السعودية وتركيا تحصّنان سلاسل الإمداد بممر بري يطوّق حصار المضائق

خبراء لـ«الشرق الأوسط»: الشريان الجديد يقلص زمن الشحن في مواجهة قفزة تكاليف التأمين البحري بـ300 %

وزير النقل السعودي ونظيره التركي في لقاء لتعزيز التعاون المشترك (إكس)
وزير النقل السعودي ونظيره التركي في لقاء لتعزيز التعاون المشترك (إكس)
TT

السعودية وتركيا تحصّنان سلاسل الإمداد بممر بري يطوّق حصار المضائق

وزير النقل السعودي ونظيره التركي في لقاء لتعزيز التعاون المشترك (إكس)
وزير النقل السعودي ونظيره التركي في لقاء لتعزيز التعاون المشترك (إكس)

في وقت يفرض فيه الانسداد شبه الكامل لمضيق هرمز، وتصاعد الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، واقعاً جيوسياسياً معقداً على سلاسل الإمداد العالمية منذ نهاية فبراير (شباط) الماضي، ينبثق من قلب هذا الحصار البحري ممر بري استراتيجي واعد يعيد رسم خريطة النقل والتجارة الدولية. فبين الرياض وأنقرة، يمتد اليوم حراك لوجستي مكثف يتجاوز حدود التفاهمات الثنائية التقليدية ليقود صياغة بديل بري آمن ومستدام لتدفقات الطاقة والسلع وغذاء المنطقة نحو الأسواق العالمية.

وجاء التوقيع الرسمي يوم الثلاثاء بين وزير النقل والخدمات اللوجستية السعودي، صالح الجاسر، ونظيره التركي، عبد القادر أورال أوغلو، على مذكرات التفاهم الشاملة للسكك الحديدية والعمليات والتكنولوجيا اللوجستية، ليضع حجر الأساس التنفيذي لهذا التحول؛ حيث يتجاوز الاتفاق مجرد تسهيل حركة البضائع الآنية، إلى بناء منظومة ربط عابرة للحدود تمثل خط دفاع تشغيلياً ضد الأزمات البحرية الجارية. وفق الوزير التركي، فإن مشروع الربط السككي يستند إلى بنية تحتية قائمة بالفعل في كل من السعودية وتركيا، مبيناً أن الجانب السعودي أنجز الجزء الخاص به حتى الحدود الأردنية، فيما تمتد شبكة السكك الحديدية التركية إلى الأراضي السورية. وأشار إلى احتمالية انضمام العراق إلى المشروع لاحقاً.

كيف تترابط الشبكة؟

من الناحية الفنية والتشغيلية، يتشكل هذا الممر اللوجستي العملاق عبر شبكة سككية متصلة ومدروسة جغرافياً؛ حيث ينطلق الخط من إسطنبول ليربط الشبكة التركية المتطورة بالعمق العربي، عابراً الحدود الجنوبية لتركيا نحو سوريا عبر النقطة الرئيسية في حلب، ثم ينساب جنوباً ليصل إلى دمشق بوصفها قطب ارتكاز أوسط للمشروع. ومن العاصمة السورية، يمتد المسار مباشرة ليعبر الحدود نحو الأردن مروراً بعمّان، وصولاً إلى الحدود السعودية عند منفذ «الحديثة»، وهو النقطة الاستراتيجية التي تلتقي فيها الشبكات السورية والتركية بالبنية التحتية المتطورة لـ«شبكة الخطوط الحديدية السعودية (سار)».

وداخل الأراضي السعودية، يكتسب المسار أبعاداً تنموية بالغة الجدوى؛ إذ يمر بخطوطه الرئيسية والفرعية بمشروعات كبرى، مثل ميناء نيوم بوصفه ممراً لوجستياً مستقبلياً لربط موانئ البحر الأحمر، ويتجه مباشرة ليربط الحرمين الشريفين في مكة المكرمة والمدينة المنورة، قبل أن يتكامل هيكلياً مع مشروع «شبكة القطار الخليجية الموحدة». هذا الامتداد الخليجي يفتح المجال أمام مستهدفات الخط بعيدة المدى للوصول إلى سلطنة عُمان وبحر العرب؛ مما يمنحه صفة «الممر البري الشامل» العابر للقارات الذي يطوق كل نقاط الاختناق المائي التقليدية.

