قوافل الصحراء تُنقذ الاقتصاد العالمي وتكسر حصار «هرمز»

«معجزة لوجستية سعودية» تدرأ عن الغذاء الدولي خطر الأزمات

رجل يعمل في هيئة النقل السعودية يراقب إحدى الشاحنات (هيئة النقل)
رجل يعمل في هيئة النقل السعودية يراقب إحدى الشاحنات (هيئة النقل)
TT

قوافل الصحراء تُنقذ الاقتصاد العالمي وتكسر حصار «هرمز»

رجل يعمل في هيئة النقل السعودية يراقب إحدى الشاحنات (هيئة النقل)
رجل يعمل في هيئة النقل السعودية يراقب إحدى الشاحنات (هيئة النقل)

في مشهد يذكّر برحلات القوافل التي شكّلت عصب التجارة العربية القديمة، تحوّلت رمال الصحراء اليوم إلى «صمام أمان» للاقتصاد العالمي. ومع تصاعد التوترات العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، برزت الموانئ والطرق السريعة والسكك الحديدية في السعودية والإمارات وعُمان بوصفها خطوط إمداد طوارئ حيوية، نجحت في تحويل مسار التجارة بعيداً عن مضيق هرمز الذي بات «نقطة اختناق» محفوفة بالمخاطر، وفق تقرير لصحيفة «وول ستريت جورنال».

«معجزة معادن»

ويروي بوب ويلت، الرئيس التنفيذي لشركة «معادن» السعودية، قصة تحول مذهلة؛ فبعد اندلاع النزاع، تمكنت الشركة في غضون أسبوعين فقط من حشد أسطول ضخم من الشاحنات لنقل الأسمدة من الخليج إلى موانئ البحر الأحمر. يقول ويلت: «بدأنا بـ600 شاحنة، ثم 1600، والآن لدينا 3500 شاحنة تعمل على مدار الساعة».

ويضيف ويلت، المولود في ولاية ماريلاند، إن شركة «معادن» ستُنهي تراكم صادراتها بحلول نهاية مايو (أيار). متابعاً: «لا أدري إن كنت أؤمن حقاً بقدرتنا على تحقيق ذلك أم لا».

ويقول ويلت: «هذا التحرك لم يكسر حصار الصادرات فحسب، بل أسهم بشكل مباشر في سد النقص العالمي في الأسمدة الذي كان يُهدد الأمن الغذائي الدولي، وهو ما وصفه محللون بـ(المعجزة اللوجستية السعودية)».

إعادة رسم خريطة التجارة الإقليمية

ولم يقتصر الأمر على المواد الخام، بل امتد ليشمل السلع الاستهلاكية والسيارات. فقد قامت شركات شحن عالمية مثل «إم إس سي» و«ميرسك» بنقل البضائع براً عبر شبه الجزيرة العربية.

وفي تجربة فريدة، قامت سلسلة «سبينس» بنقل منتجات غذائية بريطانية في رحلة استمرت 16 يوماً من المملكة المتحدة عبر أوروبا ومصر وصولاً إلى دبي. كما سجّلت «شركة الاتحاد للشحن بالسكك الحديدية» سابقة بنقل مئات السيارات من ميناء الفجيرة على الساحل الشرقي للإمارات إلى أبوظبي، في خطوة تعكس المرونة العالية للاقتصاد الخليجي أمام صدمات الحرب.

ناقلة برية لـ«ميرسك» (أ.ف.ب)

وتُعدّ قوافل الشاحنات هذه أحدث مثال على المرونة المذهلة التي أظهرها الاقتصاد العالمي في مواجهة الصدمات الناجمة عن الحروب. فبينما انخفضت صادرات المنطقة الرئيسية -النفط والغاز الطبيعي- انخفاضاً حاداً، لا تزال كميات كبيرة منها تُشحن إلى الأسواق العالمية عبر طرق بديلة.

أنابيب «شرق-غرب» تتحدى الأزمة

وعلى صعيد الطاقة، اعتمدت «أرامكو السعودية» بشكل مكثف على خط أنابيب «شرق-غرب» لنقل النفط إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، في حين ضخت الإمارات مزيداً من خامها عبر ميناء الفجيرة.

