«غزو الفضاء يطرق أبواب وول ستريت»... «سبايس إكس» على أعتاب طرح تاريخي

صاروخ «ستار شيب» العملاق التابع لشركة «سبايس إكس» يستعد لرحلة تجريبية من قاعدة ستار بيس في بوكا تشيكا بتكساس (أ.ب)
صاروخ «ستار شيب» العملاق التابع لشركة «سبايس إكس» يستعد لرحلة تجريبية من قاعدة ستار بيس في بوكا تشيكا بتكساس (أ.ب)
TT

«غزو الفضاء يطرق أبواب وول ستريت»... «سبايس إكس» على أعتاب طرح تاريخي

صاروخ «ستار شيب» العملاق التابع لشركة «سبايس إكس» يستعد لرحلة تجريبية من قاعدة ستار بيس في بوكا تشيكا بتكساس (أ.ب)
صاروخ «ستار شيب» العملاق التابع لشركة «سبايس إكس» يستعد لرحلة تجريبية من قاعدة ستار بيس في بوكا تشيكا بتكساس (أ.ب)

في اللحظة التي تتطلع فيها أسواق المال العالمية إلى نقطة تحول تاريخية، تحبس «وول ستريت» أنفاسها ترقباً لحدث قد يعيد تشكيل خريطة الثروة والنفوذ في العالم... «سبايس إكس»، عملاق الفضاء والتكنولوجيا، تقف اليوم على بعد خطوة واحدة من أكبر طرح عام أوَّلي في التاريخ البشري؛ خطوة لا تمثل مجرد إدراج مالي ضخم بقيمة تريليونية، بل قد تُدخل إيلون ماسك رسمياً إلى النادي الأسطوري كأول «تريليونير» في التاريخ، وتفتح الباب على مصراعيه لعهد جديد من الاستثمارات التي تتجاوز حدود الأرض.

وستكون الشركة أول المغادرين لخط البداية بين عمالقة التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي الذين يتطلعون إلى الأسواق العامة، حيث يُتوقع أن تتبعها شركتا «أوبن إيه آي» (OpenAI) و«أنثروبيك» (Anthropic)، بعد أن تقدمتا بطلباتهما إلى الجهات التنظيمية لتدشين ظهورهما الأول في السوق.

وإذا سارت الأمور كما هو متوقع، فإن شركة الفضاء والصواريخ التي شارك ماسك في تأسيسها عام 2002 ستبدأ التداول في بورصة «ناسداك» صباح الجمعة، وسط ترقب شديد من «وول ستريت» لكيفية استيعاب هذا الطرح الضخم الذي قد يُحدث هزات ارتدادية في الأسواق العالمية.

ووفقاً للتقاليد المتبعة للشركات الكبرى، يشهد اليوم الأول للتداول قيام المديرين التنفيذيين بقرع جرس الافتتاح للاحتفال ببدء الجلسة، وفي هذه الحالة سيكون الحدث في ساحة «تايمز سكوير» بنيويورك، المقر الرئيسي لبورصة «ناسداك».

ويمثل هذا الطرح أكبر مقامرة مالية لماسك حتى الآن، حيث تم دمج شركته للذكاء الاصطناعي «إكس إيه آي» ومنصة التواصل الاجتماعي «إكس» (تويتر سابقاً) ضمن مظلة طرح «سبايس إكس»، بعد أن ضمهما الملياردير إلى الشركة في وقت سابق من هذا العام.

وتعتزم الشركة طرح أكثر من 555 مليون سهم بسعر متوقع يبلغ 135 دولاراً للسهم، مما يضع «سبايس إكس» بين النخبة الأكثر تميزاً في «وول ستريت» بقيمة سوقية تقارب 1.8 تريليون دولار.

وستصبح العملية رسمية يوم الخميس، بما في ذلك تحديد السعر النهائي، وسط تساؤلات تدور حول ما إذا كانت الشركة سترفع سعر العرض بعد تقارير أفادت بأن الاكتتاب جذب طلبات تفوق الأسهم المتاحة بأربعة أضعاف، وفقاً لوكالة «بلومبرغ». وسيتم تخصيص 30 في المائة من الأسهم للمستثمرين الأفراد، وهو ثلاثة أضعاف المبلغ الذي يتم تخصيصه عادةً في الطروحات الأولية، مما يمنح عشاق ماسك فرصة سانحة لاقتناص حصة في الشركة.