تحويل المملكة محورَ عبور واختصار زمن الشحن

وفي تحليل لأبعاد هذا المشروع، يرى الخبير اللوجستي نشمي الحربي، في تصريحات خاصة لـ«الشرق الأوسط»، أن مذكرات التفاهم الموقعة «تترجم بشكل عملي رؤية إنشاء ممر بري يربط الخليج بأوروبا مباشرة عبر الأردن وسوريا وتركيا». وأوضح الحربي أن التكامل بين امتلاك المملكة منفذين بحريين على البحر الأحمر والخليج العربي، وأن تركيا البوابة البرية الطبيعية لأوروبا، «يحوّل السعودية من نقطة نهاية لوجستية إلى محور عبور استراتيجي حقيقي يربط 3 قارات».

وأضاف الحربي أن «القيمة المضافة لمرونة سلاسل الإمداد تكمن في الاستفادة من دروس اضطرابات البحر الأحمر، التي أثبتت أن التنوع في الممرات بات ضرورة ملحة لا ترفاً اقتصادياً، حيث ينشئ المشروع مسارات برية بديلة تعزز مرونة النقل بين آسيا وأوروبا، وتكون بمنأى تام عن التأثر بإغلاق المضائق المائية أو تقلبات تكاليف التأمين البحري»، مشيراً إلى أن حجم الاستثمارات المطلوبة لهذا الخط تُقدَّر بنحو 5.5 مليار دولار.

وأكد الخبير اللوجستي أن هذا التوجه «ينسجم تماماً مع الاستراتيجية الوطنية للنقل والخدمات اللوجستية، الرامية إلى ترسيخ مكانة المملكة بوصفها مركزاً عالمياً، ويغذي محورَي الربط الإقليمي وتوطين صناعة السكك الحديدية، مستنداً إلى أرضية صلبة، لا سيما أن المملكة حققت مسبقاً المركز الـ5 عالمياً في سرعة مناولة الحاويات». ولفت الحربي إلى أن «الأثر العملي للمشروع، الذي يتضمن تبادل أفضل الممارسات في الشحن وخدمات المِيل الأخير وتطوير المراكز اللوجستية المشتركة، سيثمر تخفيض زمن عبور الشحنات بين الخليج وأوروبا من أكثر من 30 يوماً عبر المسارات البحرية التقليدية، إلى أقل من أسبوعين براً فور اكتمال المشروع».

مصافحة بين الجاسر وأورال أوغلو عقب توقيع مذكرتَي التفاهم (إكس)

بدائل تشغيلية بمواجهة قفزة تكاليف الشحن

من جانبه، أكد الخبير اللوجستي حسن آل هليل، لـ«الشرق الأوسط»، أن مذكرات التفاهم بين المملكة وتركيا تمثل «خطوة استراتيجية تعزز دور المملكة بوصفها مركزاً رئيسياً لإعادة التصدير وتوزيع البضائع». ولفت آل هليل إلى أن هذا التحرك يأتي في توقيت دقيق تواجه فيه التجارة العالمية تحديات متصاعدة؛ «حيث تسببت الاضطرابات الجيوسياسية في الممرات البحرية الحيوية خلال الأشهر الماضية في قفزات قياسية لتكاليف الشحن والتأمين البحري، تجاوزت حاجز 300 في المائة، مقارنة بمستويات ما قبل الأزمة؛ نتيجة اضطرار السفن إلى ارتياد مسارات التفافية أطول وأعلى مخاطرة».

وأوضح آل هليل أن الممر اللوجستي السعودي - التركي يمنح الموردين والمصدرين «خيارات نقل متعددة الوسائط، تجمع بين الشحن البحري عبر الموانئ السعودية، والنقل البري والسككي الممتد عبر تركيا نحو عمق الأسواق الأوروبية وآسيا الوسطى. هذا التنوع التشغيلي يسهم مباشرة في خفض التكاليف المرتبطة بالتخزين وإعادة المناولة، ويحد من الاعتماد على مسار بحري أحادي؛ مما يضمن استقرار تدفقات السلع والمنتجات بكفاءة تنافسية عالية تعظّم الاستفادة من الاستثمارات الضخمة التي ضختها المملكة في بنيتها التحتية المينائية»، وفق ما قاله.

