كيف أعادت قرارات 2025 رسم مستقبل السوق العقارية في الرياض؟

«جراحة إصلاحية» أرست قواعد التوازن وعزَّزت العدالة السعرية وصنعت بيئة صحية لاستثمارات مستدامة

مشاريع عقارية في الرياض (واس)
مشاريع عقارية في الرياض (واس)
TT

كيف أعادت قرارات 2025 رسم مستقبل السوق العقارية في الرياض؟

مشاريع عقارية في الرياض (واس)
مشاريع عقارية في الرياض (واس)

في لحظة تاريخية فارقة، شهدت العاصمة السعودية الرياض تحولاً هيكلياً غير مسبوق في بنيتها العقارية، يقوده ولي العهد الأمير محمد بن سلمان برؤية استباقية تستهدف تفكيك معضلات السوق التقليدية وتحويلها إلى رافعة تنموية مستدامة. ولم تكن حزمة القرارات الصادرة في عام 2025 مجرد تدخلات تنظيمية عابرة، بل جاءت بمثابة «جراحة إصلاحية» عميقة في جسد القطاع؛ حيث استهدفت كسر احتكار المساحات الشاسعة، وضخ دماء جديدة من المعروض السكني الميسر، وضبط إيقاع العلاقة التعاقدية بين المؤجر والمستأجر بصرامة نظامية، وبالتالي إعادة التوازن إلى السوق العقارية في الرياض.

هذا الحراك الشامل يضع حداً لسنوات من المضاربات التي قادتها الندرة المصطنعة، لينتقل بالسوق نحو مرحلة «النضج العقاري» التي ترتكز على الطلب الحقيقي والعدالة السعرية.

وبين فك الحظر عن ملايين الأمتار شمالاً، وتفعيل الرسوم الصارمة على الأراضي الشاغرة، وتجميد زيادات الإيجار؛ تتشكل اليوم ملامح بيئة استثمارية شفافة تضع جودة الحياة للمواطن والمقيم في قلب المستهدفات الوطنية، مؤكدةً أن الرياض لا تنمو عمرانياً فحسب، بل تنمو تنظيمياً لتصبح نموذجاً عالمياً للاتزان العقاري والاستقرار الاقتصادي.

قرارات تاريخية

شهد عام 2025 سلسلة من التحولات التشريعية والقرارات السيادية التي وصفها المراقبون بـ«الثورة البيضاء» في القطاع العقاري السعودي، حيث لم تعد هذه القرارات مجرد أدوات تنظيمية، بل مثّلت استراتيجية متكاملة لفك الارتباط بين العقار والمضاربة، وإعادته كمنتج سكني واستثماري مستدام.

قرارات ولي العهد ترسخ التوازن إلى القطاع العقاري في الرياض (واس)

وفيما يلي تفنيد لأبرز هذه القرارات التاريخية:

أولاً: تحرير الأراضي وضخ الوفرة السكنية

جاء التوجيه برفع الإيقاف عن التصرف بالبيع والشراء والتقسيم والتجزئة، وإصدار رخص البناء واعتماد المخططات للأرض الواقعة شمال الرياض بمساحة إجمالية 81 مليون متر مربع في مارس (آذار)، تلاه قرار مماثل في أكتوبر (تشرين الأول) شمل 33.24 مليون متر مربع في الجهة الغربية للعاصمة، ليمثل إشارة البدء لضخ مساحات شاسعة كانت خارج الحسابات السوقية. وتزامن ذلك مع إلزام الهيئة الملكية لمدينة الرياض بتوفير ما بين 10 و40 ألف قطعة أرض مطورة سنوياً بأسعار مدعومة لا تتجاوز 1500 ريال للمتر، مما وضع حداً للاحتكار السعري ووفَّر بدائل حقيقية للمواطنين.

ثانياً: ضبط الإيجارات وتحقيق العدالة التعاقدية

في قرار وُصف بالاستثنائي لضمان استقرار الأسر والأنشطة الاقتصادية، أقرت الحكومة منع أي زيادات سنوية في عقود الإيجار السكنية والتجارية بالعاصمة الرياض لمدة 5 سنوات. هذا القرار الصادر في سبتمبر (أيلول)، والمدعوم تقنياً عبر نظام «إيجار» المطور، قطع الطريق على الارتفاعات العشوائية وفرض حالة من الانضباط السعري الذي يواكب نمو المدينة دون المساس بجودة حياة سكانها.

