التكامل الخليجي البحري مطلوب لحماية مضيق هرمز ولمواجهة الابتزاز الاستراتيجي

إيران تراهن على رفع تكلفة العبور

صورة من الأقمار الاصطناعية لمجموعة من الزوارق الصغيرة شمال مضيق هرمز (رويترز)
صورة من الأقمار الاصطناعية لمجموعة من الزوارق الصغيرة شمال مضيق هرمز (رويترز)
TT

التكامل الخليجي البحري مطلوب لحماية مضيق هرمز ولمواجهة الابتزاز الاستراتيجي

صورة من الأقمار الاصطناعية لمجموعة من الزوارق الصغيرة شمال مضيق هرمز (رويترز)
صورة من الأقمار الاصطناعية لمجموعة من الزوارق الصغيرة شمال مضيق هرمز (رويترز)

تحول مضيق هرمز، في ظل الأزمة الراهنة، من ممر بحري حيوي إلى ورقة تفاوض استراتيجية، تقوم على قدرة إيران في إبقاء العبور ضمن حالة من عدم اليقين؛ مفتوحاً قانونياً، لكنه مهدد عسكرياً، ومشروط سياسياً، وعالي الحساسية اقتصادياً.

وأشار تقرير صادر عن مركز الخليج للأبحاث ونُشر الثلاثاء، إلى أن دول الخليج تُعدّ الطرف الأكثر تعرضاً لتداعيات توظيف «هرمز» ورقةَ ضغط، موضحاً أن تأثير المضيق لا يقتصر على تصدير الطاقة، بل يمتد إلى أمن الموانئ، وسلاسل الإمداد، والتأمين، والاستثمار، وسمعة البيئة الاقتصادية، واستمرارية التدفقات التجارية.

صورة من الأقمار الاصطناعية لمجموعة من الزوارق الصغيرة شمال مضيق هرمز (رويترز)

ويرى التقرير، الذي أعدَّه اللواء ركن بحري عبد الله الزايدي، المستشار الأول للدراسات الدفاعية والأمنية في المركز، أن المطلوب خليجياً لا يقتصر على حماية الممر، بل يشمل تقليل قابلية المضيق للابتزاز الاستراتيجي، عبر تعزيز الإنذار المبكر البحري، وتكامل الصورة البحرية، ورفع جاهزية حماية الموانئ والبنية التحتية، وتطوير خطط بديلة لسلاسل الإمداد، وتعزيز التنسيق مع الشركاء الدوليين، من دون تحويل المنطقة ساحةً مفتوحةً للتصعيد.

وأوضح التقرير أن إيران تعتمد في توظيف المضيق على نمط لا يصل غالباً إلى الإغلاق الشامل، بل إلى التقييد الانتقائي للعبور أو التلويح به، خصوصاً تجاه السفن التي تعدّها مرتبطة بالدعم اللوجستي للقواعد الأميركية أو بمنظومة الضغط البحري عليها؛ ما يمنحها هامش مناورة أوسع مقارنة بخيار الإغلاق الكامل؛ إذ يتيح لها الجمع بين التصعيد والتهدئة.

في المقابل، تستخدم الولايات المتحدة الحشد البحري والجوي بوصفه أداةَ ردعٍ وضغط مضاد، وتسعى إلى جعل تعطيل هرمز خياراً عالي التكلفة على إيران، بما يحد من اندفاع طهران نحو التصعيد، ويطمئن الحلفاء والأسواق إلى أن حرية الملاحة لن تُترك رهينة للضغط الإيراني.

وحذَّر التقرير من أن الأزمة تتحرك ضمن معادلة دقيقة: إيران تراهن على رفع تكلفة العبور دون استنزاف ورقة المضيق، بينما تراهن الولايات المتحدة على ردع مكثف دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة، في حين تبقى دول الخليج الطرف الأكثر تأثراً بهذه المعادلة؛ إذ لم يعد أمن هرمز ملف ملاحة فحسب، بل ملف أمن وطني شامل يمس الطاقة، والموانئ، والتأمين، والاستثمار، وسلاسل الإمداد، والاستقرار الإقليمي.

