كيف أعادت قرارات 2025 رسم مستقبل السوق العقارية في الرياض؟

«جراحة إصلاحية» أرست قواعد التوازن وعزَّزت العدالة السعرية وصنعت بيئة صحية لاستثمارات مستدامة

مشاريع عقارية في الرياض (واس)
مشاريع عقارية في الرياض (واس)
TT

كيف أعادت قرارات 2025 رسم مستقبل السوق العقارية في الرياض؟

مشاريع عقارية في الرياض (واس)
مشاريع عقارية في الرياض (واس)

في لحظة تاريخية فارقة، شهدت العاصمة السعودية الرياض تحولاً هيكلياً غير مسبوق في بنيتها العقارية، يقوده ولي العهد الأمير محمد بن سلمان برؤية استباقية تستهدف تفكيك معضلات السوق التقليدية وتحويلها إلى رافعة تنموية مستدامة. ولم تكن حزمة القرارات الصادرة في عام 2025 مجرد تدخلات تنظيمية عابرة، بل جاءت بمثابة «جراحة إصلاحية» عميقة في جسد القطاع؛ حيث استهدفت كسر احتكار المساحات الشاسعة، وضخ دماء جديدة من المعروض السكني الميسر، وضبط إيقاع العلاقة التعاقدية بين المؤجر والمستأجر بصرامة نظامية، وبالتالي إعادة التوازن إلى السوق العقارية في الرياض.

هذا الحراك الشامل يضع حداً لسنوات من المضاربات التي قادتها الندرة المصطنعة، لينتقل بالسوق نحو مرحلة «النضج العقاري» التي ترتكز على الطلب الحقيقي والعدالة السعرية.

وبين فك الحظر عن ملايين الأمتار شمالاً، وتفعيل الرسوم الصارمة على الأراضي الشاغرة، وتجميد زيادات الإيجار؛ تتشكل اليوم ملامح بيئة استثمارية شفافة تضع جودة الحياة للمواطن والمقيم في قلب المستهدفات الوطنية، مؤكدةً أن الرياض لا تنمو عمرانياً فحسب، بل تنمو تنظيمياً لتصبح نموذجاً عالمياً للاتزان العقاري والاستقرار الاقتصادي.

قرارات تاريخية

شهد عام 2025 سلسلة من التحولات التشريعية والقرارات السيادية التي وصفها المراقبون بـ«الثورة البيضاء» في القطاع العقاري السعودي، حيث لم تعد هذه القرارات مجرد أدوات تنظيمية، بل مثّلت استراتيجية متكاملة لفك الارتباط بين العقار والمضاربة، وإعادته كمنتج سكني واستثماري مستدام.

قرارات ولي العهد ترسخ التوازن إلى القطاع العقاري في الرياض (واس)

وفيما يلي تفنيد لأبرز هذه القرارات التاريخية:

أولاً: تحرير الأراضي وضخ الوفرة السكنية

جاء التوجيه برفع الإيقاف عن التصرف بالبيع والشراء والتقسيم والتجزئة، وإصدار رخص البناء واعتماد المخططات للأرض الواقعة شمال الرياض بمساحة إجمالية 81 مليون متر مربع في مارس (آذار)، تلاه قرار مماثل في أكتوبر (تشرين الأول) شمل 33.24 مليون متر مربع في الجهة الغربية للعاصمة، ليمثل إشارة البدء لضخ مساحات شاسعة كانت خارج الحسابات السوقية. وتزامن ذلك مع إلزام الهيئة الملكية لمدينة الرياض بتوفير ما بين 10 و40 ألف قطعة أرض مطورة سنوياً بأسعار مدعومة لا تتجاوز 1500 ريال للمتر، مما وضع حداً للاحتكار السعري ووفَّر بدائل حقيقية للمواطنين.

ثانياً: ضبط الإيجارات وتحقيق العدالة التعاقدية

في قرار وُصف بالاستثنائي لضمان استقرار الأسر والأنشطة الاقتصادية، أقرت الحكومة منع أي زيادات سنوية في عقود الإيجار السكنية والتجارية بالعاصمة الرياض لمدة 5 سنوات. هذا القرار الصادر في سبتمبر (أيلول)، والمدعوم تقنياً عبر نظام «إيجار» المطور، قطع الطريق على الارتفاعات العشوائية وفرض حالة من الانضباط السعري الذي يواكب نمو المدينة دون المساس بجودة حياة سكانها.

ثالثاً: تطوير منظومة الرسوم

تم تفعيل النسخة المطورة من نظام رسوم الأراضي البيضاء، والتي شهدت في أغسطس (آب) تحولاً جذرياً؛ حيث لم تعد تقتصر على الأراضي الفضاء فقط، بل امتدت لتشمل العقارات المبنية الشاغرة، مع رفع نسبة الرسم السنوي لتصل إلى 10 في المائة من قيمة الأرض للمساحات التي تبدأ من 5 آلاف متر مربع فأكثر ضمن النطاق العمراني. هذا الإجراء رفع تكلفة «حبس الأراضي» وحفّز الملاك على التطوير الفوري بدلاً من الاكتناز.

رابعاً: الانفتاح الاستثماري والحوكمة الرقمية

لم يغفل المشرّع العقاري في 2025 الجانب الجاذب للاستثمار؛ حيث تم تفعيل نظام تملك غير السعوديين المحدّث، والذي سمح بتملك العقارات للأفراد والشركات الأجنبية في مناطق محددة وفق ضوابط محكمة، مما ضخ سيولة دولية جديدة في السوق. واكتملت هذه المنظومة بإطلاق منصة «توازن العقار»، التي وفرت مؤشرات سعرية لحظية مبنية على صفقات حقيقية، مما عزز من مبدأ الشفافية وقضى على شائعات الأسعار الوهمية.

خامساً: جودة المنتج والالتزام بالكود العمراني

انتقلت القرارات من الكم إلى الكيف، حيث تم تعميم إلزامية الكود السعودي للمباني وربط إصدار رخص البناء في جميع المخططات الجديدة بمعايير استدامة وجودة صارمة. هذا القرار يضمن للمشتري النهائي منتجاً عقارياً ذا جدوى تشغيلية طويلة الأجل، ويحول دون ظهور أحياء عشوائية أو مبانٍ منخفضة الجودة في مستقبل العاصمة.

