تصريحات مبابي عن ماو تكشف تكلفة تجاوز الخطوط الحمراء في الصين

كيليان مبابي (أ.ف.ب)
كيليان مبابي (أ.ف.ب)
TT

تصريحات مبابي عن ماو تكشف تكلفة تجاوز الخطوط الحمراء في الصين

كيليان مبابي (أ.ف.ب)
كيليان مبابي (أ.ف.ب)

جسَّد التراجع السريع في شعبية مهاجم ريال مدريد كيليان مبابي ​داخل الصين، عقب تعليقاته بشأن ماو تسي تونغ، نموذجاً بات مألوفاً في البلاد، لموجة غضب إلكترونية، وانسحاب الرعاة، وقيود على المنصات الرقمية، يعقبها في كثير من الأحيان تدخل رسمي.

ففي غضون 24 ساعة فقط من تداول مقطع من بودكاست أشار فيه قائد المنتخب الفرنسي إلى ماو تسي تونغ بوصفه «دكتاتوراً صينياً»، سارعت جهات راعية عدة، من بينها شركتا الألبان «منغنيو» و«شنغهاي ميلك جراوند فود تك» وشركة «إيستروك» لمشروبات الطاقة إلى إنهاء شراكاتها مع اللاعب.

كما أزال تلفزيون الصين المركزي الإعلانات المرتبطة بمبابي، في حين فرضت منصات التواصل الاجتماعي الصينية قيوداً على الوصول إلى حساباته. وسارع اللاعب، من جانبه، إلى الاعتذار، الثلاثاء، واصفاً تصريحاته بأنها «غير موفقة».

وبالنسبة للشركات والعلامات التجارية والمشاهير العاملين في الصين، فإن هذا المسار يبدو مألوفاً للغاية. ويرى محللون أن الواقعة تمثل تذكيراً جديداً بالمخاطر التجارية التي لا تزال تلازم ‌العمل في السوق الصينية، رغم ‌سنوات من الحوادث المماثلة.

فقد تعرَّضت شركات وعلامات تجارية عالمية مراراً لعواصف من الانتقادات ​في ‌الصين، ⁠بدءاً من ​إلغاء ⁠عرض «دولتشي آند غابانا» في شنغهاي عام 2018، مروراً باعتذارات «فيرساتشي» و«ديور» و«كوتش» في العام التالي، وصولاً إلى حملات المقاطعة التي استهدفت «إتش آند إم» و«نايكي» و«أديداس» بسبب قضية قطن شينجيانغ، فضلاً عن الخلاف الذي اندلع بين دوري كرة السلة الأميركي للمحترفين وتلفزيون الصين المركزي عقب دعم أحد مسؤولي فريق هيوستن روكتس للاحتجاجات المؤيدة للديمقراطية في هونغ كونغ.

ورغم اختلاف الوقائع، فإن آلية التصعيد تكاد تكون واحدة، تصريح أو صورة أو تعليق ينتشر على نطاق واسع عبر الإنترنت، يتبعه ضغط متزايد على الشركاء التجاريين لاتخاذ موقف، قبل أن تتجاوز الخسائر الناجمة عن الأزمة في كثير من الأحيان حجم الواقعة الأصلية نفسها.

وقال مايكل ماكريتشي، مؤسس مجموعة «إم جي آي» المتخصصة في ربط المشاهير العالميين بالعلامات التجارية الصينية: «لست مضطراً إلى التفكير كالصينيين كي تنجح في الصين، لكن عليك ⁠أن تفهم كيف يمكن أن يتفاعل الجمهور الصيني، وما قد يترتب على تجاهل الحساسيات الثقافية أو ‌غياب قدر كافٍ من الانضباط الذاتي».

ويبقى السؤال المحوري في مثل هذه ‌الأزمات: إلى أي مدى تعكس ردود الفعل غضباً شعبياً حقيقياً، وإلى أي مدى ​يجري تضخيمها عبر وسائل الإعلام الرسمية والمنصات الرقمية والجهات الحكومية؟

وتبرز ‌قضية مبابي صعوبة الفصل بين الأمرين. فمع تصاعد الجدل، أصبح الوصول إلى التصريحات الأصلية المتعلقة بماو محدوداً على الإنترنت الصيني الخاضع ‌لرقابة صارمة. ونتيجة لذلك؛ لم يتعرف كثير من المستهلكين على ما قاله اللاعب بقدر ما تابعوا الأخبار المتعلقة بتخلي الرعاة عنه وانتقادات وسائل الإعلام الرسمية له.

