«بوابة التنف» السورية تفتح شريان طاقة عراقياً لمواجهة حصار «هرمز»

جهود مستمرة لتفعيل المنافذ الحدودية... وتأمين الممرات شرط الاستدامة

صهاريج عراقية متجهة لدخول الأراضي السورية (الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية)
صهاريج عراقية متجهة لدخول الأراضي السورية (الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية)
TT

«بوابة التنف» السورية تفتح شريان طاقة عراقياً لمواجهة حصار «هرمز»

صهاريج عراقية متجهة لدخول الأراضي السورية (الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية)
صهاريج عراقية متجهة لدخول الأراضي السورية (الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية)

في خطوة تعكس تحولاً استراتيجياً في مسارات الطاقة الإقليمية، بدأت بغداد رسمياً تصدير النفط الخام براً عبر الأراضي السورية، في مسعى لتجاوز حالة الشلل التي ضربت ممرات التجارة البحرية التقليدية. وتأتي هذه الخطوة، التي وصفتها دمشق بأنها عودة إلى أنها «بوصلة العبور» ومنصة حيوية للطاقة العالمية، في وقت تعصف فيه التحولات الجيوسياسية بالمنطقة؛ مما يفرض واقعاً اقتصادياً جديداً يعتمد على التكامل البري بين البلدين.

أولى قوافل صهاريج الفيول العراقي انطلقت عبر منفذ «التنف - الوليد» الحدودي، متجهة نحو مصفاة بانياس على الساحل السوري، لتشكل بذلك تدشيناً فعلياً لمرحلة جديدة من التعاون الاقتصادي. وذكرت «وكالة الأنباء السورية (سانا)» في هذا الإطار أن حمولة 299 شاحنةَ صهريجٍ تنقل الوقود العراقي ستُحمّل بعد ذلك للتصدير.

وكان معبر التنف مغلقاً منذ عام 2015 عندما سيطر «داعش» عليه. وفي عام 2016، أنشأت القوات المدعومة من الولايات المتحدة قاعدة عسكرية في التنف. وسيطرت القوات السورية على القاعدة الشهر الماضي؛ مما مهد الطريق لإعادة فتح المعبر.

صهاريج عراقية متجهة لدخول الأراضي السورية (الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية)

«بوصلة العبور»

ومع بدء أولى قوافل صهاريج الفيول العراقي دخول الأراضي السورية من خلال منفذ «التنف - الوليد»، متجهة نحو مصفاة بانياس على الساحل السوري، كتب وزير الطاقة السوري، محمد البشير، في حسابه على منصة «إكس»: «من الحدود السورية - العراقية إلى النواقل البحرية في بانياس... سوريا تعود لتكون بوصلة العبور ومنصة التصدير الاستراتيجية للطاقة العالمية». ورأى أن هذه الخطوة «تعزز المصالح الوطنية وتدفع بعجلة التكامل الاقتصادي العربي إلى آفاق أوسع».

وأعلنت «الهيئة العامة للمنافذ والجمارك» أن هذه الخطوة «محطة مهمة في مسار تطوير التعاون الاقتصادي بين البلدين، من خلال تنشيط خطوط التجارة والطاقة، بما يعزّز فرص التكامل الاقتصادي ويدعم حركة التبادل التجاري خلال المرحلة المقبلة»، مؤكدة جاهزيتها لتقديم كل التسهيلات وضمان سرعة وكفاءة الإجراءات.

وكان مدير العلاقات العامة في «الهيئة»، مازن علوش، أعلن، الثلاثاء، عبر صفحته على «فيسبوك»، إعادة افتتاح منفذ التنف - الوليد، مؤكداً بدء دخول أولى قوافل صهاريج النفط العراقي باتجاه مصب بانياس النفطي.

توازياً، أجرى وفد من رئاسة «الهيئة» جولة ميدانية للاطلاع على جاهزية منفذ «اليعربية - ربيعة»، تمهيداً لاستكمال تفعيل العمل فيه مطلع شهر مايو (أيار) المقبل، إلى جانب متابعة واقع منفذ «سيمالكا - فيشخابور» في إطار استكمال الإجراءات اللازمة لإدخاله ضمن منظومة عمل «الهيئة» بينما استؤنفت حركة المسافرين على منفذ «البوكمال - القائم».