نقلة نوعية

ويرى مختصون ومهتمون بالشأن العقاري في تصريحات لهم إلى «الشرق الأوسط»، أن هذه الإجراءات التاريخية تمثل تحوّلاً هيكلياً ونقلة نوعية في إدارة السوق العقارية بمدينة الرياض، وستسهم في نقل السوق من أن تقودها الندرة والمضاربات، إلى سوق أكثر اتزاناً، وتحكمها أدوات توازن حقيقية قائمة على الطلب الحقيقي، وضبط العلاقة التعاقدية، ورفع كفاءة استخدام الأراضي، وبما يعزز الشفافية في مؤشرات السوق، والعدالة السعرية وخلق بيئة صحية للاستثمار طويل الأجل.

وفي هذا الإطار، عدَّ الرئيس التنفيذي لشركة «منصات» العقارية، خالد المبيض، هذه الإجراءات بأنها خطوة تصحيحية مهمة وجاءت في توقيت مناسب، وهي تهدف إلى إعادة ضبط إيقاع السوق بعد سنوات من الارتفاعات المتسارعة.

وأوضح في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن هذه القرارات سوف تنقل السوق العقارية بمدينة الرياض، من أن تكون سوقاً تحكمها المضاربات إلى سوق أكثر اتزاناً، يقودها الطلب الحقيقي، وبما يعزز العدالة السعرية ويخلق بيئة صحية للاستثمار طويل الأجل، سواء للمواطن أو للمطور العقاري.

وأشار المبيض إلى أنه خلال الفترة الماضية لاحظ عدة مؤشرات إيجابية، أبرزها تباطؤ وتيرة الارتفاعات السعرية لأسعار العقارات في مدينة الرياض، وعودة التفاوض الواقعي بين البائع والمشتري، إضافة إلى زيادة المعروض في بعض المناطق، وزاد بظهور تحسن في الآونة الأخيرة في جودة العروض العقارية، حيث أصبح التركيز على المنتج وقيمته الفعلية بدلاً من الرهان على الارتفاع السريع للأسعار.

ويرى المبيض أن هذه الإجراءات التاريخية من قبل ولي العهد السعودي، ستسهم في تعزيز الاستقرار السعري على المدى المتوسط، ورفع كفاءة السوق، وتحفيز التطوير المنظم بدلاً من الاحتكار. كما ستدعم تمكين شريحة أكبر من المواطنين من التملك، وتزيد من جاذبية السوق للمستثمر الجاد الباحث عن عوائد مستدامة، وليست مكاسب سريعة، مضيفاً أنها ستقود السوق للاتجاه نحو النضج والشفافية، وهذا مكسب استراتيجي لمدينة الرياض واقتصاد المدينة ككل.

تحول جذري يشهده العقار في العاصمة السعودية (رويترز)

معالجة جذور الخلل

من جانبه، قال الخبير والمسوق العقاري، عبد الله الموسى، لـ«الشرق الأوسط»، إن هذه الإجراءات التاريخية تُعدّ تحوّلاً هيكلياً في إدارة السوق العقارية، وليس مجرد تدخل تنظيمي عابر.

وأضاف: «نحن أمام انتقال من سوق تقودها الندرة والمضاربات، إلى سوق تحكمها أدوات توازن حقيقية قائمة على زيادة المعروض، وضبط العلاقة التعاقدية، ورفع كفاءة استخدام الأراضي»، مضيفاً أن هذه الإجراءات تعالج جذور الخلل لا أعراضه، وهو ما لم يكن متاحاً سابقاً بهذه الجرأة والوضوح.

وأشار الموسى إلى ملاحظة المتعاملين في السوق لأثر تدريجي على مستوى التوقعات والسلوك الاستثماري، خصوصاً في شمال الرياض، وتحوّل الخطاب من «الاحتفاظ انتظاراً لارتفاع الأسعار»، إلى «إعادة الحسابات». كما شهدت السوق تهدئة في وتيرة الارتفاعات غير المبررة، وعودة الاهتمام بالتطوير الفعلي بدلاً من الاكتناز، إضافة إلى وضوح أكبر في سوق الإيجارات بعد ضبط العلاقة بين المؤجر والمستأجر.

وتوقع الموسى أن تشهد المرحلة المقبلة إعادة تسعير أكثر واقعية للأراضي بمدينة الرياض، وتحولاً في نوعية الطلب من مضاربين إلى الاستخدام والاستثمار طويل الأجل، مضيفاً أن الأثر الأكبر سيكون على استدامة السوق وثقة المستفيد النهائي، مع خلق بيئة جاذبة للتطوير المنظم بدل التضخم السعري، لافتاً إلى أن السوق لن تتجه نحو الانهيار كما يروّج البعض، لكنها ستصبح أكثر توازناً، وهذا بالضبط ما يحتاجه أي اقتصاد صحي.

كسر الندرة المصطنعة

من جهته، قال الخبير والمسوق العقاري، صقر الزهراني، لـ«الشرق الأوسط»، إن الإجراءات التنظيمية والإصلاحية التي أُعلنت خلال عام 2025 ساهمت في إحداث تحول جوهري في بنية السوق العقارية بمدينة الرياض، من خلال معالجة أسباب الخلل الهيكلي لا مظاهره فقط. واستهدفت هذه القرارات شح المعروض السكني، وتضخم أسعار الأراضي الخام، وكسر الندرة المصطنعة التي تشكلت عبر احتجاز مساحات واسعة من الأراضي دون تطوير فعلي، مما أدى إلى اختلال العلاقة بين العرض والطلب.

وجاء إطلاق منصة التوازن العقاري وفتح مساحات واسعة للتطوير شمال وغرب المدينة ليعيدا مفهوم «الوفرة المنظمة» إلى السوق، عبر ضخ معروض سكني مخطط وميسر، وتصحيح آليات التسعير بعيداً عن المضاربات قصيرة الأجل، وربط الأسعار بالطلب الحقيقي والقدرة الشرائية الفعلية للمواطنين، دون تدخل قسري في حركة السوق، وفق للزهراني.