الحصار البحري وتفكيك أسطول الظل

وحسب التقرير، فإن توظيف إيران مضيق هرمز لا يمكن فهمه بمعزل عن منظومة الضغط البحري والاقتصادي الأوسع المفروضة عليها، مشيراً إلى أن الأمر لا يقتصر على حصار أو تقييد مباشر للموانئ الإيرانية، بل يمتد إلى استهداف شبكات الشحن، والتأمين، والوسطاء، والناقلات التي تُمكِّن طهران من الالتفاف على العقوبات وتسويق النفط والمنتجات البترولية خارج القنوات الرسمية.

مروحيتان هجوميتان أميركيتان من طراز «إيه إتش - 64 أباتشي» تحلّقان فوق مضيق هرمز (سنتكوم)

ولفت إلى أن الإجراءات الأميركية الأخيرة ضد شركات الشحن والناقلات المرتبطة بنقل النفط الإيراني لا تمثل مجرد عقوبات مالية، بل تمثل جزءاً من تفكيك القدرة البحرية الإيرانية على الحركة التجارية غير الرسمية.

الغموض الاستراتيجي وإعادة تعريف العبور

ويشير التقرير إلى أن التصريحات الإيرانية المتباينة حول المضيق تكشف عن نمط مقصود من الغموض الاستراتيجي، حيث انتقل الخطاب من الحديث عن السماح بعبور السفن التجارية، إلى ربط العبور بسياق التهدئة، ثم إلى مواقف أكثر تشدداً بشأن مراقبة السفن أو تقييد بعضها، وهذا التدرج لم يكن مجرد اضطراب في الخطاب، بل يعكس محاولة لإبقاء المضيق في منطقة رمادية، حسب وصف التقرير.

ويضيف أن جوهر الغموض أن المضيق يبقى متاحاً للعبور قانونياً، لكنه مهدّد عسكرياً، ومشروط سياسياً وأمنياً، وهذه الحالة كافية لإرباك حسابات شركات الشحن والتأمين ومُلّاك السفن التجارية؛ لأن هذه الشركات لا تبني قراراتها على أكثر التصريحات طمأنة، بل على أسوأ المخاطر القابلة للتحقق.

وتُضيف السردية الإيرانية بُعداً أكثر حساسية – حسب التقرير - حين تربط بعض السفن العابرة بالدعم اللوجستي للقواعد الأميركية في الخليج. وبهذا تنتقل إيران من خطاب «القدرة على تعطيل المضيق» إلى خطاب «الحق في مراقبة ما نعدّه تهديداً لسيادتها».

أدوات تحويل هرمز ورقةَ تفاوض

ووفقاً لتقرير مركز الخليج للأبحاث، فإن التوظيف الإيراني لمضيق هرمز يقوم على إدراك واضح لمحدودية قدرتهم في العمليات البحرية التقليدية، مقابل امتلاكهم أدوات فعالة في التعطيل، والإرباك، والضغط الرمادي.

وتحدث التقرير عن حزم رئيسية يمكن لطهران استخدامها، تتمثل في الأدوات العسكرية المباشرة، أدوات المنطقة الرمادية والسيبرانية الهجينة، وأدوات الحرب النفسية والمعلوماتية.

خطر سوء التقدير

ويشير التقرير إلى أن مضيق هرمز بيئة ضيقة ومتوترة، وأي احتكاك قد يتجاوز حدوده مثل سفينة ترفض التفتيش، لغم يصيب هدفاً غير مقصود قد ينقل الورقة من مجال المساومة إلى مجال المواجهة، ومعها تفقد إيران القدرة على ضبط إيقاع التصعيد، وهو ما يحول أداة الضغط من رافعة تفاوض إلى عبء استراتيجي.

الأثر على الأمن الوطني الخليجي

وأوضح التقرير أن دول الخليج هي الطرف الأكثر تعرضاً لتداعيات توظيف هرمز ورقةَ ضغط، مبيناً أن المضيق لا يمس تصدير الطاقة فقط، بل يمس أمن الموانئ، وسلاسل الإمداد، والتأمين، والاستثمار، وسمعة البيئة الاقتصادية، واستمرارية التدفقات التجارية.

