لماذا ترفض الأندية الكبرى «الممر الشرفي» مع «الغريم التقليدي»؟

مشهد لإظهار الروح الرياضية تحول إلى أداة نكاية ورد اعتبار

ريال مدريد رفض القيام بممر شرفي لبرشلونة معاملة بالمثل (غيتي)
ريال مدريد رفض القيام بممر شرفي لبرشلونة معاملة بالمثل (غيتي)
TT

لماذا ترفض الأندية الكبرى «الممر الشرفي» مع «الغريم التقليدي»؟

ريال مدريد رفض القيام بممر شرفي لبرشلونة معاملة بالمثل (غيتي)
ريال مدريد رفض القيام بممر شرفي لبرشلونة معاملة بالمثل (غيتي)

مع قرب إسدال الستار على معظم الدوريات الكروية العالمية ومنها الدوري السعودي، كثر الحديث مؤخرا حول الممرات الشرفية للأندية البطلة عند حلولها ضيفة على أندية أخرى «بعد حسم اللقب»، وتساءل كثيرون عن أهميتها حاضرا وعلى الصعيد التاريخي وما إلى ذلك من نقاشات لا تنتهي عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

ويواجه فريق النصر ضغطاً إعلامياً وجماهيرياً للقيام بممر شرفي لنادي الهلال المتوج بلقب الدوري السعودي للمحترفين لكرة القدم هذا الموسم، لكن النادي الأصفر لا يفكر على الإطلاق في القيام بذلك لاعتبارات المنافسة بين الطرفين وحساسية الموقف مع جماهيره.

ويعد الممر الشرفي من التقاليد الإنجليزية القديمة في كرة القدم، وانطلق عام 1955 لتكريم الأبطال عندما قرر مانشستر يونايتد الوقوف لتحية الأبطال تشيلسي حينها، بقرار من المدرب السير مات بوسبي الذي استنبط الفكرة من لعبة الرغبي التي كانت تطغى عليها التقاليد البريطانية التاريخية، ومنها الممرات الشرفية التي كانت تحدث بين الملوك والأمراء والمحاربين في العرف البريطاني القديم لتنتقل إلى الرياضة كرمز لتكريم الفرق الفائزة أو الأساطير المكرمين من الأندية.

وتقوم فكرة «الممر الشرفي» على أن يصطف لاعبو الفريق المقابل يمينا ويسارا على مدخل الملعب في صفين متوازيين، ليمر من بينهما لاعبو الفريق الذي حقق لقب الدوري لتحيته كفريق بطل، وفي بعض الحالات يتم تقديم ورود للاعبي الفريق كعرف بات سائداً في بريطانيا لأبطال الدوري والكأس، وعلى الرغم من ذلك فلا يوجد قانون يلزم الأندية بالوقوف لتحية الأبطال، فهو خيار متاح للفريق لإظهار التقدير للبطل.

وعلى الرغم من كونه عرفا بريطانيا قديما، فإن الفكرة لها معارضون كما لها مؤيدون، ويعتمد الأمر كثيراً على العداء والكراهية بين الفريقين، على سبيل المثال رفض نادي رينجرز الأسكوتلندي إقامة ممر شرفي للغريم التقليدي سيلتيك الموسم الماضي بسبب الكراهية والعداء بين الطرفين، حتى إن النادي أصدر بيانا يؤكد عدم إقامة الممر، حيث لم يشهد ديربي الأولد فيرم بين الطرفين حتى الآن أي ممر شرفي في التاريخ، بل شهد رفض ذلك كثيرا على الرغم من إقامة كثير من المواجهات بين الطرفين في وجود فريق حسم لقب الدوري.

وفي إنجلترا كان الممر الشرفي بين الأندية التاريخية الأربعة مانشستر يونايتد وليفربول وإيفرتون وآرسنال غير حاضر في الثمانينات أو التسعينات بسبب حدة التنافس ورفض كل الأطراف القيام بذلك، بل إن النقاش حوله كان شبه محظور بسبب قوة الرفض للممر الشرفي.

