«صندوق النقد» يتوقع نمواً اقتصادياً ثابتاً لدول الخليج بنحو 1% في 2025 و2026

أزعور: التطورات الجيوسياسية هي التحدي الأكبر أمام دول المنطقة

من اليمين: أزعور والكيشي والحمالي والخلف والصحافية في قناة «الشرق» نور عماشة (تصوير: تركي العقيلي)
من اليمين: أزعور والكيشي والحمالي والخلف والصحافية في قناة «الشرق» نور عماشة (تصوير: تركي العقيلي)
TT

«صندوق النقد» يتوقع نمواً اقتصادياً ثابتاً لدول الخليج بنحو 1% في 2025 و2026

من اليمين: أزعور والكيشي والحمالي والخلف والصحافية في قناة «الشرق» نور عماشة (تصوير: تركي العقيلي)
من اليمين: أزعور والكيشي والحمالي والخلف والصحافية في قناة «الشرق» نور عماشة (تصوير: تركي العقيلي)

في ظل مشهد اقتصادي عالمي وإقليمي يكتنفه عدم اليقين، توقع صندوق النقد الدولي أن تسجل دول مجلس التعاون الخليجي نمواً اقتصادياً ثابتاً بنحو 1 في المائة سنوياً في عامي 2025 و2026، مدفوعاً بجهودها الحثيثة في تنويع اقتصاداتها وتقليص الاعتماد على النفط.

جاء ذلك خلال جلسة نقاش في الرياض، حيث ألقى الدكتور جهاد أزعور، مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في الصندوق، الضوء على الآفاق الاقتصادية للمنطقة.

وأشار أزعور إلى أنه على الرغم من الضبابية السائدة، يتوقع أن تتعافى الاقتصادات بشكل عام في معظم دول المنطقة هذا العام. وأضاف أن «انتعاش النمو سيكون أقوى في الدول المصدرة للنفط، وخاصة دول مجلس التعاون الخليجي حيث نتوقع زيادة بنحو 1 في المائة هذا العام و1 في المائة أخرى في عام 2026».

وأوضح أن دول الخليج استفادت بشكل كبير من تنويع اقتصاداتها، ما ساعدها في الحفاظ على معدلات نمو مستدامة تتراوح بين 3 في المائة و5 في المائة على مدى السنوات الثلاث إلى الأربع الماضية. وقال: «الإصلاحات والتسارع في خطط التحول ساهمت في تحقيق هذا النمو، رغم اتفاقيات (أوبك بلس) لخفض الصادرات النفطية، مما جعل تأثيرات الاضطرابات الإقليمية أقل وضوحاً على هذه الدول».

تأتي هذه التوقعات الإيجابية لدول الخليج رغم خفض صندوق النقد الدولي لتوقعات نمو الاقتصادات النفطية بالمنطقة مطلع الشهر الحالي إلى 2.3 في المائة لعام 2025، أي أقل بـ1.7 نقطة مئوية عن تقديراته السابقة في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، وذلك بسبب تصاعد التوترات التجارية عالمياً وتراجع أسعار الطاقة.

وقلل أزعور من التأثير المتوقع للرسوم الجمركية التي فرضتها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، مشيراً إلى أن التأثير سيكون محدوداً في معظم الدول، حيث ستبلغ الرسوم الجمركية نحو 10 في المائة فقط، والتجارة مع الولايات المتحدة محدودة، مع استثناء النفط والغاز من الرسوم، مما يقلص الأثر المباشر.

تحديات الدول غير النفطية

على النقيض، أكد أزعور أن الدول غير النفطية في المنطقة لا تزال تتأثر بشكل كبير بالتطورات الجيوسياسية وارتفاع أسعار الفائدة. وأشار إلى أن المنطقة شهدت خلال الأشهر الـ18 الماضية صدمات متتالية أثرت بشكل مباشر على دول مثل لبنان وسوريا والضفة الغربية وقطاع غزة، مما أدى إلى خسائر كبيرة في الناتج المحلي تجاوزت 50 في المائة إلى 60 في المائة.

ولم تقتصر هذه الآثار على مناطق الصراع، بل امتدت لتطال دول الجوار مثل الأردن ومصر. فمصر، على سبيل المثال، فقدت نحو 7 مليارات دولار من إيرادات قناة السويس في أقل من عام، بينما تراجعت الإيرادات السياحية وفرص العمل في الأردن نتيجة تزايد الضبابية.