مراكز بيانات في الفضاء

ويعتمد نجاح هذا الطرح العام الأولي بشكل مباشر على إيمان المستثمرين برؤية ماسك كرائد أعمال مستقبلي؛ حيث سيشغل الملياردير الأميركي منصب الرئيس التنفيذي، ورئيس تكنولوجيا المعلومات، ورئيس مجلس إدارة الشركة المدرجة حديثاً. ويُتوقع أن يصنع هذا الطرح آلاف المليونيرات الجدد وعديداً من المليارديرات، حيث يتطلع الموظفون الحاليون والسابقون -وقائمة طويلة من المستثمرين- طوال ربع قرن من تاريخ الشركة إلى جني الأرباح المادية.

ومع ذلك، فإن البيانات المالية للشركة تجعل البعض في «وول ستريت» يتريثون؛ إذ تعتمد التقييمات الضخمة إلى حد كبير على وفاء ماسك بوعود أشبه بخيال علمي، بما في ذلك وضع مراكز البيانات في الفضاء الخارجي وإرسال البشر إلى كوكب المريخ باستخدام تقنيات لم تثبت كفاءتها بعد.

وفي حين أن الشركة تنمو بسرعة كبيرة -حيث بلغت إيراداتها 18.7 مليار دولار في عام 2025- إلا أنها تكبَّدت أيضاً خسائر مالية، مسجلةً صافي خسارة بلغ 4.9 مليار دولار. لكن في المقابل، تضمَّن ملف إدراج «سبايس إكس» توقعات استثنائية تشير إلى قدرتها على تحقيق إيرادات تتجاوز 28.5 تريليون دولار من أسواقها المتنوعة.


مقالات ذات صلة

«سبايس إكس» على أعتاب أكبر اكتتاب في التاريخ

الاقتصاد إعلان الاكتتاب العام لشركة «سبايس إكس» على مقر «مورغان ستانلي» في نيويورك (رويترز)

«سبايس إكس» على أعتاب أكبر اكتتاب في التاريخ

تستعد شركة «سبايس إكس»، التابعة للملياردير الأميركي إيلون ماسك، لدخول التاريخ المالي العالمي من أوسع أبوابه...

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد شعار شركة «سبايس إكس» وكلمة «اكتتاب عام أوَّلي» ورسم بياني لارتفاع سعر السهم (رويترز)

«سبايس إكس» تقتحم «وول ستريت» بمراكز بيانات مدارية... والمضاربون يتوجسون من ماسك

أعلن الملياردير إيلون ماسك أن بناء مراكز بيانات مدارية تعمل بالذكاء الاصطناعي لا يشكل تحدياً هندسياً معقداً، في وقت تتأهل الأسواق لطرح الشركة التاريخي.

الاقتصاد شعار «بيربليكسيتي» (رويترز)

«بيربليكسيتي» للذكاء الاصطناعي تخطط لطرح أسهمها للاكتتاب العام في عام 2028.

كشفت شركة «بيربليكسيتي» الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي، عن خططها للمضي قدماً في طرح أسهمها للاكتتاب العام الأولي في 2028.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد شعار «أوبن إيه آي» (رويترز)

«أوبن إيه آي» تفتح الباب أمام إدراج تاريخي في «وول ستريت» بتقييم يناهز 852 مليار دولار

تقدمت شركة «أوبن إيه آي» بأوراق تمهيدية سرية إلى هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية تمهيداً لتحولها إلى شركة مساهمة عامة مدرجة.

