كيف أعادت قرارات 2025 رسم مستقبل السوق العقارية في الرياض؟

«جراحة إصلاحية» أرست قواعد التوازن وعزَّزت العدالة السعرية وصنعت بيئة صحية لاستثمارات مستدامة

مشاريع عقارية في الرياض (واس)
مشاريع عقارية في الرياض (واس)
TT

كيف أعادت قرارات 2025 رسم مستقبل السوق العقارية في الرياض؟

مشاريع عقارية في الرياض (واس)
مشاريع عقارية في الرياض (واس)

في لحظة تاريخية فارقة، شهدت العاصمة السعودية الرياض تحولاً هيكلياً غير مسبوق في بنيتها العقارية، يقوده ولي العهد الأمير محمد بن سلمان برؤية استباقية تستهدف تفكيك معضلات السوق التقليدية وتحويلها إلى رافعة تنموية مستدامة. ولم تكن حزمة القرارات الصادرة في عام 2025 مجرد تدخلات تنظيمية عابرة، بل جاءت بمثابة «جراحة إصلاحية» عميقة في جسد القطاع؛ حيث استهدفت كسر احتكار المساحات الشاسعة، وضخ دماء جديدة من المعروض السكني الميسر، وضبط إيقاع العلاقة التعاقدية بين المؤجر والمستأجر بصرامة نظامية، وبالتالي إعادة التوازن إلى السوق العقارية في الرياض.

هذا الحراك الشامل يضع حداً لسنوات من المضاربات التي قادتها الندرة المصطنعة، لينتقل بالسوق نحو مرحلة «النضج العقاري» التي ترتكز على الطلب الحقيقي والعدالة السعرية.

وبين فك الحظر عن ملايين الأمتار شمالاً، وتفعيل الرسوم الصارمة على الأراضي الشاغرة، وتجميد زيادات الإيجار؛ تتشكل اليوم ملامح بيئة استثمارية شفافة تضع جودة الحياة للمواطن والمقيم في قلب المستهدفات الوطنية، مؤكدةً أن الرياض لا تنمو عمرانياً فحسب، بل تنمو تنظيمياً لتصبح نموذجاً عالمياً للاتزان العقاري والاستقرار الاقتصادي.

قرارات تاريخية

شهد عام 2025 سلسلة من التحولات التشريعية والقرارات السيادية التي وصفها المراقبون بـ«الثورة البيضاء» في القطاع العقاري السعودي، حيث لم تعد هذه القرارات مجرد أدوات تنظيمية، بل مثّلت استراتيجية متكاملة لفك الارتباط بين العقار والمضاربة، وإعادته كمنتج سكني واستثماري مستدام.

قرارات ولي العهد ترسخ التوازن إلى القطاع العقاري في الرياض (واس)

وفيما يلي تفنيد لأبرز هذه القرارات التاريخية:

أولاً: تحرير الأراضي وضخ الوفرة السكنية

جاء التوجيه برفع الإيقاف عن التصرف بالبيع والشراء والتقسيم والتجزئة، وإصدار رخص البناء واعتماد المخططات للأرض الواقعة شمال الرياض بمساحة إجمالية 81 مليون متر مربع في مارس (آذار)، تلاه قرار مماثل في أكتوبر (تشرين الأول) شمل 33.24 مليون متر مربع في الجهة الغربية للعاصمة، ليمثل إشارة البدء لضخ مساحات شاسعة كانت خارج الحسابات السوقية. وتزامن ذلك مع إلزام الهيئة الملكية لمدينة الرياض بتوفير ما بين 10 و40 ألف قطعة أرض مطورة سنوياً بأسعار مدعومة لا تتجاوز 1500 ريال للمتر، مما وضع حداً للاحتكار السعري ووفَّر بدائل حقيقية للمواطنين.

ثانياً: ضبط الإيجارات وتحقيق العدالة التعاقدية

في قرار وُصف بالاستثنائي لضمان استقرار الأسر والأنشطة الاقتصادية، أقرت الحكومة منع أي زيادات سنوية في عقود الإيجار السكنية والتجارية بالعاصمة الرياض لمدة 5 سنوات. هذا القرار الصادر في سبتمبر (أيلول)، والمدعوم تقنياً عبر نظام «إيجار» المطور، قطع الطريق على الارتفاعات العشوائية وفرض حالة من الانضباط السعري الذي يواكب نمو المدينة دون المساس بجودة حياة سكانها.