وبالتوازي مع افتتاح «منفذ الوليد»، تتجه الجهود الحكومية السورية إلى تفعيل منفذ «اليعربية - ربيعة» مطلع مايو المقبل، واستكمال الإجراءات في منفذ «سيمالكا - فيشخابور»، لتعزيز شبكة الربط الحدودي الشاملة.

من جهته، أعلن مدير ناحية الوليد العراقية، مجاهد مرضي الدليمي، في تصريح لـ«وكالة الأنباء العراقية (واع)»، أن «(منفذ الوليد) الحدودي شهد الافتتاح التجريبي ومباشرة دخول صهاريج النفط الخام بين العراق وسوريا». وذكر أن أكثر من 150 صهريجاً موجوداً حالياً في انتظار دخول الأراضي السورية، متوقعاً أن يبلغ معدل دخول الصهاريج نحو 500 صهريج يومياً حداً أدنى.

ويحظى التعاون النفطي بين سوريا والعراق بدعم إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترمب. فقد صرّح المبعوث الخاص إلى سوريا، توم برّاك، لـ«المجلس الأطلسي» الأسبوع الماضي، بأن سوريا يمكن أن تكون «الحل» لأزمة الطاقة الناجمة عن الوضع في مضيق هرمز، مُشيداً بإمكانية تطوير خطوط أنابيب بالبلاد، بما في ذلك من العراق.

«سوريا خيار حيوي»

تكتسب هذه العملية أهمية مضاعفة بالنظر إلى اشتعال الجبهات الإقليمية وتصاعد حدة الصراع بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة؛ وإيران من جهة ثانية، وما نتج عنه من تهديدات مباشرة للملاحة في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20 في المائة من إمدادات الطاقة العالمية.

وفي هذا السياق، يرى الخبير الاقتصادي الدكتور فادي عياش أن «العراق، بصفته أحد كبار منتجي النفط، وجد في سوريا خياراً حيوياً ومتاحاً لاستمرار تدفق صادراته، خصوصاً مع تعذر التصدير البحري الآمن»، مؤكداً في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن التوجه الحالي «يهدف إلى رفع معدل الدخول إلى ما بين 500 و700 صهريج يومياً حداً أدنى».

وفي ظل تعرض الجانب السوري من الحدود منذ اندلاع الحرب الإقليمية غير المسبوقة، لهجمات بطائرات مسيرّة وقصف بالقذائف من الجانب العراقي؛ منها هجوم بطائرة مسيَّرة السبت الماضي، انطلقت من العراق، على قاعدة التنف في جنوب شرقي البلاد، يبرز التساؤل بشأن مدى إمكانية استمرار فتح المنافذ بين البلدين ومواصلة عملية تصدير النفط العراقي عبر الأراضي السورية في ظل هذه التوترات الأمنية.

يقول عياش: «لا شك في أن العراق من أكبر الدول الخليجية تضرراً من الحرب (الحالية)... نظراً إلى أنه أحد كبار المنتجين والمصدرين للنفط ويعتمد بشكل كبير على عوائد التصدير، ولذلك كان لا بد من البحث عن البدائل الممكنة لاستمرار التصدير وكانت سوريا خياراً متاحاً فعلاً... لكن استدامة التصدير تعتمد على موازنة الحاجة المالية والنفطية (خصوصاً مع استمرار الحرب وتعذر التصدير عبر مضيق هرمز) مقابل التحديات الأمنية الميدانية في منطقة النشاط العسكري».