وحسب التقرير، فإن «توظيف إيران للمضيق يضع دول الخليج أمام معادلة دقيقة، فهي تحتاج إلى حماية حرية الملاحة، لكنها لا ترغب في أن يتحول المضيق ساحةَ مواجهةٍ مفتوحة، وتحتاج إلى دعم الردع الدولي، لكنها تدرك أن أي تصعيد واسع سيجعلها في خط التأثر المباشر اقتصادياً وأمنياً».

المطلوب خليجياً – حسب التقرير - ليس فقط حماية الممر، بل تقليل قابلية المضيق للابتزاز الاستراتيجي، وذلك من خلال تعزيز الإنذار المبكر البحري، وتكامل الصورة البحرية، ورفع جاهزية حماية الموانئ والبنية التحتية، وتطوير خطط بديلة لسلاسل الإمداد، وتقوية التنسيق مع الشركاء الدوليين من دون تحويل المنطقة مسرحاً مفتوحاً للتصعيد.


مقالات ذات صلة

جهود لاحتواء بقعة نفطية قبالة سواحل عُمان إثر جنوح سفينة

الخليج مساحة البقعة وشكلها وموقعها تتغير من عملية رصد إلى أخرى نتيجة الحركة والانتشار والتشتت الطبيعي للنفط (العمانية)

جهود لاحتواء بقعة نفطية قبالة سواحل عُمان إثر جنوح سفينة

تكثف سلطنة عُمان جهودها لاحتواء تسرب نفطي من السفينة «Caroline Bezengi» الجانحة قبالة جزر الحلانيات في محافظة ظفار وسط عمليات رصد جوي وبحري وفضائي

«الشرق الأوسط» (مسقط)
الخليج أمير قطر وسلطان عمان خلال جلسة المباحثات الثنائية (أ.ف.ب)

أمير قطر وسلطان عُمان يبحثان تعزيز العلاقات والقضايا المشتركة

بحث الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير دولة قطر، والسلطان هيثم بن طارق، سلطان عُمان، الاثنين، سبل تعزيز العلاقات الثنائية وتطوير مجالات التعاون بين البلدين.

«الشرق الأوسط» (الدوحة)
الخليج سفينة تابعة لقوات البحرية اليمنية بالقرب من جزيرة حنيش في البحر الأحمر (أ.ف.ب)

«التعاون الخليجي» يدعو إلى موقف دولي حازم تجاه هجمات الحوثيين

دعا مجلس التعاون لدول الخليج العربية المجتمع الدولي إلى اتخاذ موقف حازم تجاه هجمات ميليشيا «الحوثي»، محذراً من تداعيات استهداف السعودية والسفن التجارية.

عزيز مطهري (الرياض)
الخليج جاسم البديوي الأمين العام لمجلس التعاون خلال مباحثاته مع أفراح الزوبة وزيرة الخارجية اليمنية (التعاون الخليجي)

تأكيد خليجي على الموقف الثابت في دعم أمن واستقرار اليمن

جدد مجلس التعاون الخليجي، الأحد، التأكيد على موقفه الثابت والداعم لكل ما من شأنه تحقيق الأمن والاستقرار في اليمن.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
تحليل إخباري ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والرئيس الأميركي دونالد ترمب في الرياض العام الماضي (واس)

تحليل إخباري الموقف السعودي... وعودة واشنطن وطهران إلى أجواء المفاوضات

أكد مراقبون سياسيون أن إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الأحد، تأجيل ضربة عسكرية كانت مقررة ضد إيران، يعكس أهميّة الدور الذي تلعبه الرياض.

غازي الحارثي (الرياض)

محمد بن سلمان وزيلينسكي يستعرضان المستجدات الإقليمية والدولية

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان لدى لقائه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أبريل الماضي (واس)
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان لدى لقائه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أبريل الماضي (واس)
TT

محمد بن سلمان وزيلينسكي يستعرضان المستجدات الإقليمية والدولية

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان لدى لقائه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أبريل الماضي (واس)
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان لدى لقائه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أبريل الماضي (واس)

استعرض الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، مستجدات الأحداث الإقليمية والدولية.