ثالثاً: تطوير منظومة الرسوم

تم تفعيل النسخة المطورة من نظام رسوم الأراضي البيضاء، والتي شهدت في أغسطس (آب) تحولاً جذرياً؛ حيث لم تعد تقتصر على الأراضي الفضاء فقط، بل امتدت لتشمل العقارات المبنية الشاغرة، مع رفع نسبة الرسم السنوي لتصل إلى 10 في المائة من قيمة الأرض للمساحات التي تبدأ من 5 آلاف متر مربع فأكثر ضمن النطاق العمراني. هذا الإجراء رفع تكلفة «حبس الأراضي» وحفّز الملاك على التطوير الفوري بدلاً من الاكتناز.

رابعاً: الانفتاح الاستثماري والحوكمة الرقمية

لم يغفل المشرّع العقاري في 2025 الجانب الجاذب للاستثمار؛ حيث تم تفعيل نظام تملك غير السعوديين المحدّث، والذي سمح بتملك العقارات للأفراد والشركات الأجنبية في مناطق محددة وفق ضوابط محكمة، مما ضخ سيولة دولية جديدة في السوق. واكتملت هذه المنظومة بإطلاق منصة «توازن العقار»، التي وفرت مؤشرات سعرية لحظية مبنية على صفقات حقيقية، مما عزز من مبدأ الشفافية وقضى على شائعات الأسعار الوهمية.

خامساً: جودة المنتج والالتزام بالكود العمراني

انتقلت القرارات من الكم إلى الكيف، حيث تم تعميم إلزامية الكود السعودي للمباني وربط إصدار رخص البناء في جميع المخططات الجديدة بمعايير استدامة وجودة صارمة. هذا القرار يضمن للمشتري النهائي منتجاً عقارياً ذا جدوى تشغيلية طويلة الأجل، ويحول دون ظهور أحياء عشوائية أو مبانٍ منخفضة الجودة في مستقبل العاصمة.

نقلة نوعية

ويرى مختصون ومهتمون بالشأن العقاري في تصريحات لهم إلى «الشرق الأوسط»، أن هذه الإجراءات التاريخية تمثل تحوّلاً هيكلياً ونقلة نوعية في إدارة السوق العقارية بمدينة الرياض، وستسهم في نقل السوق من أن تقودها الندرة والمضاربات، إلى سوق أكثر اتزاناً، وتحكمها أدوات توازن حقيقية قائمة على الطلب الحقيقي، وضبط العلاقة التعاقدية، ورفع كفاءة استخدام الأراضي، وبما يعزز الشفافية في مؤشرات السوق، والعدالة السعرية وخلق بيئة صحية للاستثمار طويل الأجل.

وفي هذا الإطار، عدَّ الرئيس التنفيذي لشركة «منصات» العقارية، خالد المبيض، هذه الإجراءات بأنها خطوة تصحيحية مهمة وجاءت في توقيت مناسب، وهي تهدف إلى إعادة ضبط إيقاع السوق بعد سنوات من الارتفاعات المتسارعة.

وأوضح في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن هذه القرارات سوف تنقل السوق العقارية بمدينة الرياض، من أن تكون سوقاً تحكمها المضاربات إلى سوق أكثر اتزاناً، يقودها الطلب الحقيقي، وبما يعزز العدالة السعرية ويخلق بيئة صحية للاستثمار طويل الأجل، سواء للمواطن أو للمطور العقاري.

وأشار المبيض إلى أنه خلال الفترة الماضية لاحظ عدة مؤشرات إيجابية، أبرزها تباطؤ وتيرة الارتفاعات السعرية لأسعار العقارات في مدينة الرياض، وعودة التفاوض الواقعي بين البائع والمشتري، إضافة إلى زيادة المعروض في بعض المناطق، وزاد بظهور تحسن في الآونة الأخيرة في جودة العروض العقارية، حيث أصبح التركيز على المنتج وقيمته الفعلية بدلاً من الرهان على الارتفاع السريع للأسعار.

ويرى المبيض أن هذه الإجراءات التاريخية من قبل ولي العهد السعودي، ستسهم في تعزيز الاستقرار السعري على المدى المتوسط، ورفع كفاءة السوق، وتحفيز التطوير المنظم بدلاً من الاحتكار. كما ستدعم تمكين شريحة أكبر من المواطنين من التملك، وتزيد من جاذبية السوق للمستثمر الجاد الباحث عن عوائد مستدامة، وليست مكاسب سريعة، مضيفاً أنها ستقود السوق للاتجاه نحو النضج والشفافية، وهذا مكسب استراتيجي لمدينة الرياض واقتصاد المدينة ككل.