وتعمل الدولتان حالياً على خطط لتوسيع قدرات هذه الروابط النفطية، وبناء خطوط سكك حديدية جديدة، في إطار استراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى تحصين الصادرات من الاعتماد الكلي على ممر مائي واحد، والانتقال من كفاءة المسار الواحد إلى مرونة البدائل المتعددة.

أنابيب نفط (أرامكو)

كما تحول ميناء «خورفكان» الإماراتي الصغير إلى شريان حياة غير متوقع؛ فبعد أن كان محطة لإعادة شحن الحاويات بين السفن، أصبح بوابة دخول رئيسية تتدفق منها 50 ألف حاوية أسبوعياً (مقارنة بـ2000 قبل الأزمة). وانفجرت حركة الشاحنات في الميناء لتصل إلى 7000 شاحنة يومياً.

ويصف فريد بلبواب، الرئيس التنفيذي لشركة «غلفتينر» المشغلة للميناء هذا الإنجاز بقوله: «كان الأمر أشبه بتجميع أوركسترا بين ليلة وضحاها لتعزف سيمفونية لموزارت».

«رؤية 2030»... السيادة التعدينية والاعتماد العالمي

بالنسبة لشركة «معادن»، لم تكن الأزمة مجرد اختبار لوجستي، بل تأكيد لدور المملكة بوصفها لاعباً عالمياً في قطاع التعدين.

ناقلات تابعة لـ"معادن" (الشركة)

ومع خطط استثمارية تبلغ 110 مليارات دولار، تسعى السعودية لتصبح ثالث أكبر مصدر للفوسفات في العالم ومورداً رئيسياً للمعادن النادرة بالتعاون مع الولايات المتحدة.

ويؤكد ويلت أن الشركة أثبتت قدراتها في أصعب الظروف، قائلاً: «لقد أثبتنا ما يمكننا فعله... والآن سنعمل على جعل هذا الطريق إلى البحر الأحمر مساراً دائماً وصلباً».


مقالات ذات صلة

تركيا مستعدة لدعم جميع الجهود لإنهاء حرب روسيا وأوكرانيا سلمياً

أوروبا الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقبال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في إسطنبول السبت (الرئاسة التركية)

تركيا مستعدة لدعم جميع الجهود لإنهاء حرب روسيا وأوكرانيا سلمياً

أكد الرئيس التركي رجب طيب إردوغان دعم بلاده لجميع الجهود المبذولة لإنهاء حرب روسيا وأوكرانيا سلمياً، وإحلال الأمن والاستقرار في منطقة البحر الأسود.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شمال افريقيا افتتاح مستودع جديد لتخزين السلع في السويس (رئاسة مجلس الوزراء)

«مستودع السويس» يدعم توجهاً مصرياً لتأمين السلع الاستراتيجية

ثمن مراقبون افتتاح الحكومة المصرية مخزناً استراتيجياً للسلع في السويس، الخميس، بما ييسر عملية توزيعها إلى دول أخرى.

رحاب عليوة (القاهرة)
أوروبا هجوم أوكراني على سفينة روسية بالبحر الأسود قبالة سواحل تركيا 29 نوفمبر 2025 (أ.ف.ب)

تركيا تحذر روسيا وأوكرانيا مجدداً من استهداف السفن التجارية بالبحر الأسود

وجهت تركيا تحذيراً جديداً إلى كل من روسيا وأوكرانيا من مواصلة الهجمات على السفن التجارية ​في البحر الأسود ملوّحة بالرد

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شمال افريقيا بحيرات كثيرة اختفت بفعل الجفاف في تونس (رويترز)

أزمة المياه في تونس... تهديد يطال الاقتصاد والأمن الغذائي

حذر البنك الدولي من أن ندرة المياه قد تكلف تونس ‌ما يعادل 6.4 في المائة من ناتجها المحلي الإجمالي بحلول عام 2050، إذا لم تتخذ إجراءات كافية.