وبحث الجانبان خلال اتصال هاتفي أجراه الأمير محمد بن سلمان بالرئيس زيلينسكي، مجالات التعاون المشترك بين البلدين، وسبل تطويرها.

وهنأ الرئيس الأوكراني ولي العهد السعودي بـ«اتفاقية مكة للدفاع المشترك» بين المملكة وتركيا وباكستان، متمنياً لها أن تسهم في تحقيق الأمن والاستقرار للمنطقة.

وتعكس «اتفاقية مكة المكرمة للدفاع المشترك» التي وُقِّعت، الجمعة، حرص الدول الثلاث على تعزيز أمنها، وتحقيق الأمن والسلام والاستقرار في المنطقة والعالم، سعياً إلى مستقبل آمن ومزدهر.

وجاءت الاتفاقية انطلاقاً من الروابط التاريخية الراسخة بين الدول الثلاث، وبناءً على روابط الأخوة والتضامن الإسلامي التي تجمعها، واستناداً إلى المصالح الاستراتيجية المشتركة والتعاون الدفاعي الوثيق.


وصول 13 قافلة إغاثية سعودية إلى عدن

امتداداً للجهود الإغاثية التي تقدمها السعودية لدعم الأمن الغذائي للشعب اليمني (واس)
امتداداً للجهود الإغاثية التي تقدمها السعودية لدعم الأمن الغذائي للشعب اليمني (واس)
TT

وصول 13 قافلة إغاثية سعودية إلى عدن

امتداداً للجهود الإغاثية التي تقدمها السعودية لدعم الأمن الغذائي للشعب اليمني (واس)
امتداداً للجهود الإغاثية التي تقدمها السعودية لدعم الأمن الغذائي للشعب اليمني (واس)

وصلت 13 شاحنة إغاثية سعودية أمس (الأحد) إلى محافظة عدن اليمنية، حملت على متنها 4680 سلة غذائية مقدمة من «مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية»، ضمن المرحلة الثانية من مشروع المساعدات الغذائية الطارئة لليمن.

جاء ذلك امتداداً للجهود الإغاثية والإنسانية المتواصلة التي تقدمها السعودية عبر ذراعها الإنساني «مركز الملك سلمان للإغاثة»، لدعم الأمن الغذائي للشعب اليمني وتلبية احتياجاته الأساسية في مختلف المحافظات.

وفي وقت تواصل فيه قوافل الإغاثة السعودية التوافد إلى المحافظات اليمنية محمّلة بمئات الأطنان من المساعدات ضمن المرحلة الثانية من مشروع المساعدات الغذائية، بالتوازي مع تنفيذ مشاريع وبرامج تنموية للارتقاء بالظروف المعيشية لليمنيين، شهدت محافظة أبين الأسبوع الماضي وصول 6 شاحنات تحمل على متنها 129 طناً من السلال الغذائية والتموينية المقدمة من المركز.

وفور وصول الشاحنات إلى المخازن المخصصة للمشروع بالمحافظة، باشرت الفرق المختصة استكمال إجراءات الفحص والتحقق من سلامة المواد ومطابقتها للمواصفات، تمهيداً لتوزيعها على أكثر الأسر احتياجاً والنازحين والمجتمع المضيف، بالتنسيق مع السلطات المحلية بالمحافظة، بما يسهم في تعزيز الأمن الغذائي وتلبية الاحتياجات الأساسية للمستفيدين.


نائب رئيس الوزراء الإيطالي: السعودية شريك لا غنى عنه في الاستقرار الإقليمي

نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية والتعاون الدولي الإيطالي أنطونيو تاياني (وزارة الخارجية الإيطالية)
نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية والتعاون الدولي الإيطالي أنطونيو تاياني (وزارة الخارجية الإيطالية)
TT

نائب رئيس الوزراء الإيطالي: السعودية شريك لا غنى عنه في الاستقرار الإقليمي

نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية والتعاون الدولي الإيطالي أنطونيو تاياني (وزارة الخارجية الإيطالية)
نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية والتعاون الدولي الإيطالي أنطونيو تاياني (وزارة الخارجية الإيطالية)

شدد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية والتعاون الدولي الإيطالي، أنطونيو تاياني، على استراتيجية العلاقة بين الرياض وروما، عادَّاً أن علاقة بلاده مع السعودية، تمثل إحدى ركائز مشاركة إيطاليا في المنطقة.