ثالثاً: تطوير منظومة الرسوم

تم تفعيل النسخة المطورة من نظام رسوم الأراضي البيضاء، والتي شهدت في أغسطس (آب) تحولاً جذرياً؛ حيث لم تعد تقتصر على الأراضي الفضاء فقط، بل امتدت لتشمل العقارات المبنية الشاغرة، مع رفع نسبة الرسم السنوي لتصل إلى 10 في المائة من قيمة الأرض للمساحات التي تبدأ من 5 آلاف متر مربع فأكثر ضمن النطاق العمراني. هذا الإجراء رفع تكلفة «حبس الأراضي» وحفّز الملاك على التطوير الفوري بدلاً من الاكتناز.

رابعاً: الانفتاح الاستثماري والحوكمة الرقمية

لم يغفل المشرّع العقاري في 2025 الجانب الجاذب للاستثمار؛ حيث تم تفعيل نظام تملك غير السعوديين المحدّث، والذي سمح بتملك العقارات للأفراد والشركات الأجنبية في مناطق محددة وفق ضوابط محكمة، مما ضخ سيولة دولية جديدة في السوق. واكتملت هذه المنظومة بإطلاق منصة «توازن العقار»، التي وفرت مؤشرات سعرية لحظية مبنية على صفقات حقيقية، مما عزز من مبدأ الشفافية وقضى على شائعات الأسعار الوهمية.

خامساً: جودة المنتج والالتزام بالكود العمراني

انتقلت القرارات من الكم إلى الكيف، حيث تم تعميم إلزامية الكود السعودي للمباني وربط إصدار رخص البناء في جميع المخططات الجديدة بمعايير استدامة وجودة صارمة. هذا القرار يضمن للمشتري النهائي منتجاً عقارياً ذا جدوى تشغيلية طويلة الأجل، ويحول دون ظهور أحياء عشوائية أو مبانٍ منخفضة الجودة في مستقبل العاصمة.

نقلة نوعية

ويرى مختصون ومهتمون بالشأن العقاري في تصريحات لهم إلى «الشرق الأوسط»، أن هذه الإجراءات التاريخية تمثل تحوّلاً هيكلياً ونقلة نوعية في إدارة السوق العقارية بمدينة الرياض، وستسهم في نقل السوق من أن تقودها الندرة والمضاربات، إلى سوق أكثر اتزاناً، وتحكمها أدوات توازن حقيقية قائمة على الطلب الحقيقي، وضبط العلاقة التعاقدية، ورفع كفاءة استخدام الأراضي، وبما يعزز الشفافية في مؤشرات السوق، والعدالة السعرية وخلق بيئة صحية للاستثمار طويل الأجل.

وفي هذا الإطار، عدَّ الرئيس التنفيذي لشركة «منصات» العقارية، خالد المبيض، هذه الإجراءات بأنها خطوة تصحيحية مهمة وجاءت في توقيت مناسب، وهي تهدف إلى إعادة ضبط إيقاع السوق بعد سنوات من الارتفاعات المتسارعة.

وأوضح في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن هذه القرارات سوف تنقل السوق العقارية بمدينة الرياض، من أن تكون سوقاً تحكمها المضاربات إلى سوق أكثر اتزاناً، يقودها الطلب الحقيقي، وبما يعزز العدالة السعرية ويخلق بيئة صحية للاستثمار طويل الأجل، سواء للمواطن أو للمطور العقاري.

وأشار المبيض إلى أنه خلال الفترة الماضية لاحظ عدة مؤشرات إيجابية، أبرزها تباطؤ وتيرة الارتفاعات السعرية لأسعار العقارات في مدينة الرياض، وعودة التفاوض الواقعي بين البائع والمشتري، إضافة إلى زيادة المعروض في بعض المناطق، وزاد بظهور تحسن في الآونة الأخيرة في جودة العروض العقارية، حيث أصبح التركيز على المنتج وقيمته الفعلية بدلاً من الرهان على الارتفاع السريع للأسعار.