«الشرق الأوسط» (سان فرانسيسكو)
تحليل إخباري شعار «سبايس إكس» وكلمة «اكتتاب عام أولي» ورسم بياني لارتفاع سعر السهم (رويترز)

تحليل إخباري لماذا يتعين على «سبايس إكس» الانتظار طويلاً للانضمام إلى «إس آند بي 500»؟

تواجه شركة «سبايس إكس» مساراً معقداً للانضمام إلى مؤشر «إس آند بي 500» العريق، وذلك بعد أن رفضت مؤسسة «إس آند بي داو جونز للمؤشرات» تعديل قواعدها.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

ضغوط التضخم تكبّل «المركزي التركي» وتدفعه لتثبيت الفائدة للمرة الثالثة

البنك المركزي التركي (الموقع الرسمي)
البنك المركزي التركي (الموقع الرسمي)
TT

ضغوط التضخم تكبّل «المركزي التركي» وتدفعه لتثبيت الفائدة للمرة الثالثة

البنك المركزي التركي (الموقع الرسمي)
البنك المركزي التركي (الموقع الرسمي)

فضّل البنك المركزي التركي «التمترس» خلف جدار التشدد النقدي لمواجهة العواصف الجيوسياسية المحيطة بالمنطقة؛ إذ ثبّتت لجنة السياسة النقدية سعر الفائدة على إعادة الشراء لمدة أسبوع (الريبو) عند مستواه الحالي البالغ 37 في المائة للمرة الثالثة على التوالي.

وجاء هذا القرار حذراً ومتوافقاً مع أوسع توقعات المراقبين، مدفوعاً بضغوط التضخم المتصاعدة وتقلبات أسعار الطاقة اللوجستية التي أفرزتها حالة الغموض الناجمة عن حرب إيران، وسط تأكيدات من الحاكم فاتح كارهان بأن جميع الخيارات التقييدية ستظل مطروحة على الطاولة حتى كبح جماح الأسعار صعوداً نحو المستهدفات البعيدة.

كما أبقت لجنة السياسة النقدية للبنك، في اجتماعها الخميس، على سعر الفائدة على الإقراض لليلة واحدة عند 40 في المائة، وسعر الفائدة على الاقتراض لليلة واحدة عند 35.5 في المائة، دون تغيير، بما يتوافق مع التوقعات السابقة.

وقالت اللجنة، في بيان عقب الاجتماع، إن الاتجاه العام للتضخم، الذي ارتفع في أبريل (نيسان) نتيجة تأثير تقليات أسعار الطاقة، انخفض قليلاً في مايو (أيار)، لكنها أشارت إلى استمرار تقلبات أسعار الطاقة والزيادات فيها نتيجة الغموض الناجم عن التطورات الجيوسياسية.

يواصل التضخم فرض ضغوط على البنك المركزي التركي في تحديد سعر الفائدة (إ.ب.أ)

وواصل معدل التصخم في أسعار المستهلكين ارتفاعه في مايو، مسجلاً زيادة بنسبة 1.71 في المائة على أساس شهري و32.61 في المائة على أساس سنوي، متجاوزاً التوقعات السابقة، ليصل إلى أعلى مستوى له منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2025.

وارتفع معدل التضخم بنسبة 4.18 في المائة، على أساس شهري في أبريل، فيما سجل المعدل السنوي ارتفاعاً إلى 32.37 في المائة، نتيجة التقلبات في أسعار الطاقة الناتجة عن حرب إيران ليتجاوز سقف التوقعات السابقة.

رصد التطورات الجيوسياسية

وذكرت لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي التركي، في بيانها، أنه يجري رصد آثار التطورات الجيوسياسية على توقعات التضخم من كثب من خلال قنوات التكلفة والنشاط الاقتصادي والتوقعات.

ولفت البيان إلى أن أسعار الطاقة لا تزال مرتفعة، وأن بيانات الربع الأول من العام تشير إلى استمرار تباطؤ النشاط الاقتصادي، كما تدل المؤشرات الرئيسية على استمرار ضعف الطلب المحلي.

وخفض البنك المركزي سعر الفائدة بمقدار 100 نقطة أساس في يناير (كانون الثاني) الماضي، من 38 إلى 37 في المائة. وأنهى، في مارس (آذار)، دورة التيسير النقدي التي استمرت 9 أشهر، مثبتاً سعر الفائدة عند 37 في المائة، وأبقاه دون تغيير منذ أبريل.