صهاريج عراقية متجهة لدخول الأراضي السورية (الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية)

ويسعى العراق إلى زيادة التصدير عبر سوريا إلى ما بين 600 و700 شاحنة يومياً؛ مما يجعله خياراً حيوياً ومُتفقاً عليه بين البلدين. ويعُدّ هذا الخيار، وفق عياش، «تطبيقاً واقعياً لمفاهيم الاقتصاد المكاني بوصفه حلاً مرحلياً لاستمرار التصدير، بحيث يتاح الوقت والإمكانات لإعادة إحياء خط الأنابيب الذي يصل بين العراق وسوريا، وصولاً إلى مرفأ بانياس النفطي على ساحل البحر المتوسط. فالتصدير عبر الأنابيب أكبر جدوى وأقل تكلفة وأعلى أماناً، حيث تشوب المنطقة الحدودية بين سوريا والعراق بعض التوترات الأمنية وتتعرض أحياناً لسقوط القذائف، مما يشكل خطراً مباشراً على أمن الشاحنات والطواقم».

وكان العراق خفّض إنتاجه من النفط بنحو 80 في المائة إلى 800 ألف برميل بسبب صعوبة الشحن.

جولة تفقدية لوفد من رئاسة «الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية» على منفذ «اليعربية» الحدودي مع العراق (الهيئة)

تسيير رغم المخاطر

ولكن رغم المخاطر، فقد بدأ تسيير أولى القوافل الفعلية؛ مما يشير إلى محاولة المضي قدماً رغم الظروف الإقليمية. ورأى عياش أن «الاستمرار في هذه العملية يعتمد بشكل أساسي على مدى قدرة القوات الأمنية في البلدين على تأمين الطريق الحيوية للصهاريج، ومدى توفر الإمكانات المادية والفنية والتقنية اللازمة لإعادة إحياء خطوط الأنابيب ومحطات الضخ التابعة لها والواقعة في الأراضي العراقية والسورية».

عوائد اقتصادية وإنعاش للخزينة السورية

ووفقاً للتقديرات الاقتصادية والاتفاقيات الجاري تفعيلها حالياً، يُتوقع - وفق عياش - أن «تحقق عملية تصدير النفط العراقي عبر الأراضي السورية عوائد ومنافع مالية وفنية مباشرة وغير مباشرة لسوريا، حيث تقدر الدراسات الاقتصادية عوائد رسوم العبور بما بين 150 مليوناً و200 مليون دولار سنوياً في حال جرى تشغيل الخط بطاقة تصديرية عالية».

كما تستفيد الخزينة السورية من رسوم الموانئ، ورسوم استخدام المستودعات والتفريغ، بالإضافة إلى عوائد خدمات الطريق للشاحنات. كما يُتوقع تشغيل ما بين 600 و700 شاحنة يومياً؛ «مما يعني إنفاقاً كبيراً على الوقود (للشاحنات السورية المشاركة)، والصيانة، ورسوم الطرق؛ مما يحرك العجلة الاقتصادية في المناطق التي تمر بها القوافل».

وتوقع عياش أن توفر هذه العملية لسوريا «إمكانية الحصول على حصص من النفط أو المشتقات بأسعار تفضيلية أو في جزء من أجور العبور؛ مما يخفف فاتورة استيراد الطاقة». وقال: «تعدّ هذه العوائد حيوية لسوريا في ظل الظروف الراهنة، حيث تسهم في إنعاش النشاط الاقتصادي وتوفير العملة الصعبة، رغم أن أرقام الأرباح النهائية تعتمد على الكميات الفعلية المصدرة واستقرار الوضع الأمني على الحدود، فهذا شرط أساسي لتأمين واستمرار التصدير عبر المسار السوري».


مقالات ذات صلة

كردستان العراق: تصاعد المخاوف من الانسحاب الوشيك لـ«التحالف الدولي»

المشرق العربي مركبة تابعة لقافلة عسكرية أميركية تسير في أربيل عاصمة إقليم كردستان العراق (أرشيفية - أ.ف.ب)

كردستان العراق: تصاعد المخاوف من الانسحاب الوشيك لـ«التحالف الدولي»

في حين تستعد الحكومة الاتحادية في بغداد للاحتفال الأربعاء المقبل بـ«يوم السيادة» تبدي غالبية الزعامات الكردية مخاوف شديدة من الانسحاب المرتقب لـ«التحالف الدولي»

فاضل النشمي (بغداد)
المشرق العربي واجهة «مطار بغداد الدولي» (أرشيفية - رويترز)

وقف الطيران الإيراني يثير جدلاً داخل التحالف الحاكم في العراق

الإجراءات العقابية الأميركية لن تقتصر فقط على شركات الطيران الإيرانية المشمولة بها، وإنما قد تطول أي جهة أو مطار يقدم خدمات أو يسهّل تشغيل رحلات تلك الشركات.