كما لفت إلى أن بعض الدول العربية، مثل لبنان والأردن والمغرب، معرّضة بشكل كبير لعوامل خارجية مثل تحويلات المغتربين والسياحة والاستثمار، مما يجعلها عرضة للتأثر بشكل غير مباشر.

وأشار إلى أن التقلبات في الأسواق المالية العالمية أثرت على المنطقة، مع ارتفاع في مستويات المخاطر مقارنةً بالأسواق الناشئة الأخرى، واتساع فوارق العوائد.

ورأى أزعور أن الدول غير النفطية ستسجل تحسناً مقارنةً بالعام الماضي، لكن هذا النمو سيكون أقل من التوقعات التي كانت قبل ستة أشهر، مما يشير إلى تأثير الضبابية على آفاق التعافي في 2025 و2026.

وأشار إلى أن الدول المستوردة للنفط التي تواجه مستويات مرتفعة من الدين يجب أن تراقب أسعار الفائدة، رغم تحسن أوضاعها المالية مؤخراً، مبيناً أن «الفائدة الفعلية تضاعفت مقارنة بما كانت عليه قبل 10 سنوات، ما يفرض عبئاً إضافياً على هذه الدول، خصوصاً ذات الاحتياجات التمويلية المرتفعة، في ظل مخاطر وتوترات الأسواق».

وأكد أزعور أن عام 2025 يمثل نقطة انطلاق لنقاشات مهمة في ظل المخاطر المتزايدة، التي تشمل التوترات التجارية وعدم اليقين السياسي، بالإضافة إلى المخاطر الإقليمية المتمثلة في تصاعد الصراعات التي قد تضر بالثقة وتؤثر سلباً على الاقتصادات. وأكد أن نجاح المرحلة المقبلة مرهون بقدرة المنطقة على تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية التي أثبتت فعاليتها، محذراً من أن أي تباطؤ في زخم الإصلاحات سيؤثر سلباً على الآفاق الاقتصادية.

وأكد أزعور أن المنطقة في مرحلة «تحول» تتطلب سياسات هيكلية قوية، وإدارة حكيمة للسياسات المالية والنقدية، وتعزيز المؤسسات، وبناء الاحتياطيات لتعزيز الصمود في وجه الصدمات.

نموذج السعودية

من جانبه، قال نائب وزير المالية السعودي، عبد المحسن الخلف، إن ظروف عدم اليقين تُبرز أهمية قيام دول المنطقة بإجراء إصلاحات هيكلية لتعزيز المرونة الاقتصادية ودعم الانتعاش الاقتصادي، موضحاً أن المملكة اعتمدت العديد من الإصلاحات الهيكلية وطوّرت إطاراً مالياً قوياً يُساعد في مواجهة الصدمات الخارجية دون المساس بخطط التنمية أو الاستدامة المالية.

نائب وزير المالية السعودي عبد المحسن الخلف يتحدث في جلسة النقاش (تصوير: تركي العقيلي)

وأشار إلى أن المملكة تنتهج استراتيجية طويلة الأجل لتحويل الاقتصاد. وقد عززت هذه الإصلاحات مرونة الاقتصاد السعودي ووفرت مجموعة واسعة من خيارات السياسات للتعامل مع الصدمات المحتملة.

وأضاف أن تشديد الأوضاع المالية العالمية، وتزايد التشرذم الاقتصادي، واستمرار تقلب أسعار السلع الأساسية، قد أدى إلى احتلال السياسة المالية مركز الصدارة في تشكيل الاستجابة الاقتصادية العالمية والإقليمية.

وأشار إلى أن هذه الظروف تتطلب من الحكومات اتباع نهج يتسم بالحكمة المالية، والاستجابة السريعة، والإصلاحات الهيكلية، والاستثمار في القطاعات الاستراتيجية، ودعم القطاع الخاص.

القطاع المصرفي ورياح عدم اليقين

وفي سياق متصل، تحدث الرئيس التنفيذي لـ«دويتشيه بنك» في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، جمال الكيشي، عن تأثر القطاع المصرفي العالمي بحالة عدم اليقين السائدة. وأوضح أن هذه الحالة تزيد من المخاطر المتعلقة بالقروض، وتخفض من مستوى الاستثمار، وترفع من تكلفة التمويل. كما أشار إلى أن تخوف البنوك المركزية الكبرى من ارتفاع معدلات التضخم يدفعها للإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة، وهو ما يؤثر بدوره على القطاع المصرفي ويزيد من الضغوط عليه.