لاعبو فريق آرسنال لحظة القيام بممر شرفي لفريق مانشستر يونايتد قبل نحو 20 عاماً (غيتي)

وفي 2005 ظهر الممر الشرفي بعد غياب طويل بين أندية النخبة في إنجلترا، عندما قرر المدرب الأسطوري لمانشستر يونايتد السير أليكس فيرغسون إقامة ممر شرفي لبطل «البريميرليغ» الجديد تشيلسي، حيث أشارت «الديلي ميل» إلى أن سبب رغبة السير أليكس فيرغسون في إقامة الممر الشرفي هو الإشارة إلى آرسنال المنافس المباشر لمانشستر يونايتد في ذلك الوقت، حيث لم يقم أي طرف من الطرفين بعمل ممر شرفي للآخر، وقال السير أليكس فيرغسون بعد المباراة: «عندما وقفنا في ممر شرفي لتشيلسي البطل الجديد، لم تكن لدي أي نية للاستسلام أمام ثروة أبراموفيتش مالك تشيلسي، بل هو احترام للبطل».

وعاد تشيلسي في عام 2007 لرد الممر الشرفي لمانشستر يونايتد عندما وقف لاعبو تشيلسي لتحية الأبطال حينها مانشستر يونايتد بقرار كان يراه تشيلسي رد احترام لمانشستر يونايتد بعد الممر الذي تم عام 2005، يذكر أن العداوة بين الفريقين لم تكن كبيرة في ذلك الوقت ولا يمكن أن تقارن بعداوة مانشستر يونايتد مع ليفربول أو آرسنال.

وكان الممر الشرفي الأشهر في تاريخ كرة قدم إنجلترا هو الذي قام به آرسنال 2013 بالوقوف لتحية أبطال إنجلترا حينها مانشستر يونايتد بقيادة السير أليكس فيرغسون ولاعب آرسنال السابق الذي تقدم لاعبي مانشستر يونايتد فان بيرسي، في مشهد لا يمكن أن يمحى من ذاكرة الكرة الإنجليزية، وفي إعلان لنهاية حقبة تنافسية بين مانشستر يونايتد وآرسنال بقيادة السير أليكس فيرغسون وأرسين فينغر.

وقام ليفربول بعمل ممر شرفي عام 2015 للبطل تشيلسي أيضاً، وقام تشيلسي برد ذلك لنادي ليفربول عندما حصل على لقب البريميرليغ عام 2020، حيث وقف لاعبو تشيلسي لتحية لاعبي ليفربول.

وكان الممر الشرفي الأخير الذي أقيم من مانشستر سيتي للبطل ليفربول 2020 أحد أكثر الممرات الشرفية تقديراً في إنجلترا، نظراً للتنافس الشديد بين الفريقين تحت قيادة يورغن كلوب وبيب غوارديولا، إلا أن مانشستر سيتي لم يتردد في إظهار الاحترام للبطل ليفربول بتحيته بممر شرفي حينها.

وفي إسبانيا كان الممر الشرفي حاضراً منذ 1988 حينما وقف لاعبو فريق برشلونة الإسباني على جنبات ملعب الكامب نو، لتحية لاعبي فريق ريال مدريد الذين حسموا لقب الدوري الإسباني قبل نهايته بعدة جولات، وفي عام 1991 كان الرد من لاعبي ريال مدريد لصالح فريق برشلونة بعدما وقفوا لهم بممر شرفي بعد حسم لقب الدوري.

وتاريخ الممر الشرفي في إسبانيا مر بحالات بين الرفض والقبول، وفي أحيان كثيرة يُقام من أجل الانتصار للروح الرياضية رغم كراهية القيام به، كما تشير تصريحات بعض المدربين واللاعبين، فالفيردي مدرب فريق برشلونة قال في موسم 2017 إن الممر الشرفي فقد جوهره، وذلك بعدما رفض النادي الكاتالوني إقامة ممر شرفي للاعبي فريق ريال مدريد عقب تحقيق الأخير لقب بطولة كأس العالم للأندية، بحجة أن البطولة لم يوجد بها فريق برشلونة.

وفي الموسم ذاته، تخلى ريال مدريد عن العرف السائد ورفض إقامة ممر شرفي لفريق برشلونة بطل ذلك الموسم، حيث علل مدربه الفرنسي زيدان بأن برشلونة هو من كسر هذا العُرف بتجاهل تحقيق ريال مدريد لقب بطولة كأس العالم.

وكان آخر ممر شرفي بين عملاقي الكرة الإسبانية في عام 2008، حينما توج ريال مدريد بلقب الدوري وخسر حينها برشلونة الذي أقام ممراً شرفياً لريال مدريد تلك المباراة برباعية.