وأضاف أنه خلال الأشهر الماضية، بدأت انعكاسات هذه الإجراءات تظهر بوضوح على سلوك السوق قبل أن تكتمل آثارها الرقمية، مما أدى إلى تراجع الإقبال على الأراضي الخام وتعثر عدد من مزاداتها، مقابل ارتفاع ملحوظ في الإقبال على البيع على الخريطة، ما يعكس تحول السوق من الاحتفاظ بالأرض كمخزن للقيمة إلى الاستثمار في المنتج السكني القابل للاستخدام. كما اتجه عدد متزايد من ملاك الأراضي إلى الشراكة مع شركات تطوير عقاري، في ظل تراجع جدوى المضاربة قصيرة الأجل.

وفي الجانب التمويلي، قال الزهراني إن البنوك والجهات المالية أعادت ترتيب أولوياتها، فركزت على المشروعات ذات الجدوى التشغيلية والطلب الحقيقي، مما أسهم في رفع جودة المعروض، وإن صاحبه تباطؤ مرحلي في بعض الأنشطة البيعية.

وعلى مستوى المستهلك، برز تريث واضح في قرارات الشراء، إلى جانب توجه متزايد نحو خيار البناء الذاتي، في مؤشر على نضج الوعي العقاري.

ويتوقع الزهراني أن تستمر آثار هذه الإجراءات حتى عام 2027، في دفع السوق العقارية في الرياض نحو مزيد من التوازن والاستقرار، مرجحاً أن تشهد السوق استقراراً سعرياً عاماً مع تصحيحات محدودة في المواقع التي شهدت تضخماً غير مبرر، دون الوصول إلى سيناريوهات الانخفاض الحاد.

كما يتوقع أن ترتفع نسبة التملك السكني، لا سيما لدى فئة الشباب، مع استمرار انتقال رؤوس الأموال من المضاربة على الأراضي الخام إلى الاستثمار في التطوير العقاري والمشاريع التشغيلية طويلة الأجل، بما يعزز استدامة السوق ويزيد من جاذبيتها الاستثمارية.

ختاماً، يمكن القول إن ما شهده عام 2025 من قرارات تاريخية لم يكن مجرد استجابة لمتطلبات مرحلية، بل كان إعلاناً صريحاً عن ولادة مسار اجتماعي واقتصادي جديد في سوق العقار بالعاصمة الرياض. إن هذه المنظومة المتكاملة - التي بدأت بضخ المساحات الشاسعة ولم تنتهِ بضبط سقف الإيجارات وحوكمة الرسوم - قد نجحت في إعادة تعريف العقار بوصفه خدمة سكنية ومنتجاً استثمارياً ذا قيمة مضافة، وليس مجرد وعاء للمضاربات السعرية.

وبالنظر إلى آراء المعنيين في القطاع، فإن المرحلة المقبلة ستكون مرحلة جني الثمار؛ حيث من المتوقع أن تترسخ ثقافة الاستثمار طويل الأجل، وتزداد وتيرة تملك المواطنين لمنازلهم في بيئة تسودها العدالة والشفافية. إن الرياض اليوم، وهي تمضي قدماً لتكون واحدة من أكبر عشرة اقتصاديات مدن في العالم، تقدم نموذجاً فريداً في كيفية تطويع التشريعات لخدمة جودة الحياة، مؤكدةً أن استدامة النمو مرهونة دائماً بالتوازن بين طموحات التطوير وحقوق المستفيد النهائي.


مقالات ذات صلة

منتدى الطاقة الدولي يؤكد أولوية أمن الإمدادات ويرحب بعودة الولايات المتحدة

الاقتصاد صورة جماعية للمشاركين في الاجتماع الوزاري السابع عشر لمنتدى الطاقة الدولي (إكس)

منتدى الطاقة الدولي يؤكد أولوية أمن الإمدادات ويرحب بعودة الولايات المتحدة

أكد المتحدثون في الاجتماع الوزاري السابع عشر لمنتدى الطاقة الدولي أهمية ضمان موثوقية إمدادات الطاقة، وتعزيز الاستثمارات.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص دانيال يرغن نائب رئيس مجلس الإدارة في «إس آند بي غلوبال»

خاص يرغن لـ«الشرق الأوسط»: استقرار أسواق الطاقة أولوية سعودية

قال خبير الطاقة العالمي دانيال يرغن إن استقرار الأسواق يمثل مبدأً أساسياً في نهج السعودية تجاه الطاقة، مشيراً إلى أن المملكة تنظر إلى السوق على المدى الطويل.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد الأمير عبد العزيز بن سلمان خلال كلمته الافتتاحية في المنتدى (الشرق الأوسط) p-circle 00:33

عبد العزيز بن سلمان: الرياض عاصمة أمن الطاقة... والسعودية ماضية في الوفاء بالتزاماتها

تتصدر تحديات أمن الطاقة واستقرار الإمدادات أجندة مجتمع الطاقة العالمي في الرياض، مع انطلاق أسبوع الطاقة الذي يجمع وزراء وقادة صناعة وخبراء من مختلف الدول.

عبير حمدي (الرياض)
الاقتصاد وزير الاقتصاد والتجارة والصناعة الياباني ريوسي أكازاوا أثناء كلمته في الاجتماع الوزاري السابع عشر لمنتدى الطاقة الدولي (الشرق الأوسط)

وزير الاقتصاد الياباني: التعاون مع السعودية ضرورة لضمان أمن الطاقة العالمي

أكد وزير الاقتصاد والتجارة والصناعة الياباني، ريوسي أكازاوا، أن السعودية شريك موثوق لا غنى عنه لضمان أمن الطاقة العالمي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد الأمير عبد العزيز بن سلمان يتحدث في افتتاح منتدى الطاقة الدولي في الرياض (تركي العقيلي)

عبد العزيز بن سلمان: الرياض عاصمة أمن الطاقة

أكد وزير الطاقة السعودي، الأمير عبد العزيز بن سلمان، أن الرياض تمثل عاصمة أمن الطاقة، مشيراً إلى أن هذه المكانة تعكس جهود المملكة والعاملين والعاملات في القطاع.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