رئيس البنك المركزي التركي فاتح كارهان (موقع البنك)

وقال رئيس البنك المركزي التركي، فاتح كارهان، في تصريحات في أبريل، إنه لتجنب تدهور توقعات التضخم، ينبغي التركيز في هذه المرحلة على الآثار التضخمية قصيرة الأجل، مؤكداً أن جميع الخيارات مطروحة.

وأكدت اللجنة، في بيانها، أن سياسة التشدد النقدي، التي ستستمر حتى استقرار الأسعار، ستعزز عملية خفض التضخم من خلال الطلب وسعر الصرف وتوقعات السوق.

وذكرت أنها ستحدد الخطوات، التي يتعين اتخاذها فيما يتعلق بسعر الفائدة من خلال نهج حذر، وبطريقة تعمل على الحد من ارتفاع الاتجاه الأساسي للتضخم وتوفير الظروف النقدية والمالية التي من شأنها أن تهبط بالتضخم إلى الهدف المنشود على المدى المتوسط، وهو 5 في المائة، مع الأخذ في الاعتبار التأثيرات المتأخرة لتشديد السياسة النقدية.

وشددت على أنه سيتم استخدام جميع أدوات السياسة النقدية بشكل حاسم، وسوف تتخذ اللجنة قراراتها ضمن إطار متوقع ومستند إلى البيانات وشفاف، وسيتم تشديد السياسة حال حدوث انهيار مفاجئ لتوقعات التضخم.


ارتفاع طفيف في طلبات إعانة البطالة الأميركية مع استمرار متانة سوق العمل

لافتة «نبحث عن موظفين» موضوعة على نافذة أحد مطاعم شيبوتلي في مدينة نيويورك (رويترز)
لافتة «نبحث عن موظفين» موضوعة على نافذة أحد مطاعم شيبوتلي في مدينة نيويورك (رويترز)
TT

ارتفاع طفيف في طلبات إعانة البطالة الأميركية مع استمرار متانة سوق العمل

لافتة «نبحث عن موظفين» موضوعة على نافذة أحد مطاعم شيبوتلي في مدينة نيويورك (رويترز)
لافتة «نبحث عن موظفين» موضوعة على نافذة أحد مطاعم شيبوتلي في مدينة نيويورك (رويترز)

ارتفع عدد الأميركيين المتقدمين بطلبات للحصول على إعانات البطالة بشكل طفيف خلال الأسبوع الماضي، في إشارة إلى استمرار مرونة سوق العمل الأميركي في أوائل يونيو (حزيران).

وأعلنت وزارة العمل الأميركية، الخميس، أن الطلبات الأولية لإعانات البطالة الحكومية ارتفعت بمقدار 4 آلاف طلب لتصل إلى 229 ألف طلب، بعد التعديل الموسمي، للأسبوع المنتهي في 6 يونيو. وكان خبراء اقتصاديون استطلعت «رويترز» آراءهم قد توقعوا تسجيل 219 ألف طلب خلال الفترة نفسها.

وتتسم طلبات إعانة البطالة عادة بارتفاعات موسمية مع بداية فصل الصيف، إذ تسمح بعض الولايات للعاملين غير التدريسيين بالتقدم بطلبات خلال العطلات المدرسية الطويلة. غير أن هذه العوامل الموسمية لا تعكس دائماً التقلبات الفعلية في البيانات.

وكان الاقتصاد الأميركي قد سجل مكاسب قوية في التوظيف للشهر الثالث على التوالي خلال مايو (أيار)، وفق بيانات حكومية صدرت الأسبوع الماضي، فيما استقر معدل البطالة عند 4.3 في المائة للشهر الثالث أيضاً.

ويرى محللون أن جزءاً من قوة سوق العمل يعود إلى انخفاض معدلات التسريح، في وقت تشير فيه مؤشرات أخرى إلى تباطؤ في وتيرة التوظيف. فقد أظهر مسح للاتحاد الوطني للأعمال المستقلة هذا الأسبوع تراجع مؤشر التوظيف في مايو للشهر الثالث على التوالي، مع انخفاض نسبة الشركات التي تخطط لإضافة وظائف جديدة خلال الأشهر الثلاثة المقبلة إلى أدنى مستوى لها منذ ست سنوات.