الاستثمار الجريء

وفي إشارة إلى الفرص الواعدة، أكد الرئيس التنفيذي في شركة «صندوق الصناديق (جدا)»، بندر الحمالي، أهمية الاستثمار في القطاعات الأكثر نمواً. وأفاد بأن السعودية قد حققت المرتبة الأولى بين دول المنطقة في تمويل رأس المال الجريء، مما يعكس البيئة الداعمة للابتكار وريادة الأعمال في المملكة.

وبلغت قيمة الاستثمارات في هذا القطاع 2.8 مليار ريال سعودي (750 مليون دولار) في عام 2024، مما يجعل السعودية الوجهة الأولى للاستثمار الجريء في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وهو ما يؤكد جاذبية السوق السعودية للمستثمرين في قطاع التكنولوجيا والشركات الناشئة، ويعزز مكانة المملكة مركزاً إقليمياً للابتكار والنمو الاقتصادي المستقبلي.


مقالات ذات صلة

صندوق النقد الدولي: منطقة الشرق الأوسط تعيش لحظة اقتصادية فارقة

الاقتصاد أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)

صندوق النقد الدولي: منطقة الشرق الأوسط تعيش لحظة اقتصادية فارقة

أكد صندوق النقد الدولي أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وباكستان تعيش لحظة فارقة وصعبة في تاريخها الاقتصادي المعاصر.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد الجدعان متحدثاً في اجتماع وزراء ومحافظي منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكستان (صندوق النقد الدولي)

الجدعان: الإصلاحات الهيكلية عزَّزت استقرار السعودية في وجه الصدمات

أكَّد وزير المالية السعودي، محمد الجدعان، أن المملكة نجحت في الحفاظ على استقرارها الاقتصادي واستمرارية أنشطتها خلال الأزمات الراهنة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شمال افريقيا وزير الخارجية المصري يلتقي رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الأميركي (الخارجية المصرية)

محادثات مصرية مستمرة في واشنطن لدعم التهدئة وتعزيز الشراكة

تتواصل محادثات وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، في واشنطن، حول ملفات عديدة بينها تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين البلدين وتوترات المنطقة.

محمد محمود (القاهرة)
الاقتصاد كريستالينا غورغييفا في مؤتمرها الصحافي خلال اجتماعات الربيع في واشنطن (إ.ب.أ)

صندوق النقد الدولي لا يناقش زيادة برنامج القروض لمصر

قالت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا، الأربعاء، إن الصندوق لا يناقش حالياً زيادة برنامج القروض المقدم لمصر.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد سفينة في مضيق هرمز قبالة سواحل محافظة مسندم العمانية (رويترز)

وزراء مالية يطلقون من واشنطن تحذيراً: الصراع يهدد الاقتصاد العالمي

دعا وزراء مالية من نحو 12 دولة، بقيادة بريطانيا، كلاً من الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، يوم الأربعاء، إلى التنفيذ الكامل لاتفاق وقف إطلاق النار.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

صندوق النقد الدولي: منطقة الشرق الأوسط تعيش لحظة اقتصادية فارقة

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
TT

صندوق النقد الدولي: منطقة الشرق الأوسط تعيش لحظة اقتصادية فارقة

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)

أكد صندوق النقد الدولي أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وباكستان تعيش لحظة فارقة وصعبة في تاريخها الاقتصادي المعاصر، إثر الحرب التي اندلعت في فبراير (شباط) 2026، موضحاً أن هذا النزاع لم يمثل مجرد أزمة حدودية، بل تحول إلى زلزال ضرب قلب الممرات الاقتصادية الاستراتيجية، مخلفاً صدمة طاقة عالمية وشللاً في سلاسل الإمداد. وفي خضم هذه التحديات، برز اقتصاد السعودية بوصفه نموذجاً للصمود؛ حيث أظهر «متانة استثنائية» مكنته من امتصاص تداعيات إغلاق مضيق هرمز وتراجع الإنتاج الإقليمي، بفضل ركائز «رؤية 2030» التي عززت السياسات المالية القوية والقدرة اللوجيستية على التكيف مع أعنف المتغيرات الجيوسياسية.