وقال مارك دراير، المحلل الرياضي ومؤلف كتاب «القوة العظمى الرياضية» حول طموحات الصين الرياضية: «ما شهدناه في هذه الحالة كان، إلى حد ما، شكلاً من الغضب المصطنع».

ومع ذلك، حذَّر دراير من التقليل من شأن مثل هذه التفاعلات، مشيراً إلى أن الدوريات والأندية والرياضيين لا يستطيعون تجاهل التداعيات المحتملة لهذه ‌الأزمات.

وأضاف: «لا يمكن أن يُنظَر إلى الأندية أو الاتحادات على أنها تملي على لاعبيها ما ينبغي قوله أو تجنبه بشأن الصين. لكنني على يقين من أنه خلف الكواليس يطلب من ⁠الجميع التحلي بالحذر وإدراك أن مثل ⁠هذه الردود يمكن أن تحدث».

من جانبه، رأى زاك ديشتوالد، مؤسس شركة «بريدج ووركس جلوبال» للاستشارات، أن مثل هذه الأزمات، رغم تكرارها، تبقى قابلة للتجنب.

وقال: «إذا كنت تعمل في السوق الصينية، فمن المتوقع أن تظهر احتراماً للرواية التي تقدمها الصين عن نفسها، وأن تمتلك فهماً أساسياً لها. وينبغي أن يشكل الوعي بالخطوط الحمراء جزءاً أساسياً من هذا الفهم».

غير أن التحدي يكمن في أن الخطوط الحمراء السياسية والثقافية في الصين، رغم أنها معروفة بصورة عامة، نادراً ما تكون محددة بشكل واضح.

وغالباً ما يدفع هذا الغموض الشركات والشركاء التجاريين إلى الابتعاد سريعاً عن الشخصيات المثيرة للجدل قبل اتضاح حجم المخالفة أو أبعادها بالكامل.

وقال وي كان، مؤسس شركة «كوندويت آسيا» للاستشارات: «لا توجد قاعدة مكتوبة تحدّد بدقة ما الذي يُعدّ تجاوزاً للخط الأحمر». وأضاف أن حدود هذا الخط تتغير تبعاً «لمزاج المستهلكين، والأجواء العامة في المجتمع، ومدى تضخيم المنصات ووسائل الإعلام للقضية».

وبالنسبة للشركات الأجنبية، لم تعد الحساسيات الصينية مفاجئة كما كانت في السابق. ومع ذلك، يرى محللون أن المخاطر السياسية والثقافية لا تزال تعامل في كثير من الحالات بصفتها قضية ثانوية، لا كجزء من المخاطر التجارية اليومية التي ينبغي إدارتها باستمرار.

وأشار ​ماكريتشي إلى أن شركته تدرج بنوداً تتعلق بالسلوك والسمعة في ​عقود الترويج، في حين يؤكد آخرون أن الإحاطات الخاصة بالسوق والتدريب الإعلامي وخطط إدارة الأزمات لم تعد مجرد إجراءات احترازية، بل أصبحت ضرورة أساسية.

ويلخص ديشتوالد الأمر بقوله: «عندما تسير الأمور على ما يرام، يحتفل الجميع. أما عندما تخطئ في التعامل مع الصين، فقد يكون العقاب سريعاً ومكلفاً ومؤلماً ​للغاية».


مقالات ذات صلة

«إن بي إيه»: نيكس حامل اللقب يحقق فوزه الأول أخيراً وسبيرز يكتسح ساكرامنتو

رياضة عالمية نيكس حامل اللقب يحقق فوزه الأول أخيراً وسبيرز يكتسح ساكرامنتو (أ.ف.ب)

«إن بي إيه»: نيكس حامل اللقب يحقق فوزه الأول أخيراً وسبيرز يكتسح ساكرامنتو

حقق نيويورك نيكس؛ حامل لقب «دوري كرة السلة الأميركي للمحترفين (إن بي إيه)»، فوزه الأول هذا الموسم أخيراً بعدما تغلب على ديترويت بيستونز 111 - 97 الثلاثاء...