مقالات ذات صلة

«مصادر»: هيوز يقترب من الهلال… والإدارة الجديدة ترسم ملامح المرحلة المقبلة

رياضة سعودية الاسكوتلندي ريتشارد هيوز (نادي ليفربول)

«مصادر»: هيوز يقترب من الهلال… والإدارة الجديدة ترسم ملامح المرحلة المقبلة

تتواصل داخل أروقة نادي الهلال اجتماعات مكثفة ومستمرة لرسم ملامح المرحلة القادمة على الصعيدين الإداري والفني.

حامد القرني (تبوك)
رياضة سعودية المدرب السعودي سعد الشهري (تصوير: عيسى الدبيسي)

سعد الشهري يدرس عروض الفتح والفيحاء ونادٍ قطري

كشفت مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط» أن المدرب السعودي سعد الشهري تلقى خلال الفترة الحالية اهتماماً جاداً من ناديي الفتح والفيحاء.

حامد القرني (تبوك)
رياضة سعودية لاعب الوسط علي هزازي (نادي القادسية)

الدرعية يطرق باب القادسية للفوز بخدمات علي هزازي

كشفت مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط» أن إدارة نادي الدرعية تضع لاعب الوسط علي هزازي، لاعب القادسية، ضمن أبرز أهدافها.

حامد القرني (تبوك)
رياضة سعودية  بدر الرزيزاء رئيس القادسية (نادي القادسية)

القادسية يوجه كشافيه إلى كأس العالم لرصد المواهب استعداداً للموسم الجديد

يعكس التعاقد مع المغربي سفيان الكرواني جانباً من مشروع أوسع يعمل عليه القادسية خلف الكواليس، عنوانه بناء شبكة كشف ومتابعة عالمية.

علي القطان (الدمام)
رياضة عالمية ميريح دميرال (النادي الأهلي)

الصحافة التركية: «دميرال الأهلي» يقترب من فنربخشة... ووافق على خفض راتبه

تصدرت أنباء عودة مدافع الأهلي السعودي ميريح دميرال إلى فنربخشة عناوين الصحافة التركية خلال الساعات الماضية، وسط حديث متزايد عن تقدم المفاوضات بين الطرفين.

فاتن أبي فرج (بيروت)

تحضيرات المونديال: «عاصفة قادمة» توقف مباراة السعودية وبورتوريكو الودية

شاشة الملعب تـظهر توقف المباراة بين السعودية وبورتوريكو (سعد السبيعي)
شاشة الملعب تـظهر توقف المباراة بين السعودية وبورتوريكو (سعد السبيعي)
TT

تحضيرات المونديال: «عاصفة قادمة» توقف مباراة السعودية وبورتوريكو الودية

شاشة الملعب تـظهر توقف المباراة بين السعودية وبورتوريكو (سعد السبيعي)
شاشة الملعب تـظهر توقف المباراة بين السعودية وبورتوريكو (سعد السبيعي)

أوقف حكم مباراة المنتخب السعودي ونظيره بورتوريكو المواجهة الودية المقامة على ملعب كيو 2 في مدينة أوستن الأميركية، ضمن استعدادات الأخضر لكأس العالم 2026، بسبب تحذيرات جوية مرتبطة باقتراب عاصفة مطرية من محيط الملعب.

لاعبو السعودية توقفوا لشرب الماء قبل الدخول لغرفة الملابس (رويترز)

وكانت النتيجة تشير إلى التعادل السلبي (0-0) عند توقف المباراة في الدقيقة 21 ، قبل أن يطلب الحكم من لاعبي المنتخبين التوجه إلى غرف الملابس كإجراء احترازي ونشرت «الشرق الأوسط» عبر مراسلها، فيديو لتوقف المباراة بسبب تحذيرات جوية.

ومضى نحو 35 دقيقة على توقف اللقاء دون عودة اللاعبين إلى أرضية الملعب، في انتظار تقييم الأوضاع الجوية واتخاذ القرار المناسب بشأن استئناف المواجهة.

لاعب منتخب بورتوريكو جيوفاني كالديرون خلال المباراة الودية أمام المنتخب السعودي على ملعب (رويترز) كيو تو

وفي الوقت ذاته، بثت الشاشات العملاقة في ملعب كيو 2 رسائل للجماهير دعت فيها إلى توخي الحذر واتباع تعليمات المنظمين بسبب سوء الأحوال الجوية والتحذيرات المرتبطة بالعاصفة المتوقعة.

ويتوقع أن يقرر الحكم إلغاء المباراة في حال استمرّت العاصفة لنحو ساعة وذلك وفقاً لتعليمات فيفا.

