تفرض الأرقام نفسها على مشهد سوق الانتقالات الصيفية في الدوري السعودي للمحترفين، كاشفة عن اتجاه واضح يزداد حضوراً موسماً بعد آخر، يتمثل في اعتماد الأندية الكبرى على التعاقدات الجديدة أكثر من اعتمادها على بيع اللاعبين وتحقيق عوائد مالية منها.
فمع اقتراب انطلاق الموسم الجديد، تتسابق الأندية لتدعيم صفوفها بصفقات نوعية، بينما تبدو حركة بيع اللاعبين محدودة للغاية، وهو ما يعكس استمرار فلسفة تقوم على تعزيز جودة التشكيلة والمحافظة على العناصر الأساسية، بدلاً من تدوير الأصول الرياضية وتحقيق التوازن المالي من خلال عمليات البيع. وبات هذا النهج سمة متكررة في سوق الانتقالات السعودية خلال السنوات الأخيرة، حيث تركز الأندية على استقطاب اللاعبين ودعم صفوفها، بينما لا تحظى عمليات البيع بالاهتمام ذاته، رغم أنها تمثل أحد أهم مصادر التمويل في كثير من الدوريات الكبرى.

وتبرز هذه الصورة بوضوح عند النظر إلى أرقام الأندية الخمسة الكبرى؛ إذ تجاوز إجمالي إنفاقها على التعاقدات الجديدة 173 مليون يورو حتى الآن، مقابل إيرادات لم تتجاوز 22.84 مليون يورو من بيع اللاعبين، ما يعني أن الأموال الخارجة إلى السوق تفوق العوائد المالية بأكثر من 7 أضعاف، في مؤشر واضح على أن أولوية هذا الصيف كانت التعزيز الفني أكثر من تحقيق التوازن المالي.
ويتصدر الهلال قائمة الأندية الأكثر إنفاقاً خلال فترة الانتقالات الحالية، بعدما بلغت قيمة تعاقداته 77.47 مليون يورو، مقابل إيرادات وصلت إلى 20.84 مليون يورو من بيع اللاعبين، ليبلغ صافي إنفاقه 55.63 مليون يورو.
وجاءت الصفقة الأبرز بضم الإنجليزي كريسينسيو سومرفيل مقابل 64.50 مليون يورو، إضافة إلى التعاقد مع محمد محزري ومحمد الصرنوخ وصبري دهل، في وقت سجل فيه النادي أكبر عملية بيع بين الأندية الكبرى بانتقال البرازيلي ماركوس ليوناردو إلى أياكس أمستردام مقابل 19.90 مليون يورو.

ويعدّ الهلال الاستثناء الوحيد بين الكبار؛ إذ نجح في الجمع بين الاستثمار في التعاقدات وتحقيق عائد مالي من بيع أحد أبرز لاعبيه، وهو ما يعكس توجهاً لإعادة هيكلة بعض المراكز في التشكيلة بما يتوافق مع أفكار المدرب الإيطالي سيموني إنزاغي، مع الحفاظ في الوقت نفسه على سياسة الإنفاق الهادفة إلى تعزيز قدرة الفريق على المنافسة خلال الموسم الجديد.
وفي المقابل، اختار الأهلي تعزيز صفوفه دون تسجيل أي عملية بيع حتى الآن، بعدما بلغت قيمة تعاقداته 71.26 مليون يورو، من خلال ضم البرتغالي فرانسيسكو ترينكاو، والأرميني إدوارد سبيرتسيان، وأبوبكر سيدي كينته، ونايف مسعود.
ويبدو أن إدارة الأهلي فضلت الحفاظ على جميع عناصرها الأساسية، مع إضافة أسماء جديدة تمنح الفريق مزيداً من العمق، أملاً في مواصلة المنافسة على البطولات المحلية، والدفاع عن لقب دوري أبطال آسيا للنخبة، وهو ما يعكس استمرار الرهان على الاستقرار الفني أكثر من الاستفادة من بيع اللاعبين.