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
رياضة سعودية قبل الديربي المرتقب «ديربي سدير» ليكون المدرج برتقالي للاستفادة مع أفضلية المدرجات لصالح جماهير الفيحاء (نادي الفيحاء)

مدارس المجمعة تشعل الحماس قبل ديربي سدير

من المدارس «نصنع الشغف ونزرع روح الانتماء» هكذا كانت زيارة نادي الفيحاء لطلاب المدارس في كل مواجهة تكون ضد أي فريق في المجمعة لتحفيز الجماهير وطلاب المدارس.

ماجد عبد الله (المجمعة)
رياضة عالمية مانولو غونزاليس (رويترز)

«إسبانيول» يقيل المدرب غونزاليس من منصبه

أُقيل مانولو غونزاليس، المدير الفني لفريق إسبانيول الإسباني لكرة القدم، مساء الثلاثاء، بعد ساعات من خروج فريقه من بطولة كأس إسبانيا من الدور الأول.

«الشرق الأوسط» (برشلونة )
رياضة عالمية فليتوود يكتب أعظم ليلة في تاريخه بإقصاء آرسنال (رويترز)

فليتوود يكتب أعظم ليلة في تاريخه بإقصاء آرسنال

لم يكن أكثر المتفائلين من جماهير فليتوود تاون يتوقع أن تتحول ليلة الثلاثاء إلى واحدة من أعظم اللحظات في تاريخ النادي الإنجليزي الصغير.

رياضة عالمية ديرك كاوت (رويترز)

كاوت مدرباً مؤقتاً لـ«فناربخشه» عقب استقالة كارتال

أعلن نادي فناربخشه، ​المنافس في الدوري التركي لكرة القدم، اليوم الأربعاء، تعيين الهولندي ديرك كاوت مدرباً مؤقتاً عقب استقالة إسماعيل كارتال.

«الشرق الأوسط» (إسطنبول)

تصريحات مبابي عن ماو تكشف تكلفة تجاوز الخطوط الحمراء في الصين

كيليان مبابي (أ.ف.ب)
كيليان مبابي (أ.ف.ب)
TT

تصريحات مبابي عن ماو تكشف تكلفة تجاوز الخطوط الحمراء في الصين

كيليان مبابي (أ.ف.ب)
كيليان مبابي (أ.ف.ب)

جسَّد التراجع السريع في شعبية مهاجم ريال مدريد كيليان مبابي ​داخل الصين، عقب تعليقاته بشأن ماو تسي تونغ، نموذجاً بات مألوفاً في البلاد، لموجة غضب إلكترونية، وانسحاب الرعاة، وقيود على المنصات الرقمية، يعقبها في كثير من الأحيان تدخل رسمي.

ففي غضون 24 ساعة فقط من تداول مقطع من بودكاست أشار فيه قائد المنتخب الفرنسي إلى ماو تسي تونغ بوصفه «دكتاتوراً صينياً»، سارعت جهات راعية عدة، من بينها شركتا الألبان «منغنيو» و«شنغهاي ميلك جراوند فود تك» وشركة «إيستروك» لمشروبات الطاقة إلى إنهاء شراكاتها مع اللاعب.

كما أزال تلفزيون الصين المركزي الإعلانات المرتبطة بمبابي، في حين فرضت منصات التواصل الاجتماعي الصينية قيوداً على الوصول إلى حساباته. وسارع اللاعب، من جانبه، إلى الاعتذار، الثلاثاء، واصفاً تصريحاته بأنها «غير موفقة».

وبالنسبة للشركات والعلامات التجارية والمشاهير العاملين في الصين، فإن هذا المسار يبدو مألوفاً للغاية. ويرى محللون أن الواقعة تمثل تذكيراً جديداً بالمخاطر التجارية التي لا تزال تلازم ‌العمل في السوق الصينية، رغم ‌سنوات من الحوادث المماثلة.

فقد تعرَّضت شركات وعلامات تجارية عالمية مراراً لعواصف من الانتقادات ​في ‌الصين، ⁠بدءاً من ​إلغاء ⁠عرض «دولتشي آند غابانا» في شنغهاي عام 2018، مروراً باعتذارات «فيرساتشي» و«ديور» و«كوتش» في العام التالي، وصولاً إلى حملات المقاطعة التي استهدفت «إتش آند إم» و«نايكي» و«أديداس» بسبب قضية قطن شينجيانغ، فضلاً عن الخلاف الذي اندلع بين دوري كرة السلة الأميركي للمحترفين وتلفزيون الصين المركزي عقب دعم أحد مسؤولي فريق هيوستن روكتس للاحتجاجات المؤيدة للديمقراطية في هونغ كونغ.