ويرى المبيض أن هذه الإجراءات التاريخية من قبل ولي العهد السعودي، ستسهم في تعزيز الاستقرار السعري على المدى المتوسط، ورفع كفاءة السوق، وتحفيز التطوير المنظم بدلاً من الاحتكار. كما ستدعم تمكين شريحة أكبر من المواطنين من التملك، وتزيد من جاذبية السوق للمستثمر الجاد الباحث عن عوائد مستدامة، وليست مكاسب سريعة، مضيفاً أنها ستقود السوق للاتجاه نحو النضج والشفافية، وهذا مكسب استراتيجي لمدينة الرياض واقتصاد المدينة ككل.

تحول جذري يشهده العقار في العاصمة السعودية (رويترز)

معالجة جذور الخلل

من جانبه، قال الخبير والمسوق العقاري، عبد الله الموسى، لـ«الشرق الأوسط»، إن هذه الإجراءات التاريخية تُعدّ تحوّلاً هيكلياً في إدارة السوق العقارية، وليس مجرد تدخل تنظيمي عابر.

وأضاف: «نحن أمام انتقال من سوق تقودها الندرة والمضاربات، إلى سوق تحكمها أدوات توازن حقيقية قائمة على زيادة المعروض، وضبط العلاقة التعاقدية، ورفع كفاءة استخدام الأراضي»، مضيفاً أن هذه الإجراءات تعالج جذور الخلل لا أعراضه، وهو ما لم يكن متاحاً سابقاً بهذه الجرأة والوضوح.

وأشار الموسى إلى ملاحظة المتعاملين في السوق لأثر تدريجي على مستوى التوقعات والسلوك الاستثماري، خصوصاً في شمال الرياض، وتحوّل الخطاب من «الاحتفاظ انتظاراً لارتفاع الأسعار»، إلى «إعادة الحسابات». كما شهدت السوق تهدئة في وتيرة الارتفاعات غير المبررة، وعودة الاهتمام بالتطوير الفعلي بدلاً من الاكتناز، إضافة إلى وضوح أكبر في سوق الإيجارات بعد ضبط العلاقة بين المؤجر والمستأجر.

وتوقع الموسى أن تشهد المرحلة المقبلة إعادة تسعير أكثر واقعية للأراضي بمدينة الرياض، وتحولاً في نوعية الطلب من مضاربين إلى الاستخدام والاستثمار طويل الأجل، مضيفاً أن الأثر الأكبر سيكون على استدامة السوق وثقة المستفيد النهائي، مع خلق بيئة جاذبة للتطوير المنظم بدل التضخم السعري، لافتاً إلى أن السوق لن تتجه نحو الانهيار كما يروّج البعض، لكنها ستصبح أكثر توازناً، وهذا بالضبط ما يحتاجه أي اقتصاد صحي.

كسر الندرة المصطنعة

من جهته، قال الخبير والمسوق العقاري، صقر الزهراني، لـ«الشرق الأوسط»، إن الإجراءات التنظيمية والإصلاحية التي أُعلنت خلال عام 2025 ساهمت في إحداث تحول جوهري في بنية السوق العقارية بمدينة الرياض، من خلال معالجة أسباب الخلل الهيكلي لا مظاهره فقط. واستهدفت هذه القرارات شح المعروض السكني، وتضخم أسعار الأراضي الخام، وكسر الندرة المصطنعة التي تشكلت عبر احتجاز مساحات واسعة من الأراضي دون تطوير فعلي، مما أدى إلى اختلال العلاقة بين العرض والطلب.

وجاء إطلاق منصة التوازن العقاري وفتح مساحات واسعة للتطوير شمال وغرب المدينة ليعيدا مفهوم «الوفرة المنظمة» إلى السوق، عبر ضخ معروض سكني مخطط وميسر، وتصحيح آليات التسعير بعيداً عن المضاربات قصيرة الأجل، وربط الأسعار بالطلب الحقيقي والقدرة الشرائية الفعلية للمواطنين، دون تدخل قسري في حركة السوق، وفق للزهراني.

