أروقة القصر العدلي وفي محيطه.

وقال معاون وزير العدل السوري، مصطفى القاسم، في تصريحات لـ«الإخبارية»، الأربعاء: «إننا أسسنا مكاتب لتلقي الشكاوى فيما يخص جرائم العدالة الانتقالية، ونسعى إلى استعادة أموال السوريين المنهوبة وملاحقة مستثمريها خارج البلاد»، مشدداً على أن التعاون الدولي مع سوريا يسرّع في إنهاء ملف العدالة من خلال تعاون الدول في تسليم المجرمين الذين فروا إليها.

وأوضح أن وزارة العدل تسعى إلى تحقيق أعلى أنواع التوافق بين القضاء السوري والمعايير الدولية للمحاكمات، مؤكداً مبدأ السيادة السورية الوطنية في إطار العدالة الانتقالية.

في الأثناء، ردت وزارة العدل السورية على تصريحات «منظمة العفو الدولية» بشأن الأحكام القضائية الصادرة الثلاثاء، مؤكدة أن ما ورد في التصريح لا يعكس بدقة طبيعة الإجراءات القضائية التي اتُبعت في هذه القضايا، ولا الضمانات التي كفلها القانون السوري للمتقاضين.

صورة حمزة الخطيب وطفل آخر ممن قضوا بدرعا عام 2011 في محاكمة عاطف نجيب 26 أبريل 2026 (سانا)

وقالت المنظمة في بيان: «إنه لكي تطوي الحكومة حقاً صفحة أهوال الماضي، ينبغي لها إلغاء المحاكمات الغيابية، وإلغاء استخدام عقوبة الإعدام، وتجريم الجرائم الأساسية التي يشملها القانون الدولي في التشريعات الوطنية، وإجراء إصلاح قضائي شامل بما يضمن أن تحترم جميع الإجراءات القضائية ضمانات المحاكمة العادلة والقانون الدولي والمعايير الدولية بشكل كامل».

وأضافت أنه ينبغي أن تُجرى هذه الملاحقات «أمام محاكم مدنية عادية، بمشاركة الضحايا ومن دون اللجوء إلى عقوبة الإعدام، وأن تندرج ضمن استراتيجية شاملة تتمحور حول الضحايا وتُنفَّذ على مستوى البلاد بأسرها، بما يكفل كشف الحقيقة وتحقيق العدالة وجبر الضرر».

الوزارة، من جهتها، أوضحت، في بيان نشرته عبر معرفاتها الرسمية، أن المحاكمات جرت أمام محكمة جنائية مدنية مختصة، وعلى أيدي قضاة مؤهلين، وبمشاركة الضحايا وممثليهم وفق الأصول القانونية، مع مراعاة الضمانات الدستورية والقانونية والقواعد والمبادئ ذات الصلة في القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان.

عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي بمنطقة درعا خلال حكم بشار الأسد في قفص الاتهام خلال جلسة محاكمة بقصر العدل في دمشق (أ.ب)

وأشارت إلى أن المحاكمات استندت إلى وقائع وأدلة وملفات قضائية، مع كفالة حقوق الدفاع وسبل الطعن والاعتراض وفق الأصول النافذة.

وأكدت الوزارة، أن طبيعة المرحلة التي تمر بها سوريا وما خلّفته سنوات طويلة من الجرائم والانتهاكات، تفرض على الدولة مسؤولية قانونية وأخلاقية في تحقيق العدالة ومحاسبة المسؤولين عنها، دون أن يعني ذلك تجاوز الضمانات الدستورية والقانونية أو الانتقاص من حقوق أي من أطراف الدعوى.

وشددت على أن تحقيق العدالة في هذه القضايا يجري ضمن مؤسسات الدولة واختصاصاتها،«بما يحفظ حق الضحايا في الإنصاف وحق المتهمين في المحاكمة وفق القانون بعيداً عن الانتقام أو التسييس».

وفيما يتعلق بعقوبة الإعدام، أوضحت الوزارة أن عقوبة مقررة في القانون السوري، ولا تُفرَض إلا بحكم قضائي يستند إلى القانون والأدلة والوقائع، وتخضع إجراءات تنفيذها للضمانات والضوابط القانونية المقررة، ولا تُنفذ إلا بعد استكمال المراحل والإجراءات التي يحددها القانون والجهات المختصة.

سوريون يوزّعون الحلويات خارج المسجد العمري في درعا البلد احتفالاً بالحكم على عاطف نجيب رجل أمن الأسد الذي ارتكب جرائم بحق الأهالي (د.ب.أ)

كما أكدت أن المحاكمات الغيابية، متى أجازها القانون وتوافرت شروطها، لا تعني بذاتها انتفاء ضمانات العدالة أو مشروعية الإجراءات.