فوارق جوهرية

وبشأن مقارنة هذا الشريان بمشروع «الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط (آي إم إي سي - IMEC)»، حدد الحربي 3 فوارق جوهرية حسمت الأفضلية للمسار السعودي -التركي؛ «أولها المسار الجغرافي الذي يمر عبر سوريا والأردن وصولاً إلى تركيا، بدلاً من مرور (الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط) عبر إسرائيل. وثانيها طبيعة الوضع التنفيذي؛ حيث يرتكز المشروع الحالي على مذكرات موقعة بخريطة طريق فنية واضحة، مقابل مشروع (الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط) المعلق منذ عام 2023. أما الفارق الثالث، فيكمن في الأبعاد الجيوسياسية؛ إذ إن تركيا، التي انتقدت سابقاً تجاوز الممر أراضيها، تعود عبر هذا المسار الجديد بقوة إلى قلب خريطة الربط الأوروآسيوي الاستراتيجي».

وفي هذا السياق، يضيف حسن آل هليل فارقاً تشغيلياً حاسماً، موضحاً أن مشروع «آي إم إي سي (IMEC)» يُصنف «مشروعاً استراتيجياً طويل الأجل يتطلب استثمارات هيكلية ضخمة»، في حين يرتكز التعاون السعودي - التركي الحالي على «تعظيم الاستفادة من البنى التحتية القائمة بالفعل» والربط التشغيلي الفوري بين شبكتين لوجستيتين متطورتين؛ مما يجعله قادراً على تحقيق نتائج تشغيلية ملموسة على الأرض في المدى المنظور وبوتيرة أسرع بكثير لتلبية احتياجات السوق الراهنة».

من جهته، قال جوزيف سالم، الشريك ومسؤول ممارسات قطاع السفر والنقل والضيافة في آرثر دي ليتل" الشرق الأوسط: «يشكل إحياء سكة حديد الحجاز واحداً من أبرز مشاريع البنية التحتية في التاريخ الحديث للمنطقة. كما أن مذكرتي التفاهم الموقعتين في الرياض بين السعودية وتركيا - إحداهما للخدمات اللوجستية والأخرى لتكنولوجيا السكك الحديدية - تقربان المشروع خطوة إضافية نحو التنفيذ».

وأوضح أن وجود خط عامل من شأنه أن يوفر للخليج ممراً تجارياً برياً مباشراً إلى أوروبا، بما يحد من الاعتماد على الممرات البحرية الحساسة، في وقت أصبحت فيه مرونة سلاسل التوريد أولوية استراتيجية متزايدة.

وقال إن «التحدي الأهم يظل في التنفيذ، سواء على مستوى التمويل، أو استقرار مسارات العبور، أو تحويل دراسات الجدوى المنتظر استكمالها بحلول نهاية العام إلى استثمارات فعلية... وتنبع أهمية هاتين المذكرتين من كونهما تتناولان الركائز الأساسية لأي مشروع سكك حديدية عابر للحدود، بما يشمل توحيد المواصفات التقنية، ومعايير الإشارات، والمواءمة التنظيمية». أضاف: «إذا ما توافرت هذه المقومات، فقد تستعيد سكة حديد الحجاز مكانتها خلال العقد المقبل بوصفها أحد أهم الممرات البرية الاستراتيجية التي تربط بين أوروبا والخليج».

إحياء «إرث قرن»

هذا الشريان البري الصاعد ليس وليد اليوم، بل هو إعادةُ إحياءٍ طَموحٌ وبعقلية استثمارية حديثة لإرث تاريخي يعود لأكثر من قرن من الزمان؛ إذ يمثل امتداداً لـ«خط سكة حديد الحجاز» الذي بدأ تشغيله الفعلي عام 1908 ليربط إسطنبول بالمدينة المنورة ومكة المكرمة عبر سوريا والأردن. في تلك الحقبة، كانت دمشق تمثل نقطة ارتكاز رئيسية تتفرع منها الخطوط شمالاً وجنوباً، إلى جانب امتدادات فرعية حيوية كانت تصل إلى لبنان - لا سيما العاصمة بيروت، وميناء حيفا الفلسطيني تاريخياً - مما جعله شبكة إقليمية متكاملة تضمن ترابط المنطقة، قبل أن يتفكك الخط إبان الحرب العالمية الأولى.

قطار «سار» للشحن (واس)

من «نيوم» إلى الحدود

تأتي هذه الاتفاقيات بعد استكمال أطراف خط الربط خطوات تشغيلية متقدمة؛ حيث أعلنت أنقرة تفعيل مذكرة تفاهم ثلاثية مع سوريا والأردن لتحديث الشبكات وربط خط السكك الحديدية بين تركيا وحلب، ومن ثم دمج خط «حلب - دمشق - الأردن». وفي المقابل، أشار وزير النقل السعودي، صالح الجاسر، إلى أن الشبكة الحديدية السعودية تمتد حالياً بالفعل حتى الحدود الأردنية عبر منفذ «الحديثة»؛ مما يمنح المشروع مرونة فائقة للتنفيذ، لافتاً إلى أن الدراسات الفنية المشتركة ستُكتمل بحلول نهاية العام الحالي لتعزيز نظام نقل بري مستدام.