تحول جذري يشهده العقار في العاصمة السعودية (رويترز)

معالجة جذور الخلل

من جانبه، قال الخبير والمسوق العقاري، عبد الله الموسى، لـ«الشرق الأوسط»، إن هذه الإجراءات التاريخية تُعدّ تحوّلاً هيكلياً في إدارة السوق العقارية، وليس مجرد تدخل تنظيمي عابر.

وأضاف: «نحن أمام انتقال من سوق تقودها الندرة والمضاربات، إلى سوق تحكمها أدوات توازن حقيقية قائمة على زيادة المعروض، وضبط العلاقة التعاقدية، ورفع كفاءة استخدام الأراضي»، مضيفاً أن هذه الإجراءات تعالج جذور الخلل لا أعراضه، وهو ما لم يكن متاحاً سابقاً بهذه الجرأة والوضوح.

وأشار الموسى إلى ملاحظة المتعاملين في السوق لأثر تدريجي على مستوى التوقعات والسلوك الاستثماري، خصوصاً في شمال الرياض، وتحوّل الخطاب من «الاحتفاظ انتظاراً لارتفاع الأسعار»، إلى «إعادة الحسابات». كما شهدت السوق تهدئة في وتيرة الارتفاعات غير المبررة، وعودة الاهتمام بالتطوير الفعلي بدلاً من الاكتناز، إضافة إلى وضوح أكبر في سوق الإيجارات بعد ضبط العلاقة بين المؤجر والمستأجر.

وتوقع الموسى أن تشهد المرحلة المقبلة إعادة تسعير أكثر واقعية للأراضي بمدينة الرياض، وتحولاً في نوعية الطلب من مضاربين إلى الاستخدام والاستثمار طويل الأجل، مضيفاً أن الأثر الأكبر سيكون على استدامة السوق وثقة المستفيد النهائي، مع خلق بيئة جاذبة للتطوير المنظم بدل التضخم السعري، لافتاً إلى أن السوق لن تتجه نحو الانهيار كما يروّج البعض، لكنها ستصبح أكثر توازناً، وهذا بالضبط ما يحتاجه أي اقتصاد صحي.

كسر الندرة المصطنعة

من جهته، قال الخبير والمسوق العقاري، صقر الزهراني، لـ«الشرق الأوسط»، إن الإجراءات التنظيمية والإصلاحية التي أُعلنت خلال عام 2025 ساهمت في إحداث تحول جوهري في بنية السوق العقارية بمدينة الرياض، من خلال معالجة أسباب الخلل الهيكلي لا مظاهره فقط. واستهدفت هذه القرارات شح المعروض السكني، وتضخم أسعار الأراضي الخام، وكسر الندرة المصطنعة التي تشكلت عبر احتجاز مساحات واسعة من الأراضي دون تطوير فعلي، مما أدى إلى اختلال العلاقة بين العرض والطلب.

وجاء إطلاق منصة التوازن العقاري وفتح مساحات واسعة للتطوير شمال وغرب المدينة ليعيدا مفهوم «الوفرة المنظمة» إلى السوق، عبر ضخ معروض سكني مخطط وميسر، وتصحيح آليات التسعير بعيداً عن المضاربات قصيرة الأجل، وربط الأسعار بالطلب الحقيقي والقدرة الشرائية الفعلية للمواطنين، دون تدخل قسري في حركة السوق، وفق للزهراني.

وأضاف أنه خلال الأشهر الماضية، بدأت انعكاسات هذه الإجراءات تظهر بوضوح على سلوك السوق قبل أن تكتمل آثارها الرقمية، مما أدى إلى تراجع الإقبال على الأراضي الخام وتعثر عدد من مزاداتها، مقابل ارتفاع ملحوظ في الإقبال على البيع على الخريطة، ما يعكس تحول السوق من الاحتفاظ بالأرض كمخزن للقيمة إلى الاستثمار في المنتج السكني القابل للاستخدام. كما اتجه عدد متزايد من ملاك الأراضي إلى الشراكة مع شركات تطوير عقاري، في ظل تراجع جدوى المضاربة قصيرة الأجل.

وفي الجانب التمويلي، قال الزهراني إن البنوك والجهات المالية أعادت ترتيب أولوياتها، فركزت على المشروعات ذات الجدوى التشغيلية والطلب الحقيقي، مما أسهم في رفع جودة المعروض، وإن صاحبه تباطؤ مرحلي في بعض الأنشطة البيعية.

وعلى مستوى المستهلك، برز تريث واضح في قرارات الشراء، إلى جانب توجه متزايد نحو خيار البناء الذاتي، في مؤشر على نضج الوعي العقاري.