منتدى الطاقة الدولي يؤكد أولوية أمن الإمدادات ويرحب بعودة الولايات المتحدة

صورة جماعية للمشاركين في الاجتماع الوزاري السابع عشر لمنتدى الطاقة الدولي (إكس)
صورة جماعية للمشاركين في الاجتماع الوزاري السابع عشر لمنتدى الطاقة الدولي (إكس)
TT

منتدى الطاقة الدولي يؤكد أولوية أمن الإمدادات ويرحب بعودة الولايات المتحدة

صورة جماعية للمشاركين في الاجتماع الوزاري السابع عشر لمنتدى الطاقة الدولي (إكس)
صورة جماعية للمشاركين في الاجتماع الوزاري السابع عشر لمنتدى الطاقة الدولي (إكس)

أكد المتحدثون في الاجتماع الوزاري السابع عشر لمنتدى الطاقة الدولي، أهمية ضمان موثوقية إمدادات الطاقة، وتعزيز الاستثمارات في مختلف منظوماتها، ورفع مرونة البنية التحتية وسلاسل الإمداد، بما يدعم استقرار الأسواق ويعزز القدرة على مواجهة المتغيرات الجيوسياسية والاقتصادية. وشددوا على ضرورة تنويع مصادر الطاقة وتطوير قدرات الإنتاج والتكرير والنقل والتخزين، إلى جانب توظيف التقنيات الحديثة وتعزيز التعاون بين الدول المنتجة والمستهلكة.

وفي مؤشر على أهمية المنتدى بوصفه منصة للحوار الدولي في قطاع الطاقة، رحّب الأمين العام للمنتدى، إلى جانب الوزراء والوفود المشاركة، بإعلان الولايات المتحدة عودتها إلى عضويته، تأكيداً لدوره منصة محايدة للحوار بين الدول المنتجة والمستهلكة للطاقة، ودعمه للبحوث والتقارير المستندة إلى البيانات، وفقاً لبيان وزارة الطاقة السعودية.

جاء ذلك خلال الاجتماع الذي استضافته الرياض تحت شعار «أمن الطاقة والأهداف المشتركة في عصر جديد»، ضمن فعاليات «أسبوع الطاقة في الرياض».

وافتتح وزير الطاقة ووزير الصناعة والثروة المعدنية، الأمير عبد العزيز بن سلمان، أعمال الاجتماع، مؤكداً أن المملكة أثبتت قدرتها على ضمان موثوقية إمدادات الطاقة، ومواصلة الاستثمار والاستعداد لمواجهة مختلف الظروف والتحديات. وأشار إلى أن الرياض باتت عاصمة لأمن الطاقة عالمياً، وأن المملكة ماضية في الوفاء بالتزاماتها وتعزيز موثوقية الإمدادات في مختلف الظروف.

وأوضح أن خط أنابيب شرق-غرب يجسد نهج المملكة في تعزيز مرونة منظومة الطاقة؛ إذ يوفر مساراً بديلاً لنقل الإمدادات إلى الأسواق العالمية عبر ينبع على البحر الأحمر.

وشدد الأمير عبد العزيز على أن أمن الطاقة مسؤولية مشتركة تتطلب تعاوناً وتنسيقاً دوليين فاعلين، مؤكداً أنه يمثل ركيزة أساسية لاستقرار الاقتصادات واستدامة نموها وقدرتها التنافسية. واستشهد بالتقلبات الحادة التي شهدتها أسواق الطاقة في عام 2008، بوصفها دليلاً على أهمية الحوار والاستثمار والاستعداد المسبق لمواجهة تغيرات الأسواق وضمان تلبية الطلب.

وفي هذا السياق، أشار إلى أهمية منتدى الطاقة الدولي بوصفه منصة تجمع الدول المنتجة والمستهلكة ودول العبور، بما يتيح مناقشة التحديات وفهم وجهات النظر المختلفة وتحديد مجالات التعاون العملي الداعمة لأمن الطاقة.

الأمير عبد العزيز بن سلمان في اجتماع منتدى الطاقة الدولي (إكس)

ولفت إلى أن تطوير البنية التحتية للطاقة يستغرق سنوات، وأن تعزيز مرونتها يتطلب الاستثمار والاستعداد قبل الحاجة إليها، محذراً من أن تكلفة عدم الاستعداد قد تكون أكبر بكثير على الاقتصاد العالمي من تكلفة الاستثمار المسبق. وأكد أن أمن الطاقة يستدعي الاستثمار في مختلف مكونات المنظومة، بما يشمل قدرات التكرير والنقل وخطوط الأنابيب والبنية التحتية، موضحاً أن نهج المملكة يشمل البترول والغاز والطاقة المتجددة والطاقة النووية والطاقة الحرارية الأرضية.

مشاركة دولية ومناقشات حول أمن الطاقة

ترأس الأمير عبد العزيز بن سلمان الاجتماع بمشاركة جيلبرتو بيكيتو فراتين، وزير البيئة وأمن الطاقة الإيطالي، والسيناتور هاينيكن لوكبوبيري، وزير الدولة للموارد البترولية في نيجيريا، فيما حضر الجلسة الافتتاحية المهندس جاسم الشيراوي، الأمين العام لمنتدى الطاقة الدولي.

وشهد الاجتماع مشاركة وزراء طاقة من مختلف أنحاء العالم، وقادة في القطاع، ورؤساء منظمات دولية، لبحث أمن الطاقة واستقرار الأسواق والاستثمار، وتعزيز الحوار والتعاون بين الدول المنتجة والمستهلكة في ظل المتغيرات التي تشهدها الأسواق العالمية.

وعبّر الوزراء وممثلو قطاع الطاقة المشاركون عن تضامنهم مع المملكة العربية السعودية وشعبها، عقب الهجمات التي استهدفت البنية التحتية المدنية، مؤكدين أن انعقاد الاجتماع في الرياض يجسد مرونة المملكة ويعكس روح الوحدة والالتزام المشترك.

كما رحب الأمين العام للمنتدى والوزراء والوفود المشاركة بإعلان الولايات المتحدة عودتها إلى المنتدى، تأكيداً لأهمية دوره منصة محايدة للحوار بين الدول المنتجة والمستهلكة للطاقة، ودعمه للبحوث والتقارير المستندة إلى البيانات.