وهطلت أمطار غزيرة على الملعب بعد مرور 40 دقيقة من توقف المباراة.


الأخضر السعودي يتحدّى الوقت قبل «المونديال»

لاعبو المنتخب السعودي خلال التحضيرات فجر الجمعة في أوستن الأميركية (الاتحاد السعودي)
لاعبو المنتخب السعودي خلال التحضيرات فجر الجمعة في أوستن الأميركية (الاتحاد السعودي)
TT

الأخضر السعودي يتحدّى الوقت قبل «المونديال»

لاعبو المنتخب السعودي خلال التحضيرات فجر الجمعة في أوستن الأميركية (الاتحاد السعودي)
لاعبو المنتخب السعودي خلال التحضيرات فجر الجمعة في أوستن الأميركية (الاتحاد السعودي)

يدخل المنتخب السعودي بطولة كأس العالم 2026، التي ستنطلق الخميس المقبل، وسط تحديين متزامنين؛ ضيق الوقت وقوة المنافسة.

فبينما صنّفت إحصائيات «أوبتا» المجموعة الثامنة، التي تضُمّ السعودية وإسبانيا وأوروغواي والرأس الأخضر، ضمن سادس أصعب مجموعات البطولة، يواصل اليوناني جورجيوس دونيس سباقه لتجهيز «الأخضر» بعد توليه المهمة قبل 6 أسابيع فقط.

وفي حديث خاص لـ«الشرق الأوسط»، كشف دونيس أن المنتخب خاض 4 حصص تدريبية فقط قبل مواجهة الإكوادور الودية، في ظلّ محاولة الجهاز الفني إيصال أفكاره الفنية للاعبين خلال فترة إعداد قصيرة للغاية.

كما يترقّب الجهاز الطبي نتائج الفحوصات الخاصة بالمدافع حسان تمبكتي بعد شعوره بآلام في العضلة الخلفية خلال معسكر أوستن الأميركي، وسط مؤشرات أولية تؤكد أن الإصابة لا تدعو للقلق.

وبين سباق الزمن وقوة المجموعة، يخوض المنتخب السعودي واحدة من أكثر استعداداته المونديالية تعقيداً خلال العقود الأخيرة.


كيف يحاول دونيس بناء منتخب سعودي مونديالي في الوقت الضائع؟

دونيس أوقف التدريبات كثيراً لمعالجة أخطاء اللاعبين (المنتخب السعودي)
دونيس أوقف التدريبات كثيراً لمعالجة أخطاء اللاعبين (المنتخب السعودي)
TT

كيف يحاول دونيس بناء منتخب سعودي مونديالي في الوقت الضائع؟

دونيس أوقف التدريبات كثيراً لمعالجة أخطاء اللاعبين (المنتخب السعودي)
دونيس أوقف التدريبات كثيراً لمعالجة أخطاء اللاعبين (المنتخب السعودي)

يخوض اليوناني جورجيوس دونيس سباقاً مختلفاً عن بقية مدربي كأس العالم 2026. فبينما وصل معظم منافسيه إلى البطولة بعد سنوات من العمل وبناء الأفكار وصقل المجموعات، وجد مدرب المنتخب السعودي نفسه أمام مهمة استثنائية عنوانها اختصار الزمن.

عندما قرر الاتحاد السعودي لكرة القدم إجراء التغيير الفني قبل أقل من 6 أسابيع على انطلاق النهائيات، لم يكن يبحث عن مشروع طويل الأمد بقدر ما كان يبحث عن رجل يعرف البيئة المحلية ويستطيع التدخل بسرعة في لحظة حساسة. ولهذا؛ جاء الاختيار على دونيس، المدرب الذي يعرف تفاصيل الكرة السعودية أكثر من معظم المدربين الأجانب الذين عملوا فيها خلال العقد الأخير.

لكن معرفة الدوري السعودي تختلف تماماً عن قيادة منتخب وطني في كأس العالم. فالمهمة الحالية لا تمنح المدرب اليوناني رفاهية الوقت، ولا تسمح له بإعادة تشكيل الفريق وفق رؤيته الكاملة، بل تفرض عليه العمل بما هو متاح، ومحاولة الوصول إلى أعلى درجات الجاهزية خلال أسابيع قليلة فقط.