ويتوقع الزهراني أن تستمر آثار هذه الإجراءات حتى عام 2027، في دفع السوق العقارية في الرياض نحو مزيد من التوازن والاستقرار، مرجحاً أن تشهد السوق استقراراً سعرياً عاماً مع تصحيحات محدودة في المواقع التي شهدت تضخماً غير مبرر، دون الوصول إلى سيناريوهات الانخفاض الحاد.

كما يتوقع أن ترتفع نسبة التملك السكني، لا سيما لدى فئة الشباب، مع استمرار انتقال رؤوس الأموال من المضاربة على الأراضي الخام إلى الاستثمار في التطوير العقاري والمشاريع التشغيلية طويلة الأجل، بما يعزز استدامة السوق ويزيد من جاذبيتها الاستثمارية.

ختاماً، يمكن القول إن ما شهده عام 2025 من قرارات تاريخية لم يكن مجرد استجابة لمتطلبات مرحلية، بل كان إعلاناً صريحاً عن ولادة مسار اجتماعي واقتصادي جديد في سوق العقار بالعاصمة الرياض. إن هذه المنظومة المتكاملة - التي بدأت بضخ المساحات الشاسعة ولم تنتهِ بضبط سقف الإيجارات وحوكمة الرسوم - قد نجحت في إعادة تعريف العقار بوصفه خدمة سكنية ومنتجاً استثمارياً ذا قيمة مضافة، وليس مجرد وعاء للمضاربات السعرية.

وبالنظر إلى آراء المعنيين في القطاع، فإن المرحلة المقبلة ستكون مرحلة جني الثمار؛ حيث من المتوقع أن تترسخ ثقافة الاستثمار طويل الأجل، وتزداد وتيرة تملك المواطنين لمنازلهم في بيئة تسودها العدالة والشفافية. إن الرياض اليوم، وهي تمضي قدماً لتكون واحدة من أكبر عشرة اقتصاديات مدن في العالم، تقدم نموذجاً فريداً في كيفية تطويع التشريعات لخدمة جودة الحياة، مؤكدةً أن استدامة النمو مرهونة دائماً بالتوازن بين طموحات التطوير وحقوق المستفيد النهائي.


مقالات ذات صلة

ممرات عربية بديلة لإنهاء تحكّم إيران بسلاسل الإمداد العالمية

خاص صورة قديمة لامتداد خط أنابيب التابلاين (أرامكو)

ممرات عربية بديلة لإنهاء تحكّم إيران بسلاسل الإمداد العالمية

طُرحت رؤية اقتصادية سورية طموحة تتقاطع مع مستهدفات «رؤية السعودية 2030»؛ لإنهاء عقود من الارتهان لمضيق هرمز.

موفق محمد (دمشق)
الاقتصاد مسافرون في مطار الملك عبد العزيز بجدة (واس)

الخدمات في صدارة المشهد الاقتصادي... السعودية تواصل توسيع نفوذها الدولي

كشفت بيانات حديثة عن أداء قوي لقطاع تجارة الخدمات في السعودية خلال الربع الرابع من عام 2025.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص رحلة تسلق جبال في تنومة جنوب السعودية

خاص القطاع الخاص يقود قاطرة الاستثمار السياحي في السعودية بـ58 مليار دولار

أصبح القطاع الخاص لاعباً أساسياً في دفع عجلة السياحة السعودية، مسهماً بنحو 219 مليار ريال من إجمالي الاستثمارات الملتزم بها في القطاع.

عبير حمدي (الرياض)
الاقتصاد عدد من الحاويات في ميناء الملك عبدالعزيز (واس)

دعم لوجستي... السعودية تمدِّد إعفاء الحاويات في ميناء الملك عبد العزيز والجبيل التجاري

أعلنت «الهيئة العامة للموانئ (موانئ)» عن إطلاق مبادرة تمديد فترة الإعفاء للحاويات الفارغة الواردة عبر ميناء الملك عبد العزيز بالدمام وميناء الجبيل التجاري.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع (واس)

خط الأنابيب السعودي «شرق - غرب» يضخ النفط بكامل طاقته

أفادت وكالة «بلومبرغ نيوز» نقلاً عن مصدر مطلع، بأن خط أنابيب النفط السعودي «شرق - غرب»، الذي يلتف حول مضيق هرمز، يضخ بكامل طاقته البالغة 7 ملايين برميل يومياً.