وتضمن برنامج الاجتماع جلسات حوارية تناولت قضايا أمن الطاقة وأساسيات الأسواق ومرونة سلاسل الإمداد والتغيرات في العرض والطلب. وأدار الجلسة الأولى الدكتور دانيال يرغن، نائب رئيس مجلس إدارة «إس آند بي غلوبال»، فيما أدارت الجلسة الثانية الدكتورة أمريتا سين، مؤسسة شركة «إنرجي أسبكتس» ومديرة بحوث أسواق الطاقة فيها، وركزت على الاستثمار والتجارة في حلول الطاقة المستدامة، وسبل تعزيز إتاحة الطاقة النظيفة والموثوقة بتكلفة ميسورة.

وتناولت الجلسة الختامية دور الحوار بين الدول المنتجة والمستهلكة وأهمية شفافية البيانات في دعم استقرار أسواق الطاقة. ووفقاً لبيان وزارة الطاقة، أكدت الجلسة أهمية المسؤولية المشتركة عن أمن الطاقة، واستدامة الاستثمار في مختلف منظومات الطاقة، ودعم مسارات طاقة مستدامة وميسورة التكلفة.

الأمير عبد العزيز بن سلمان في اجتماع منتدى الطاقة الدولي (إكس)

أولويات الاستثمار ومرونة سلاسل الإمداد

أكدت المناقشات أهمية تنويع سلاسل الإمداد وتعزيز مرونة البنية التحتية، إلى جانب الاستثمار في الإنتاج والتكرير والغاز الطبيعي المسال وشبكات الكهرباء والتخزين، والتوسع في التقنيات الجديدة وسلاسل إمداد المعادن الحرجة. كما تناولت دور التجارة والتقنيات في دعم مسارات الطاقة المختلفة، وفقاً للأولويات والظروف الوطنية لكل دولة.

وفي إطار تعزيز الشفافية وتطوير البيانات المتعلقة بأسواق الطاقة، شهد «أسبوع الطاقة في الرياض» انعقاد الاجتماع السابع لرؤساء المنظمات المشاركة في مبادرة بيانات المنظمات المشتركة (JODI)، التي يتولى منتدى الطاقة الدولي تنسيق أعمالها.

وناقش الاجتماع خريطة طريق المبادرة للفترة من 2026 إلى 2030، الهادفة إلى تعزيز قدرات الدول على تقديم البيانات، وتوفير معلومات أكثر شمولاً وحداثة عن البترول والغاز، بما في ذلك بيانات المخزونات والمنتجات المكررة. كما رحب الوزراء المشاركون باستمرار التعاون ضمن برنامج العمل الثلاثي المشترك بين وكالة الطاقة الدولية ومنتدى الطاقة الدولي ومنظمة البلدان المصدرة للنفط (أوبك).

ويُعدّ منتدى الطاقة الدولي، الذي تتخذ أمانته العامة من الرياض مقراً لها، أكبر تجمع عالمي لوزراء الطاقة، ومنصة رئيسية للحوار بين الدول المنتجة والمستهلكة، بما يسهم في تعزيز أمن الطاقة العالمي عبر حوار مفتوح وشامل يغطي مختلف مصادر الطاقة وتقنياتها ومنظوماتها.


يرغن لـ«الشرق الأوسط»: استقرار أسواق الطاقة أولوية سعودية

دانيال يرغن نائب رئيس مجلس الإدارة في «إس آند بي غلوبال»
دانيال يرغن نائب رئيس مجلس الإدارة في «إس آند بي غلوبال»
TT

يرغن لـ«الشرق الأوسط»: استقرار أسواق الطاقة أولوية سعودية

دانيال يرغن نائب رئيس مجلس الإدارة في «إس آند بي غلوبال»
دانيال يرغن نائب رئيس مجلس الإدارة في «إس آند بي غلوبال»

أكد نائب رئيس مجلس الإدارة في «إس آند بي غلوبال» (S&P Global)، الدكتور دانيال يرغن، أن استقرار أسواق الطاقة يمثل مبدأً أساسياً في نهج السعودية، مشيراً إلى أن الرياض تتبنى رؤية طويلة الأجل للسوق، وتسعى إلى الحد من التقلبات الحادة في الأسعار، سواء صعوداً أو هبوطاً.

وقال يرغن، خبير الطاقة الحائز جائزة بوليتزر، في حديث لـ«الشرق الأوسط» على هامش الاجتماع الوزاري لمنتدى الطاقة الدولي المنعقد في العاصمة السعودية، إن التحول في قطاع الطاقة لا يعني الاستغناء عن مصادر الطاقة التقليدية، بقدر ما يعني إضافة إمدادات جديدة إلى مزيج الطاقة العالمي، بما يتيح تلبية الطلب المتنامي. وأوضح أن الجزء الأكبر من نمو الطلب المتوقع سيأتي من الدول النامية، وقد يصل حجمه إلى ما يعادل إضافة نظام طاقة بحجم الصين إلى الطلب العالمي، الأمر الذي يستدعي استثمارات كبيرة وحلولاً متنوعة، في ظل عدم قدرة مصدر واحد للطاقة على تلبية احتياجات العالم بمفرده.

وفيما يتعلق بتطورات أسواق النفط على المدى القريب، أوضح يرغن الذي يرأس مؤتمر «سيراويك» أحد أبرز المؤتمرات الدولية المعنية بصناعة الطاقة، أن الضغوط الراهنة تتركز بصورة أكبر في سوق الديزل، نتيجة محدودية قدرات التكرير، وليس بسبب نقص فوري في إمدادات النفط الخام. وأضاف أن التوترات الجيوسياسية، بما فيها الحرب الروسية الأوكرانية والاضطرابات في منطقة الخليج، أسهمت في زيادة حساسية أسواق الديزل للتطورات السياسية، في ظل أهمية هذا الوقود للاقتصادات والصناعات وقطاع النقل.

وعن أبرز الملفات المطروحة على الاجتماع الوزاري لمنتدى الطاقة الدولي، أشار يرغن إلى أن أمن الطاقة محور رئيسي للنقاش، بمفهوم يتجاوز ضمان تدفق الإمدادات ليشمل حماية البنية التحتية للطاقة، وضمان استمرارية تشغيلها، وتعزيز مرونة سلاسل الإمداد، والاستفادة من التكنولوجيا في مواجهة التحديات المتزايدة.