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي استعرض لقوات «البيشمركة» (إعلام كردي) p-circle

أربيل تبحث عن بدائل لمساعدات أوقفها «التحالف الدولي»

أعلنت وزارة «البيشمركة» في كردستان العراق، السبت، وقف التحالف الدولي المساعدات المالية التي سبق أن خصصها لقوات «حرس الإقليم».

فاضل النشمي (بغداد)
خاص اعتباراً من 23 سبتمبر اضطرت شركات طيران إيرانية إلى إلغاء رحلاتها بعد أن تبنت دول مجاورة تدابير تقييدية (أ.ف.ب)

خاص بغداد تطالب بإعفاء مطاراتها من عقوبات الطيران الإيراني

أعلنت الحكومة العراقية، السبت، أنها تجري محادثات مباشرة مع واشنطن للحصول على إعفاء مطارات عراقية من منع رحلات شركات الطيران الإيرانية بموجب عقوبات أميركية.

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي قال إن حكومته تطمح إلى احتكار قرار الحرب والسلام (أ.ب)

الزيدي: العراق لاحتكار «قرار الحرب» وحصرية السلاح

عرض رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي رؤية بلاده باعتبارها «قوة اقتصادية فاعلة» و«جسراً للحوار والتعاون بين شعوب المنطقة والعالم».

علي بردى (واشنطن)

الشركات الأوروبية تدعم تعزيز الاستثمار في الطاقة المتجددة

توربينات رياح بالقرب من مارسيليا بفرنسا (رويترز)
توربينات رياح بالقرب من مارسيليا بفرنسا (رويترز)
TT

الشركات الأوروبية تدعم تعزيز الاستثمار في الطاقة المتجددة

توربينات رياح بالقرب من مارسيليا بفرنسا (رويترز)
توربينات رياح بالقرب من مارسيليا بفرنسا (رويترز)

خلص استطلاع حديث، إلى أن الأفراد ومسؤولي الأعمال في ألمانيا وتسع دول أوروبية أخرى يرغبون في تعزيز الاستثمار في الطاقة المتجددة.

وقد أُجري الاستطلاع لصالح «كلايمنت أوبنيوم ريسيرش اكسيتجينغ»، وهي مبادرة لمؤسسة دولية مقرها بلجيكا. كما خلص الاستطلاع إلى وجود دعم واسع للحد من اعتماد أوروبا على واردات الطاقة.

وأظهر مسؤولو الأعمال وقطاع أوسع من العامة أولويات مماثلة فيما يتعلق بسياسة الطاقة، ويشمل ذلك تكاليف أقل واعتماداً أقل على الواردات وأمن طاقة أكبر.

واتفق المشاركون في الاستطلاع على أن الاستثمار في الطاقة المتجددة يمكن أن يعزز من الميزة التنافسية والأمن في أوروبا.

ومن المقرر أن يلتقى وزراء الطاقة بالاتحاد الأوروبي في دبلن الاثنين والثلاثاء، وتُعدّ مسألة أمن الطاقة في الكتلة الأوروبية من ضمن القضايا المدرجة على أجندة المباحثات.


عوائد سندات منطقة اليورو ترتفع قليلاً في افتتاح تداولات الأسبوع

أوراق نقدية من اليورو (رويترز)
أوراق نقدية من اليورو (رويترز)
TT

عوائد سندات منطقة اليورو ترتفع قليلاً في افتتاح تداولات الأسبوع

أوراق نقدية من اليورو (رويترز)
أوراق نقدية من اليورو (رويترز)

ارتفعت عوائد سندات منطقة اليورو قليلاً يوم الاثنين، مع بداية أسبوع حافل بصدور بيانات اقتصادية رئيسية، في وقت واصلت فيه أسعار النفط صعودها؛ وسط شكوك بشأن التوصل إلى حل للحرب بين الولايات المتحدة وإيران وإعادة فتح مضيق هرمز في وقت قريب.