وصف مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، الدكتور جهاد أزعور، خلال عرضه لتحديث «تقرير آفاق الاقتصاد الإقليمي» في واشنطن، على هامش اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين، الحرب الحالية بأنها تعيد رسم خريطة النمو الإقليمي بنسب لم تشهدها الأسواق منذ عقود، حيث أدى توقف الملاحة في مضيق هرمز إلى تعطل تدفق 21 مليون برميل نفط يومياً، ما دفع بأسعار خام برنت لتجاوز حاجز 100 دولار. ولم تقف الصدمة عند النفط، بل طالت إمدادات الغاز الطبيعي، حيث قفزت أسعاره في أوروبا بنسبة 40 في المائة، متخطية المستويات القياسية التي سجلتها إبان أزمة أوكرانيا عام 2022، مما وضع أمن الطاقة العالمي في مهب الريح.

وقال إن اضطرابات الطاقة الناجمة عن الحرب الإيرانية ستؤثر بشدة على اقتصادات الدول الخليجية المصدرة للنفط والغاز، بينما تواجه الدول المستوردة للنفط في الشرق الأوسط، مثل مصر والأردن، صدمات من ارتفاع أسعار السلع الأساسية واحتمال انخفاض دخل تحويلات العاملين في دول الخليج.

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (رويترز)

وبشكل عام، من المتوقع أن تشهد منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تباطؤاً ملحوظاً في النمو هذا العام، حيث يُتوقع أن يبلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي 1.1 في المائة، أي أقل بنسبة 2.8 نقطة مئوية من التوقعات قبل الحرب، قبل أن تشهد انتعاشاً في عام 2027، وفقاً لأحدث تقرير للتوقعات الإقليمية الصادر عن صندوق النقد الدولي.

قال أزعور: «إنها ليست مجرد قصة نفط وغاز، بل هي أيضاً تأثير هذه الحرب على جميع المنتجات الأخرى التي تُنتج في المنطقة، والتي تتمتع فيها المنطقة بموقع استراتيجي»، بما في ذلك صادرات الأسمدة والعديد من المنتجات الكيميائية وغيرها من المنتجات المتخصصة التي تجعلها ممراً اقتصادياً استراتيجياً عالمياً. وحذر من أن ارتفاع تكاليف الغذاء بات يهدد الفئات الضعيفة في الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا بشكل مباشر، خصوصاً مع تأثر الصادرات الخليجية الحيوية؛ حيث تورد دول المنطقة 40 في المائة من صادرات الكبريت و20 في المائة من أسمدة النيتروجين عالمياً. وأشار إلى أن أي اضطراب طويل الأمد في هذه الإمدادات يعني تهديداً مباشراً للمواسم الزراعية العالمية والقدرة الشرائية لملايين البشر.

وأضاف: «علاوة على ذلك، أثر الصراع على القطاع غير النفطي، حيث تتمتع دول مجلس التعاون الخليجي بموقع استراتيجي عالمي، لا سيما في مجال الطيران والخدمات اللوجيستية».

وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن بعض الدول المستوردة للنفط في المنطقة تعتمد اعتماداً كبيراً على اقتصادات الخليج في استيراد الطاقة والتدفقات المالية، مما يجعلها عرضة للخطر في حال اشتدت الحرب أو طالت مدتها.

تجربة السعودية

أكد أزعور أن أحد أبرز الدروس القاسية والملهمة التي استخلصها الاقتصاد العالمي من الحرب وإغلاق مضيق هرمز، يكمن في ضرورة «تنويع طرق التجارة» بوصفها ضمانة وجودية لاستمرار تدفق السلع والطاقة.

وفي هذا السياق، اعتبر أزعور أن النهج الذي سلكته السعودية ضمن رؤيتها الاستراتيجية لم يكن مجرد تطوير للبنية التحتية، بل كان إعادة رسم شاملة لخريطة العبور اللوجيستي؛ حيث نجحت المملكة من خلال تطوير الموانئ البديلة على البحر الأحمر، وتوسيع شبكات الربط البري والسككي، في تقليل حالة «الهشاشة» التقليدية الناتجة عن الارتباط بممر مائي واحد وضيق.

ويرى أزعور أن هذه «الرشاقة السيادية» في خلق مسارات تجارية موازية هي التي مكنت التجارة السعودية من الاستمرار بفاعلية رغم الشلل الذي أصاب ممرات إقليمية أخرى، مما حول المملكة إلى نموذج عالمي في كيفية حماية الأمن الاقتصادي عبر فك الارتباط بالممرات البحرية القابلة للتعطل الجيوسياسي، وضمان وصول الإمدادات الحيوية إلى الأسواق المحلية والدولية دون انقطاع، وهو ما يجسد نجاح المرحلة الثانية من الرؤية في تحصين الاقتصاد الوطني ضد أعنف الصدمات الجيوسياسية.