ورغم اختلاف الوقائع، فإن آلية التصعيد تكاد تكون واحدة، تصريح أو صورة أو تعليق ينتشر على نطاق واسع عبر الإنترنت، يتبعه ضغط متزايد على الشركاء التجاريين لاتخاذ موقف، قبل أن تتجاوز الخسائر الناجمة عن الأزمة في كثير من الأحيان حجم الواقعة الأصلية نفسها.

وقال مايكل ماكريتشي، مؤسس مجموعة «إم جي آي» المتخصصة في ربط المشاهير العالميين بالعلامات التجارية الصينية: «لست مضطراً إلى التفكير كالصينيين كي تنجح في الصين، لكن عليك ⁠أن تفهم كيف يمكن أن يتفاعل الجمهور الصيني، وما قد يترتب على تجاهل الحساسيات الثقافية أو ‌غياب قدر كافٍ من الانضباط الذاتي».

ويبقى السؤال المحوري في مثل هذه ‌الأزمات: إلى أي مدى تعكس ردود الفعل غضباً شعبياً حقيقياً، وإلى أي مدى ​يجري تضخيمها عبر وسائل الإعلام الرسمية والمنصات الرقمية والجهات الحكومية؟

وتبرز ‌قضية مبابي صعوبة الفصل بين الأمرين. فمع تصاعد الجدل، أصبح الوصول إلى التصريحات الأصلية المتعلقة بماو محدوداً على الإنترنت الصيني الخاضع ‌لرقابة صارمة. ونتيجة لذلك؛ لم يتعرف كثير من المستهلكين على ما قاله اللاعب بقدر ما تابعوا الأخبار المتعلقة بتخلي الرعاة عنه وانتقادات وسائل الإعلام الرسمية له.

وقال مارك دراير، المحلل الرياضي ومؤلف كتاب «القوة العظمى الرياضية» حول طموحات الصين الرياضية: «ما شهدناه في هذه الحالة كان، إلى حد ما، شكلاً من الغضب المصطنع».

ومع ذلك، حذَّر دراير من التقليل من شأن مثل هذه التفاعلات، مشيراً إلى أن الدوريات والأندية والرياضيين لا يستطيعون تجاهل التداعيات المحتملة لهذه ‌الأزمات.

وأضاف: «لا يمكن أن يُنظَر إلى الأندية أو الاتحادات على أنها تملي على لاعبيها ما ينبغي قوله أو تجنبه بشأن الصين. لكنني على يقين من أنه خلف الكواليس يطلب من ⁠الجميع التحلي بالحذر وإدراك أن مثل ⁠هذه الردود يمكن أن تحدث».

من جانبه، رأى زاك ديشتوالد، مؤسس شركة «بريدج ووركس جلوبال» للاستشارات، أن مثل هذه الأزمات، رغم تكرارها، تبقى قابلة للتجنب.

وقال: «إذا كنت تعمل في السوق الصينية، فمن المتوقع أن تظهر احتراماً للرواية التي تقدمها الصين عن نفسها، وأن تمتلك فهماً أساسياً لها. وينبغي أن يشكل الوعي بالخطوط الحمراء جزءاً أساسياً من هذا الفهم».

غير أن التحدي يكمن في أن الخطوط الحمراء السياسية والثقافية في الصين، رغم أنها معروفة بصورة عامة، نادراً ما تكون محددة بشكل واضح.

وغالباً ما يدفع هذا الغموض الشركات والشركاء التجاريين إلى الابتعاد سريعاً عن الشخصيات المثيرة للجدل قبل اتضاح حجم المخالفة أو أبعادها بالكامل.

وقال وي كان، مؤسس شركة «كوندويت آسيا» للاستشارات: «لا توجد قاعدة مكتوبة تحدّد بدقة ما الذي يُعدّ تجاوزاً للخط الأحمر». وأضاف أن حدود هذا الخط تتغير تبعاً «لمزاج المستهلكين، والأجواء العامة في المجتمع، ومدى تضخيم المنصات ووسائل الإعلام للقضية».

وبالنسبة للشركات الأجنبية، لم تعد الحساسيات الصينية مفاجئة كما كانت في السابق. ومع ذلك، يرى محللون أن المخاطر السياسية والثقافية لا تزال تعامل في كثير من الحالات بصفتها قضية ثانوية، لا كجزء من المخاطر التجارية اليومية التي ينبغي إدارتها باستمرار.