وأضاف أنه خلال الأشهر الماضية، بدأت انعكاسات هذه الإجراءات تظهر بوضوح على سلوك السوق قبل أن تكتمل آثارها الرقمية، مما أدى إلى تراجع الإقبال على الأراضي الخام وتعثر عدد من مزاداتها، مقابل ارتفاع ملحوظ في الإقبال على البيع على الخريطة، ما يعكس تحول السوق من الاحتفاظ بالأرض كمخزن للقيمة إلى الاستثمار في المنتج السكني القابل للاستخدام. كما اتجه عدد متزايد من ملاك الأراضي إلى الشراكة مع شركات تطوير عقاري، في ظل تراجع جدوى المضاربة قصيرة الأجل.

وفي الجانب التمويلي، قال الزهراني إن البنوك والجهات المالية أعادت ترتيب أولوياتها، فركزت على المشروعات ذات الجدوى التشغيلية والطلب الحقيقي، مما أسهم في رفع جودة المعروض، وإن صاحبه تباطؤ مرحلي في بعض الأنشطة البيعية.

وعلى مستوى المستهلك، برز تريث واضح في قرارات الشراء، إلى جانب توجه متزايد نحو خيار البناء الذاتي، في مؤشر على نضج الوعي العقاري.

ويتوقع الزهراني أن تستمر آثار هذه الإجراءات حتى عام 2027، في دفع السوق العقارية في الرياض نحو مزيد من التوازن والاستقرار، مرجحاً أن تشهد السوق استقراراً سعرياً عاماً مع تصحيحات محدودة في المواقع التي شهدت تضخماً غير مبرر، دون الوصول إلى سيناريوهات الانخفاض الحاد.

كما يتوقع أن ترتفع نسبة التملك السكني، لا سيما لدى فئة الشباب، مع استمرار انتقال رؤوس الأموال من المضاربة على الأراضي الخام إلى الاستثمار في التطوير العقاري والمشاريع التشغيلية طويلة الأجل، بما يعزز استدامة السوق ويزيد من جاذبيتها الاستثمارية.

ختاماً، يمكن القول إن ما شهده عام 2025 من قرارات تاريخية لم يكن مجرد استجابة لمتطلبات مرحلية، بل كان إعلاناً صريحاً عن ولادة مسار اجتماعي واقتصادي جديد في سوق العقار بالعاصمة الرياض. إن هذه المنظومة المتكاملة - التي بدأت بضخ المساحات الشاسعة ولم تنتهِ بضبط سقف الإيجارات وحوكمة الرسوم - قد نجحت في إعادة تعريف العقار بوصفه خدمة سكنية ومنتجاً استثمارياً ذا قيمة مضافة، وليس مجرد وعاء للمضاربات السعرية.

وبالنظر إلى آراء المعنيين في القطاع، فإن المرحلة المقبلة ستكون مرحلة جني الثمار؛ حيث من المتوقع أن تترسخ ثقافة الاستثمار طويل الأجل، وتزداد وتيرة تملك المواطنين لمنازلهم في بيئة تسودها العدالة والشفافية. إن الرياض اليوم، وهي تمضي قدماً لتكون واحدة من أكبر عشرة اقتصاديات مدن في العالم، تقدم نموذجاً فريداً في كيفية تطويع التشريعات لخدمة جودة الحياة، مؤكدةً أن استدامة النمو مرهونة دائماً بالتوازن بين طموحات التطوير وحقوق المستفيد النهائي.


مقالات ذات صلة

القطاع الخاص يقود قاطرة الاستثمار السياحي في السعودية بـ58 مليار دولار

خاص رحلة تسلق جبال في تنومة جنوب السعودية

القطاع الخاص يقود قاطرة الاستثمار السياحي في السعودية بـ58 مليار دولار

أصبح القطاع الخاص لاعباً أساسياً في دفع عجلة السياحة السعودية، مسهماً بنحو 219 مليار ريال من إجمالي الاستثمارات الملتزم بها في القطاع.