لاعبو المنتخب السعودي خلال التحضيرات (المنتخب السعودي)

لهذا السبب لم يكن مستغرباً أن يبدو عامل الوقت هو الهاجس الأكبر في كل حديث أدلى به دونيس منذ وصوله إلى معسكر المنتخب في الولايات المتحدة. فبعد الخسارة الودية أمام الإكوادور بنتيجة 2 – 1، لم يتحدث المدرب كثيراً عن النتيجة بقدر ما تحدث عن الواقع الذي يعيشه المنتخب. وأوضح أن الفريق خاض أربع حصص تدريبية فقط قبل المباراة، وأن الجهاز الفني وجد نفسه مطالباً بإيصال أفكاره الفنية للاعبين في زمن قياسي، مع المحافظة في الوقت نفسه على التوازن بين تطوير الأداء وتحقيق النتائج.

وتكشف هذه الكلمات عن طبيعة المرحلة الحالية. فالسعودية لا تدخل البطولة وهي تبحث عن بناء منتخب جديد، بل تحاول تجهيز منتخب موجود بالفعل لخوض منافسات واحدة من أصعب النسخ في تاريخ كأس العالم، في مجموعة تضم إسبانيا بطلة أوروبا، وأوروغواي صاحبة التاريخ المونديالي العريق، والرأس الأخضر الباحثة عن كتابة فصلها الأول في البطولة.

سالم الدوسري سيشارك في المونديال الثالث على التوالي (المنتخب السعودي)

في أوستن الأميركية، حيث يواصل «الأخضر» استعداداته، يدرك دونيس أن هامش الخطأ يضيق يوماً بعد يوم. فكل حصة تدريبية باتت تساوي الكثير، وكل إصابة محتملة قد تفرض حسابات جديدة. ولهذا جاءت الأنباء المتعلقة بحسان تمبكتي لتسلط الضوء على حساسية المرحلة، بعدما لم يكمل المدافع الدولي إحدى الحصص التدريبية بسبب شعوره بآلام في العضلة الخلفية للفخذ.

ورغم أن المؤشرات الأولية أكدت أن الإصابة بسيطة ولا تدعو للقلق، فإن مجرد تعرض أحد العناصر الأساسية لمشكلة بدنية قبل أيام من انطلاق البطولة يوضح حجم التحديات التي تواجه الجهاز الفني. فالمنتخب يدخل النهائيات بقائمة محدودة الخيارات في بعض المراكز، ويحتاج إلى جاهزية كاملة لجميع عناصره الأساسية.

عبد الله آل سالم يسعى لفرض نفسه في التشكيلة النهائية (المنتخب السعودي)

ولعل هذا ما يفسر أيضاً قرار دونيس بالإبقاء على بعض اللاعبين المستبعدين داخل المعسكر رغم إعلان القائمة النهائية لكأس العالم. فقد استبعد المدرب الحارسين عبد القدوس عطية وعبد الرحمن الصانبي، إلى جانب زكريا هوساوي، وصالح أبو الشامات وعبد الله آل سالم، لكنه طلب استمرار عدد منهم مع المنتخب؛ تحسباً لأي تطورات طبية أو إصابات مفاجئة قبل المباراة الأولى.

ويستند هذا القرار إلى لوائح البطولة التي تسمح باستبدال أي لاعب يتعرض لإصابة تمنعه من المشاركة قبل 24 ساعة من المباراة الأولى، كما تسمح باستبدال حراس المرمى في أي وقت خلال البطولة.

أما القائمة النهائية نفسها، فتعكس بوضوح فلسفة المدرب في هذه المرحلة. فهي قائمة تعتمد على الاستقرار أكثر من المغامرة، وتجمع بين عناصر الخبرة والوجوه الشابة. ففي حراسة المرمى حضر محمد العويس ونواف العقيدي وأحمد الكسار، في حين ضم الخط الخلفي أسماء مثل عبد الإله العمري، وحسان التمبكتي، وعلي لاجامي، وحسن كادش، وسعود عبد الحميد، ومتعب الحربي ونواف بوشل.

وفي الوسط يواصل محمد كنو، وعبد الله الخيبري وناصر الدوسري حمل الجزء الأكبر من المسؤولية، إلى جانب مجموعة من الأسماء الشابة مثل زياد الجهني، ومصعب الجوير وعلاء آل حجي، في حين يبقى سالم الدوسري القائد والرمز الأبرز في الجانب الهجومي، إلى جانب فراس البريكان، وصالح الشهري وعبد الله الحمدان.