وجددت وزارة العدل تأكيد انفتاحها على الحوار مع المنظمات الحقوقية الدولية، واستعدادها للاستماع إلى الملاحظات التي تسهم في تطوير منظومة العدالة، مع التأكيد أن تقييم الإجراءات القضائية والفصل في الدعاوى وتحديد المسؤوليات والعقوبات يبقى من اختصاص القضاء السوري، الذي يمارس ولايته وفق الدستور والقانون، وبما يكفل حقوق جميع أطراف الدعوى ويصون حق الضحايا في العدالة.

وفي تصريح للإخبارية أكد وزير العدل مظهر الويس، الثلاثاء، أن الحكم بحق عاطف نجيب صدر باسم الشعب السوري كاملاً، مشدداً على أن الحكم يؤكد عدم وجود أحد فوق القانون مهما كانت صفته أو منصبه، وأن الحق مهما طال الزمان سيعود إلى أهله، ولن يضيع حق وراءه أحد يطلبه.


شح الكهرباء والمياه ينذر بأزمة في جنوب العراق

محتجون يشعلون النار في أحد شوارع الكوت جنوب بغداد احتجاجاً على نقص الكهرباء (مواقع تواصل)
محتجون يشعلون النار في أحد شوارع الكوت جنوب بغداد احتجاجاً على نقص الكهرباء (مواقع تواصل)
TT

شح الكهرباء والمياه ينذر بأزمة في جنوب العراق

محتجون يشعلون النار في أحد شوارع الكوت جنوب بغداد احتجاجاً على نقص الكهرباء (مواقع تواصل)
محتجون يشعلون النار في أحد شوارع الكوت جنوب بغداد احتجاجاً على نقص الكهرباء (مواقع تواصل)

لا تزال أزمة الكهرباء المتفاقمة في العراق تلقي بظلالها على معظم السكان، في ظل ارتفاع الحرارة التي تجاوزت نصف درجة الغليان (50 درجة مئوية) في بعض محافظات ومدن الجنوب.

ويُخشى من أن تؤدي الأزمة إلى نزاعات محلية بين بعض المحافظات؛ بالنظر إلى حصول بعضها على ساعات تجهيز بالطاقة الكهربائية قد تصل إلى نحو 20 ساعة، بينما لا تحصل أخرى إلا على نحو 10 ساعات في أفضل الحالات.

الكهرباء مقابل المياه

وفي أحدث تداعيات أزمة الكهرباء، هدد عدد من السكان بمحافظة ذي قار الجنوبية بقطع مياه قناة «البدعة» ومنعها من الوصول إلى محافظة البصرة بأقصى الجنوب في حال عدم حصولهم على ساعات أكثر من التجهيز بالكهرباء.

وأظهر «فيديو» عشرات المواطنين وهم يرفعون لافتات مكتوباً عليها: «المياه مقابل الكهرباء».

وتمثل قناة «البدعة» شريان رئيسياً لإمدادات مياه الشرب لمحافظة البصرة التي تصعد إليها من نهر دجلة مروراً بمحافظة ذي قار؛ ويهدد قطعها بأزمة إنسانية وخدمية على الملايين من سكان البصرة الذين يعانون أصلاً من ملوحة المياه وعدم وصولها إلى المنازل بانتظام.

واستبعد مصدر مسؤول في محافظة ذي قار «قدرة المواطنين على قطع مياه قناة البدعة»، وذكر لـ«الشرق الأوسط» أن «احتجاج السكان يعكس الغضب من تردى الخدمات الكهربائية في المحافظة، لكنه لن يصل إلى مرحلة قطع المياه أو مقايضتها بالكهرباء».

وذكر المصدر أن المشكلة تتعلق بـ«منطقتي الفهود والجبايش المحاذيتين للبصرة» حيث تحصل الجبايش على حصص كهرباء جيدة من محافظة البصرة، عكس منطقة الفهود التي تحصل على الكهرباء من محافظة ذي قار وبنسب تجهيز تصل إلى نحو ساعتين في اليوم مقابل كل 4 ساعات انقطاع؛ مما يجعل غضب المواطنين مبرراً بالنظر إلى الارتفاع الشديد في درجات الحرارة.