«الشرق الأوسط» (تونس)
خاص متسوقة في أحد المحال التجارية في لندن (إ.ب.أ)

خاص من مخازن الدول إلى خزائن المنازل... مؤن الطوارئ في حسابات الأمن الاقتصادي

لم تعد دعوات الحكومات إلى الاحتفاظ بمؤن تقتصر على الاستعداد للكوارث الطبيعية؛ بل باتت تعكس توجهاً اقتصادياً أوسع لتقليل أثر الأزمات على شبكات الدعم العام.لم تعد

«الشرق الأوسط» (الرياض)

الدولار يستقر أمام العملات الرئيسية بدعم من الطلب على الملاذات الآمنة

أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)
أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)
TT

الدولار يستقر أمام العملات الرئيسية بدعم من الطلب على الملاذات الآمنة

أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)
أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)

حافظ الدولار الأميركي على تماسكه أمام العملات الرئيسية، الجمعة، مستفيداً من الطلب عليه بوصفه ملاذاً آمناً، عقب موجة بيع طالت أسهم الذكاء الاصطناعي في الأسواق العالمية، إلا أن انخفاض عوائد سندات الخزانة الأميركية حدّ من مكاسبه، قبيل صدور تقرير الوظائف الأميركية الذي يحظى بمتابعة وثيقة.

وقال محللون إن تحركات أسواق العملات باتت تتأثر بأداء أسواق الأسهم والسندات، في وقت يقيّم فيه المستثمرون تداعيات فوز الديمقراطيين في انتخابات التجديد النصفي الأميركية، وانعكاساته على أسهم الذكاء الاصطناعي والرسوم الجمركية والحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران.

وشهدت الأسواق الآسيوية المثقلة بأسهم التكنولوجيا تراجعات حادة، الجمعة، عقب أكبر انخفاض للأسهم الأميركية منذ أبريل (نيسان) 2025، وسط مخاوف من تشديد الرقابة على قطاع الذكاء الاصطناعي، ولا سيما ما يتعلق ببناء مراكز البيانات، وفق «رويترز».

وقالت ديلين وو، استراتيجية الأبحاث لدى شركة «بيبرستون»، إن الدولار يتلقى بعض الدعم من الطلب على الملاذات الآمنة، وهو ما قد يبقيه متماسكاً نسبياً أمام بعض العملات الآسيوية، رغم أن انخفاض عوائد سندات الخزانة الأميركية قد يحد من مكاسبه.

وأدى الإقبال على الأصول الآمنة خلال تعاملات الليلة الماضية إلى انخفاض عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل عامين، الأكثر حساسية لتوقعات أسعار الفائدة، بنحو 10 نقاط أساس، ليسجل أدنى مستوى له منذ 10 سبتمبر (أيلول). كما تراجع العائد على السندات لأجل 10 سنوات بنحو 6 نقاط أساس، ما أدى إلى اتساع الفارق بين العوائد قصيرة وطويلة الأجل.

وبحلول فترة ما بعد الظهر في آسيا، استقر العائد على السندات الأميركية لأجل 10 سنوات عند 4.8348 في المائة، وعلى السندات لأجل عامين عند 4.4719 في المائة، دون تغير يذكر.

وقال موه سيونغ سيم، استراتيجي العملات لدى بنك «أو سي بي سي»، إن أسواق العملات ستواصل على الأرجح الاسترشاد بتحركات الأسواق الأخرى، بما فيها الأسهم وأدوات الدخل الثابت. وأضاف أن ضعف الأسهم الآسيوية يوفر دعماً غير مباشر للدولار أمام العملات الآسيوية.

الطلب على الملاذات الآمنة

دفعت موجة التراجع في أسواق الأسهم المستثمرين إلى البحث عن ملاذات آمنة في أسواق العملات. وسجل الين الياباني أعلى مستوى له في أسبوع عند 157.27 ين للدولار، قبل أن يقلص مكاسبه في تعاملات بعد الظهر في آسيا إلى 157.805 ين.

وانخفض عائد السندات الحكومية اليابانية لأجل 10 سنوات بمقدار 16 نقطة أساس إلى 2.61 في المائة، وهو أدنى مستوى له منذ 26 يونيو (حزيران). كما تراجع عائد السندات السيادية الصينية لأجل 10 سنوات إلى مستوى قياسي منخفض.

وقال سيم إن موجة بيع أسهم الذكاء الاصطناعي تخلق عوامل متضاربة تؤثر في الدولار، موضحاً أن تراجع العوائد الأميركية يحد من جاذبية العملة الأميركية بوصفها ملاذاً آمناً، ويجعل الين خيار التحوط الأبرز. لكنه أشار إلى أن الوقت لا يزال مبكراً لتوقع تحقيق الين مكاسب مستدامة استناداً إلى المخاوف المتعلقة بالذكاء الاصطناعي وحدها.