وأشار ​ماكريتشي إلى أن شركته تدرج بنوداً تتعلق بالسلوك والسمعة في ​عقود الترويج، في حين يؤكد آخرون أن الإحاطات الخاصة بالسوق والتدريب الإعلامي وخطط إدارة الأزمات لم تعد مجرد إجراءات احترازية، بل أصبحت ضرورة أساسية.

ويلخص ديشتوالد الأمر بقوله: «عندما تسير الأمور على ما يرام، يحتفل الجميع. أما عندما تخطئ في التعامل مع الصين، فقد يكون العقاب سريعاً ومكلفاً ومؤلماً ​للغاية».


أنتونيلي يقترب من إنهاء انتظار إيطاليا 73 عاماً لاستعادة لقب فورمولا 1

كيمي أنتونيلي (أ.ب)
كيمي أنتونيلي (أ.ب)
TT

أنتونيلي يقترب من إنهاء انتظار إيطاليا 73 عاماً لاستعادة لقب فورمولا 1

كيمي أنتونيلي (أ.ب)
كيمي أنتونيلي (أ.ب)

يقترب كيمي أنتونيلي من أن يصبح أصغر بطل في تاريخ بطولة العالم لسباقات سيارات فورمولا 1، وأول سائق إيطالي يتوج باللقب منذ ألبرتو أسكاري عام 1953.

وبالنسبة إلى بلد يملأه عشاق سباقات السيارات المتحمسون، تبدو فترة الانتظار التي امتدت 73 عاماً منذ آخر تتويج لسائق إيطالي باللقب أمراً محيراً.

وعلى مدار عقود، وفي ظل غياب سائق إيطالي ينافس على اللقب، اعتاد مشجعو إيطاليا المتحمسون -المعروفون بلقب «تيفوزي»- ارتداء اللون الأحمر لتشجيع فريق فيراري بدلاً من مساندة سائقين إيطاليين بعينهم.

والآن يسعى أنتونيلي 20 عاماً -الذي ذكرت تقارير إعلامية أن فيراري رفض ضمه عندما كان صغيراً قبل أن ينتقل لمرسيدس- إلى تغيير قصة إيطاليا في عالم السباقات.

وقبيل اقتراب أنتونيلي من حسم اللقب يوم الأحد في مكسيكو سيتي، نستعرض أسباب طول انتظار إيطاليا حتى ظهور بطل جديد من أبنائها.

وكانت إيطاليا مركزاً لعالم سباقات السيارات عندما انطلقت بطولة العالم للسائقين عام 1950.

وبعد خمس سنوات فقط من نهاية الحرب العالمية الثانية، كانت علامة فيراري الناشئة واحدة من مجموعة فرق إيطالية تتنافس على الانتصارات، مرتدية اللون الأحمر الشهير في السباقات.

وتوج الإيطالي نينو فارينا بأول لقب عالمي مع فريق ألفا روميو، قبل أن يضيف أسكاري لقبين آخرين إلى رصيد فيراري عامي 1952 و1953. لكن خوان مانويل فانجيو، أول نجم عالمي كبير في تاريخ فورمولا 1، هيمن على ذلك العقد. وفاز السائق الأرجنتيني، المتحدر من أصول إيطالية، بخمسة ألقاب عالمية في الأربعينات من عمره، وهو إنجاز لم يتكرر منذ ذلك الحين.

وأجبرت الأزمات المالية فرق ألفا روميو ولانسيا ومازيراتي على الانسحاب من فورمولا 1، لتصبح فيراري بحلول عام 1960 الفريق الإيطالي الوحيد المصنع للسيارات في البطولة، مع تراجع الفرص المتاحة أمام السائقين الإيطاليين.

وفي المقابل، أحدثت فرق بريطانية صغيرة ثورة في فورمولا 1 بتصميم سيارات خفيفة، ورشيقة، مع وضع المحرك خلف السائق.

وكان إنزو فيراري، مؤسس الفريق الإيطالي، يسخر من هذه الفرق، ويصفها بـ«جاراجيستاس»، في إشارة إلى إدارتها من ساحات المنازل، والمرائب. وبحلول أواخر ستينات القرن الماضي، أصبحت تلك الفرق مهيمنة على البطولة.

وظهرت لاحقاً فرق أخرى تتخذ من إيطاليا مقراً لها، من بينها فريق ريسينغ بولز حالياً، لكن فيراري ظلت الفريق الإيطالي الوحيد القادر فعلياً على المنافسة على اللقب العالمي.