ووفقاً للمعلومات الفنية، فإن مسار الخط الجديد سيمر بميناء «نيوم» ليربط المشروعات العملاقة للمملكة بقلب أوروبا عبر تركيا.

تمويلات دولية وضغوط تشغيلية

وفي سياق متصل يعزز من جاهزية هذا الشريان، أعلن «البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية (إيه دي بي - ADB)» موافقته الرسمية على تقديم قرض بقيمة 645.83 مليون يورو (ما يعادل نحو 750 مليون دولار) حزمةً أولى للإسهام في تمويل إنشاء خط سكة حديد أخضر جديد بطول 127 كيلومتراً في تركيا. ويهدف هذا المشروع الاستراتيجي، الذي يحمل اسم «مشروع عبور سكة حديد شمال إسطنبول»، إلى تجاوز المنطقة الحضرية المزدحمة في إسطنبول، وتوفير وصلة برية عالية السعة للشحن والركاب عبر مضيق إسطنبول؛ مما يسهم مباشرة في فك اختناقات سلاسل الإمداد الدولية، وربط أكبر مطارين في تركيا بشبكة القطارات.

وتُقدر التكلفة الإجمالية الاستراتيجية للمشروع التركي بنحو 8.27 مليار دولار، بمشاركة «البنك الدولي» ومؤسسات تمويل دولية أخرى لرفع حصة النقل السككي الأوروآسيوي.

في المحصلة، فإن هذا التحرك السككي المشترك يؤسس لثورة غير مسبوقة في مفاهيم الشحن الإقليمي، من خلال إزاحة المعوقات الزمنية والجغرافية التي فرضتها اضطرابات البحار؛ إذ إن اختصار زمن وصول البضائع لأقل من أسبوعين يعيد توجيه البوصلة الاستثمارية نحو هذا الشريان البري الصاعد على حساب المسارات التقليدية والبدائل المعلقة.


مقالات ذات صلة

السعودية ترفع نضج التجربة الرقمية إلى 87.06 %... وتقترب من المراكز الخمسة الأولى عالمياً

الاقتصاد حضور في ملتقى الحكومة الرقمية (واس)

السعودية ترفع نضج التجربة الرقمية إلى 87.06 %... وتقترب من المراكز الخمسة الأولى عالمياً

ارتفع نضج التجربة الرقمية في السعودية إلى 87.06 % بمشاركة 805 آلاف مستفيد، لتقترب المملكة من الخمسة الأوائل عالمياً.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد النسخة الماضية من الحدث التي أقيمت في السعودية (الشرق الأوسط)

مؤتمر «موني الشرق الأوسط» يجمع رواد التقنية المالية عالمياً في السعودية

يعود مؤتمر «موني 20/20 الشرق الأوسط»، المنصة الإقليمية التي تجمع المنظومة المالية العالمية، إلى العاصمة السعودية الرياض بين 14 و16 سبتمبر (أيلول) 2026.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد إحدى المنصات البحرية التابعة لـ«الحفر العربية» (الشركة)

«الحفر العربية» تستأنف منصاتها البحرية في السعودية... ومتوقَّع تشغيل 100% من الأسطول

أعلنت شركة «الحفر العربية» تلقيها إشعارات باستئناف تشغيل منصات الحفر البحرية المتبقية التي كانت معلقة سابقاً، متوقعةً وصول معدل تشغيل أسطولها البحري إلى 100%.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد العاصمة السعودية الرياض (واس)

اتفاقية أممية ترفع ثقة تعاملات التجارة الإلكترونية الدولية في السعودية

وافق مجلس الوزراء السعودي على الانضمام إلى اتفاقية الأمم المتحدة بشأن استخدام الخطابات الإلكترونية في العقود الدولية، بما يُعزز موثوقية التعاملات.

بندر مسلم (الرياض)
الاقتصاد رئيس جامعة الملك فيصل الدكتور عادل أبو زنادة مع ممثلي الشركة بعد توقيع الاتفاقية (واس)

السعودية: مبادرات لدفع براءات الاختراع من الجامعات إلى خطوط الإنتاج

وقّعت جامعة الملك فيصل اتفاقية تعاون مع إحدى الشركات الوطنية للتصنيع، تستهدف تطوير براءات الاختراع ونقلها إلى تطبيقات ومشروعات تجارية وصناعية.