وارتفع عائد السندات الحكومية الألمانية لأجل 10 سنوات، وهو المؤشر القياسي لعوائد منطقة اليورو، بشكل طفيف إلى 3.6303 في المائة، ليقترب من أعلى مستوياته منذ يونيو (حزيران) 2009، وفق «رويترز».

وسجل العائد الأسبوع الماضي ارتفاعه الأسبوعي السابع على التوالي، فيما يتجه لتحقيق زيادة تتجاوز 30 نقطة أساس خلال سبتمبر (أيلول) الحالي.

ورفض الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، خلال عطلة نهاية الأسبوع عرضاً إيرانياً للتوصل إلى اتفاق سلام يقضي بإعادة فتح مضيق هرمز وإنهاء الصراع. وأدى استمرار الجمود بين واشنطن وطهران إلى دفع أسعار النفط للارتفاع مجدداً؛ إذ زادت العقود الآجلة لـ«خام برنت» نحو اثنين في المائة بأحدث التعاملات إلى 106.46 دولار للبرميل.

وأبقت أسعار الطاقة المرتفعة ومواقف البنوك المركزية المتشددة، التي عززت توقعات رفع أسعار الفائدة، السندات الحكومية حول العالم تحت الضغط خلال الأشهر الماضية. وكان «البنك المركزي الأوروبي» قد رفع أسعار الفائدة مرتين بالفعل هذا العام لمواجهة التضخم، فيما كانت أسواق المال تتوقع، في أحدث تعاملاتها، رفعاً إضافياً واحداً على الأقل للفائدة خلال العام.

وبعدما أظهرت بيانات الأسبوع الماضي مجدداً متانة غير متوقعة للاقتصاد في منطقة اليورو، فإن الأنظار تتجه هذا الأسبوع إلى بيانات التضخم الأولية، التي قد تؤثر مجدداً في توقعات أسعار الفائدة.

ووفق استطلاع أجرته «رويترز»، فإن من المتوقع أن يتسارع التضخم في منطقة اليورو إلى 3.6 في المائة خلال سبتمبر، مقارنة مع 3.2 في المائة خلال أغسطس (آب) الماضي. ومن المرجح أن يأتي هذا الارتفاع مدفوعاً مجدداً بأسعار الطاقة، إلا إن صناع السياسات والمستثمرين سيراقبون أيضاً من كثب أي تغيرات في معدلات تضخم الخدمات والغذاء، لتقييم ما إذا كانت قد بدأت تظهر تداعيات تضخمية من الجولة الثانية.

وارتفع عائد السندات الحكومية الألمانية لأجل عامين، الأعلى حساسية لتوقعات أسعار الفائدة، بمقدار 2.7 نقطة أساس إلى 3.3134 في المائة. وكان قد سجل الأسبوع الماضي ارتفاعه الأسبوعي السابع على التوالي، ويتجه لتحقيق زيادة تتجاوز 39 نقطة أساس خلال سبتمبر، وهي أكبر زيادة شهرية له منذ مارس (آذار) الماضي، عقب اندلاع حرب إيران نهاية فبراير (شباط) 2026.


نفط أرخص وفائدة أقل وعجز أصغر... ماذا حدث لمعادلة ترمب الاقتصادية؟

الرئيس دونالد ترمب يرسل قُبلة للجماهير خلال الجولة النهائية من كأس الرؤساء (رويترز)
الرئيس دونالد ترمب يرسل قُبلة للجماهير خلال الجولة النهائية من كأس الرؤساء (رويترز)
TT

نفط أرخص وفائدة أقل وعجز أصغر... ماذا حدث لمعادلة ترمب الاقتصادية؟

الرئيس دونالد ترمب يرسل قُبلة للجماهير خلال الجولة النهائية من كأس الرؤساء (رويترز)
الرئيس دونالد ترمب يرسل قُبلة للجماهير خلال الجولة النهائية من كأس الرؤساء (رويترز)

كان يُفترض أن تقود سياسات ترمب الاقتصادية إلى نفط أرخص، وفائدة أقل، وعجز أصغر، مع دفع النمو والاستثمار إلى مستويات أقوى. لكن بعد نحو عامين من عودته إلى البيت الأبيض، تبدو الأرقام أكثر تعقيداً: خام برنت تجاوز 100 دولار للبرميل، و«الاحتياطي الفيدرالي» رفع أسعار الفائدة مجدداً، بينما ظل عجز الموازنة قريباً من 6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي.