عبير حمدي (الرياض)
الاقتصاد عدد من الحاويات في ميناء الملك عبدالعزيز (واس)

دعم لوجستي... السعودية تمدِّد إعفاء الحاويات في ميناء الملك عبد العزيز والجبيل التجاري

أعلنت «الهيئة العامة للموانئ (موانئ)» عن إطلاق مبادرة تمديد فترة الإعفاء للحاويات الفارغة الواردة عبر ميناء الملك عبد العزيز بالدمام وميناء الجبيل التجاري.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع (واس)

خط الأنابيب السعودي «شرق - غرب» يضخ النفط بكامل طاقته

أفادت وكالة «بلومبرغ نيوز» نقلاً عن مصدر مطلع، بأن خط أنابيب النفط السعودي «شرق - غرب»، الذي يلتف حول مضيق هرمز، يضخ بكامل طاقته البالغة 7 ملايين برميل يومياً.

«الشرق الأوسط» (لندن)
خاص العاصمة السعودية الرياض (واس)

خاص بعد عام على قرارات ولي العهد... عقارات الرياض «تودِّع» المُضَاربة بتراجع 64 % في قيمة الصفقات

بعد عام من قرارات ولي العهد لتنظيم السوق العقارية بالرياض، انخفضت قيمة الصفقات 64 في المائة مقارنة بالفترة نفسها قبل صدور القرارات.

محمد المطيري (الرياض)
الاقتصاد افتتاح قمة «مبادرة مستقبل الاستثمار» في ميامي (الشرق الأوسط)

الجدعان في قمة ميامي: الاقتصاد السعودي مرن وقادر على إدارة الأزمات

تصدرت الرؤية السعودية مشهد التحولات الاقتصادية في انطلاق قمة «مبادرة مستقبل الاستثمار» بميامي، وسط تأكيدات على قدرة اقتصاد المملكة على إدارة الأزمات.

مساعد الزياني (ميامي)

النفط يقفز مع دخول الحوثيين خط المواجهة... وبرنت يقترب من 117 دولاراً

ناقلة نفط خام ترفع علم هونغ كونغ تحمل حوالي 200 ألف برميل من الوقود ذي المنشأ الروسي، متجهة إلى كوبا (أ.ف.ب)
ناقلة نفط خام ترفع علم هونغ كونغ تحمل حوالي 200 ألف برميل من الوقود ذي المنشأ الروسي، متجهة إلى كوبا (أ.ف.ب)
TT

النفط يقفز مع دخول الحوثيين خط المواجهة... وبرنت يقترب من 117 دولاراً

ناقلة نفط خام ترفع علم هونغ كونغ تحمل حوالي 200 ألف برميل من الوقود ذي المنشأ الروسي، متجهة إلى كوبا (أ.ف.ب)
ناقلة نفط خام ترفع علم هونغ كونغ تحمل حوالي 200 ألف برميل من الوقود ذي المنشأ الروسي، متجهة إلى كوبا (أ.ف.ب)

سجلت أسعار النفط ارتفاعاً ملحوظاً، يوم الاثنين، مع تصاعد الأزمة في الشرق الأوسط ودخول المتمردين الحوثيين في اليمن خط المواجهة المباشرة، وسط مخاوف متزايدة من تدخل بري أميركي قد يستهدف المنشآت الحيوية للطاقة في إيران.

ومع دخول الصراع أسبوعه الخامس، أعلن الحوثيون استهداف مواقع استراتيجية في إسرائيل بصواريخ كروز وطائرات مسيرّة، مما أثار قلقاً دولياً من اتساع رقعة الحرب لتشمل البحر الأحمر؛ الممر الذي أعادت السعودية توجيه جزء كبير من صادراتها النفطية إليه لتجنب مضيق هرمز الذي أغلقته طهران فعلياً.

قفزة في العقود الآجلة

دفعت هذه التطورات أسعار الخام إلى أعلى مستوياتها منذ بدء الحملة العسكرية الأميركية الإسرائيلية ضد إيران. وقفزت العقود الرئيسية بأكثر من 3 في المائة، حيث اقترب سعر خام برنت من 117 دولاراً للبرميل (تحديداً 116.15 دولار)، بينما ارتفع خام غرب تكساس الوسيط بنسبة 3 في المائة ليصل إلى 102.61 دولار للبرميل.