وأضاف أن الاستثمار والتقنية والقدرة على تلبية الطلب العالمي هي من أبرز القضايا المطروحة، إلى جانب ضرورة تبني نقاش أكثر واقعية بشأن تحول الطاقة، يأخذ في الحسبان المتغيرات الاقتصادية والجيوسياسية والتكنولوجية التي يشهدها العالم، بدلاً من الاكتفاء بأهداف وُضعت قبل 11 عاماً في ظل ظروف مختلفة.

وتعكس هذه القضايا، حسب محاور حديثه، التحدي الذي تواجهه أسواق الطاقة العالمية في المرحلة المقبلة: الموازنة بين أمن الإمدادات واستقرار الأسواق من جهة، ومواكبة التحول في منظومة الطاقة وتلبية الطلب المتزايد من جهة أخرى، بما يتطلب استثمارات مستدامة وتعاوناً دولياً وحلولاً تراعي اختلاف احتياجات الدول وظروفها الاقتصادية.


عبد العزيز بن سلمان: الرياض عاصمة أمن الطاقة... والسعودية ماضية في الوفاء بالتزاماتها

TT

عبد العزيز بن سلمان: الرياض عاصمة أمن الطاقة... والسعودية ماضية في الوفاء بالتزاماتها

الأمير عبد العزيز بن سلمان خلال كلمته الافتتاحية في المنتدى (الشرق الأوسط)
الأمير عبد العزيز بن سلمان خلال كلمته الافتتاحية في المنتدى (الشرق الأوسط)

تتصدر تحديات أمن الطاقة واستقرار الإمدادات أجندة مجتمع الطاقة العالمي في الرياض، مع انطلاق أسبوع الطاقة الذي يجمع وزراء ومسؤولين وقادة صناعة وخبراء من مختلف الدول، ويتضمن الاجتماع الوزاري السابع عشر لمنتدى الطاقة الدولي، إلى جانب اجتماعات الطاقة النظيفة ومبادرة «مهمة الابتكار»، ومؤتمر البترول العالمي الخامس والعشرين للطاقة، الذي تنطلق أعماله الاثنين، في وقت تتزايد فيه المخاطر الجيوسياسية والضغوط على أسواق النفط، وتتسع احتياجات الاقتصادات والصناعات ومراكز البيانات.

وأكد وزير الطاقة ووزير الصناعة والثروة المعدنية السعودي، الأمير عبد العزيز بن سلمان، خلال افتتاح الاجتماع الوزاري السابع عشر لمنتدى الطاقة الدولي، أن الرياض تمثل «عاصمة أمن الطاقة»، مشدداً على أن المملكة ماضية في تنفيذ خططها والوفاء بالتزاماتها تجاه العالم، وأن ضمان أمن الإمدادات يتطلب تعاون الدول المنتجة والمستهلكة وتنسيق جهودها.

وتتوزع مناقشات الأسبوع، الممتد من 11 إلى 15 أكتوبر (تشرين الأول)، بين تعزيز موثوقية الإمدادات، وتطوير البنية التحتية ومسارات التصدير البديلة، ودعم الاستثمارات، وتسريع تقنيات الطاقة النظيفة والابتكار، إلى جانب بحث تأثير الذكاء الاصطناعي والطلب المتزايد على الكهرباء في مستقبل منظومة الطاقة. وتكتسب هذه الملفات أهمية إضافية في ظل اضطرابات الممرات البحرية، وما تفرضه من تحديات على تدفقات الطاقة والأسعار، رغم تأكيد مسؤولين في القطاع أن المنظومة العالمية باتت أكثر قدرة على الصمود أمام الصدمات.

وقال الأمير عبد العزيز بن سلمان خلال الافتتاح، إنه يأمل أن يسهم الاجتماع في توجيه الاهتمام نحو القضايا الأكثر أهمية التي ينبغي أن تحظى بأولوية لدى المعنيين بقطاع الطاقة، مشيراً إلى أن التطورات الراهنة تجعل الحوار بشأن أمن الطاقة أكثر أهمية من أي وقت مضى.

وأوضح أن الاجتماعات الحضورية تتيح للمشاركين فرصة تبادل التقييمات بصورة مباشرة، ومناقشة المخاوف والتحديات، وبناء التفاهم اللازم لتعزيز التعاون العملي بين الدول، بما يدعم أمن الطاقة واستقرار الإمدادات في الأسواق العالمية.

وحسب الوزير السعودي، فإن بلاده ستواصل تنفيذ خططها وتلبية احتياجاتها والوفاء بالتزاماتها الدولية، بصرف النظر عن الظروف والتحديات، مشيراً إلى ما تتمتع به من قدرة على الصمود ومواصلة التقدم وتحقيق أهدافها. وتابع أن الالتزام بأمن الطاقة يمثل إحدى السمات التي تميز المملكة، معرباً عن أمله في أن تسهم المناسبة في تعريف مزيد من المشاركين بحجم هذا الالتزام وأهميته.

واستطرد: «أنا فخور بأن أقول إن هذه الدولة، وإن مدينة الرياض، هي عاصمة أمن الطاقة»، عازياً هذه المكانة إلى جهود الرجال والنساء العاملين في قطاع الطاقة، وما يقدمونه من عمل متواصل لضمان استمرارية الإمدادات والوفاء بالتزامات المملكة تجاه العالم.

خلال افتتاح منتدى الطاقة الدولي (الشرق الأوسط)

خط شرق-غرب

وأشار وزير الطاقة إلى حجم الجهود التي بذلتها المملكة خلال الأشهر الثمانية الماضية، مؤكداً استمرارها في طمأنة شركائها الدوليين إلى قدرتها على الوفاء بالتزاماتها، وعدم الإخفاق في ذلك.

ولفت إلى أن المملكة أثبتت قدرتها على الحفاظ على موثوقية إمدادات الطاقة في الظروف الصعبة، مستندة إلى الاستثمار المسبق والاستعداد والتحرك الفاعل عند الحاجة. وضرب مثالاً على ذلك بخط أنابيب شرق–غرب، الذي يربط مراكز إنتاج النفط في المنطقة الشرقية بمنشآت التصدير في ينبع على ساحل البحر الأحمر، بما يتيح مساراً بديلاً لنقل النفط إلى الأسواق الدولية ويعزز مرونة منظومة الإمدادات.