صحيفة كاثوليكية تشارك في رد الفعل على أكثر سنوات فورمولا 1 دموية

حتى أواخر سبعينات القرن الماضي كان من النادر أن يمر موسم دون وفاة سائق واحد على الأقل في فورمولا 1، إثر حوادث خلال السباقات، أو الاختبارات.

وأثارت وفاة عدد من نجوم سباقات السيارات الإيطاليين -ومن بينهم أسكاري، الذي لقي حتفه عام 1955 خلال اختباره سيارة رياضية من فيراري- موجة من ردود الفعل الغاضبة في إيطاليا.

وأصدرت صحيفة «لوسيرفاتوري رومانو»، الناطقة باسم الفاتيكان وذات النفوذ الواسع، إدانة شديدة اللهجة لسباقات السيارات عقب وفاة الإيطالي لويجي موسو عام 1958، الذي كان يقود لصالح فيراري.

وشبهت الصحيفة سباقات السيارات بالإله الروماني القديم ساتورن، الذي «يواصل التهام أبنائه»، معتبرة أن موسو كان من ضحايا السعي وراء المال بصرف النظر عن التكلفة البشرية.

وكتبت الصحيفة: «إنها مسألة أخلاقية، إذا أخذنا في الاعتبار أنه، بعيداً عن أي ذريعة تتعلق بالعلم، والتقدم، توجد مصلحة صناعية واقتصادية مباشرة، وملموسة وراء مثل هذه الأنشطة المروعة، وهي مصلحة تحول ساعة التوقيت إلى وسيلة للإعلان، حتى لو ارتبطت إحصاءاتها بأعداد الضحايا».

وكانت وفاة السائق الإيطالي لورينزو بانديني عام 1967، متأثراً بحروق قاتلة أصيب بها إثر حادث مروع، بمثابة نقطة تحول في تاريخ فيراري.

وقال السائق الأميركي ماريو أندريتي، خلال مؤتمر في إيطاليا العام الماضي: «أقسم إنزو فيراري، عقب وفاة بانديني، على ألا يتعاقد مجدداً مع سائق إيطالي».

وخلال السنوات الـ59 التي تلت ذلك، لم يشارك سوى سائق إيطالي واحد في موسم كامل من فورمولا 1 مع فيراري، وهو ميكيلي ألبوريتو، الذي قاد للفريق خمسة أعوام في منتصف ثمانينات القرن الماضي، وأنهى موسم 1985 في المركز الثاني بالترتيب العام. وجاء ذلك قبل فترة قصيرة من وفاة إنزو فيراري عن عمر ناهز 90 عاماً عام 1988.

وفي الوقت نفسه، ترك الفريق فرصاً أمام سائقين آخرين قادرين على المنافسة على الألقاب، مثل ريكاردو باتريزي، الفائز بستة سباقات. وجعل ذلك انتقال السائقين الإيطاليين إلى فورمولا 1 أكثر صعوبة، حيث وجدوا أنفسهم أمام خيارين: إما الانضمام إلى فريق محلي لا يملك القدرة على المنافسة، أو المخاطرة بالانتقال إلى بريطانيا في سن مبكرة.

وكان جانكارلو فيسيكيلا آخر سائق إيطالي يشارك مع فيراري في فورمولا 1، وذلك عام 2009، عندما حل بديلاً للبرازيلي فيليبي ماسا المصاب. غير أن فيسيكيلا أمضى معظم مسيرته مع فرق تتخذ من إنجلترا مقراً لها.

وولد أندريتي لعائلة إيطالية في منطقة تقع حالياً ضمن كرواتيا، وتوج بلقب العالم مع فريق لوتس عام 1978، بعدما سبقت له القيادة لصالح فيراري.

وقال أندريتي إن أصوله الإيطالية الأميركية أتاحت له الانضمام إلى فيراري، مستفيداً من استثناء غير مباشر للقيود التي فرضها إنزو فيراري على التعاقد مع السائقين الإيطاليين.

كما تعود أصول البرازيلي أيرتون سينا، المتوج بثلاثة ألقاب عالمية، إلى جزيرة صقلية الإيطالية. ويعد سينا على نطاق واسع من أبرز المواهب في تاريخ فورمولا 1.