أما الاتحاد، فقد اتبع سياسة أقل إنفاقاً، لكنه لم يبتعد عن النهج ذاته؛ إذ بلغت قيمة تعاقداته 16 مليون يورو بضم يان-كارلو سيميتش وستيفان كيلر، بينما اقتصر دخله من سوق الانتقالات على مليوني يورو بعد إعارة المدافع ماريو ميتاي إلى جنوا الإيطالي، ليصل صافي إنفاقه إلى 14 مليون يورو، في وقت فضلت فيه الإدارة الحفاظ على القوام الرئيسي للفريق بعد تتويجه بلقب الدوري الموسم الماضي.
ولم يختلف المشهد كثيراً في القادسية، الذي أنفق 8.60 مليون يورو على التعاقد مع أحمد الصياحي وسلطان هارون ومحمد القحطاني، من دون تسجيل أي عملية بيع، في رسالة واضحة تؤكد تمسك النادي بالقوام الذي قدم مستويات مميزة الموسم الماضي، وفي مقدمته هداف الدوري المكسيكي جوليان كينونيس، رغم الاهتمام الأوروبي المتزايد بخدماته عقب تألقه اللافت في كأس العالم 2026.

وعلى الطرف الآخر من المشهد، يقف النصر بوصفه الحالة الأكثر اختلافاً في سوق الانتقالات الحالية؛ إذ لم يسجل حتى الآن أي صفقة شراء أو بيع، رغم حصوله على شهادة الكفاءة المالية.
وتعود أسباب هذا الجمود إلى خضوع النادي لإجراءات «الرقابة النشطة»، التي تشترط التحقق من قدرته على الوفاء بجميع التزاماته المالية قبل اعتماد تسجيل أي لاعب جديد. وكانت «الشرق الأوسط» قد كشفت أن النادي يواجه فجوة تمويلية والتزامات مالية مرتفعة، ما يتطلب توفير سيولة إضافية قبل الحصول على الموافقة النهائية لتسجيل صفقاته، وهو ما جعل النصر خارج دائرة النشاط حتى الآن، رغم اقترابه من إبرام أكثر من صفقة؛ مثل كوستا الذي التحق بمعسكر الفريق مترقباً التسجيل الرسمي.

ويضع ذلك النادي أمام سباق مع الزمن؛ إذ إن أي تأخير في إنهاء هذا الملف سيقلص الوقت المتاح أمام الجهاز الفني لاستكمال بناء التشكيلة قبل انطلاق الموسم.
وتعكس هذه الأرقام واقعاً مختلفاً عن كثير من الدوريات الكبرى، التي تعتمد بشكل متزايد على بيع اللاعبين بوصفه أحد أهم مصادر التمويل؛ إذ أصبحت عمليات التخارج جزءاً رئيسياً من دورة الاستثمار الرياضي، بما يتيح للأندية إعادة ضخ الأموال في صفقات جديدة، وتحقيق توازن أكبر بين الإنفاق والعائد، والمحافظة على الاستدامة المالية.
أما في الدوري السعودي، فما زال الإنفاق يمثل العنوان الأبرز، بينما تبقى عمليات البيع محدودة، باستثناء حالات فردية، وهو ما يجعل الفجوة بين المصروفات والعوائد تتسع عاماً بعد آخر، ويؤكد أن سوق الانتقالات المحلية لا تزال قائمة على ضخ الاستثمارات أكثر من تدوير الأصول الرياضية وتحويلها إلى مصدر دخل مستدام.

ورغم أن هذا النهج أسهم في رفع القيمة الفنية للدوري واستقطاب أسماء بارزة، فإنه يطرح في المقابل تساؤلات حول مستقبل سوق الانتقالات المحلية، ومدى قدرة الأندية على التحول مستقبلاً إلى أندية تستثمر أيضاً في بيع لاعبيها، وليس فقط في التعاقد معهم، خصوصاً مع تشديد الاتحاد السعودي لكرة القدم على تطبيق معايير الاستدامة المالية، التي قد تدفع الأندية خلال السنوات المقبلة إلى منح ملف بيع اللاعبين أهمية كبرى، ليصبح أحد روافد التمويل إلى جانب الإنفاق على التعاقدات، بما يحقق توازناً أكبر بين الطموح الرياضي والاستدامة الاقتصادية.