كما أشار إلى العمل على تطوير مسارات متعددة لخطوط الأنابيب، معرباً عن أمله في أن تتضح قريباً ملامح التزامات المملكة في هذا المجال، بما يدعم استمرارية جهودها ويعزز دورها في أسواق الطاقة العالمية.

وفي معرض حديثه عن التحديات التي تواجه أسواق الطاقة، أرجع الأمير عبد العزيز بن سلمان الاختناقات الحالية إلى تخلي بعض الدول عن أنظمة التكرير وشبكات نقل الطاقة، محذراً من أن إهمال هذه المكونات ينعكس على قدرة المنظومة العالمية على تلبية الطلب وضمان تدفق الإمدادات.

واستحضر الوزير تجربة الأزمة المالية العالمية في عام 2008، حين تراجعت أسعار النفط من نحو 140 دولاراً إلى 35 دولاراً للبرميل، في إشارة إلى حجم التقلبات التي يمكن أن تشهدها الأسواق وتأثير الأزمات في توازن العرض والطلب.

وفي ما يتعلق بالتحول في قطاع الطاقة، شدد الأمير عبد العزيز على أهمية عدم حصر السياسات في تحقيق الحياد الصفري، محذراً من أن التركيز عليه وحده قد يقود إلى سيناريو لا تتوافر فيه إمدادات كافية من الطاقة. وأكد، في المقابل، ضرورة الاستفادة من مختلف المصادر، بما يشمل النفط والغاز والطاقة المتجددة والطاقة النووية، بما يضمن تلبية الاحتياجات وتعزيز موثوقية الإمدادات.

وأشار إلى أن المملكة تواصل الاستثمار في قطاع التكرير وتوسيع شراكاتها الدولية، بما يشمل الصين والولايات المتحدة وكوريا الجنوبية، إلى جانب العمل على تطوير خطوط أنابيب إضافية لتوفير مسارات بديلة لنقل الطاقة وضمان استمرار وصول الإمدادات إلى الأسواق العالمية.

نقاشات الضيوف في المنتدى الدولي للطاقة حول القضايا والتحديات الرئيسية للمنظومة في الرياض (وزارة الطاقة)

احتياجات النفط الخام

بدوره، أفاد وزير الاقتصاد والتجارة والصناعة الياباني، ريوسي أكازاوا، أن السعودية شريك موثوق لا غنى عنه لضمان أمن الطاقة العالمي، مشدداً على أهمية التعاون بين الدول المنتجة والمستهلكة، في ظل اعتماد آسيا على الشرق الأوسط في توفير نحو 60 في المائة من احتياجاتها من النفط الخام، والاضطرابات التي تشهدها المنطقة.

وقدم أكازاوا، في كلمة عبر الفيديو أمام الاجتماع الوزاري السابع عشر لمنتدى الطاقة الدولي، تعازيه لضحايا الهجمات الأخيرة على الرياض، معرباً عن مواساته للمتضررين وتضامن اليابان مع السعودية.

وطبقاً لأكازاوا، فإن السعودية شريك موثوق لا غنى عنه في ضمان أمن الطاقة العالمي، مشيراً إلى أهمية دورها في استقرار إمدادات النفط إلى الأسواق العالمية، ولا سيما الأسواق الآسيوية التي تعتمد بدرجة كبيرة على موارد الطاقة من الشرق الأوسط.

وتحدث عن أهمية استمرار التعاون بين الدول المنتجة والمستهلكة لتعزيز أمن الإمدادات ومواجهة الاضطرابات في أسواق الطاقة، مشيراً إلى أن التطورات الأخيرة في الشرق الأوسط أثرت بصورة كبيرة على أسواق الطاقة العالمية، ولا سيما في آسيا، التي تعتمد دولها بدرجة كبيرة على إمدادات النفط من المنطقة.

ولفت إلى أن التوترات المرتبطة بالممرات البحرية تعيد التأكيد على أهمية أمن الطاقة، موضحاً أن اليابان بادرت إلى السحب من مخزوناتها النفطية، وأسهمت في الجهود المنسقة لوكالة الطاقة الدولية التي شملت سحب أكثر من 400 مليون برميل من المخزونات النفطية.

وشدد على أن ضمان استقرار إمدادات الطاقة لا يمكن أن تحققه دولة واحدة بمفردها، بل يتطلب الثقة والتعاون بين الدول المنتجة والمستهلكة، في ظل استمرار حالة عدم اليقين بشأن الإمدادات العالمية.

الوزير الياباني يتحدث إلى الحضور في المنتدى (الشرق الأوسط)

سلاسل الإمداد

وأوضح أكازاوا أن اليابان تعمل على تعزيز مرونة سلاسل إمدادات الطاقة في آسيا، من خلال دعم تطوير أنظمة تخزين النفط وتعزيز التعاون مع الدول المنتجة، إلى جانب تنسيق الاستجابة لحالات الطوارئ.

ولفت إلى أن طوكيو تسعى إلى تعزيز الروابط بين الدول المنتجة للنفط في الشرق الأوسط والدول الآسيوية، في ظل التحديات المرتبطة بالملاحة عبر مضيق هرمز، مبيناً أن بلاده تعمل مع دول الشرق الأوسط على تعزيز التعاون الاقتصادي والتعاون في مجال الطاقة، بما يسهم في رفع قدرة الإمدادات على مواجهة الاضطرابات.

ولفت إلى أن الدول المنتجة والمستهلكة مطالبة بمواصلة العمل المشترك لمواجهة التحديات وبناء حلول مشتركة، لافتاً إلى أن التعاون الدولي يشكل أساساً لاستقرار أسواق الطاقة وقدرتها على مواجهة الأزمات.

من جهة أخرى، أوضح رئيس مجلس البترول العالمي، بيدرو ميراس، لـ«الشرق الأوسط» على هامش الاجتماع، أن أمن الإمدادات عاد إلى صدارة أولويات قطاع الطاقة العالمي مع تصاعد الاضطرابات الجيوسياسية، مؤكداً أن المنظومة العالمية أصبحت أكثر قدرة على الصمود أمام صدمات الإمدادات مقارنة بما كانت عليه قبل بضع سنوات، رغم انعكاس الاضطرابات على الأسعار.