وكان إيمرسون فيتيبالدي، المتوج بلقبين عالميين في سبعينات القرن الماضي، برازيلياً من أصول إيطالية أيضاً.

وفي تسعينات القرن الماضي، حقق الفرنسي جان أليزي، المولود باسم جيوفاني لعائلة إيطالية، انتصارات في سباقات فورمولا 1 مع فيراري. وفي السنوات الأخيرة برز البرازيلي فيليبي ماسا، والأستراليان دانييل ريكاردو وأوسكار بياستري، ضمن السائقين الذين نافسوا على ألقاب البطولة، وجميعهم من أصول إيطالية.


مانشستر يونايتد... لماذا يفشل المدربون في خلافة فيرغسون؟

أليكس فيرغسون (رويترز)
أليكس فيرغسون (رويترز)
TT

مانشستر يونايتد... لماذا يفشل المدربون في خلافة فيرغسون؟

أليكس فيرغسون (رويترز)
أليكس فيرغسون (رويترز)

واجه مايكل كاريك اختباراً صعباً في قيادة مانشستر يونايتد، في نادٍ لم ينجح في فرض الاستقرار واستعادة أمجاده سوى مدربين اثنين على مدار تاريخه الحديث، هما مات بوسبي وأليكس فيرغسون. وبينما لا يزال النادي يبحث عن طريق العودة إلى القمة، يجد مدربوه أنفسهم أمام تحديات تتجاوز النتائج داخل الملعب، لتشمل صراعات داخلية وإرثاً تاريخياً ثقيلاً جعل من خلافة الأسطورتين مهمة شديدة التعقيد.

وترى صحيفة «الغارديان» البريطانية أن مانشستر يونايتد، رغم مكانته الكبيرة وإمكاناته، ظل يعاني صعوبة في إدارة شؤونه منذ نهاية حقبة بوسبي، قبل أن ينجح فيرغسون في إعادة بناء الفريق وصناعة واحدة من أكثر الفترات نجاحاً في تاريخ كرة القدم الإنجليزية. ويشير هذا الإرث إلى مفارقة يعيشها النادي حتى اليوم؛ فبدلاً من أن تكون إنجازات الماضي مصدر إلهام لمن يخلفان الأسطورتين، تحولت إلى معيار دائم للمقارنة، يضع المدربين تحت ضغط متواصل، ويحد من قدرتهم على بناء هوية مستقلة.

ولم يكن كاريك، الذي يعرف النادي جيداً بعدما ارتدى قميصه لاعباً وعمل ضمن جهازه الفني، بمنأى عن هذه المعادلة. فقد وجد نفسه في مواجهة انتقادات داخلية، بعدما أدلى القائد برونو فرنانديز، والمدافع ليساندرو مارتينيز بتصريحات تلفزيونية أثارت تساؤلات بشأن الأوضاع داخل الفريق. وتعكس هذه المواقف، وفق الصحيفة، نمطاً تكرر مع مدربين سابقين، إذ كثيراً ما وجد المسؤول عن القيادة الفنية نفسه معزولاً في مواجهة خلافات تتداخل فيها مصالح اللاعبين والإدارة وتقاليد النادي.

وتعود هذه الإشكالية إلى عقود مضت، حين واجه المدربون الذين خلفوا بوسبي صعوبة في التعامل مع استمرار نفوذه وحضوره داخل النادي. وكان ويلف ماكغينيس، الذي تولى المهمة بعده عام 1969، من أبرز ضحايا تلك المرحلة؛ إذ لم يستمر طويلاً قبل أن تنتهي تجربته في ديسمبر (كانون الأول) 1970، في أجواء اتسمت بالتوتر وخيبة الأمل. والمفارقة أن بوسبي نفسه كان طرفاً في القرار الذي أنهى مهمة خليفته، في مؤشر مبكر على صعوبة الانتقال من حقبة المدرب الأسطوري إلى مرحلة جديدة.

ولم تختلف الأوضاع كثيراً مع فرنك أوفاريل، الذي أسهمت خسارة مانشستر يونايتد أمام كريستال بالاس بنتيجة 0 - 5 في ديسمبر 1972 في تسريع رحيله. وبعده، أقيل تومي دوكرتي عام 1977 لأسباب شخصية، رغم ما حققه من تحولات في الفريق، فيما انتهت تجربة ديف سيكستون عام 1981 رغم فوزه في مبارياته السبع الأخيرة. ثم غادر رون أتكينسون منصبه في نوفمبر (تشرين الثاني) 1986، ليتولى فيرغسون المسؤولية ويبدأ مرحلة غيّرت تاريخ النادي.