لم تكن الحرب في الشرق الأوسط وحدها وراء هذا التحول. فقد تداخلت صدمة الطاقة مع قوة الطلب المحلي، واستمرار الاقتراض الحكومي وارتفاع تكاليف التمويل، إلى جانب تداعيات الرسوم الجمركية والقيود على الهجرة والاستثمار المتسارع في الذكاء الاصطناعي.

وهكذا، باتت الأهداف التي بدت متوافقة في بداية ولاية ترمب الثانية أكثر صعوبة في تحقيقها في وقت واحد: نمو قوي، وطاقة أرخص، وتضخم أقل، وتكلفة اقتراض أدنى، وعجز أصغر.

النفط الأرخص يصطدم بسوق عالمية مضطربة

كان خفض تكاليف الطاقة أحد المرتكزات الرئيسية في الرؤية الاقتصادية لترمب، مع التعويل على زيادة إنتاج النفط والغاز الأميركيين لدعم المعروض وخفض تكاليف الوقود على المستهلكين والشركات.

لكن سعر النفط الذي يهم الاقتصاد الأميركي لا يتحدد داخل الولايات المتحدة. ومع اتساع الحرب في الشرق الأوسط واضطراب مسارات الإمداد، قفز خام برنت إلى 107.81 دولار للبرميل في 14 سبتمبر (أيلول)، في واحدة من أبرز موجات ارتفاع الأسعار منذ بداية الحرب. كما أدى استهداف منشآت وخطوط نقل نفطية ومسارات الشحن إلى زيادة تكلفة نقل الخام والوقود.

وهذا يكشف عن حدود الرهان على زيادة الإنتاج المحلي. فالولايات المتحدة تستطيع زيادة إنتاجها، لكنَّ الشركات والمستهلكين الأميركيين يظلون مرتبطين بسوق نفط عالمية، وأسعارها تتأثر بالإمدادات القادمة من الشرق الأوسط وبسلامة طرق التجارة الدولية.

كما أن ارتفاع سعر الخام لا يبقى محصوراً في محطات الوقود. فتكلفة الطاقة تدخل في النقل والإنتاج والخدمات، مما يرفع احتمال انتقال الصدمة إلى أسعار أوسع نطاقاً، خصوصاً عندما يكون الطلب المحلي قوياً.

رجل يمر أمام مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» في واشنطن (رويترز)

الفائدة الأقل أصبحت رهينة التضخم

الهدف الثاني كان خفض تكلفة الاقتراض، سواء للأسر التي تمول شراء المنازل والسيارات أو للشركات التي توسع استثماراتها وللحكومة التي تمول عجزها.

لكن «الاحتياطي الفيدرالي» اتخذ في سبتمبر اتجاهاً معاكساً لهذا الرهان، عندما رفع نطاق سعر الفائدة الأساسي ربع نقطة مئوية إلى 3.75 - 4 في المائة، مشيراً إلى أن التضخم لا يزال مرتفعاً، رغم وصفه النشاط الاقتصادي بأنه يتوسع بوتيرة متينة، والإنفاق المحلي بأنه صامد.

ولم يتوقف الأمر عند ذلك، إذ أظهرت توقعات مسؤولي البنك أن 16 من أصل 18 مسؤولاً يتوقعون رفعاً إضافياً واحداً على الأقل قبل نهاية العام، فيما ارتفعت رهانات الأسواق على زيادة جديدة في اجتماع أكتوبر (تشرين الأول)، وسط استمرار صعود أسعار الطاقة وقوة البيانات الاقتصادية.

وتعززت هذه التوقعات بعد تصريحات عدد من مسؤولي «الفيدرالي»؛ إذ قال رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، جون وليامز، إن توقع رفع آخر قبل نهاية العام يبدو تصوراً معقولاً، بينما أصبح المتعاملون في الأسواق يراهنون بشكل متزايد على تشديد جديد في اجتماع أكتوبر.