محتجون في قرية البدعة بمحافظة ذي قار جنوب العراق على نقص الكهرباء (مواقع تواصل)

وأضاف المصدر المسؤول أن «مشكلة الكهرباء لا تتعلق بمحافظة ذي قار فقط، إنما تشمل معظم مناطق البلاد، خصوصاً الجنوبية، لكن البصرة تحصل على الحصة الكبرى بالنظر إلى درجات الحرارة والرطوبة المرتفعة فيها، بجانب أنها خزان البلاد النفطي».

وكان مواطنون في 6 محافظات؛ ضمنها بغداد، تظاهروا قبل بضعة أيام احتجاجاً على نقص التجهيز بالكهرباء. وفي محافظة واسط، المحاذية لذي قار، يخرج المئات، خلال اليومين الأخيرين، في تظاهرات احتجاجاً على نقص التجهيز بالكهرباء، وقد أدت إلى صدامات مع قوات الشرطة ومكافحة الشغب التي اضطرت خلالها إلى استخدام خراطيم المياه والقنابل المسيلة للدموع لتفريق المتظاهرين؛ مما دفع ببعض أعضاء البرلمان الاتحادي إلى انتقادِ سلوك القوات الأمنية وطلبِ التحقيق.

ويرجح مسؤولون ومختصون في مجال الطاقة الكهربائية استمرار الأزمة في العراق سنوات مقبلة في ظل التفاوت الصارخ بين مستويات الطلب والقدرة على الإنتاج، حيث تقدر حاجة البلاد بنحو 60 ألف ميغاواط، فيما لا يتجاوز الإنتاج الحالي سقف 25 ألف ميغاواط.

لقطة عبر شط العرب لحقل «بن عمر» النفطي شمال البصرة في العراق (رويترز)

أهوار ذي قار

من جهة أخرى، أجرت «شعبة الأهوار» في مديرية بيئة ذي قار كشفاً بيئياً دورياً على مساحات واسعة من أهوار الجبايش لتقييم الوضعين البيئي والهيدرولوجي ومقارنة النتائج بالبيانات السابقة. وقالت «شعبة الأهوار»، في بيان صحافي، إن نتائج الرصد الميداني كشفت عن انخفاض في مناسيب المياه مقارنة بالكشوفات السابقة، فضلاً عن تسجيل تغيرات في طبيعة توزيع الكائنات الحية بما يعكس تأثيرات التغيرات في الظروف المائية خلال الموسم السابق.

وغالباً ما تعاني مناطق الأهوار من انخفاض واضح في مناسيب المياه خلال فصل الصيف؛ مما يؤدي إلى ضرر كبير في وضعها البيئي وأوضاع سكانها المعيشية، ويدفع بكثير منهم إلى الهجرة نحو مراكز المدن طلباً لمصادر الرزق.

وشمل الكشفُ متابعةَ مناسيب وأعماق المياه في مواقع محددة، إلى جانب إجراء مسح للتنوع الأحيائي، وتوثيق الملاحظات المتعلقة بتوزيع الكائنات الحية النباتية والحيوانية وأنماط وجودها، ومدى توافقها مع الظروف البيئية السائدة في المنطقة.

في المقابل، أظهرت المعطيات الميدانية، طبقاً للبيان، أن «الوضع البيئي والهيدرولوجي للأهوار يُعدّ بصورة عامة أفضل مقارنة بموسم (الشحة المائية) السابق، مع استمرار الحاجة إلى تأمين تدفقات مائية ملائمة من حيث الكمية والتوقيت والنوعية؛ لضمان استدامة النظام البيئي».


بغداد تتحرك لتطويق مواقع فصائل يديرها «الحرس الثوري» دون احتكاك

صورة نشرها «الحشد الشعبي» لعناصره في بلدة جرف الصخر جنوب بغداد في عام 2014
صورة نشرها «الحشد الشعبي» لعناصره في بلدة جرف الصخر جنوب بغداد في عام 2014
TT

بغداد تتحرك لتطويق مواقع فصائل يديرها «الحرس الثوري» دون احتكاك

صورة نشرها «الحشد الشعبي» لعناصره في بلدة جرف الصخر جنوب بغداد في عام 2014
صورة نشرها «الحشد الشعبي» لعناصره في بلدة جرف الصخر جنوب بغداد في عام 2014

كشفت مصادر عراقية، الأربعاء، عن ملامح خطة حكومية بعد انتهاء مهلة حصر السلاح في 30 سبتمبر (أيلول) 2026، تتضمن «تطويق مواقع قيادية» لفصائل يديرها «الحرس الثوري»، تمهيداً لتفكيكها «تدريجياً»، في حين يحاول مسؤولون إيرانيون عرقلة أو تأجيل الخطة رغم أن بغداد «صممت مساراً لا يفضي إلى المواجهة المسلحة».