«الشرق الأوسط» (لندن)

رحلة العمل اليومية عبء متزايد يرهق أسراً مصرية

شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
TT

رحلة العمل اليومية عبء متزايد يرهق أسراً مصرية

شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)

«أصبح ذهابنا للعمل خسارة علينا»... كلمات صدرت من المصري أحمد فاروق، وهو يتأمل تذكرة القطار التي قطعها صبيحة الاثنين، مُعلقاً على قيمتها الجديدة، مع تطبيق الزيادات على أسعار التذاكر.

وبدأت الحكومة المصرية، الجمعة الماضي، تطبيق زيادات على أسعار تذاكر القطارات و«مترو أنفاق القاهرة»، على خلفية ارتفاع أسعار النفط العالمية بسبب تداعيات الحرب الإيرانية، وذلك بعد أقل من أسبوعين على تطبيق زيادات على أسعار المحروقات تتجاوز 30 في المائة.

وأضاف فاروق، وهو موظف بإحدى شركات الإنشاءات بالقاهرة، يقطع يومياً مسافة 60 كيلومتراً من مدينة قويسنا بمحافظة المنوفية (دلتا النيل) وصولاً إلى عمله بالقاهرة، ومثلها في رحلة العودة، لـ«الشرق الأوسط»: «رحلتي تبدأ بالقطار ثم مترو الأنفاق... (الآن) أصبحت مطالباً بدفع 24 جنيهاً إضافية يومياً، بعد زيادة تذاكر الوسيلتين، أي ما يزيد على 700 جنيه شهرياً (الدولار تجاوز 54 جنيهاً)». وتابع متسائلاً: «ما يشغلني في ظل ثبات الراتب... هل أقتطع هذه الزيادة من ميزانية احتياجات المنزل أم الدروس الخصوصية للأبناء؟».

يعكس التساؤل حال آلاف المصريين من قاطني الأقاليم الذين تستقبلهم القاهرة صباح كل يوم، ويعتمدون على شبكة النقل العام من قطارات ومترو الأنفاق للوصول إلى عملهم. وفي ظل زيادة قيمة تذاكر القطارات و«المترو» وكذلك وسائل المواصلات المختلفة، تحولت رحلة العمل اليومية إلى عبء مالي جديد يرهق هذه الأسر.

وزادت أسعار تذاكر القطارات في المسافات القصيرة بنسبة 25 في المائة، و12.5 في المائة للمسافات الطويلة، بينما زادت أسعار تذاكر «المترو» بنسبة 20 في المائة مع تثبيت أسعار المسافات الطويلة.

ووفقاً لهذه الزيادة، يبيّن الأربعيني فاروق أن «قيمة تذكرة القطار الروسي المكيف زادت من 30 جنيهاً إلى 40 جنيهاً»، وزادت قيمة تذكرة «المترو» من 10 جنيهات لـ12 جنيهاً، مما جعل «رحلة العمل» تمثل له حيرة في تدبير نفقاتها.

مصري يطالع القيمة الجديدة لتذاكر «مترو الأنفاق» عقب قرار زيادتها (الشرق الأوسط)

الخبير الاقتصادي والمالي، الدكتور ياسر حسين، أوضح لـ«الشرق الأوسط»، أن زيادة أسعار تذاكر المترو والقطارات تمثل عبئاً إضافياً ثقيلاً على الأسر المصرية، فهذه الزيادات تضع الأسر أمام خيارات صعبة، إذ تضطر لتقليص إنفاقها على بنود أخرى؛ مثل التعليم والصحة، كما تلاشت البنود الترفيهية تقريباً من حسابات كثيرين لأجل تغطية تكاليف المواصلات، لأن الوصول إلى العمل بند إجباري لا يمكن الاستغناء عنه.

وأضاف: «تنفق الأسر ما بين 10 و20 في المائة من دخلها الشهري على التنقل، وهو رقم كبير إذا وضعناه بجانب بنود الإنفاق الأساسية الأخرى مثل الغذاء والسكن والتعليم». وأشار إلى أن «رحلة العمل اليومية لا تقتصر على التنقل بـ(مترو الأنفاق) أو القطار فقط؛ بل تتضمن وسائل مواصلات إضافية فرعية، ما يضاعف التكلفة النهائية للتنقل، ويضغط على ميزانية الأسر».

وداخل القطار، تجاذب فاروق وجيرانه من الركاب الحديث عن إرهاق «ثمن المشوار اليومي»، وطرق مواكبة «سرعة» تكاليف المعيشة، وكيفية التعامل مع «فاتورة الوصول» الجديدة بحساب الخسائر والبدائل.