لكن النجاح الاستثنائي الذي حققه فيرغسون جعل المهمة أكثر صعوبة على من جاءوا بعده. فمنذ رحيله عام 2013، ظل اسمه حاضراً في النقاشات المتعلقة بمستقبل الفريق وقراراته، وأصبحت المقارنة بإنجازاته جزءاً من التحديات التي تواجه أي مدرب جديد. كما أن علاقته بالنادي بعد اعتزاله، ودعمه استحواذ عائلة غليزر عليه عام 2005، أثارا نقاشاً بشأن مدى تأثير إرثه في مسار مانشستر يونايتد خلال السنوات التالية.

وامتد هذا الحضور إلى بعض القرارات الفنية التي أثارت الجدل، ومن بينها انتقاد فيرغسون قرار أولي غونار سولشاير عدم إشراك كريستيانو رونالدو أساسياً أمام إيفرتون عام 2021. كما أثارت عودة النجم البرتغالي إلى أولد ترافورد تساؤلات بشأن تأثير العلاقات السابقة في القرارات الرياضية، بعدما تحولت التجربة إلى واحدة من المحطات المضطربة في تاريخ النادي الحديث.

ويبدو أن كاريك يواجه بدوره تحدياً يتمثل في كيفية التعامل مع هذا الإرث من دون الوقوع في فخ تقليد فيرغسون. فقد سبق لسولشاير أن حاول استحضار بعض ملامح شخصية المدرب الاسكتلندي، مستنداً إلى علاقته به وإلى ذكريات الحقبة الذهبية، لكن ذلك لم يكن كافياً لإعادة إنتاج النجاح نفسه. وتبرز هذه التجارب صعوبة استنساخ نموذج ارتبط بشخصية استثنائية وظروف يصعب تكرارها.

ولم تكن الاستعانة بمدربين أصحاب شخصيات قوية حلاً مضموناً أيضاً. فقد أخفق لويس فان غال وجوزيه مورينيو في تلبية التوقعات المرتبطة بأسلوب اللعب الهجومي الذي اشتهر به مانشستر يونايتد، رغم امتلاكهما خبرة واسعة وسجلاً حافلاً بالإنجازات. ومع ذلك، بدت تجربتهما أقل سوءاً مع مرور الوقت، في ظل الإخفاقات المتتالية التي أعقبتهما.

كما كشفت الطريقة التي انتهت بها تجربة فان غال عام 2016 عن استمرار الصراعات خلف الكواليس، بعدما علم المدرب الهولندي أنه سيغادر منصبه عقب فوزه بكأس الاتحاد الإنجليزي، ليحل مورينيو مكانه. ولم تكن تلك الواقعة سوى مثال آخر على ثقافة داخلية لطالما أثارت الجدل، رغم محاولات الإدارة، ثم مجموعة «إينيوس» بقيادة جيم راتكليف، إضفاء مزيد من الاحترافية والتنظيم على عمل النادي.

وفي خضم هذه التحولات، لم يحصل ديفيد مويز، الذي خلف فيرغسون مباشرة، على فرصة كافية لبناء مشروعه، قبل أن تتحسن صورته نسبياً مع تعاقب الإخفاقات في السنوات التالية. أما مورينيو، فدخل في صدامات متكررة مع محيطه، بينما اتسمت تجربة روبن أموريم بانتقادات علنية للأوضاع داخل النادي. كذلك أثار قرار الإبقاء على إريك تن هاغ في صيف 2024، قبل الاستغناء عنه لاحقاً، تساؤلات بشأن وضوح الرؤية لدى الإدارة.

وتبقى معضلة مانشستر يونايتد في أن تاريخه يمنحه مكانة استثنائية، لكنه يضع في الوقت نفسه عراقيل أمام أي محاولة لبناء حقبة جديدة. فقد أثبت بوسبي وفيرغسون أن النجاح ممكن، غير أن استمرار الصراعات والمصالح الشخصية والتمسك بأمجاد الماضي يجعل استعادة الاستقرار أكثر صعوبة. وفي ظل هذه الظروف، لا يبدو كاريك مجرد مدرب يواجه ضغوط النتائج، بل حلقة جديدة في سلسلة من التجارب التي اصطدمت بإرث لم يتمكن النادي حتى الآن من تجاوزه.