وانخفض اليورو بنسبة 0.2 في المائة أمام الدولار إلى 1.1198 دولار، لكنه كان يتجه لتحقيق مكاسب أسبوعية بنحو 0.4 في المائة، منهياً بذلك أسبوعين متتاليين من الخسائر.

وارتفع مؤشر الدولار، الذي يقيس أداء العملة الأميركية أمام سلة من ست عملات رئيسية، بنسبة 0.25 في المائة إلى 101.76 نقطة.

كما تراجع الجنيه الاسترليني بنسبة 0.2 في المائة إلى 1.3433 دولار، بعدما رفع بنك إنجلترا سعر الفائدة الرئيسي، كما كان متوقعاً على نطاق واسع. ومع ذلك، يتجه الجنيه إلى إنهاء الأسبوع مرتفعاً بنسبة 0.3 في المائة، محققاً مكاسب للأسبوع الرابع على التوالي.

واستقر الفرنك السويسري تقريباً أمام الدولار.

بيانات الوظائف غير الزراعية

وتتجه أنظار المستثمرين الآن إلى تقرير الوظائف غير الزراعية الأميركي المقرر صدوره الجمعة، بحثاً عن مؤشرات تساعد في تقييم مسار أسعار الفائدة لدى مجلس الاحتياطي الفيدرالي.

وأظهرت بيانات صدرت الخميس مؤشرات إيجابية سبقت التقرير، إذ تراجعت طلبات إعانة البطالة الأولية الأسبوعية بمقدار 6 آلاف طلب إلى 189 ألفاً بعد التعديل الموسمي، لتتطابق مع أدنى مستوى لها في 57 عاماً المسجل في يوليو (تموز)، وتأتي دون متوسط توقعات الاقتصاديين في استطلاع أجرته «رويترز» والبالغ 196 ألف طلب.

وقال محللو بنك «ميتسوبيشي يو إف جيه» إن البيانات الأخيرة تشير إلى تحسن سوق العمل، متوقعين استمرار هذا الاتجاه في تقرير الوظائف غير الزراعية.

وأضافوا أن سندات الخزانة الأميركية شهدت تراجعاً كبيراً في عوائدها قبيل صدور بيانات الجمعة، ورجحوا احتمال انعكاس جزء من هذه الحركة، لكنهم أوصوا بشراء السندات عند أي تراجع ملموس في أسعارها إذا جاءت أرقام الوظائف أقوى من المتوقع، ما دامت العوائد تتحرك ضمن مسار هبوطي.

كما عكست تحركات سندات الخزانة إعادة تسعير توقعات السياسة النقدية لمجلس الاحتياطي الفيدرالي، إذ خفّضت العقود الآجلة لأسعار الفائدة احتمال رفع الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس في ديسمبر (كانون الأول) إلى نحو 70 في المائة، مقارنة بأكثر من 80 في المائة يوم الأربعاء، بحسب متعاملين.


الذهب يخسر أكثر من 1 % مع ارتفاع النفط وترقب بيانات الوظائف الأميركية

سبائك ذهب بأحجام مختلفة داخل خزنة على طاولة لدى تاجر المعادن النفيسة «برو أوروم» بافاريا ميونيخ (د.ب.أ)
سبائك ذهب بأحجام مختلفة داخل خزنة على طاولة لدى تاجر المعادن النفيسة «برو أوروم» بافاريا ميونيخ (د.ب.أ)
TT

الذهب يخسر أكثر من 1 % مع ارتفاع النفط وترقب بيانات الوظائف الأميركية

سبائك ذهب بأحجام مختلفة داخل خزنة على طاولة لدى تاجر المعادن النفيسة «برو أوروم» بافاريا ميونيخ (د.ب.أ)
سبائك ذهب بأحجام مختلفة داخل خزنة على طاولة لدى تاجر المعادن النفيسة «برو أوروم» بافاريا ميونيخ (د.ب.أ)

تراجعت أسعار الذهب، الجمعة، مع انتعاش أسعار النفط، ما عزز المخاوف بشأن التضخم والتوقعات باستمرار أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة لفترة أطول، فيما يترقب المستثمرون صدور بيانات الوظائف الأميركية الرئيسية في وقت لاحق من اليوم.