وقال رمزي نبيل، الذي يقطن بمدينة طنطا في محافظة الغربية (دلتا مصر)، ويعمل في أحد محال المستلزمات الطبية بالقاهرة: «لم نفق بعد من صدمة تحريك أسعار المحروقات التي رفعت أجرة المواصلات العامة، حتى فوجئنا بزيادة تذاكر القطارات والمترو... بالفعل أفكر في ترك العمل بالقاهرة، فقيمة التذاكر الجديدة سوف تستنزف جزءاً لا يُستهان به من الدخل».

تذاكر القطارات في مصر زادت بنسب تتراوح بين 12.5 و25 في المائة (الشرق الأوسط)

وتعدّ القاهرة أكثر المحافظات جذباً للسكان، نظراً لفرص العمل ومراكز التعليم والخدمات، ويتجاوز عدد سكانها 11 مليون نسمة، ويتردد عليها يومياً عدد يقارب ذلك الرقم، وفق تصريحات سابقة لمحافظ القاهرة، إبراهيم صابر.

ويبيّن حسين أن زيادة أسعار تذاكر القطارات تضع سكان الضواحي والأقاليم في موقف بالغ الصعوبة، إذ يعتمد هؤلاء بشكل يومي على القطارات للوصول إلى مقار العمل في القاهرة. ويتابع: «حتى بعد الزيادة، لن يتوقف هؤلاء عن ركوب القطار، والنتيجة أن الأسر ستتحمل عبئاً مالياً إضافياً، وسيسعى العمال إلى التفاوض مع أصحاب الأعمال لزيادة الأجور بدعوى ارتفاع تكاليف المواصلات، وهذه المطالب ستنعكس بدورها على أصحاب الأعمال الذين سيضطرون لرفع أسعار بعض السلع لتعويض زيادة بند الأجور، وبالتالي رفع تذكرة القطار لا يتوقف عند جيوب الركاب فقط؛ بل يؤدي إلى حلقة جديدة من التضخم».

وسجل معدل التضخم على أساس شهري في فبراير (شباط) الماضي، 2.7 في المائة، مقابل 1.2 في المائة في يناير (كانون الثاني) الماضي.

سكان الأقاليم يعتمدون بشكل يومي على القطارات للوصول إلى مقار عملهم بالقاهرة (الشرق الأوسط)

وفي قطارات المترو، التي تنقل الملايين يومياً، انشغل الركاب بحساب قيمة فاتورة الركوب اليومية. وبالنسبة للعشرينية سارة أيمن، التي تُدرّس اللغة الألمانية بأحد مراكز اللغات الخاصة، فإن ميزانيتها المحدودة باتت أمام اختبار صعب مع زيادة قيمة التذكرة. تقول لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أعتبر (المترو) الوسيلة الأرخص والأسرع؛ لكن مع الزيادات الأخيرة، بدأت أفكر في المطالبة بتقليل أيام ذهابي لـ(المركز) أو الاتجاه للتدريس (أون لاين)، فكل جنيه إضافي في المواصلات يعني استقطاعاً من الراتب البسيط».

الخبيرة الاجتماعية والأسرية، داليا الحزاوي، تؤكد لـ«الشرق الأوسط»، أنه «في ظل اعتماد شريحة واسعة من المواطنين، لا سيما محدودي ومتوسطي الدخل على وسائل المواصلات المختلفة بشكل يومي، سواء في الانتقال إلى أماكن العمل أو في تنقل الأبناء إلى المدارس والجامعات، أصبحت هذه الأسر تواجه ضغوطاً معيشية متزايدة، خصوصاً في الحالات التي يضطر فيها رب الأسرة لقطع مسافات طويلة للوصول إلى مقر عمله، أو عندما يلتحق الأبناء بمؤسسات تعليمية بعيدة عن محل السكن». وتشير إلى أن «هذه الزيادات الأخيرة قد تدفع إلى لجوء بعض الطلاب للغياب توفيراً للنفقات، أو يضطر رب الأسرة لترك عمله لبعده عن مكان إقامته والبحث عن فرصة عمل جديدة، مما يزيد القلق والتوتر، ويؤثر بالسلب على الاستقرار الأسري».


مصر: قمة قياسية للدولار تنذر بعودة «السوق السوداء»

الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
TT

مصر: قمة قياسية للدولار تنذر بعودة «السوق السوداء»

الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)

ارتفع سعر صرف الدولار الأميركي مقابل الجنيه خلال تعاملات، الاثنين، بشكل قياسي في مصر. وأظهرت شاشات التداول تحركاً صعودياً جديداً للعملة الأميركية في عدد من البنوك الكبرى، لتتخطى حاجز 54 جنيهاً للمرة الأولى، وسط تباين بين خبراء الاقتصاد حول عودة «السوق السوداء» مجدداً.