وقال في حوار مع «الشرق الأوسط» إن السعودية أصبحت شريكاً لا غنى عنه في تعزيز الحوار والاستقرار الإقليمي والنمو المستدام»، مشيراً إلى أن هناك تنسيقاً سعودياً - إيطالياً لاحتواء عدم اليقين الإقليمي الذي وصفه بالعميق.

وأضاف تاياني: «أكدنا من روما، التزامنا المشترك مع السعودية، على حماية حرية الملاحة في مضيق هرمز والبحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن وجميع الطرق البحرية الدولية»، عادَّاً الخليج شريكاً سياسياً واقتصادياً وأمنياً بالغ الأهمية.

الشراكة السعودية - الإيطالية

وحول الشراكة السعودية - الإيطالية، قال تاياني: «اعتمدنا مع نظيري وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان في روما أخيراً، إعلاناً سياسياً مهماً يؤكد مجدداً ليس فقط على الشراكة الاستراتيجية المتنامية بين البلدين».

وأضاف: «ذهبنا إلى أبعد من ذلك، وأعلنا التزامنا المشترك بجعل منطقة البحر الأبيض المتوسط ​​الكبرى منطقة سلام وازدهار ونمو مستدام. كما يجدد الإعلان إدانتنا الشديدة لعنف المستوطنين المتطرفين ورفضنا أي شكل من أشكال الضم».

تنسيق سعودي - إيطالي لاحتواء عدم اليقين الإقليمي العميق

وحول مستجدات التنسيق السعودي - الإيطالي الهادف إلى تعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة، ومواجهة التحديات الناجمة عن الصراع الأميركي - الإيراني، قال تاياني: «إن الشراكة بين إيطاليا والسعودية لم تكن أكثر أهمية مما هي عليه اليوم. ففي ظل حالة عدم اليقين الإقليمي العميق، يتشارك بَلدانا رؤية استراتيجية مشتركة، تقوم على الحوار والاستقرار والقيادة المسؤولة».

وأضاف: «إن إيطاليا تنظر إلى الوضع الإقليمي، في سياق أوسع يتمثل في تنامي عدم الاستقرار الدولي. ولا تقتصر شراكتنا الاستراتيجية على الحدود الجغرافية التقليدية؛ إذ تمتد رؤيتنا لمنطقة البحر الأبيض المتوسط ​​الكبرى بشكل طبيعي إلى الخليج وما وراءه».

وزاد: «لذلك؛ نعدّ الخليج شريكاً سياسياً واقتصادياً وأمنياً بالغ الأهمية، ونعدّ علاقتنا بالمملكة إحدى ركائز مشاركة إيطاليا في المنطقة، حيث أصبحت السعودية شريكاً لا غنى عنه في تعزيز الحوار والاستقرار الإقليمي والنمو المستدام، وهي رؤية دأبت إيطاليا على الترويج لها ضمن مجموعة السبع والاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي».

وتابع: «من أبرز نقاط قوة إيطاليا قدرتها على التفاعل في آن واحد مع جميع الأطراف الفاعلة الرئيسية في الأزمات الإقليمية. وهذا يُمكّننا من إبقاء جميع القنوات الدبلوماسية مفتوحة والمساهمة في خفض التصعيد حتى في أصعب اللحظات».

الأمن البحري... رؤية استراتيجية مشتركة

وعلى خلفية توترات مضيق هرمز وباب المندب، ومهددات ملاحة البحر الأحمر، قال نائب رئيس الوزراء الإيطالي: «لا يزال الأمن البحري يمثل أولوية وطنية قصوى لإيطاليا؛ إذ يمر جزء كبير من تجارتنا عبر مضيق هرمز وباب المندب، ما يجعل حرية الملاحة في هذه المياه ضرورية ليس فقط لإيطاليا، بل أيضاً لأمن الطاقة والاقتصاد العالمي».