«الشرق الأوسط» (الدمام)

زيادة مفاجئة وكبيرة في مخزونات النفط الأميركية

صهاريج تخزين النفط الخام والبنزين والديزل والمنتجات البترولية المكررة الأخرى في كارسون بكاليفورنيا (رويترز)
صهاريج تخزين النفط الخام والبنزين والديزل والمنتجات البترولية المكررة الأخرى في كارسون بكاليفورنيا (رويترز)
TT

زيادة مفاجئة وكبيرة في مخزونات النفط الأميركية

صهاريج تخزين النفط الخام والبنزين والديزل والمنتجات البترولية المكررة الأخرى في كارسون بكاليفورنيا (رويترز)
صهاريج تخزين النفط الخام والبنزين والديزل والمنتجات البترولية المكررة الأخرى في كارسون بكاليفورنيا (رويترز)

قالت إدارة معلومات الطاقة الأميركية، الأربعاء، إن مخزونات النفط الخام في الولايات المتحدة، باستثناء البراميل الموجودة في الاحتياطي البترولي الاستراتيجي، زادت على نحو مفاجئ محققة أكبر ارتفاع على أساس أسبوعي منذ يناير (كانون الثاني) 2023 في ظل تراجع الصادرات.

وأضافت الإدارة في تقريرها الأسبوعي الذي يحظى بمتابعة واسعة، أن مخزونات النفط الخام ارتفعت 17.4 مليون برميل إلى 424.4 مليون برميل في الأسبوع المنتهي في السابع من أغسطس (آب) مسجلة أعلى مستوى منذ الخامس من يونيو (حزيران)، مقارنة مع توقعات محللين في استطلاع أجرته «رويترز» بانخفاضها 1.4 مليون برميل.

وارتفعت مخزونات النفط الخام في مركز التسليم في كاشينغ بولاية أوكلاهوما 1.6 مليون برميل.

وتراجعت العقود الآجلة لخامي غرب تكساس الوسيط الأميركي وبرنت بعد صدور التقرير الذي أظهر زيادة مفاجئة وكبيرة في المخزونات.

وأفادت الإدارة بزيادة معدلات استهلاك الخام بالمصافي 26 ألف برميل يومياً خلال الأسبوع، وأن معدلات تشغيل المصافي تراجعت 0.3 نقطة مئوية.

وقالت الإدارة إن مخزونات البنزين في الولايات المتحدة انخفضت مليون برميل خلال الأسبوع إلى 208.7 مليون برميل، مقارنة مع توقعات بتراجعها 1.2 مليون برميل.

وأظهرت بيانات الإدارة أن مخزونات نواتج التقطير، التي تشمل الديزل وزيت التدفئة، انخفضت 10 آلاف برميل خلال الأسبوع إلى 107.1 مليون برميل، مقابل توقعات بتراجعها 1.3 مليون برميل.

وقالت الإدارة إن صافي واردات الولايات المتحدة من النفط الخام ارتفع 1.77 مليون برميل يومياً.


الصكوك الضريبية في مصر... أداة مالية لتعزيز الإيرادات أم ترحيل آجل للأزمة؟

السيسي خلال اجتماع مع رئيس الحكومة ووزير المالية في مدينة العلمين (الرئاسة المصرية)
السيسي خلال اجتماع مع رئيس الحكومة ووزير المالية في مدينة العلمين (الرئاسة المصرية)
TT

الصكوك الضريبية في مصر... أداة مالية لتعزيز الإيرادات أم ترحيل آجل للأزمة؟

السيسي خلال اجتماع مع رئيس الحكومة ووزير المالية في مدينة العلمين (الرئاسة المصرية)
السيسي خلال اجتماع مع رئيس الحكومة ووزير المالية في مدينة العلمين (الرئاسة المصرية)

تتجه مصر إلى طرح صكوك ضريبية قالت إنها «سيتم تمويلها من جانب الممولين وتخصم من التزاماتهم الضريبية المستقبلية على أن يكون العائد عليها بسعر جيد ومناسب بما يساهم في خفض الاحتياجات التمويلية».