متانة النشاط تعقّد مسار الفائدة

واللافت أن متانة النشاط الاقتصادي نفسها أصبحت عاملاً يعقّد مسار الفائدة. فقد أظهر أحدث توقعات «الفيدرالي» نمواً حقيقياً عند 2.3 في المائة في 2026، مع معدل بطالة عند 4.1 في المائة، في حين يتوقع أعضاء اللجنة تضخماً وفق مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي عند 3.7 في المائة هذا العام، أي أعلى كثيراً من هدف البنك البالغ 2 في المائة.

وتزداد الصورة تعقيداً مع تداخل صدمات العرض مع الطلب المحلي. فقد قال رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» في شيكاغو، أوستن غولسبي، إن التضخم بات يتأثر بقوة الطلب إلى جانب صدمات سابقة مثل الرسوم الجمركية وأسعار النفط، مشيراً إلى أن الاستثمار القوي في الذكاء الاصطناعي يمثل أحد مصادر هذا الطلب.

وهنا تتعقد مهمة «الفيدرالي»: فاستمرار النشاط عند مستويات متماسكة لا يفرض خفض الفائدة سريعاً، بينما يهدد ارتفاع أسعار الطاقة بإبقاء التضخم مرتفعاً لفترة أطول. وفي المقابل، قد يؤدي تيسير نقدي سريع إلى دعم الطلب في وقت ترتفع فيه تكلفة الطاقة، مما يزيد صعوبة إعادة التضخم إلى هدفه.

رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» كيفين وارش خلال مؤتمر صحافي عقب قرار اللجنة الفيدرالية هذا الشهر (رويترز)

العجز... مشكلة هيكلية

أما الهدف الثالث، وهو تقليص العجز، فيواجه مشكلة أكثر هيكلية.

فقد بلغ العجز الفيدرالي في توقعات «مكتب الموازنة في الكونغرس» 1.9 تريليون دولار في السنة المالية 2026، بما يعادل 5.8 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. ويزيد ذلك بوضوح على متوسط العجز البالغ 3.8 في المائة من الناتج خلال نصف القرن الماضي.

ويضع ذلك المالية العامة بعيداً عن أحد أهداف خطة «3-3-3» التي طرحها وزير الخزانة سكوت بيسنت، والتي تقوم على خفض عجز الموازنة إلى 3 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وتحقيق نمو اقتصادي بنسبة 3 في المائة، وزيادة إنتاج الطاقة المحلية بنحو 3 ملايين برميل يومياً.

والمشكلة أن التوسع الاقتصادي وحده لا يكفي بالضرورة لتقليص فجوة بهذا الحجم. فمع ارتفاع الإنفاق الحكومي واستمرار الالتزامات القائمة، تصبح تكلفة خدمة الدين عاملاً متزايد الأهمية، خصوصاً عندما تبقى أسعار الفائدة والعوائد طويلة الأجل مرتفعة.

ويقدر «مكتب الموازنة في الكونغرس» أن الدين الفيدرالي المحتفَظ به لدى الجمهور سيبلغ 101 في المائة من الناتج في 2026، قبل أن يرتفع إلى 120 في المائة في 2036 وفق توقعاته الأساسية.

وبالتالي، فإن المعادلة التي تربط النشاط الأقوى بعجز أصغر تحتاج إلى أكثر من توسع اقتصادي. فهي تتطلب أيضاً ضبط نمو الإنفاق، واحتواء تكلفة خدمة الدين، وزيادة الإيرادات أو خفض المصروفات بما يكفي لتغيير مسار العجز.

شاشات تعرض مؤتمراً صحافياً لرئيس «الاحتياطي الفيدرالي» كيفين وارش في قاعة بورصة نيويورك (أ.ب)

سوق السندات يختبر الجانب الآخر من المعادلة

وهنا يظهر عنصر آخر لا يمكن تجاهله: تكلفة الاقتراض الحكومي لا يحددها «الفيدرالي» وحده.

فالعوائد طويلة الأجل تتأثر بتوقعات التضخم، وحجم الإصدارات الحكومية، والطلب على سندات الخزانة، وتوقعات النمو، إضافةً إلى مسار أسعار الفائدة قصيرة الأجل.