وكان رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي حدد في وقت سابق أن نهاية الشهر المقبل ستكون موعداً نهائياً لسحب القوات الأميركية من البلاد، كما ستكون نهاية لمهلة حصر سلاح الفصائل المسلحة بيد الدولة.

«خطة التطويق»

وقالت المصادر لـ«الشرق الأوسط» إن الخطة الحكومية بعد 30 سبتمبر تقضي بنشر قوات نظامية من الجيش و«جهاز مكافحة الإرهاب» ووحدات نخبة في محيط مراكز عمليات تابعة لفصائل مسلحة، وعلى طرق مؤدية إليها، بهدف تقييد حركة النقل والإمداد من وإلى هذه المواقع.

وأوضحت المصادر أن القوات الحكومية ستبدأ تدريجياً بنصب مفارز تفتيش بإمرة ضباط لرصد حركة الأسلحة، ومصادرتها، مع التركيز على المسيّرات، والصواريخ.

وحسب المصادر، فإن تلك القوات ستشرع بفرض طوق أمني محكم حول مراكز الفصائل المسلحة دون احتكاك، في عملية تهدف في نهاية المطاف إلى دفع الفصائل «إما إلى ارتكاب خطأ، مثل نقل مسيّرات، أو الاحتكاك المسلح، أو التخلي عن مواقعها لصالح المؤسسة الرسمية من دون إطلاق رصاصة واحدة».

وقال مصدر مطلع على نقاشات حساسة بشأن سلاح الفصائل التي يديرها «الحرس الثوري» إن «القوات الحكومية ستتدرج بشكل منهجي في إجراءات التقييد حول تلك المواقع، وصولاً إلى مرحلة تسمح بفرض السيطرة عليها، وكان من الصعب دخولها منذ سنوات».

وتوصلت قيادات عسكرية وسياسية إلى هذه الصيغة بعد نقاشات حول المسار الذي يجنب طرفي النزاع حول السلاح خارج الدولة «المواجهة العسكرية».

وقالت مصادر ميدانية إن «قوات من الجيش وجهاز مكافحة الإرهاب كانت قد شرعت مطلع الأسبوع الجاري بالفعل في نشر عدد من الضباط في مفارز مراقبة في عدد من المناطق، والطرق السريعة، كمرحلة تجريبية للخطة».

وأكدت المصادر أن بعض هذه المفارز «نجحت خلال الأسابيع القليلة الماضية في ضبط شحنات مسيرات كانت متجهة إلى نقاط متفرقة في مناطق عراقية».

عنصر من جهاز مكافحة الإرهاب في بغداد (أرشيفية - أ.ف.ب)

جرفا الصخر والنداف

وعلمت «الشرق الأوسط» أن الخطة تتركز بشكل أساسي على موقعي جرف الصخر، معقل «كتائب حزب الله»، وجرف النداف، معقل «حركة النجباء»، وكلاهما جنوبي العاصمة بغداد.

ومنطقة «جرف الصخر» أحد أهم معاقل الفصائل منذ عام 2014، ويُعتقد أنها تحولت إلى قاعدة عسكرية استراتيجية للفصائل تضم معسكرات، وسجوناً، ومخازن، ومعامل للصواريخ، والمسيّرات، إلا أن كثيرين يعتقدون أنها مركز عمليات لـ«الحرس الثوري» الإيراني.

أما منطقة جرف النداف التي تقع في الأطراف الجنوبية الشرقية لبغداد، قرب طريق بغداد-المدائن، فقد برزت خلال السنوات الأخيرة كموقع يضم مقرات ومنشآت تابعة لـ«هيئة الحشد الشعبي»، وفصائل مسلحة مرتبطة بها.

وتزايد الاهتمام الأمني بالمنطقة بسبب ارتباطها، وفق مصادر أمنية عراقية، بمنشآت لتخزين الأسلحة، والذخائر، وبنشاط عسكري لفصائل موالية لإيران.

وفي يوليو (تموز) 2026، قالت مصادر أمنية إن قوة أمنية مشتركة داهمت مقراً يعتقد أنه تابع لـ«حركة النجباء» في جرف النداف، وإن الموقع كان يضم منشأة لتصنيع الطائرات المسيّرة، وقد استخدم لإطلاق طائرات مسيّرة استهدفت مواقع مختلفة.

وقالت المصادر العراقية إن «التقييم الاستخباري أفاد بأن شحنات المسيّرات التي تم ضبطها -أو تلك التي انطلقت نحو أهداف مختلفة- تتصل بمركز تحكم في هذه المواقع».