تهديدات ترمب وجزيرة خرج

وما زاد من قلق الأسواق هي تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب لصحيفة «فاينانشال تايمز»، التي أبدى فيها رغبته في «السيطرة على النفط في إيران»، ملوّحاً بإمكانية الاستيلاء على جزيرة خرج، وهي محطة تصدير النفط الحيوية لإيران. وقال ترمب: «ربما نسيطر على جزيرة خرج وربما لا، لدينا خيارات كثيرة.. لكن هذا سيعني بقاءنا هناك لفترة».

مخاوف الإمدادات وتكاليف التأمين

ويرى محللون أن قدرة الحوثيين على تعطيل الملاحة عبر مضيق باب المندب، الذي يمر عبره نحو 12 في المائة من التجارة العالمية، تمثل المخاطر الأبرز حالياً. وأشار كريس ويستون، رئيس قسم الأبحاث في مجموعة «بيبرستون» المالية، إلى أن الخلل في الإمدادات مقترناً بارتفاع حاد في تكاليف التأمين قد يدفع أسعار النفط لمستويات أعلى، خاصة وأن الصدمة الحالية لم تعد تقتصر على النفط وحده، بل تمتد لتشمل البتروكيميائيات والأسمدة.

ويأتي هذا التصعيد بعد فترة من الهدوء النسبي الأسبوع الماضي، عقب قرار ترمب تأجيل الهجوم على البنية التحتية للطاقة في إيران لمنح فرصة للمفاوضات، إلا أن التطورات الميدانية الأخيرة أعادت ملف «أمن الإمدادات» إلى الواجهة من جديد.


الدولار يتماسك مع ترقب الأسواق لحرب طويلة الأمد في الشرق الأوسط

 أوراق نقدية من فئة الدولار (رويترز)
أوراق نقدية من فئة الدولار (رويترز)
TT

الدولار يتماسك مع ترقب الأسواق لحرب طويلة الأمد في الشرق الأوسط

 أوراق نقدية من فئة الدولار (رويترز)
أوراق نقدية من فئة الدولار (رويترز)

استقر الدولار الأميركي بشكل عام يوم الاثنين، متجهاً نحو تحقيق أقوى مكاسبه الشهرية منذ يوليو (تموز)، وسط مخاوف المستثمرين من تداعيات حرب طويلة الأمد في الشرق الأوسط، مما أدى إلى انخفاض الين إلى ما دون مستوى 160 ينًا الحرج، وإثارة مخاوف من التدخلات الاقتصادية.

وقد شهدت الأسواق اضطراباً هذا الشهر بعد أن أدى الصراع فعلياً إلى إغلاق مضيق هرمز، وهو ممر حيوي لنحو خُمس تدفقات النفط والغاز العالمية، مما دفع خام برنت نحو أكبر ارتفاع شهري له، وأثار شكوكاً حول توقعات أسعار الفائدة.

امتدت الحرب، التي اندلعت إثر الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط)، إلى مختلف أنحاء الشرق الأوسط، مع تزايد المخاوف من هجوم بري ودخول الحوثيين الموالين لإيران إلى اليمن يوم السبت، مما زاد من حدة التوتر.

من جهتها، أعلنت باكستان استعدادها لاستضافة «محادثات جادة» لإنهاء الصراع في الأيام المقبلة، رغم تأكيد طهران استعدادها للرد في حال شنت الولايات المتحدة عملية برية.

لم تتأثر آراء المستثمرين بشكل كبير بتصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن واشنطن أجرت محادثات «مباشرة وغير مباشرة» مع إيران، وأن قادتها الجدد كانوا "معقولين للغاية".

وأدى ذلك إلى ارتفاع الدولار مع لجوء المستثمرين إلى الملاذات الآمنة هذا الشهر. وبلغ سعر اليورو 1.1512 دولار، متجهاً نحو انخفاض بنسبة 2.5 في المائة في مارس (آذار)، وهو أضعف انخفاض شهري له منذ يوليو.

وبلغ سعر الجنيه الإسترليني 1.32585 دولار، دون تغيير يُذكر خلال اليوم، ولكنه يتجه نحو انخفاض بنسبة 1.7 في المائة هذا الشهر. بلغ مؤشر الدولار، الذي يقيس قيمة العملة الأميركية مقابل ست عملات أخرى، 100.14 في بداية التداولات.