ويعزو خبراء الاقتصاد هذا التباطؤ في التوظيف إلى حالة من عدم اليقين السياسي، بما في ذلك تأثير الرسوم الجمركية على الواردات، إضافة إلى تداعيات الحرب التي تقودها الولايات المتحدة مع إيران.

وفي سياق متصل، أظهر تقرير المطالبات أن عدد الأشخاص الذين يتلقون إعانات البطالة بعد الأسبوع الأول من المساعدة، وهو مؤشر على أوضاع التوظيف، ارتفع بمقدار 24 ألفاً ليصل إلى 1.795 مليون شخص خلال الأسبوع المنتهي في 30 مايو، بعد التعديل الموسمي.

ويواجه العاطلون عن العمل صعوبة كبيرة في العثور على فرص جديدة، إذ قفز عدد العاطلين عن العمل لمدة 27 أسبوعاً أو أكثر في مايو إلى أعلى مستوى له منذ ديسمبر (كانون الأول) 2021، وفقاً لتقرير التوظيف الأخير. كما ارتفع متوسط مدة البطالة إلى 11.6 أسبوع، وهو أعلى مستوى منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2021، مقارنة بـ11 أسبوعاً في أبريل (نيسان).


صدمة «هرمز» تضرب اقتصادات الخليج... والسعودية تتصدر المشهد في 2026

أشخاص يسبحون بينما ترسو سفن الشحن والتجارية في مضيق هرمز قبالة بندر عباس (أ.ف.ب)
أشخاص يسبحون بينما ترسو سفن الشحن والتجارية في مضيق هرمز قبالة بندر عباس (أ.ف.ب)
TT

صدمة «هرمز» تضرب اقتصادات الخليج... والسعودية تتصدر المشهد في 2026

أشخاص يسبحون بينما ترسو سفن الشحن والتجارية في مضيق هرمز قبالة بندر عباس (أ.ف.ب)
أشخاص يسبحون بينما ترسو سفن الشحن والتجارية في مضيق هرمز قبالة بندر عباس (أ.ف.ب)

يدخل الاقتصاد العالمي عام 2026 مرحلة بالغة الحساسية، مع تصاعد التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، التي ألقت بظلالها الثقيلة على مسار التعافي العالمي الهش، وأعادت رسم الخريطة الائتمانية والمالية العالمية.

وفي قلب هذه التحولات العاصفة، تقف اقتصادات مجلس التعاون الخليجي في مواجهة مباشرة مع تداعيات اضطرابات أسواق الطاقة وسلاسل التوريد جراء الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، وفق البنك الدولي. وفي حين وضعت هذه الصدمة نمو المنطقة تحت وطأة ضغوط شديدة دفعت بمعدلاته الإجمالية نحو مستويات تقارب الصفر، برزت السعودية في الصدارة كأقوى أداء اقتصادي متوقَّع بين جاراتها، مستندةً إلى مصدَّات مالية وقدرات لوجستية مرنة عززت من قدرتها على كبح تداعيات الأزمة الحالية.

وفقاً لتقرير «الآفاق الاقتصادية العالمية» الصادر عن مجموعة البنك الدولي لشهر يونيو (حزيران)، فإن ازدياد الضغوط التضخمية، وارتفاع أسعار الطاقة، وتشديد السياسات النقدية، تدفع النمو العالمي نحو مستويات متدنية؛ حيث تسببت هذه العوامل المجتمعة في خفض سقف توقعات البنك لمعدل النمو العالمي خلال عام 2026 ليصل إلى 2.5 في المائة مقارنةً بنحو 2.9 في المائة في عام 2025، ليرسم بذلك مساراً أدنى من توقعاته السابقة في يناير (كانون الأول) الماضي البالغة 2.6 في المائة.