وأعلنت وزارة الداخلية المصرية ضبط متهمين بإخفاء عملات أجنبية. وقالت في بيان، الاثنين، إنه «استمراراً للضربات الأمنية ضد جرائم الاتجار غير المشروع بالنقد الأجنبي والمضاربة بأسعار العملات عن طريق إخفائها عن التداول والاتجار بها خارج نطاق السوق المصرفية، تم ضبط عدد من قضايا الاتجار في العملات الأجنبية بقيمة 9 ملايين جنيه خلال 24 ساعة».

وواصل الدولار ارتفاعه مقابل العملة المصرية خلال الأسبوع الحالي، وكان الجنيه قد اختتم عام 2025 بأداء قوي، فيما يتزايد اهتمام المواطنين بمتابعة سعر الدولار بشكل يومي، نظراً إلى ارتباطه المباشر بأسعار السلع والخدمات خاصة المستوردة منها، وسط مخاوف من «عودة السوق السوداء».

وكانت مصر قد شهدت أزمة سابقة في توافر العملة الصعبة استمرت سنوات، وخلقت تبايناً كبيراً بين السعر الرسمي للدولار و«السوق السوداء» التي جاوز فيها الدولار آنذاك 60 جنيهاً. وأثّرت الأزمة حينها على توافر السلع والخدمات وعمل العديد من القطاعات، مما دفع إلى اتخاذ قرار بـ«تعويم الجنيه»، ليرتفع بعدها سعر الدولار من نحو 30 جنيهاً في البنوك إلى 50 جنيهاً.

ويرى أستاذ الاقتصاد، الدكتور محمد علي إبراهيم، أن «أزمة الحرب الحالية قد تفتح الباب مجدداً لعودة (السوق السوداء)». وعزز رأيه بالقول إن «الطلب سوف يزداد على الدولار بغرض الاكتناز واعتباره (ملاذاً آمناً)، وهذا الطلب المتزايد على العملة الأميركية سوف يدفع إلى وجود (سوق سوداء)، خصوصاً في ظل تراجع إيرادات قناة السويس، والسياحة، وتأثر تحويلات المصريين العاملين في الخارج».

مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة وسط القاهرة (رويترز)

لكن إبراهيم يقول لـ«الشرق الأوسط» إن «الأزمة أكبر من عودة (السوق السوداء) للعملة، وتتمثل في الخطوات المقبلة خصوصاً مع استمرار أمد الحرب الإيرانية وتداعياتها، فالدولار عالمياً يرتفع على حساب كل العملات الآسيوية، والاقتصاد المصري مرهون بالدولار، لذا حدث ارتفاع في سعر الدولار بالبلاد». ويوضح أن «هذا المشهد يعيدنا إلى (المربع صفر)، وسيدفع إلى ضغوط تضخمية كبيرة على الاقتصاد القومي»، وفق قوله. ويضيف أن «جميع الجهود التي تمت خلال الفترة الماضية من أجل الحد من التضخم قد تأثرت الآن، والأخطر هو الذهاب إلى ركود تضخمي».

وتشهد مصر موجات مرتفعة من التضخم وسط توقعات أن يشهد معدله في مارس (آذار) الحالي ارتفاعاً كبيراً مقارنة بالشهور الماضية. وسجل معدل التضخم على أساس شهري في فبراير (شباط) الماضي 2.7 في المائة، مقابل 1.2 في المائة في يناير (كانون الثاني) الماضي.

لكن الخبير الاقتصادي، الدكتور وليد جاب الله، يرى أن «الارتفاع القياسي للدولار ليس مؤشراً على عودة (السوق السوداء)». ودلل على ذلك بقوله إن «البنوك توفر الدولار وتقدم سعر صرف مرناً، وتوفر الاحتياجات المطلوبة من الدولار، لذا لا توجد (سوق سوداء)».

ويوضح أن «عودة (السوق السوداء) تكون مرتبطة بعدم وجود إتاحة للدولار في البنوك، وعدم الإتاحة يحدث عند استنفاد الاحتياطي بإتاحات من الاحتياطي وليست بإتاحات من البنوك نفسها». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «الجنيه يشهد انخفاضات يومية، فماذا سيحدث له أقل من ذلك في (السوق السوداء)؟». ويلفت إلى أن «سعر الدولار مقابل الجنيه صعد من 46 إلى 54 جنيهاً للدولار الواحد، وهذا الرقم لو كان في (السوق السوداء) فلن يصل إليه»، على حد قوله.