عبد الرحمن الصانبي خلال التدريبات رغم القرار بإبعاده عن القائمة النهائية (المنتخب السعودي)

لكن قراءة دونيس للمشهد لا تتوقف عند الأسماء فقط. فالمدرب يرى أن المشكلة الرئيسية ليست في المواهب أو الإمكانات، بل في التفاصيل الصغيرة التي تصنع الفارق في البطولات الكبرى. وبعد مواجهة الإكوادور، بدا واضحاً أنه خرج بانطباعين متناقضين. فمن جهة، أعجبه ما قدمه اللاعبون خلال فترات طويلة من المباراة، خصوصاً في الشوط الأول، ومن جهة أخرى شعر بأن الفريق دفع ثمن أخطاء محددة كان يمكن تجنبها.

وأوضح المدرب أن المنتخب نجح في خلق فرص حقيقية وكان قادراً على تسجيل أكثر من هدف، لكنه لم يستثمر تلك الفرص كما يجب، قبل أن يستقبل هدفاً من كرة ثابتة رغم أن المنافس لم يفرض ضغطاً هجومياً كبيراً على مرماه.

ومن هنا جاءت رسالته الأساسية للاعبين. ففي كأس العالم، لا تكون الفوارق دائماً مرتبطة بالاستحواذ أو عدد الفرص أو حتى مستوى الأداء العام، بل غالباً ما تحسمها تفاصيل صغيرة للغاية. كرة ثابتة، خطأ في التمركز، تمريرة خاطئة عند بناء اللعب، أو لحظة تردد داخل منطقة الجزاء.

لهذا؛ ركز دونيس خلال الأيام الماضية على جانبين أساسيين: تحسين التعامل مع الكرات الثابتة، وتقليل المخاطر أثناء بناء اللعب من الخلف. وهو يرى أن المنتخب يحتاج إلى أن يكون أكثر ذكاءً تكتيكياً، وأن يتعلم متى يغامر ومتى يكتفي بالحلول الآمنة.

كما بدا واضحاً من تصريحاته أنه يعطي أهمية كبيرة للجانب الذهني. فالرجل تحدث أكثر من مرة عن الانضباط والالتزام والروح القتالية، وأكد أنه خرج راضياً عن الجهد الذي بذله اللاعبون أمام الإكوادور. وبالنسبة إليه، فإن أي تقييم للمباراة يجب أن يبدأ من حقيقة أن اللاعبين قدموا كل ما لديهم داخل الملعب.

لكن دونيس يعرف أيضاً أن الجهد وحده لا يكفي. فالمونديال لا يكافئ الفرق الأكثر اجتهاداً دائماً، بل يكافئ الفرق التي ترتكب أخطاء أقل من منافسيها.

ومع اقتراب موعد مواجهة أوروغواي في افتتاح المشوار المونديالي، تبدو الصورة واضحة أمام المدرب اليوناني. فهو لا يملك الوقت الكافي لإحداث ثورة فنية شاملة، ولا يملك رفاهية التجريب، لكنه يملك فرصة لبناء فريق أكثر تنظيماً وانضباطاً وقدرة على المنافسة.

اللاعبون يبذلون الجهود ليكونوا على قدر التطلعات (المنتخب السعودي)

وربما لهذا السبب لا يتحدث دونيس عن الأحلام الكبيرة أو الوعود الطموحة. فكل ما يريده حالياً هو أن يصل المنتخب إلى يوم المباراة الأولى وهو أكثر جاهزية مما كان عليه قبل أسبوع، ثم أكثر جاهزية قبل مباراة إسبانيا، ثم أكثر جاهزية قبل مواجهة الرأس الأخضر.

إنها مهمة تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها في الحقيقة واحدة من أصعب المهمات التي واجهها أي مدرب للمنتخب السعودي في العقود الأخيرة. فبين ضيق الوقت وضغط الجماهير وقوة المجموعة والمطالب المرتفعة، يحاول دونيس أن يفعل ما لا يستطيع كثير من المدربين فعله: أن يبني منتخباً مونديالياً في الوقت الضائع.

وخلال الأيام القليلة المقبلة، سيكون السؤال الذي يرافق المنتخب السعودي في الولايات المتحدة بسيطاً وواضحاً: هل تكفي أسابيع قليلة لإنجاز عمل يحتاج عادة إلى سنوات؟ هذا هو التحدي الحقيقي الذي يقف أمام جورجيوس دونيس، قبل أن يبدأ التحدي الأكبر داخل الملعب.