تلك الخطوة الجديدة أقرها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وقال مسؤول حكومي إنها ستطرح خلال أسابيع، وحسب خبراء اقتصاد تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» فإنها آلية مالية جديدة تحمل فرصاً تتمثل في تعزيز الإيرادات، مقابل تحفظات ترى أنها تضخ سيولة في الأجل القصير وتفتح قناة تمويل إضافية، لكنها لا تعالج أصل المشكلة التمويلية، إذ إنها تقوم بترحيل المشكلة فقط مع زيادة الأعباء الآجلة.

وارتفعت الإيرادات الضريبية في موازنة مصر بشكل ملحوظ بنحو 31.4 في المائة خلال أول 7 أشهر من العام المالي الحالي على أساس سنوي إلى نحو 1.408 تريليون جنيه.

وحسب التقرير المالي لوزارة المالية، عن شهر يوليو (تموز) 2026 فإن الإيرادات الضريبية ارتفعت بنسبة 27.5 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، لتسجل 2.488 تريليون جنيه خلال أول أحد عشر شهراً من العام المالي (أول يوليو وينتهي آخر يونيو من العام التالي)، بما يعادل 11.7 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي.

موافقة رئاسية

وافق السيسي على «مقترح إصدار صكوك ضريبية يتم تمويلها من جانب الممولين وتخصم من التزاماتهم الضريبية المستقبلية على أن يكون العائد عليها بسعر جيد ومناسب وبما يساهم في خفض الاحتياجات التمويلية ومن ثم فاتورة خدمة الدين»، وفقاً لبيان للرئاسة المصرية.

ماذا يعني ذلك؟

حسب النائب أشرف عبد الغني، أمين سر اللجنة الاقتصادية في مجلس الشيوخ ومؤسس جمعية خبراء الضرائب المصرية، فإن السيسي وافق على إصدار الصكوك الضريبية لتخفيف الضغط على الموازنة العامة للدولة وتوفير مصدر تمويل جديد لا يعتمد على الاقتراض التقليدي.

وفي المقابل يحصل المستثمر على عوائد من أموال كان سيدفعها لاحقاً في صورة ضرائب، وبذلك يتحول الالتزام الضريبي المستقبلي إلى أداة استثمارية تحقق عوائد، وذلك يتشابه إلى حد كبير مع نظام الدفعات المسبقة، وفق بيان للبرلماني المصري.

وأشار أمين سر اللجنة الاقتصادية في الشيوخ إلى تحديات رئيسية تواجه نجاح الصكوك الضريبية أهمها عدم قدرة المشروعات الصغيرة وأغلب المشروعات المتوسطة علي الاكتتاب في الصكوك لاحتياجها إلي السيولة، فضلاً عن أن الصكوك الضريبية تعد شكلاً من أشكال الدين، وهو ما يؤدي إلى الضغط على الإيرادات لاحقاً بدلاً من خلق موارد حقيقية أو نمو إنتاجي مستدام، بخلاف الضغط على موارد الدولة عند صرف عوائد الصكوك، مما يمثل عبئاً إضافياً على خزانة الدولة.

هندسة مالية

من جانبه يرى الخبير المصرفي محمد عبد العال أن مقترح إصدار الصكوك الضريبية يمثل خطوة متطورة في الفكر المالي للدولة، وهو بمثابة هندسة مالية تهدف في المقام الأول إلى إدارة التدفقات النقدية الفورية وتخفيف الضغط الحالي على تكلفة خدمة الدين، بعيداً عن أدوات الاقتراض التقليدية المكلفة.

بينما يميل الخبير الاقتصادي المصري مدحت نافع إلى التحفظ على طرح الصكوك الضريبية، موضحاً أن جوهر الفكرة يبدو أقرب إلى تقديم إيرادات ضريبية مستقبلية للحصول على سيولة حالية منه إلى خلق مورد مالي جديد.

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «صحيح أنها قد توفر للحكومة سيولة في الأجل القصير وتفتح قناة تمويل إضافية، لكنها لا تعالج أصل المشكلة التمويلية، وقد تتحول عملياً إلى شكل من أشكال الاقتراض غير التقليدي إذا كانت الدولة ستدفع مقابلاً أو خصماً للممولين».

تفاصيل الطرح

وعن تفاصيل ذلك الطرح، أوضح وائل السيد، مدير عام ضرائب الدخل بقطاع البحوث الضريبية بمصلحة الضرائب، في تصريحات متلفزة، أن مدة الصكوك الضريبية تبلغ عاماً واحداً، مشيراً إلى أن الصكوك الضريبية تتمتع بالإعفاء من الخضوع للضريبة.