وانخفض الذهب في المعاملات الفورية بنسبة 1.1 في المائة إلى 4044.09 دولار للأونصة بحلول الساعة 05:01 بتوقيت غرينتش، لكنه ظل على مسار تحقيق أفضل أداء أسبوعي له منذ أواخر أغسطس (آب)، وفق «رويترز».

كما تراجعت العقود الأميركية الآجلة للذهب تسليم ديسمبر (كانون الأول) بنسبة 1.5 في المائة إلى 4053.30 دولار للأونصة.

وقال إيليا سبيفاك، رئيس قسم الاقتصاد الكلي العالمي في «تاستي لايف»، إن انتعاش أسعار النفط الخام خلال اليوم الماضي يرجع في معظمه إلى عوامل تضغط على الذهب من خلال تعزيز الضغوط التضخمية.

وارتفعت أسعار النفط بأكثر من 1 في المائة، رغم أنها كانت تتجه نحو تسجيل تراجع أسبوعي حاد، وسط توقعات بانحسار التصعيد في الصراع مع إيران عقب نتائج الانتخابات الأميركية، في حين لا تزال المخاوف المستمرة بشأن الإمدادات من الشرق الأوسط توفر دعماً للأسعار.

ويمكن أن تؤدي زيادة تكاليف الطاقة إلى تعزيز التوقعات بأن يُبقي مجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي) أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة لفترة أطول، ما يشكل ضغطاً على الذهب الذي لا يدر عائداً.

وفي سياق متصل، شهدت الأسواق الآسيوية، المثقلة بأسهم شركات التكنولوجيا، تراجعات حادة، مع تصاعد المخاوف من تشديد الرقابة التنظيمية وتباطؤ وتيرة الاستثمار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، ما أدى إلى تسجيل الأسهم الأميركية أكبر انخفاض لها منذ موجة الهبوط الناجمة عن الرسوم الجمركية، المعروفة باسم «يوم التحرير»، في أبريل (نيسان) 2025.

وقال تيم ووترر، كبير محللي الأسواق في «كيه سي إم تريد»، إن المستثمرين يتجهون في مثل هذه الظروف التي يسودها العزوف عن المخاطرة إلى تصفية مراكزهم في الذهب لتوفير السيولة وتغطية طلبات تغطية الهامش في أسواق أخرى، مضيفاً أن هذه الديناميكية ليست جديدة، إذ سبق أن طغت مؤقتاً على جاذبية الذهب التقليدية بوصفه ملاذاً آمناً.

ومن المقرر صدور تقرير الوظائف غير الزراعية في الولايات المتحدة عند الساعة 13:30 بتوقيت غرينتش.

ويُسعّر المتداولون حالياً احتمالاً بنسبة 68 في المائة لرفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة في ديسمبر (كانون الأول)، مقارنة بتوقعات كانت تشير إلى شبه يقين بهذا الرفع الشهر الماضي، وفقاً لأداة «فيد ووتش» التابعة لمجموعة «سي إم إي».

وكان مسؤولان في مجلس الاحتياطي الفيدرالي قد دعوا، الخميس، إلى إجراء زيادات تدريجية ومنتظمة في أسعار الفائدة لمواجهة التضخم الذي لا يزال أعلى من المستوى المستهدف.

وفي سياق آخر، خفّض بنك «غولدمان ساكس»، الخميس، توقعاته لسعر الذهب بنهاية عام 2026 إلى 4150 دولاراً للأونصة، مقارنة بتقديراته السابقة البالغة 4650 دولاراً، عازياً ذلك إلى التوجه الأكثر تشدداً في السياسة النقدية لمجلس الاحتياطي الفيدرالي.

وبالنسبة إلى المعادن النفيسة الأخرى، تراجعت الفضة في المعاملات الفورية بنسبة 0.5 في المائة إلى 51.51 دولار للأونصة، وانخفض البلاتين بنسبة 0.3 في المائة إلى 1512.83 دولار، فيما هبط البلاديوم بنسبة 1.1 في المائة إلى 1020.10 دولار للأونصة.

ومع ذلك، تتجه المعادن الثلاثة إلى تحقيق مكاسب أسبوعية.