ورغم أن القوات التي شاركت في المداهمة كانت تضم قيادة عمليات بغداد، والشرطة الاتحادية، ومديرية أمن «الحشد الشعبي»، فإنها انتهت بانسحابها دون تفتيش الموقع.

وقال مصدر سياسي مطلع إن «فشل عملية اقتحام مقر جرف النداف منح للقيادات العسكرية تصوراً كافياً لتعديل الخطة من اقتحام المقرات إلى تطويقها، وتقييد قدرة الوصول إليها».

صورة أرشيفية لعناصر من «كتائب حزب الله» في جرف الصخر (أ.ف.ب)

انتشار أوسع

لا يقتصر انتشار الفصائل المسلحة على جرف الصخر وجرف النداف، الواقعتين جنوب غربي بغداد، لكنهما تحظيان بتركيز خاص، نظراً لأهميتهما الاستراتيجية، وقربهما من العاصمة.

وثمة مواقع أخرى للفصائل في طوزخورماتو، الواقعة في محافظة صلاح الدين شمالي بغداد، وآمرلي في محافظة صلاح الدين أيضاً، فضلاً عن معسكر أشرف في محافظة ديالى شمال شرقي بغداد، ومواقع في مدينة الكوت، مركز محافظة واسط، إلى الجنوب الشرقي من العاصمة.

وتبرز مهمتان أساسيتان للفصائل التي يديرها «الحرس الثوري» الإيراني، وفق مسؤول سياسي كبير، تتمثل الأولى في التمركز في مواقع قريبة جداً من العاصمة بغداد، لضمان القدرة على التدخل السريع إذا اقتضت الضرورة، وهو ما يبرر وجودها المكثف في نقاط ومواقع متعددة هناك.

وتتركز المهمة الثانية في تضييق الخناق على المناطق السنية عبر السيطرة على أهم عقدها الجغرافية، وتحديداً تلك القريبة من الحدود السورية.

وأكدت المصادر أن «فرض الطوق، وتقييد الحركة حول منشآت الفصائل التي يديرها (الحرس الثوري)، جزء من خطة أوسع تشمل إخراج جميع ألوية (الحشد الشعبي) من جميع المدن، وإعادة توزيعها وفق خطة تحددها القيادة العسكرية بمعزل عن قادة الفصائل».

وقال مسؤول سياسي كبير لـ«الشرق الأوسط» إن «الخطة الحكومية مصممة لتجنب الصدام المسلح مع الفصائل، كما تهدف في مرحلة متقدمة إلى إدخال الفصائل المسلحة في مفاوضات جدية ضمن إطار وطني مع السلطات حول وضعها، ومستقبل عناصرها».

رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي (أ.ف.ب)

«الوقت ليس مناسباً» لإيران

حتى الآن ترفض كل من «كتائب حزب الله»، و«كتائب سيد الشهداء»، و«حركة النجباء»، وجميعها حليفة لإيران، تسليم السلاح للدولة، ويقول ناشطون مقربون من هذه الجماعات إن «محور المقاومة لن يسلم سلاحه حتى بعد انسحاب الأميركيين»، كما دعوا علناً بنبرة تحدٍ إلى «حصر سلاح الدولة بيد الفصائل».

وأثارت الخطة الحكومية قلق مسؤولين إيرانيين حول مصير أسلحة استراتيجية بحوزة الفصائل، ومراكز قيادة وتحكم يعمل فيها مستشارون إيرانيون يتبعون «الحرس الثوري» الإيراني.

ونقلاً عن مصدرين سياسيين، فإن مسؤولين إيرانيين أبلغوا قيادات في تحالف «الإطار التنسيقي» أن توقيت الحملة سيئ للغاية، لأن الوضع الإقليمي يتطلب من الحلفاء التمسك بسلاحهم، خصوصاً في العراق.

وقال مصدر سياسي مقرب من زعيم حزب شيعي متنفذ، إن «الأخير حاول إقناع الإيرانيين بعدم الضغط أكثر على رئيس الحكومة، لأنه يرزح بالأساس تحت ضغط مقابل من الأميركيين حول مسألة السلاح، كما أن فشل هذه الحكومة سيعني نهاية تحالف (الإطار التنسيقي) وحكومته الفتية التي تواجه أزمة مالية خانقة».

وأضاف المصدر أن «الإيرانيين يضغطون على (الإطار التنسيقي) لدفع الحكومة إلى تأجيل تنفيذ الخطة»، مضيفاً أن «الفصائل ستحاول في نهاية المطاف كسب الوقت إلى حين تغيير موازين القوى محلياً، وإقليمياً، وتغيير مواقع أصولها العسكرية».