وكشف عن أن الصكوك الضريبية من المتوقع طرحها رسمياً خلال أسابيع قليلة جداً، مؤكداً أن وزارة المالية تستهدف إشراك المجتمع الضريبي في هذه الخطوة، من خلال إعلان الضوابط ومناقشتها مع الممولين، والاستماع إلى مقترحاتهم وآرائهم قبل تطبيقها بما يضمن توافق الضوابط مع احتياجاتهم، وأن تكون قابلة للتطبيق العملي بسهولة ويسر.

ومع ذلك، «يجب أن ننظر إلى هذه الأداة بواقعية اقتصادية؛ فالصكوك الضريبية تعني ببساطة تحصيل 'ضرائب المستقبل اليوم'، وهو ما يفرض تحدياً جوهرياً يتعلق بكيفية تعويض هذه الإيرادات في موازنات السنوات المقبلة»، وفق الخبير المصرفي محمد عبد العال.

ويرى عبد العال أن النجاح الحقيقي لهذه الأداة لا يقاس فقط بحجم السيولة التي ستوفرها الآن، بل بمدى قدرة الدولة على توجيه هذه الأموال نحو مشاريع استثمارية وإنتاجية تولد نمواً حقيقياً، وليس لتمويل مصاريف جارية، مؤكداً أننا أمام أداة مبتكرة، لكنها تتطلب حذراً شديداً وضمانات صارمة لضمان ألا تتحول إلى مجرد ترحيل للأعباء التمويلية.

وينبه الخبير الاقتصادي المصري مدحت نافع إلى أن جاذبية تلك الصكوك للممولين تقف على طبيعة المزايا المصاحبة لها، سواء في صورة عائد أو خصم أو حق في تسوية التزامات ضريبية مستقبلية. لكن كلما زادت هذه المزايا ارتفعت في المقابل التكلفة الحقيقية التي تتحملها الدولة.

وأضاف: «إذا كان الهدف هو سد فجوة تمويلية أو تمويل نفقات جارية، فإن الصكوك الضريبية قد تؤجل المشكلة أكثر مما تحلها، بل قد تنقل عبء التمويل من الحاضر إلى الموازنة في السنوات المقبلة»، مستطرداً: «أما إذا ارتبطت بإيرادات إضافية مؤكدة وبمشروعات تولد عائداً يفوق تكلفة التمويل، فقد يكون لها مبرر اقتصادي محدود، بشرط وجود سقوف واضحة وشفافية كاملة وعدم استخدامها وسيلةً للالتفاف على حدود الدين العام، فضلاً عن ذلك تتضمن الفكرة إشارات سلبية للممولين والمستثمرين على السواء».


«وول ستريت» تقترب من مستوى قياسي جديد

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (أ.ب)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (أ.ب)
TT

«وول ستريت» تقترب من مستوى قياسي جديد

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (أ.ب)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (أ.ب)

اقتربت «وول ستريت» من تسجيل مستوى قياسي جديد يوم الأربعاء، بعدما أعلنت عدة شركات في قطاع الذكاء الاصطناعي عن نمو فاق توقعات المحللين خلال فصل الربيع، في وقت أظهر فيه تقرير أن التضخم في الولايات المتحدة كان أقل حدة قليلاً خلال الشهر الماضي.

وارتفع مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.3 في المائة، متجهاً لتحقيق أول مكسب له منذ تسجيل أعلى مستوى قياسي له يوم الجمعة. كما ارتفع مؤشر «داو جونز» الصناعي 65 نقطة، أو 0.1 في المائة، بحلول الساعة 9:35 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، فيما صعد مؤشر «ناسداك» المركب 0.6 في المائة، وفق «وكالة أسوشييتد برس».

وقادت أسهم شركات تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي هذا الارتفاع، بعدما عززت تقارير الأرباح القوية الآمال في قدرة هذه الشركات على مواصلة تحقيق نمو كبير بما يكفي لتبرير المكاسب الهائلة التي سجلتها أسعار أسهمها.

وقفز سهم شركة «سوبر مايكرو كومبيوتر»، المتخصصة في بيع الخوادم وغيرها من المعدات، بنسبة 13.7 في المائة، بعدما أعلنت عن أرباح للسهم في الربع الأخير تجاوزت توقعات المحللين بنسبة 84 في المائة. كما قدمت الشركة توقعات للأرباح والإيرادات المستقبلية جاءت أعلى من تقديرات المحللين.

