حين يظهر اسم نيكولاس «نيك» كوارد ضمن مجلس إدارة الاتحاد السعودي لكرة القدم الذي تم تزكيته الأحد، فإن اختصاره في وصف «خبير دولي في الحوكمة والإدارة الرياضية» لا يكشف سوى جزء من قصة مهنية تمتد لنحو ثلاثة عقود.
فالبريطاني البالغ 60 عامًا لم يصنع مسيرته داخل مؤسسة واحدة، ولم يبق أسير كرة القدم، بل تنقل بين الاتحاد الإنجليزي وملعب ويمبلي والبريميرليغ، وعبر سباقات الخيل والغولف وألعاب القوى والكريكيت، ودخل عالم الاستشارات والتحكيم الرياضي والعمل مع فيفا، قبل أن يعود في صيف 2026 إلى الإدارة المباشرة للكرة الإنجليزية رئيسًا للدوري الوطني.
البداية لم تكن من ملعب أو نادٍ، وإنما من القانون. درس كوارد القانون في جامعة بريستول، وتأهل محاميًا في إنجلترا وويلز، وعمل في مكتب «فريشفيلدز» للمحاماة. ومن هناك اقترب من كرة القدم عندما انتُدب عام 1994 للعمل على إعادة صياغة دستور الاتحاد الإنجليزي وقواعده. وبعد عامين، وقبيل كأس أوروبا 1996 التي استضافتها إنجلترا، انضم رسميًا إلى الاتحاد ليصبح أول محامٍ داخلي في تاريخه.

كانت تلك البداية بمثابة تعريف مبكر بالتخصص الذي سيلازمه: القانون واللوائح والحوكمة والتنظيم. وسرعان ما تجاوز حدود الوظيفة القانونية، فتوسعت مسؤولياته حتى أصبح مديرًا للشؤون المؤسسية والقانونية، ودخل دائرة الإدارة التنفيذية العليا. وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2002، وبعد رحيل آدم كروزييه، تولى مع ديفيد ديفيز مهام الرئيس التنفيذي بصورة مؤقتة. وتولى كوارد مهام الرئيس التنفيذي بالإنابة في فترتين، كما أصبح عضوًا في مجلس إدارة ملعب ويمبلي، ليجد المحامي الذي دخل الاتحاد قبل سنوات قليلة نفسه داخل الغرف التي تصنع فيها أهم قرارات الكرة الإنجليزية.
غادر الاتحاد عام 2004 بعد مرحلة تزامنت مع تحولات مؤسسية وتجارية كبيرة ومشروع إعادة بناء ويمبلي، لكنه لم يبتعد عن الرياضة. انتقل إلى الاستشارات والعلاقات الحكومية وساهم في تأسيس نشاط متخصص في الشؤون الرياضية، وظل قريبًا من البريميرليغ مستشارًا خاصًا لمجلس إدارته في الملفات التنظيمية وحقوق الإعلام والملكية الفكرية. وبين 2005 و2010 أصبح أول رئيس لتحالف مالكي الحقوق الرياضية، الذي جمع اتحادات وهيئات للدفاع عن المصالح التجارية والتسويقية وحقوق الملكية الفكرية للرياضة.
وفي 2006 دخل تجربة مختلفة كليًا. كانت سباقات الخيل البريطانية تعيد بناء هيكلها التنظيمي، واختير كوارد ليصبح أول رئيس تنفيذي لهيئة سباقات الخيل البريطانية عند انطلاقها عام 2007. لم يتسلم مؤسسة مستقرة بقدر ما شارك في بناء نموذج تنظيمي جديد يجمع مسؤوليات كانت موزعة سابقًا بين جهتين. وتعامل مع ملفات الحوكمة والنزاهة ومكافحة الفساد والمراهنات والحقوق التجارية والتراخيص وإدارة أيام السباقات.

وخلال أربعة أعوام قاد إعادة هيكلة الهيئة، ودفع باتجاه تحديث أنظمة إدارة السباقات واستخدام التقنية في التحكيم والتراخيص والتخطيط، وصولًا إلى تصور لإدارة أقل اعتمادًا على الورق. كما دخل في نقاشات اقتصادية مع شركات المراهنات بشأن القيمة التي تحققها من المنتج الرياضي والعائد الذي ينبغي أن يعود إلى السباقات، وقاد مشروع «رايسينغ فور تشينج» لإعادة تقديم الرياضة وتسويقها إلى جمهور أوسع.
وفي 2011 استدعاه البريميرليغ مجددًا، وهذه المرة أمينًا عامًا لأقوى مسابقة محلية تجاريًا في العالم. امتدت مسؤولياته إلى تشغيل المسابقة والحوكمة والشؤون القانونية والتنظيمية والعلاقات المؤسسية وتطوير قطاع الشباب، إلى جانب العلاقات مع الاتحاد الإنجليزي ورابطة دوري المحترفين ويويفا وفيفا.
ومن أهم الملفات التي ارتبط بها كوارد في تلك المرحلة «خطة أداء لاعبي النخبة»، المشروع الذي أعاد تشكيل منظومة الأكاديميات وتطوير المواهب في الكرة الإنجليزية، عبر رفع المعايير وتصنيف الأكاديميات وإعادة تنظيم بيئة إعداد اللاعبين. وفي الوقت نفسه توسع حضوره دوليًا، فأصبح عضوًا في مجلس إدارة رابطة الدوريات الأوروبية ومجلس استراتيجية كرة القدم الاحترافية في يويفا، وساهم في تأسيس الكيان الذي تطور لاحقًا إلى رابطة الدوريات العالمية.
وفي سبتمبر 2014 منحته أندية البريميرليغ العشرون ثقة ذات دلالة، عندما صادقت على تعيينه في مجلس إدارة الاتحاد الإنجليزي ممثلًا للدوري، إلى جانب ديفيد جيل. وكانت عودة مختلفة إلى المؤسسة التي بدأ فيها مسيرته الرياضية؛ دخلها أول مرة محاميًا، ووصل فيها إلى منصب الرئيس التنفيذي بالإنابة، ثم عاد إليها ممثلًا لأندية أغنى دوري في العالم.
انتهت تجربته مع البريميرليغ في أغسطس (آب) 2015 بعد إعادة تنظيم للإدارة العليا، لكنه تحول بعدها بصورة أكبر إلى خبير تستعين به المؤسسات الرياضية في ملفات البناء والتنظيم والحوكمة. توسعت أعماله إلى الهند والصين، وعمل مع دوري الكابادي للمحترفين، كما أصبح مستشارًا لفيفا في كرة القدم الاحترافية. واستمرت علاقته بالاتحاد الدولي حتى 2026، حين تولى قيادة برنامج فيفا التنفيذي للحوكمة الرشيدة لمسؤولي الاتحادات الوطنية، والذي يتناول الدساتير واللوائح والنزاهة والحوكمة المالية والتشغيلية.