وقد وضعت هذه الأزمة ثلثي اقتصادات العالم تحت مقصلة التعديلات الهبوطية، وسط تحذيرات شديدة اللهجة من انزلاق الاقتصاد العالمي إلى سيناريو أكثر قتامة يُعرف بـ«إجهاد الوقود والتمويل»؛ وهو ما قد يهبط بالنمو إلى 1.3 في المائة في حال تفاقمت اضطرابات الإمدادات وصاحبتها ضغوط مالية حادة، في حين تشير التقديرات إلى تعافٍ نسبي في عام 2027 إلى 2.8 في المائة، لكنه يظل أقل من متوسط العقد السابق.

ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع بالسعودية (واس)

أسواق الطاقة والتضخم وتداعيات «هرمز»

في صلب هذه الأزمة، تتصدر أسواق الطاقة المشهد، حيث تأثرت بشكل مباشر بالتطورات الجيوسياسية، لا سيما مع إغلاق مضيق هرمز، مما أدى إلى اضطرابات حادة في الإمدادات العالمية.

ويتوقع البنك الدولي أن يبلغ متوسط سعر خام برنت نحو 94 دولاراً للبرميل في 2026، بزيادة تقدر بنحو 36 في المائة مقارنةً بعام 2025، وذلك بشرط انحسار الاضطرابات بحلول شهر يوليو (تموز).

ولا تقتصر التداعيات على النفط، إذ يُتوقع أيضاً ارتفاع أسعار الأسمدة، مما يزيد الضغط على أسعار الغذاء العالمية، ويدفع معدل التضخم العالمي إلى نحو 4 في المائة مقارنةً بـ3.3 في المائة في 2025، مع احتمال ارتفاعه إلى 4.4 في المائة في حال تحقق السيناريو الأسوأ.

اقتصادات الخليج والشرق الأوسط في خط المواجهة الأول

ولم تكن الصدارة الاقتصادية للسعودية في التحديث الحالي لتقرير يونيو مفاجئة؛ إذ تؤكد أرقام أبريل (نيسان) الصادرة في تقرير سابق للبنك الدولي في أبريل، أن السعودية لم تنجح فقط في بناء «مصدات اقتصادية» صلبة، بل حوَّلت التحديات الجيوسياسية الراهنة إلى فرصة للتسريع من وتيرة التصحيح الهيكلي، متمثلة بنموها البالغ 3.1 في المائة.

تأتي التقديرات والنسب المحدثة الصادرة اليوم لتطابق هذا الاستشراف وتكرس ذلك التفوق البنيوي، حيث كشف البنك الدولي عن أرقام تعكس عمق الصدمة الإقليمية وفق النسب التالية:

  • تراجع نمو منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا: يتوقع البنك أن ينخفض النمو الإجمالي للمنطقة بحدة (مع استبعاد إيران لعدم اليقين الاستثنائي) ليسجل 1.6 في المائة فقط في عام 2026 مقارنةً بنحو 4 في المائة في عام 2025، مما يمثل مراجعة هبوطية حادة وقاسية بمقدار 2.7 نقطة مئوية عن توقعات يناير الماضي.
  • شبه شلل لدول الخليج والمنطقة: ولعل المؤشر الأكثر قتامة في التقرير الحالي لشهر يونيو، يكمن في انحدار النمو الإجمالي للدول المصدرة للنفط في الشرق الأوسط ليصل إلى 0.3 في المائة فقط لعام 2026، وهو تعديل هبوطي بمقدار 4.3 نقطة مئوية دفعةً واحدة منذ توقعات يناير الماضي، وذلك نتيجة لشلل خطوط الإنتاج والتصدير. ويعكس هذا الرقم تعميقاً حاداً للصدمة مقارنةً بتقرير البنك الصادر في أبريل الماضي، والذي كان قد خفّض فيه تقديرات نمو المنطقة حينها إلى 1.3 في المائة (من توقعات سابقة بلغت 4.4 في المائة)؛ حيث هبطت التقديرات الجديدة الحالية بنمو دول الخليج مجتمعةً من 3.9 في المائة في عام 2025 إلى مستويات تخنق النشاط الاقتصادي وتقترب من الصفر في عام 2026، قبل أن يرتد مجدداً نحو التعافي ليصل إلى نحو 5 في المائة خلال عامي 2027 و2028 مدفوعاً بتعافي حركة التجارة وبدء مشاريع إعادة الإعمار.