رئيس الوزراء المصري خلال لقاء سابق مع مديرة صندوق النقد الدولي (مجلس الوزراء المصري)

ووفق الإعلامي المصري، عمرو أديب، فإن «بعض التجار في السوق المحلية يتعاملون بحساسية شديدة مع تطورات سعر الدولار». وأشار خلال برنامجه التلفزيوني، مساء السبت الماضي، إلى أن «بعض التجار يحسبون سعر الدولار عند مستويات تصل إلى 60 و70 جنيهاً، وهو ما ينعكس في النهاية على المواطن المصري».

وتنفّذ الحكومة المصرية برنامجاً اقتصادياً مع صندوق النقد الدولي، منذ مارس 2024، بقيمة 8 مليارات دولار، وتلتزم فيه القاهرة بتحرير سعر صرف الجنيه وفق آليات السوق (العرض والطلب)، بخفض دعم الوقود والكهرباء وسلع أولية أخرى، مما دفع إلى موجة غلاء يشكو منها مصريون.

وحدّد الصندوق موعد المراجعة السابعة لبرنامج التسهيل الممدد لمصر في 15 يونيو (حزيران) المقبل، تمهيداً لصرف 1.65 مليار دولار، فيما ستُعقد المراجعة الثامنة الأخيرة في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، تمهيداً لصرف شريحة مماثلة قيمتها 1.65 مليار دولار.

ويرى جاب الله أن «استمرار أمد الحرب الإيرانية سوف يدفع إلى ارتفاع في سعر الدولار بالبلاد»، مشيراً إلى أن «مصر من جانبها رشّدت إنفاقها، وقللت دوام العمل في الأسبوع، وجميع هذه الإجراءات تقلل الخطر، لكن الخطر لا يزال قائماً».

وأعلنت الحكومة المصرية أخيراً إجراءات لترشيد الإنفاق العام، تضمنت إرجاء وتجميد مجموعة من بنود النفقات غير الملحة، و«الإغلاق المبكر» للمحال التجارية، وتخفيض استهلاك الكهرباء في الشوارع.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


صندوق النقد الدولي: حرب إيران تُحدث صدمة عالمية

شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
TT

صندوق النقد الدولي: حرب إيران تُحدث صدمة عالمية

شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)

حذر صندوق النقد الدولي، يوم الاثنين، من أن الحرب في الشرق الأوسط تسببت في اضطراب خطير لاقتصادات دول المواجهة، وتُلقي بظلالها على آفاق العديد من الاقتصادات التي بدأت للتو في التعافي من أزمات سابقة.

وفي مدونة نشرها كبار خبراء الاقتصاد في الصندوق، قال صندوق النقد الدولي إن الحرب التي شنتها الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط) تسببت في صدمة عالمية، لكنها غير متكافئة، وأدت إلى تشديد الأوضاع المالية.

حسب الصندوق، تسبب إغلاق إيران لمضيق هرمز وتضرر البنية التحتية الإقليمية في أكبر اضطراب تشهده سوق النفط العالمية في التاريخ. وسيتوقف الكثير على مدة الحرب، ومدى اتساع رقعة انتشارها، وحجم الأضرار التي ستلحقها بالبنية التحتية وسلاسل الإمداد.

وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن الدول منخفضة الدخل معرضة بشكل خاص لخطر انعدام الأمن الغذائي، نظراً لارتفاع أسعار الغذاء والأسمدة، وقد تحتاج إلى مزيد من الدعم الخارجي في وقت تُقلّص فيه العديد من الاقتصادات المتقدمة مساعداتها الدولية.

وكتب الاقتصاديون: «على الرغم من أن الحرب قد تُؤثر على الاقتصاد العالمي بطرق مختلفة، فإن جميع الطرق تؤدي إلى ارتفاع الأسعار وتباطؤ النمو».

وأعلن صندوق النقد الدولي أنه سيصدر تقييماً أكثر شمولاً في تقريره «آفاق الاقتصاد العالمي»، المقرر نشره في 14 أبريل (نيسان)، خلال اجتماعات الربيع لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في واشنطن.

وأشار الباحثون إلى أن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء سيؤدي إلى تفاقم التضخم عالمياً، مُلاحظين أن الارتفاعات المُستمرة في أسعار النفط تاريخياً تميل إلى رفع التضخم وخفض النمو. وأضافوا أن الحرب قد تُؤجج أيضاً التوقعات باستمرار ارتفاع التضخم لفترة أطول، ما قد يُترجم إلى ارتفاع الأجور والأسعار، ويُصعّب احتواء الصدمة دون تباطؤ حاد في النمو.