والمثير في مسيرة كوارد أن خبرته أصبحت مطلوبة خارج كرة القدم أيضًا. ففي الكريكيت، انضم إلى لجنة الانضباط عام 2015، ثم عُيّن في 2017 رئيسًا للجنة التنظيمية الجديدة لمجلس إنجلترا وويلز للكريكيت، قبل أن يتطور الهيكل إلى مجلس تنظيمي مستقل برئاسته. وفي الغولف تولى رئاسة «إنجلاند غولف» المستقلة لفترتين، وهي المدة القصوى المسموح بها.
ثم استُدعي في 2020 إلى ألعاب القوى البريطانية في واحدة من أكثر مراحلها اضطرابًا، فتولى منصب الرئيس التنفيذي المؤقت للمساعدة في استقرار المؤسسة قبل انتقاله إلى رئاستها. وتزامنت مهمته مع جائحة كورونا وتأجيل أولمبياد طوكيو، وكان من الأصوات البريطانية البارزة التي طالبت مبكرًا بالتأجيل بسبب عدم قدرة الرياضيين على الاستعداد بصورة طبيعية. وشهدت فترته كذلك العمل على استراتيجية مشتركة وإطار جديد للحوكمة وتوزيع المسؤوليات.
ويمتد الجانب القانوني في شخصيته إلى محكمة التحكيم الرياضي «كاس»، حيث أُدرج اسمه ضمن قائمة المحكمين، جامعًا بذلك بين معرفة الرياضة من داخل غرف الإدارة ومعرفة اللوائح والنزاعات من منظور قانوني. كما أصبح شريكًا خبيرًا في شركة «بورتاس» للاستشارات الرياضية، ورئيسًا لشركة «سبورتابل تكنولوجيز» العاملة في تقنيات تتبع الكرة والبيانات والتحليلات، وشارك في نقل خبراته أكاديميًا عبر «فيفا ماستر» وبرنامج ماجستير إدارة الأعمال في كلية جادج بجامعة كامبريدج، إلى جانب مشاركته في مشروعات مرتبطة بإعادة تصميم المنظومة الأولمبية والبارالمبية البريطانية والأحداث الرياضية الكبرى.
وبعد سنوات من التنقل بين الرياضات والمؤسسات، عاد كوارد في صيف 2026 إلى موقع مباشر في هرم الكرة الإنجليزية. ففي 23 يونيو (تموز) الماضي اختير رئيسًا للدوري الوطني الإنجليزي، وبدأ مهمته في الأول من يوليو (حزيران) الماضي، حاملًا معه خبرة تمتد من قمة البريميرليغ إلى المنطقة التي تربط كرة القدم الاحترافية بالمستويات الأدنى في الهرم الإنجليزي.
والآن يصل كوارد إلى مجلس إدارة الاتحاد السعودي لكرة القدم الجديد بسيرة يصعب وضعها في خانة واحدة. فهو ليس مدربًا ولا مديرًا رياضيًا تقليديًا، وإنما رجل مؤسسات: محامٍ عمل على دستور الاتحاد الإنجليزي، ومسؤول وصل إلى رئاسته التنفيذية بالإنابة، وعضو سابق في مجلس ويمبلي، وأمين عام للبريميرليغ، وممثل لأنديته في مجلس الاتحاد، وخبير في تطوير الأكاديميات والحقوق التجارية والملكية الفكرية والنزاهة والتنظيم، ورئيس ومسؤول في مؤسسات تدير سباقات الخيل والغولف والكريكيت وألعاب القوى، ومستشار ومحاضر في الحوكمة لدى فيفا ومحكّم رياضي دولي.
ولعل الخيط الأكثر وضوحًا في كل هذه الرحلة أن كوارد ظهر مرارًا حيث تحتاج المؤسسات إلى بناء نظام أو إصلاح هيكل أو ترتيب علاقة معقدة بين الرياضة والقانون والتجارة والحوكمة. ومن مكتب للمحاماة إلى ويمبلي والبريميرليغ ويويفا وفيفا، ثم عبر رياضات مختلفة، يصل إلى الكرة السعودية بخبرة رجل أمضى نحو ثلاثة عقود لا في مشاهدة صناعة الرياضة من الخارج، بل في قلب المؤسسات التي تضع قواعدها وتديرها وتعيد تشكيلها.