ولفت إلى أن التطورات التي شهدها العالم خلال السنوات القليلة الماضية أعادت أمن الإمدادات إلى صدارة الأولويات، مشدداً على أهمية مواصلة تنمية القطاع مع الحفاظ على التوازن بين الركائز الثلاث، التي وصفها بأنها متساوية في الأهمية.

صمود المنظومة

وفي حديثه عن اضطرابات الإمدادات، ذكر ميراس أن القطاع واجه تحديات في مناطق مختلفة من العالم، وليس في المنطقة وحدها، لافتاً إلى أن قطاع الطاقة يمتلك خبرة في التعامل مع مثل هذه الظروف.

وقال إن الاضطرابات الحالية ربما كانت ستترك أثراً أكبر على الأسواق في الماضي، لكن المنظومة العالمية أصبحت اليوم أكثر قدرة على الصمود مقارنة بما كانت عليه قبل بضع سنوات، رغم ارتفاع الأسعار.

وأكمل أن التعامل مع هذه التحديات يظل ممكناً، مستشهداً بتجارب سابقة كانت آثارها أشد وطأة، وداعياً إلى الحفاظ على الثقة بقدرة القطاع على تجاوز الاضطرابات.

رئيس مجلس البترول العالمي بيدرو ميراس (تركي العقيلي)

التوسع الصناعي

ومن جهته، أكد الأمين العام لمنتدى الطاقة الدولي، جاسم الشيراوي، لـ«الشرق الأوسط»، أن أمن الإمدادات يمثل أولوية في ظل تنامي الطلب العالمي على الطاقة، مدفوعاً بالنمو السكاني والتوسع الصناعي والاحتياجات المتزايدة لمراكز البيانات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، مشدداً على أن التحدي لا يقتصر على إنتاج الطاقة؛ بل يشمل أيضاً ضمان إيصالها إلى المستهلكين بصورة موثوقة.

ورأى الشيراوي أن هذه الاجتماعات تتيح تعزيز الحوار بين الدول المنتجة والمستهلكة، وبحث سبل ضمان أمن الإمدادات في ظل المتغيرات التي يشهدها قطاع الطاقة.

وبيّن إن المنتدى يضم نحو 70 دولة تمثل معظم الدول المنتجة والمستهلكة للطاقة، إلى جانب مجلس استشاري للصناعة يتيح إشراك الشركات في الحوار بين الحكومات، بما يساعد على تقريب وجهات النظر بين أطراف القطاع، وبحث التحديات المرتبطة بتوفير الطاقة.

وأضاف أن نمو السكان واحتياجات الصناعة، إلى جانب الطلب الجديد الذي يفرضه التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي، تزيد من أهمية ضمان توفُّر الإمدادات، وقدرة البنية التحتية على نقلها إلى المستهلكين.

جاسم الشيراوي يتحدث إلى صحيفة «الشرق الأوسط» (تركي العقيلي)

وحسب الشيراوي، فإن أمن الطاقة لا يرتبط بقدرة الدول على الإنتاج فحسب؛ بل يتطلب أيضاً ضمان وصول الإمدادات إلى وجهاتها لتلبية احتياجات الاقتصادات والصناعات.

وبالتوازي مع الاجتماع الوزاري لمنتدى الطاقة الدولي، تستضيف الرياض الاجتماع الوزاري السابع عشر للطاقة النظيفة، والاجتماع الوزاري الحادي عشر لمبادرة «مهمة الابتكار»، بمشاركة وزراء ومسؤولين وقيادات من القطاع الخاص ومؤسسات البحث والابتكار.

وتبحث الاجتماعات سبل تسريع تطوير تقنيات الطاقة النظيفة وتوسيع نطاق استخدامها، وتحويل الابتكارات إلى حلول عملية تدعم تحول أنظمة الطاقة، إلى جانب تعزيز التعاون بين الحكومات والشركات ومراكز البحث، وتطوير تقنيات تسهم في رفع الكفاءة وخفض الانبعاثات.

وتعكس هذه المناقشات اتساع أجندة الطاقة العالمية، التي لم تعد تقتصر على زيادة الإنتاج وضمان الإمدادات، بل تشمل أيضاً تطوير الشبكات والبنية التحتية، والاستثمار في التقنيات الجديدة، ومواكبة الطلب المتنامي على الكهرباء، وتحقيق التوازن بين أمن الطاقة والقدرة على تحمل تكاليفها والاستدامة البيئية.

تتواصل فعاليات الأسبوع مع الافتتاح الرسمي لمؤتمر البترول العالمي الخامس والعشرين للطاقة، الاثنين، تحت شعار «مسارات نحو مستقبل طاقة للجميع»، على أن تستمر أعماله ومعرضه المصاحب حتى 15 أكتوبر (تشرين الأول).

ويجمع المؤتمر وزراء طاقة وقادة شركات وخبراء ومستثمرين، لمناقشة مجموعة من الملفات الاستراتيجية، تشمل أسواق النفط والغاز، وأمن الطاقة والاستثمار، والذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، والمعادن الحيوية، وإدارة الكربون، والغاز الطبيعي، ومستقبل مزيج الطاقة العالمي.

ويتضمن البرنامج أيضاً ورش عمل وندوات فنية تنظمها منظمة الأقطار العربية المصدرة للبترول «أوابك» على مدى أيام المؤتمر، بما يضيف بُعداً تطبيقياً إلى المناقشات المتعلقة بالسياسات والاستثمارات والتطورات التقنية في قطاع الطاقة.

وتتكامل هذه الفعاليات في إتاحة منصة للحوار بين الحكومات والدول المنتجة والمستهلكة والشركات والمؤسسات الدولية، في وقت تواجه فيه أسواق الطاقة تحديات متشابكة تتصل بالمخاطر الجيوسياسية، وموثوقية الإمدادات، واحتياجات الاستثمار، والتسارع التقني، بما يجعل تعزيز التعاون الدولي عاملاً أساسياً في الاستعداد لمتطلبات المرحلة المقبلة.