ولهذا يمكن أن تتراجع توقعات خفض الفائدة قصيرة الأجل، بينما تظل العوائد طويلة الأجل مرتفعةً بسبب المخاوف من التضخم أو حجم الاقتراض الحكومي.

وكانت عوائد سندات الخزانة الأميركية قد ارتفعت بقوة خلال سبتمبر قبل أن تتراجع لاحقاً مع تحركات أسعار النفط وتغير توقعات المستثمرين. وفي 10 سبتمبر، كان عائد السندات لأجل عشر سنوات عند نحو 4.77 في المائة، بينما بلغ عائد السندات لأجل 30 عاماً 5.25 في المائة، وفق بيانات «الاحتياطي الفيدرالي».

وهذا مهم بالنسبة إلى الهدف السياسي المتمثل في خفض تكلفة الاقتراض، لأن تراجع سعر الفائدة الأساسي لا يضمن تلقائياً انخفاض تكلفة التمويل الطويل الأجل للحكومة أو الأسر والشركات.

الذكاء الاصطناعي: دفعة للاستثمار وضغط على الطلب

في المقابل، هناك جانب من المعادلة يسير في الاتجاه الذي كانت الإدارة تراهن عليه: الاستثمار.

فطفرة الذكاء الاصطناعي دفعت الشركات إلى زيادة الإنفاق على الرقائق ومراكز البيانات ومعدات الكهرباء والبنية التحتية، وأسهمت في إبقاء الاستثمار الرأسمالي قوياً. ووصف «الفيدرالي» في اجتماعه الأخير الاستثمار الرأسمالي بأنه قوي، والإنتاجية بأنها تنمو بقوة.

لكن طفرة الاستثمار تحمل مفارقة أخرى. فهي تدعم الإنتاجية والنمو على المدى الطويل، لكنها في الأجل القصير تزيد الطلب على الطاقة والمعدات والعمالة ورأس المال.

وهذا يجعل طفرة الذكاء الاصطناعي جزءاً من المفاضلة النقدية أيضاً: فهي تعزز القدرة الإنتاجية المستقبلية، لكنها تضيف في الوقت نفسه إلى الطلب الحالي في اقتصاد لا يزال التضخم فيه أعلى من هدف «الفيدرالي».

لافتة «مطلوب موظفين» معلَّقة على نافذة مطعم في ميدفورد بماساتشوستس (رويترز)

من «نفط أرخص» إلى إدارة المفاضلات

لكن الأرقام حتى سبتمبر 2026 تكشف عن أن تحقيق هذه الأهداف في وقت واحد أصبح أكثر صعوبة. فالاقتصاد لا يزال متماسكاً، والاستثمار قوياً، لكن التضخم لم يعد إلى هدف «الفيدرالي»، بينما ارتفعت تكلفة الاقتراض وبقي العجز مرتفعاً.

فالقوة التي تدعم الاستثمار والنشاط الاقتصادي تحافظ في الوقت نفسه على قوة الطلب، مما يجعل خفض الفائدة أكثر صعوبة في ظل تضخم مرتفع. وفي المالية العامة، تؤدي أسعار الفائدة المرتفعة إلى زيادة تكلفة خدمة الدين، مما يجعل تقليص العجز أكثر تعقيداً.

وهنا تكمن المفارقة التي برزت خلال العامين الماضيين: ما يدعم أحد أهداف السياسة الاقتصادية قد يجعل تحقيق هدف آخر أكثر صعوبة. فالحفاظ على نشاط قوي لا يعني بالضرورة فائدة أقل، وزيادة الاقتراض لتمويل الإنفاق لا تنسجم بسهولة مع هدف خفض العجز عندما تكون تكلفة الدين مرتفعة.

وبذلك، أصبح التحدي أمام المعادلة الاقتصادية لترمب أكثر تحديداً: كيف يمكن الجمع بين طاقة أرخص، واقتراض أقل تكلفة، وعجز أصغر، من دون أن يؤدي السعي إلى أحد هذه الأهداف إلى إضعاف فرص تحقيق الآخر؟