تحولت حالة الحذر التي كانت تسيطر على المستثمرين تجاه أسهم البرمجيات إلى ما يشبه «يوم القيامة» المالي، حيث شهدت الأسواق موجة بيع عنيفة أطلق عليها المحللون وصف «SaaSpocalypse» (نهاية عالم برمجيات الخدمات). ولم تكن هذه مجرد مخاوف عابرة، بل تُرجمت إلى خسائر سوقية هائلة بلغت 300 مليار دولار من القيمة السوقية للقطاع في يوم واحد فقط، مع هروب جماعي للمستثمرين الذين بدأوا يطرحون سؤالاً وجودياً: لماذا نشتري برمجيات تقليدية إذا كان الذكاء الاصطناعي قادراً الآن على بنائها ذاتياً وبكلفة زهيدة؟
انهيار قطاعي وتقلبات حادة
اندلعت شرارة الذعر الأخيرة يوم الثلاثاء، بعدما كشفت شركة «أنثوبيك» الناشئة عن أداة إنتاجية مخصصة للمحامين، ما أرسل صدمة فورية لشركات النشر والبرمجيات القانونية. وتهاوت أسهم عمالقة مثل «طومسون رويترز» بنسبة 16 في المائة، و«ليغال زوم» بنسبة 20 في المائة، بينما فقدت مجموعة بورصة لندن 13 في المائة من قيمتها.
تفكيك حصون الشركات التقليدية
يرى الخبراء أن أدوات الذكاء الاصطناعي الجديدة، مثل «كلود» من «أنثروبيك» ونسخة «كودكس» المحدثة من «أوبن إيه آي»، بدأت تعمل باستقلالية مذهلة داخل أجهزة المستخدمين، حيث تنفذ مهام معقدة كانت تتطلب جيوشاً من المبرمجين. وأصبحت هذه الأدوات قادرة على كتابة الكود، وتحليل تقلبات السوق، وحتى إدارة الحسابات البريدية بطلبات بسيطة. هذا التطور جعل «الخنادق التنافسية» التي كانت تحمي شركات البرمجيات التقليدية تبدو ضحلة وسهلة الاختراق، ما أدى إلى تبخر قيمة الأصول السوقية بهذا الشكل الدراماتيكي.
زلزال في «مايكروسوفت»
حتى العمالقة لم ينجوا من العاصفة؛ فقد شهدت شركة «مايكروسوفت» أسوأ شهر لها منذ أكثر من عقد، حيث تراجع سهمها بنسبة 10 في المائة في جلسة واحدة عقب تقارير عن تباطؤ نمو مبيعات السحاب وزيادة الإنفاق على الذكاء الاصطناعي. وفي المقابل، تبرز أرقام صادمة حول كفاءة المهندسين؛ حيث كشفت شركة «ميتا» عن زيادة بنسبة 30 في المائة في إنتاجية المهندس الواحد بفضل أدوات البرمجة بالذكاء الاصطناعي، ما يعزز المخاوف من أن الشركات القائمة قد تصبح «زائدة عن الحاجة».
إعادة تقييم المحافظ الاستثمارية
انتقلت العدوى من الأسواق العامة إلى الملكية الخاصة، حيث بدأت شركات كبرى مثل «أبولو» و«هايفن كابيتال» في مراجعة محافظها الاستثمارية للتخلص من الأعمال الضعيفة أمام زحف الذكاء الاصطناعي. وقد خفضت «أبولو» انكشافها على قطاع البرمجيات بمقدار النصف تقريباً خلال عام 2025. ورغم أن بعض الصناديق الاستثمارية ترى في هذا الانهيار فرصة لشراء أسهم «مايكروسوفت» بأسعار رخيصة، فإن ضخامة الرقم المفقود (300 مليار دولار) تعكس حجم القلق من أن نكون بصدد انفجار «فقاعة» تقنية قد لا تبقي ولا تذر.
«كماشة» الفائدة وتراجع الصفقات
إلى جانب تهديد الذكاء الاصطناعي، يواجه قطاع البرمجيات ضغوطاً من زاوية أخرى؛ حيث تسببت معدلات الفائدة المرتفعة في تقليص ميزانيات الشركات التقنية، ما أدى إلى تراجع حاد في عدد الصفقات والعقود الجديدة. وأظهرت بيانات «بلومبرغ» أن 67 في المائة فقط من شركات البرمجيات في مؤشر «ستاندرد آند بورز» نجحت في تجاوز توقعات الإيرادات، وهي نسبة ضئيلة مقارنة بـ83 في المائة لقطاع التكنولوجيا العام. هذا «التأثير المزدوج» بين ضغوط الميزانيات والتهديد الوجودي للذكاء الاصطناعي، دفع صناديق التحوط إلى الانسحاب السريع من الأصول في أميركا الشمالية، الذي سجل أسوأ أداء شهري له منذ أزمة عام 2008، في إشارة إلى أن الأسوأ قد لا يكون قد انتهى بعد.
ويرى المحللون الآن أن عام 2026 يُمثّل فترة حاسمة يجب على الشركات خلالها التكيّف مع سير العمل القائم على الذكاء الاصطناعي، وإلا فستخاطر بفقدان مكانتها، وهو تحوّلٌ أدّى إلى ردّة فعل حادة في السوق، تُوصف على نحو متزايد بأنها «مواجهة وشيكة لبرمجيات الخدمة».