موجة بيع عنيفة تضرب «وول ستريت»... و«ناسداك» يفقد 2.3 تريليون دولار

شاشة تعرض مؤشر «ناسداك» خلال جلسة التداول في سوق ناسداك بمدينة نيويورك (رويترز)
شاشة تعرض مؤشر «ناسداك» خلال جلسة التداول في سوق ناسداك بمدينة نيويورك (رويترز)
TT

موجة بيع عنيفة تضرب «وول ستريت»... و«ناسداك» يفقد 2.3 تريليون دولار

شاشة تعرض مؤشر «ناسداك» خلال جلسة التداول في سوق ناسداك بمدينة نيويورك (رويترز)
شاشة تعرض مؤشر «ناسداك» خلال جلسة التداول في سوق ناسداك بمدينة نيويورك (رويترز)

شهدت «وول ستريت» واحدة من أعنف جلسات الهبوط في السنوات الأخيرة، بعدما اجتاحت موجة بيع واسعة الأسهم الأميركية، بقيادة شركات التكنولوجيا وأشباه الموصلات المرتبطة بطفرة الذكاء الاصطناعي، وسط تصاعد المخاوف من أن تؤدي التحولات السياسية في واشنطن إلى كبح الاستثمارات الضخمة في مراكز البيانات، وتضع حداً للنمو المتسارع الذي دفع الأسواق إلى مستويات قياسية خلال الأشهر الماضية.

وهبط مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 4.4 في المائة، مسجلاً أسوأ أداء يومي له منذ أبريل (نيسان) 2025، حين هزّت الرسوم الجمركية التي أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترمب الأسواق العالمية. كما تراجع مؤشر «داو جونز» الصناعي 1833 نقطة، بما يعادل 3.4 في المائة، فيما تكبد مؤشر «ناسداك» خسائر أكبر بلغت 5.5 في المائة.

ولم تقتصر الضغوط على الأسهم الأميركية، إذ امتدت إلى الأسواق العالمية، في انعكاس لاتساع نطاق التخارج من الأصول المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. وتراجع مؤشر «ناسداك 100» بأكثر من 6 في المائة، في أكبر انخفاض له منذ موجة اضطرابات جائحة «كوفيد-19» في مارس (آذار) 2020، ليمحو نحو 2.3 تريليون دولار من قيمته السوقية، ويبتعد بنحو 15 في المائة عن ذروته المسجلة في السادس من أكتوبر (تشرين الأول).

الذكاء الاصطناعي في قلب العاصفة

وكانت شركات الرقائق ومزودو البنية التحتية لمراكز البيانات في مقدمة الخاسرين، مع عودة التساؤلات بشأن قدرة الإنفاق الهائل على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي على الاستمرار بالوتيرة الحالية، في ظل ارتفاع تكلفة الاقتراض والمخاوف من المبالغة في تقييم أسهم القطاع.

وتراجعت أسهم «إنفيديا» 9.3 في المائة، في أكبر انخفاض لها منذ يناير (كانون الثاني) 2025، لتبدد مكاسبها المسجلة منذ بداية العام، فيما هبطت أسهم «أدفانسد مايكرو ديفايسز» 17.3 في المائة، و«كور ويف» 9.8 في المائة، و«جي إي فيرنوفا» 7.5 في المائة. كما انخفض مؤشر أشباه الموصلات في فيلادلفيا 12 في المائة، في أسوأ جلسة له منذ مارس 2020، ليدخل نطاق السوق الهابطة بعد خسارته أكثر من 38 في المائة من ذروته في يونيو (حزيران).

وتكتسب هذه الخسائر أهمية إضافية بالنظر إلى الثقل الكبير لشركات التكنولوجيا والرقائق في المؤشرات الأميركية، إذ باتت تحركات أسهمها تؤثر بصورة مباشرة في أداء السوق ككل، ما يجعل أي تصحيح في تقييماتها قادراً على سحب المؤشرات الرئيسية إلى مستويات أدنى.

وجاءت موجة البيع بعد يوم واحد فقط من مكاسب قوية حققتها الأسواق، إثر فوز الديمقراطيين في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، في نتيجة عززت رهانات المستثمرين على نشوء توازن سياسي يحد من نفوذ ترمب، ويفتح المجال أمام احتواء الحرب مع إيران وما أحدثته من ضغوط على أسعار الطاقة والتضخم.