سفن راسية في مضيق هرمز كما تُرى من مسندم بعُمان (رويترز)

الهيكل الجيوسياسي لتفاوت الأداء

وعزا البنك الدولي هذا التفاوت الحاد في الأداء بين مصدِّري النفط في الشرق الأوسط إلى اختلاف درجة التعرض للأعمال العسكرية وحجم المصدات السياساتية؛ حيث أشار التقرير إلى أن التباطؤ سيكون أقل حدة في السعودية نظراً لقدرتها الاستراتيجية على تحويل مسار صادراتها النفطية بعيداً عن الشلل اللوجستي عبر خط أنابيب «شرق - غرب» المتجه للبحر الأحمر.

وفي سياق متصل، توقع البنك تباطؤاً ممتصاً ومهدّئاً في سلطنة عُمان؛ كونها أقل عُرضة للمخاطر المباشرة بسبب وقوع موانئها الرئيسية خارج نطاق مضيق هرمز المغلق. وعلى النقيض من ذلك، يربط التقرير الانهيار الحر والانكماش الحاد في اقتصادات الكويت وقطر والعراق بالهبوط الحاد القسري في إنتاج النفط نتيجة تضرر البنية التحتية للطاقة وتوقف شحنات الملاحة عبر المضيق، بالتزامن مع قفزات في تكاليف الشحن وتصاعد ضغوط الإنفاق الدفاعي والعسكري في تلك الموازنات.

تفاصيل الأداء بين دول الخليج

تأتي التقديرات الحالية المحدَّثة لتكرس الأرقام ذاتها التي استشرفها البنك الدولي في تقريره الصادر في أبريل الماضي حول حجم الفجوة في الأداء بين دول المنطقة على النحو التالي:

  • السعودية: على الرغم من تعميق البنك الدولي مراجعاته الهبوطية للمنطقة بأكملها في يونيو لتصل إلى 1.6 في المائة جراء صدمة هرمز، حافظت المملكة على صدارة الأداء الإقليمي؛ حيث يتوقع أن يبلغ نموها 3.1 في المائة خلال عام 2026 (بتراجع 1.2 نقطة مئوية عن تقديرات يناير نتيجة لظروف أسواق الطاقة)، على أن يرتد صعوداً وبقوة إلى 4.9 في المائة في عام 2027.
  • الإمارات: تراجعت توقعات نموها بمقدار 2.7 نقطة مئوية منذ يناير، ومن المتوقع الآن أن يتباطأ من 5 في المائة خلال عام 2025 إلى 2.4 في المائة خلال عام 2026. ومن المتوقع أن يرتفع مجدداً إلى 4.1 في المائة في 2027.
  • قطر: شهدت توقعات النمو للاقتصاد القطري انخفاضاً حاداً بمقدار 11.0 نقطة مئوية منذ يناير؛ إذ إنه يُتوقع أن يسجل انكماشاً بنسبة 5.7 في المائة من نمو إيجابي مقدّر بـ5.3 في المائة، بسبب الأضرار الجسيمة التي تعرّضت لها إمدادات الغاز السائل. وتُعدّ قطر لاعباً محورياً في سوق الطاقة العالمية، وتتراوح حصتها السوقية من إمدادات الغاز الطبيعي المسال عالمياً ما بين 20 في المائة و21 في المائة. ويتوقع البنك الدولي أن يرتفع النمو القطري مجدداً إلى 5.7 في المائة.
  • الكويت: يُتوقع أن يسجل اقتصادها انكماشاً بواقع 6.4 في المائة من نمو متوقع بـ2.6 في المائة خلال يناير. وتعتمد الكويت بنسبة 100 في المائة على مضيق هرمز لتصدير نفطها الخام ومشتقاته. وبالتالي، يعني إغلاق المضيق توقف شريان الحياة المالي للدولة بشكل كامل، مما يؤدي فوراً إلى توقف التدفقات النقدية الداخلة للموازنة. ولا مفارقة هنا أن البنك الدولي يتوقع أن يقفز النمو الاقتصادي الكويتي إلى 13.5 في المائة في 2027.
  • البحرين: تراجعت توقعات نموها بمقدار 1.8 نقطة مئوية منذ يناير، ومن المتوقع الآن أن يتباطأ من 3.1 في المائة خلال عام 2025 إلى 1.3 في المائة خلال عام 2026. ومن المتوقع أن يعاود ارتفاعه ليسجل 2.8 في المائة في 2027.
  • سلطنة عُمان: تراجعت توقعات النمو لاقتصاد عُمان بمقدار 1.2 نقطة مئوية منذ يناير، ويُتوقَّع الآن أن يتباطأ من 3.6 في المائة خلال عام 2025 إلى 2.4 في المائة خلال عام 2026. ومن المتوقع أن يرتفع إلى 3 في المائة في 2027.