وصرّح كريس ويستون، رئيس قسم الأبحاث في شركة «بيبرستون»، بأن «اللافت للنظر هو سرعة تغير الاحتمالات. فقبل أسبوعين فقط، كان يُنظر إلى إرسال قوات أميركية برية إلى إيران على أنه احتمال ضعيف. لكن هذا الوضع تغيّر بشكل واضح، مما يُعزز ضرورة أن تبقى الأسواق منفتحة على جميع الاحتمالات. وتتمثل الاستراتيجية في بيع الأسهم عند ارتفاع أسعار المخاطر والحفاظ على تحوّطات ضد التقلبات».

التركيز على النفط

في الوقت الراهن، ينصبّ تركيز السوق بشكل أساسي على أسعار النفط، حيث استقرت العقود الآجلة لخام برنت عند 114.6 دولار للبرميل، بزيادة قدرها 58 في المائة تقريباً في مارس، مسجلةً بذلك أقوى ارتفاع شهري لها على الإطلاق.

وقال براشان نيوناها، كبير استراتيجيي أسعار الفائدة في شركة «تي دي» للأوراق المالية، «إن اتجاه الدولار من الآن فصاعدًا يعتمد ببساطة على أسعار النفط. فمع اتجاه أسعار النفط، يتجه الدولار».

أدت أسعار النفط المرتفعة إلى تجدد المخاوف من التضخم، ما دفع العقود الآجلة لأسعار الفائدة الأميركية إلى البدء في تسعير مخاطر رفع الاحتياطي الفيدرالي لأسعار الفائدة في وقت لاحق من هذا العام، وهو تحول حاد عن بداية هذا العام عندما كان المتداولون يراهنون على خفضين محتملين لأسعار الفائدة في عام 2026.

في الوقت نفسه، يُولي المستثمرون اهتماماً متزايداً للتداعيات الاقتصادية طويلة الأجل لحرب مطولة.

وقال مارك تشاندلر، كبير استراتيجيي السوق في «بانوكبيرن كابيتال ماركتس»: «تجد البنوك المركزية نفسها في موقف بالغ الصعوبة: إذ تواجه أسعاراً تُشير إلى تشديد السياسة النقدية، بينما تُشير مؤشرات النمو إلى ضرورة توخي الحذر. إنها علامة فارقة للركود التضخمي، وقد ظهرت قبل أن يكون معظم المستثمرين مستعدين لها».

عودة الين الضعيف إلى دائرة الضوء

ارتفع الين الياباني إلى 159.77 ين للدولار بعد أن سجل 160.47 ين في وقت سابق من الجلسة، وهو أضعف مستوى له منذ يوليو (تموز) 2024 عندما تدخلت طوكيو آخر مرة في أسواق العملات.

وقد جاء هذا التراجع في ظل تصعيد اليابان لتهديدها بالتدخل في سوق الين، وإشارتها إلى أن المزيد من الانخفاضات في قيمة العملة قد يبرر رفع أسعار الفائدة على المدى القريب. وقد انخفض الين بأكثر من 2 في المائة في مارس وسط مخاوف من ارتفاع أسعار النفط.

وقال كبير مسؤولي السياسة النقدية في اليابان، أتسوكي ميمورا، إن السلطات قد تضطر إلى اتخاذ خطوات حاسمة إذا استمرت المضاربات في سوق العملات. بينما صرّح محافظ بنك اليابان، كازو أويدا، بأن البنك المركزي سيراقب عن كثب تحركات الين وتأثيرها على الاقتصاد والأسعار.

وفيما يتعلق بالعملات الأخرى، انخفض الدولار الأسترالي بنسبة 0.3 في المائة ليصل إلى 0.6851 دولار أميركي، متجهاً نحو تسجيل انخفاض شهري بنسبة 3.8 في المائة، وهو أكبر انخفاض له منذ ديسمبر (كانون الأول) 2024. كما انخفض الدولار النيوزيلندي بنسبة 0.4 في المائة ليصل إلى 0.57275 دولار أميركي، مسجلاً انخفاضاً بنسبة 4.4 في المائة في مارس.