وأضاف: «أكدنا التزامنا المشترك مع السعودية على حماية حرية الملاحة في مضيق هرمز والبحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن وجميع الطرق البحرية الدولية».

ووفق تاياني، فإن إيطاليا تبذل بالفعل إسهاماً ملموساً، من خلال دورها القيادي في العمليات البحرية للاتحاد الأوروبي (يونافور أسبيدس)؛ لحماية الملاحة التجارية في البحر الأحمر، و«أتالانتا» في شمال غرب المحيط الهندي.

وشدد، على أن روما والرياض تتشاركان بشكل متزايد ليس فقط المصالح المشتركة، بل رؤية استراتيجية حقيقية للمنطقة.

وقال نائب رئيس الوزراء الإيطالي: «نُقدّر عالياً الدور الدبلوماسي المتنامي للسعودية في تعزيز الحوار والاستقرار الإقليمي، ونعتزم تعميق شراكة ممتازة قائمة بالفعل، مبنية على الثقة والاحترام المتبادل والطموح المشترك نحو شرق أوسط أكثر استقراراً وأمناً وازدهاراً».

وأضاف تاياني: «إن اقتراح السعودية، بإنشاء تحالف عالمي للدفاع البحري، يعكس الاهتمام الدولي المتزايد بالأمن البحري وحرية الملاحة، وهي أهداف تتفق معها إيطاليا تماماً. وسنواصل العمل من كثب مع السعودية ومع شركائنا الدوليين لتحقيق هذه الأهداف المشتركة بثقة وعزيمة وشعور مشترك بالمسؤولية تجاه استقرار المنطقة وازدهارها».

حل الدولتين

وحول الوضع في غزة، ومصير أبرز نتائج اجتماعات التحالف العالمي، لتنفيذ حل الدولتين، التي عُقدت في روما خلال الأيام القليلة الماضية، قال تاياني: «إن المأساة التي تتكشف في غزة تتطلب أكثر من مجرد التعبير عن القلق».

وزاد: «إنها مأساة تتطلب قيادة سياسية، ودبلوماسية مستدامة، وعزماً على مواصلة العمل من أجل السلام حتى عندما تبدو العقبات جسيمة. وتضطلع إيطاليا بدور دبلوماسي محوري في دفع عجلة الحل السياسي للأزمة».

وأضاف: «إن اجتماع (لتحالف العالمي لتنفيذ حل الدولتين)، الذي عُقد في روما أخيراً، أظهر التزامنا الراسخ بتعزيز الحلول السياسية، وإتاحة المجال للحوار في ظل إحدى أصعب الأزمات، التي تواجه منطقة البحر الأبيض المتوسط ​​والشرق الأوسط».

وزاد نائب رئيس الوزراء الإيطالي: «هذا مسعى نفخر بمواصلته مع أصدقائنا السعوديين، حيث أظهرت السعودية قيادةً متميزةً في الحفاظ على أفق حل الدولتين، وأود أن أُشيد بمستوى التعاون المتميز الذي بنيناه معاً».

وتابع: «إن رسالة روما كانت واضحة: حل الدولتين يبقى الخيار الوحيد الموثوق لضمان أمن إسرائيل، مع تمكين قيام دولة فلسطينية حرة وديمقراطية وسلمية تعيش جنباً إلى جنب مع إسرائيل. ولهذا السبب؛ يُعدّ نزع سلاح (حماس) أمراً ضرورياً، كما أن هناك حاجة إلى سلطة وطنية فلسطينية قوية، قادرة على ممارسة سلطة فعالة في جميع أنحاء الأراضي الفلسطينية».

وقال تاياني: «ما زلنا ملتزمين التزاماً راسخاً بهدف (شعبين ودولتين)، وهو موقف أصبح ممكناً بفضل علاقاتنا الراسخة مع جميع الفاعلين الرئيسيين في المنطقة، في حين يدرك الإسرائيليون والفلسطينيون واللبنانيون وشركاؤنا الخليجيون أن روما مكان يُشجع فيه الحوار، وتُبنى فيه الثقة، وتُمنح فيه الدبلوماسية كل فرصة للنجاح».