ولعلّ الصدمة الكبرى تكمن في الانهيار الحر للاقتصاد العراقي؛ إذ هوت توقعات نموه من 6.5 في المائة إلى انكماش مرعب قدره 8.9 في المائة.

مصر تخالف التوجه الهبوطي

وعلى النقيض من الانكماش الحاد الذي خيّم على موازنات الدول النفطية المحاصرة في الخليج، رفع البنك الدولي توقعاته لنمو الاقتصاد المصري بمقدار 0.3 نقطة مئوية ليصل إلى 4.6 في المائة في 2026 (ليتراجع إلى 4 في المائة في 2027)؛ ويعود هذا الانتعاش النسبي إلى استفادة مصر اللوجستية والجغرافية مع تحول جزء كبير من حركة التجارة وسلاسل الإمداد الدولية نحو الممرات البديلة في البحر الأحمر وقناة السويس لتفادي شلل مضيق هرمز. كما أسهم تنوع الاقتصاد المصري وعدم اعتماده المباشر على صادرات الخليج النفطية في حمايته من الصدمة الفورية، بالتوازي مع التدفقات الأخيرة للاستثمارات الخارجية المباشرة وحزم الدعم الدولي التي وفرت سيولة أجنبية قوية، وعززت من مرونة الأنشطة غير النفطية والطلب المحلي في مواجهة الرياح الجيوسياسية المعاكسة.

سفن راسية في مضيق هرمز كما تُرى من مسندم بعُمان (رويترز)

توقعات متباينة

على الصعيد الإقليمي، تُظهر البيانات تفاوتاً في الأداء بين مناطق العالم، حيث تتصدر جنوب آسيا النمو رغم تباطؤه إلى 6.3 في المائة، فيما يبلغ النمو في شرق آسيا 4.2 في المائة، وأفريقيا جنوب الصحراء 4 في المائة.

أما أميركا اللاتينية فتسجل 2.2 في المائة، تليها أوروبا وآسيا الوسطى بـ2.1 في المائة، في حين تتأثر منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بشكل أكبر نتيجة الصراع، مع تراجع النمو إلى 1.6 في المائة في 2026 قبل التعافي إلى 5 في المائة في 2027.

وفي تعليقه على هذه التطورات القاسية، أكد رئيس مجموعة البنك الدولي، أجاي بانغا، أن التحدي الأكبر الماثل أمام الحكومات اليوم يكمن في تحقيق التوازن الدقيق بين حماية الاستقرار المالي الحالي والحفاظ على فرص النمو مستقبلاً. وأوضح بانغا أن البنك الدولي يعمل بشكل حثيث على دعم الدول المتضررة عبر توفير أدوات السيولة والتمويلات الطارئة، مع إبداء الاستعداد الكامل لتقديم حزم دعم إضافية في حال تفاقمت الأزمة، بهدف تمكين الاقتصادات من تجاوز الصدمة الهيكلية لأسواق الطاقة وتعزيز قدرتها على التعافي المستدام.

Your Premium trial has ended