الذهب يسجل أكبر انخفاض شهري منذ 2008 نتيجة قوة الدولار وتضخم الطاقة

امرأة هندية تعرض قطعة مجوهرات ذهبية في متجر مجوهرات في بنغالور (أ.ف.ب)
امرأة هندية تعرض قطعة مجوهرات ذهبية في متجر مجوهرات في بنغالور (أ.ف.ب)
TT

الذهب يسجل أكبر انخفاض شهري منذ 2008 نتيجة قوة الدولار وتضخم الطاقة

امرأة هندية تعرض قطعة مجوهرات ذهبية في متجر مجوهرات في بنغالور (أ.ف.ب)
امرأة هندية تعرض قطعة مجوهرات ذهبية في متجر مجوهرات في بنغالور (أ.ف.ب)

تراجعت أسعار الذهب، يوم الاثنين، حيث أدى ارتفاع أسعار الطاقة إلى تأجيج المخاوف من التضخم وتراجع التوقعات بخفض أسعار الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي هذا العام.

انخفض سعر الذهب الفوري بنسبة 0.6 في المائة إلى 4466.99 دولار للأونصة بحلول الساعة 02:38 بتوقيت غرينتش. كما تراجعت العقود الآجلة للذهب الأميركي تسليم أبريل (نيسان) بنسبة 0.6 في المائة إلى 4496.30 دولار.

وقد خسر الذهب أكثر من 15 في المائة هذا الشهر، مسجلاً أكبر انخفاض شهري له منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2008، مع ارتفاع قيمة الدولار الأميركي. وارتفعت قيمة العملة بأكثر من 2 في المائة منذ بدء الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط).

وقال نيكولاس فرابيل، الرئيس العالمي للأسواق المؤسسية في شركة «إي بي سي»: «يكمن السبب الرئيسي وراء ضعف أداء الذهب في التحول الكبير في توقعات أسعار الفائدة... وقد تأثر الدولار الأميركي بذلك، وبما أن توقعات الذهب كانت مرتبطة أيضاً بأسعار الفائدة، مع توقعات بانخفاض سعر الفائدة في ظل رئيس جديد لمجلس الاحتياطي الفيدرالي، فقد كان لذلك أثر سلبي على الذهب«.

ويرى المتداولون الآن أن فرص خفض سعر الفائدة الأميركي هذا العام ضئيلة، حيث تهدد أسعار الطاقة المرتفعة بتغذية التضخم العام والحد من نطاق التيسير النقدي. ويتناقض هذا مع التوقعات بخفض سعر الفائدة مرتين قبل بدء النزاع.

وبينما يعزز التضخم عادةً جاذبية الذهب كأداة تحوط، فإن ارتفاع أسعار الفائدة يؤثر سلباً على الطلب على هذا المعدن الذي لا يدرّ عائداً. وارتفع سعر خام برنت فوق 115 دولاراً للبرميل بعد أن شن الحوثيون اليمنيون هجمات على إسرائيل خلال عطلة نهاية الأسبوع، مما وسّع نطاق الحرب الدائرة وزاد من حدة التضخم. وكان العقد قد ارتفع بنسبة 60 في المائة في مارس، مسجلاً بذلك ارتفاعاً شهرياً قياسياً.

وصرح الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في مقابلة مع صحيفة «فاينانشال تايمز» نُشرت يوم الأحد، بأنه يريد «السيطرة على النفط في إيران» وقد يستولي على مركز التصدير في جزيرة خرج.

وقال فرابيل: «أشارت تحركات أسعار الذهب الأسبوع الماضي إلى رد فعل على عمليات البيع المفرط، واحتمال انعكاس الانخفاضات الأخيرة. ومع ذلك، يحتاج هذا إلى تأكيد من خلال تحركات الأسعار هذا الأسبوع. ونظرًا للتدفق السريع للأخبار، فمن الأسهل توقع تقلبات في الأسعار».

وانخفض سعر الفضة الفوري بنسبة 1.3 في المائة إلى 68.67 دولار للأونصة. وارتفع سعر البلاتين الفوري بنسبة 0.3 في المائة إلى 1868.11 دولار، وارتفع سعر البلاديوم بنسبة 1 في المائة إلى 1391 دولاراً.