وارتفع سهم شركة «كور ويف»، التي توفر لعملائها قدرات الحوسبة اللازمة لتطبيقات الذكاء الاصطناعي عبر خدمات الحوسبة السحابية، بنسبة 20.3 في المائة، بعدما سجلت إيرادات فاقت التوقعات في الربع الأخير، إلى جانب خسارة أقل من المتوقع.

وقال الرئيس التنفيذي للشركة، مايكل إنتراتور، إن الطلب من العملاء يتزايد مع توسع الشركات الكبرى في اعتماد تقنيات الذكاء الاصطناعي.

وتتيح شركة «كور ويف» لعملائها الوصول إلى رقائق الذكاء الاصطناعي التي تنتجها شركة «إنفيديا»، التي ارتفع سهمها بنسبة 2 في المائة، لتكون صاحبة أكبر مساهمة في مكاسب مؤشر «ستاندرد آند بورز 500».

ويمثل هذا الارتفاع عودة قوية لأسهم الذكاء الاصطناعي، التي شهدت تقلبات حادة خلال الأشهر الماضية. فبعد تسجيلها مستويات قياسية، تعرضت هذه الأسهم لضغوط بفعل مخاوف من ارتفاع تقييماتها بشكل مفرط. وكان المستثمرون يتطلعون إلى أدلة تثبت أن الشركات الكبرى التي تنفق بكثافة على الذكاء الاصطناعي تحقق عوائد كافية على استثماراتها لتبرير هذه الإنفاقات، وهو ما قد يدعم استمرار الطلب على الرقائق والمكونات الأساسية اللازمة لمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي.

كما تلقت «وول ستريت» دعماً من انخفاض عوائد السندات، التي تراجعت بعد أن أظهر تقرير أن المستهلكين الأميركيين دفعوا خلال الشهر الماضي أسعاراً للبنزين والمواد الغذائية وتكاليف المعيشة الأخرى أعلى بنسبة 3.4 في المائة مقارنة بالعام السابق.

ورغم أن هذا المستوى من التضخم لا يزال أعلى مما يرغب فيه صناع السياسات، فإنه يمثل تحسناً طفيفاً مقارنة بمعدل 3.5 في المائة المسجل في يونيو (حزيران).

وقد يمنح هذا التباطؤ مجلس الاحتياطي الفيدرالي مزيداً من المرونة لتأجيل رفع أسعار الفائدة. ومن شأن رفع الفائدة أن يساعد في كبح التضخم، لكنه في المقابل يزيد تكلفة الاقتراض على الأسر والشركات الأميركية، ما قد يؤدي إلى تباطؤ الاقتصاد. كما أن ارتفاع أسعار الفائدة يضغط على أسعار الأسهم والاستثمارات الأخرى.

وانقسم مسؤولو مجلس الاحتياطي الفيدرالي بشكل ملحوظ بشأن ما إذا كان ينبغي البدء في رفع أسعار الفائدة. إلا أن بيانات التضخم الصادرة يوم الأربعاء دفعت المتداولين إلى تقليص رهاناتهم على رفع سعر الفائدة الرئيسي في اجتماع المجلس المقبل في سبتمبر (أيلول).

وأظهرت بيانات مجموعة «سي إم إي» أن المتداولين يرجحون الآن بنسبة 36 في المائة فقط رفع الفائدة، وهي نسبة أقل بكثير من الاحتمالات السائدة في اليوم السابق. وساهم ذلك في خفض عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات إلى 4.65 في المائة، مقارنة بـ4.70 في المائة في ختام تعاملات الثلاثاء.

ومع ذلك، لا يزال العائد أعلى بكثير من مستواه البالغ 3.97 في المائة قبل الحرب مع إيران، التي أدت إلى ارتفاع أسعار النفط وزيادة المخاوف بشأن التضخم.

وتراجعت أسعار النفط قليلاً يوم الأربعاء، إذ انخفض سعر خام برنت بنسبة 0.5 في المائة إلى 88.48 دولار للبرميل.

وفي أسواق الأسهم العالمية، تباين أداء المؤشرات في أوروبا وآسيا.

وقفز مؤشر «كوسبي» الكوري الجنوبي بنسبة 3.7 في المائة، مسجلاً أحد أكبر المكاسب في العالم. وكان المؤشر محوراً للتقلبات الحادة في أسهم شركات الذكاء الاصطناعي، في ظل الوزن الكبير لعملاقي التكنولوجيا «سامسونغ إلكترونيكس» و«إس كيه هاينكس» ضمن مكوناته.