وشدد، على أن إيطاليا، تولي اهتماماً خاصاً بالحوار بين الأديان بصفته جسراً أساسياً لتغيير الخطابات السائدة وتهيئة الأرضية السياسية للسلام، مبيناً أنه كان من أبرز مظاهر هذا الالتزام مشاركة الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا، ورئيس مؤتمر الحاخامات الأوروبيين الحاخام بنحاس غولدشميت، والشيخ محمد العيسى في اجتماع التحالف العالمي الذي عُقد في وزارة الخارجية.

التزامنا في غزة راسخٌ

وزاد المسؤول الإيطالي: «إلى جانب مشاركتنا المستمرة من خلال مبادرة (غذاء لغزة)، خصصنا أخيراً 10 ملايين يورو إضافية لدعم السلطة الوطنية الفلسطينية عبر الأمم المتحدة. كما درّبنا مجموعة من الدبلوماسيين الفلسطينيين في تورينو بالتعاون مع منظمة العمل الدولية، وأنشأنا ممرات جامعية تُمكّن الشباب الفلسطيني من الدراسة في جامعات إيطالية رائدة. ونؤمن إيماناً راسخاً بأن الدبلوماسية الشعبية من أقوى الاستثمارات التي يُمكننا القيام بها لبناء سلام عادل ودائم».

وأضاف: «إن إيطاليا، تواصل أيضاً لعب دور ريادي على الصعيد الأمني ​​من خلال بعثتها الثنائية لتقديم المساعدة لقوات الأمن الفلسطينية، ومن خلال مشاركة قوات الدرك الإيطالية في بعثة الاتحاد الأوروبي لمساعدة الحدود في رفح».

الأزمة في لبنان

وحول التقييم الإيطالي للوضع الراهن في لبنان ومساعيها في هذا الصدد، قال تاياني: «إن استقرار لبنان ليس حيوياً للشعب اللبناني فحسب، بل هو ضروري لأمن المنطقة واستقرارها بأسرها. ولهذا السبب؛ بذلت إيطاليا جهوداً دبلوماسية مكثفة، لدعم الحوار وتعزيز المؤسسات الشرعية في لبنان».

وشدد على أن بلاده، تضطلع بدور مهم، وسيطةً ومضيفةً للحوار بين الأطراف المعنية، مؤكداً أنه ليس من قبيل المصادفة أن تُختار روما مرة أخرى مكاناً للجولة الأخيرة من المحادثات التي ترعاها الولايات المتحدة بين إسرائيل ولبنان، مشيراً إلى أن ذلك يعكس الثقة التي يوليها الجانبان لقدرة إيطاليا على تيسير الحوار والمساعدة في تهيئة الظروف اللازمة لتحقيق استقرار دائم.

وأوضح أن نهج إيطاليا في حل الأزمة في لبنان، يركز على استعادة السيادة الكاملة للبلاد وتعزيز مؤسساتها الشرعية، مشدداً على دعم حكومته بقوة للرئيس اللبناني جوزيف عون، مشيراً إلى أن بلاده تعمل مع شركائها الدوليين لضمان استعادة الدولة اللبنانية تدريجياً لسلطتها الفعالة في جميع أنحاء البلاد، موضحاً أنه من الركائز الأساسية الأخرى لهذه الاستراتيجية، نزع سلاح «حزب الله» بشكل دائم.

وأضاف: «ندعم بقوة الرئيس جوزيف عون، ونعمل مع شركائنا الدوليين لضمان استعادة الدولة اللبنانية تدريجياً لسلطتها الفعالة في جميع أنحاء البلاد. لضمان الاستقرار على المدى الطويل، نركز أيضاً على إدارة أي انتقال أمني مستقبلي بعد انتهاء مهمة (يونيفيل)».

وزاد: «أولويتنا تتركز في تجنب الفراغات الأمنية الخطيرة مع الحفاظ على الاستقرار في جنوب لبنان بالتنسيق الوثيق مع حلفائنا، حيث عقدنا جولات من المحادثات في روما في إطار جهودنا المتواصلة لتيسير الحوار. وما زلنا مقتنعين بأن الحوار هو السبيل الوحيد المستدام نحو سلام دائم».