لكن التفاؤل الأولي سرعان ما تراجع، مع انتقال اهتمام المستثمرين إلى التداعيات المحتملة للتحول السياسي على قطاع الذكاء الاصطناعي. فقد أثارت الانتصارات الديمقراطية مخاوف من تشديد الرقابة على التوسع في بناء مراكز البيانات، خصوصاً مع تزايد اعتراضات المجتمعات المحلية على استهلاكها المرتفع للكهرباء وانعكاسه على فواتير الطاقة.

ويهدد أي تباطؤ في إنشاء هذه المراكز بتقليص الطلب على الرقائق المتقدمة والكهرباء ومعدات البنية التحتية، وهي قطاعات استفادت بصورة مباشرة من موجة الإنفاق الاستثماري الضخمة التي أصبحت أحد المحركات الرئيسية للنمو الاقتصادي الأميركي.

وقال غريغ تايلور، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «بندر فاند كابيتال مانجمنت»، إن موجة البيع تعيد إلى الأذهان انهيار فقاعة الإنترنت في عامي 2000 و2001، مشيراً إلى أن تركّز السوق حول موضوع واحد، هو الذكاء الاصطناعي، جعلها أكثر عرضة للتراجع عندما تتغير توقعات المستثمرين.

اتساع التخارج وارتفاع طلب التحوط

ولم تنجُ القطاعات الدفاعية من موجة التراجع، إذ امتدت الخسائر إلى مختلف القطاعات الأحد عشر المدرجة في مؤشر «ستاندرد آند بورز 500»، فيما هبطت جميع الأسهم الثلاثين المكونة لمؤشر «داو جونز». كما تراجعت أسهم الشركات الأكثر تعرضاً للبيع على المكشوف، والشركات التكنولوجية غير المربحة، في إشارة إلى أن المستثمرين لم يكتفوا بتقليص انكشافهم على الذكاء الاصطناعي، بل اتجهوا إلى خفض المخاطر في محافظهم على نطاق أوسع.

وقفز مؤشر التقلبات «فيكس» إلى 28.18 نقطة، وهو أعلى مستوى منذ مارس، في إشارة إلى تصاعد القلق بشأن التقلبات المتوقعة في الأسهم. كما تراجع صندوق «آي شيرز إم إس سي آي يو إس إيه مومنتوم فاكتور» بنسبة 8.2 في المائة، مسجلاً أسوأ أداء يومي له منذ عام 2020، مع انعكاس موجة البيع على الاستراتيجيات الاستثمارية التي تراهن على استمرار صعود الأسهم الرابحة.

وفي المقابل، اتجه المستثمرون إلى سندات الخزانة الأميركية بحثاً عن ملاذ أكثر أماناً، ما دفع عائد السندات لأجل عشر سنوات إلى التراجع إلى 4.84 في المائة، مقارنة مع 4.90 في المائة في ختام جلسة الأربعاء، بعد أن تجاوز 5.3 في المائة الشهر الماضي.

وفي أسواق الطاقة، ارتفعت العقود الآجلة لخام برنت 3.9 في المائة إلى 98.29 دولار للبرميل، مستردة جزءاً من خسائرها الحادة التي قاربت 9 في المائة في الجلسة السابقة، وسط استمرار الضبابية بشأن مسار الحرب مع إيران وتوقيت عودة إمدادات الطاقة العالمية إلى طبيعتها.

وعلى الرغم من حدة التراجع، سجلت بعض الأسهم مكاسب استثنائية، إذ قفز سهم «آب لوفين» 31 في المائة بعد إعلان نتائج مالية تجاوزت توقعات المحللين، فيما ارتفع سهم «تابستري» 7.1 في المائة عقب تحقيق أرباح أقوى من المتوقع ورفع توقعاتها السنوية.

وتكشف الجلسة، في مجملها، عن انتقال الأسواق من تسعير فرص النمو الاستثنائية التي يتيحها الذكاء الاصطناعي إلى إعادة تقييم كلفة هذا النمو ومخاطره، في وقت تتداخل فيه المخاوف من ارتفاع التقييمات وتباطؤ الإنفاق الرأسمالي مع تحولات سياسية وضبابية جيوسياسية تزيد صعوبة تحديد اتجاه الأسواق في المرحلة المقبلة.