مصر

وقال أزعور إن الإصلاحات الاقتصادية التي نفذتها مصر وتعزيزها لهوامش الأمان يمكّنان البلاد من التعامل بشكل أفضل مع الصدمات الخارجية.

وأضاف: «لقد سمحوا لسعر الصرف بأن يكون أكثر مرونة، لامتصاص أي صدمة خارجية، كما أنهم قاموا بزيادة وبناء مستوى مرتفع من الاحتياطيات بما يتيح لهم توفير مزيد من الطمأنينة للسوق».

تفاوت إقليمي

رصد التقرير تفاوتاً حاداً في القدرة على امتصاص الصدمة؛ فبينما واجهت قطر خفضاً تاريخياً في توقعات النمو بواقع 15 نقطة مئوية نتيجة تضرر بنيتها التحتية للغاز، أظهرت سلطنة عُمان صموداً بفضل موقعها الجغرافي. وعلى صعيد آخر، تزايدت الضغوط التمويلية على مصر وباكستان والأردن نتيجة ارتفاع الفوارق السيادية، مما دفع أزعور للتأكيد على جاهزية الصندوق لتقديم الدعم الفني والمالي لمواكبة متطلبات المرحلة المقبلة.

وقال أزعور: «إذا شهدنا انتعاشاً في إنتاج النفط، وفتحاً كاملاً لمضيق هرمز، فسيعني ذلك أن الدول ستزيد إنتاجها بسرعة كبيرة. كما أن مستوى أسعار النفط، المتوقع أن يبقى مرتفعاً مقارنةً بمستويات ما قبل عام 2026، سيمكن الدول المنتجة للنفط من استعادة بعض المكاسب التي تتكبدها حالياً بسبب الأزمة».


ويليامز: الحرب تعزز ضغوط التضخم و«الفيدرالي» في موقع يسمح له بالاستجابة

جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
TT

ويليامز: الحرب تعزز ضغوط التضخم و«الفيدرالي» في موقع يسمح له بالاستجابة

جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)

قال جون ويليامز، رئيس «بنك الاحتياطي الفيدرالي» في نيويورك، الخميس، إن الحرب الدائرة في الشرق الأوسط تؤدي بالفعل إلى زيادة ضغوط التضخم، في وقت أكد فيه أن «البنك المركزي الأميركي» في موقع يسمح له بالاستجابة للتطورات الاقتصادية المحتملة.

وأوضح ويليامز، في كلمة ألقاها أمام ندوة أعضاء «بنك الإقراض العقاري الفيدرالي» في نيويورك لعام 2026، أن «التطورات في الشرق الأوسط تؤدي إلى ارتفاعات كبيرة في أسعار الطاقة؛ مما ينعكس بالفعل في زيادة التضخم العام»، وفق «رويترز».

وأضاف أنه في حال انتهاء الاضطرابات سريعاً، فإن من المرجح أن تتراجع أسعار الطاقة، «إلا إن استمرار الصراع مدة أطول قد يؤدي إلى صدمة عرض كبيرة، تدفع التضخم إلى الارتفاع عبر زيادة تكاليف السلع الوسيطة والأسعار النهائية، وفي الوقت نفسه تُضعف النشاط الاقتصادي».

وحذّر ويليامز بأن هذه العملية «بدأت بالفعل»، مشيراً إلى مؤشرات متصاعدة على اضطرابات في سلاسل الإمداد، وإلى أن ارتفاع تكاليف الوقود بدأ ينعكس على أسعار تذاكر الطيران والمواد الغذائية والأسمدة وغيرها من السلع الاستهلاكية.

ورغم هذه الضغوط، فإن ويليامز جدّد تأكيده على «الالتزام الراسخ» بإعادة التضخم إلى مستهدفه البالغ اثنين في المائة. وقال إنه في ظل «ظروف استثنائية»، فإن السياسة النقدية الحالية في وضع جيد يسمح بالموازنة بين مخاطر تحقيق أقصى قدر من التوظيف والحفاظ على استقرار الأسعار، من دون تقديم توجيهات واضحة بشأن الخطوة المقبلة لأسعار الفائدة.

وتتسق تصريحاته مع نهج «الترقب والانتظار» الذي يتبناه مسؤولو «الاحتياطي الفيدرالي» في تقييم تأثير الحرب وارتفاع أسعار الطاقة على الاقتصاد. وكان «البنك المركزي» قد أبقى سعر الفائدة دون تغيير في اجتماعه بمنتصف مارس (آذار) الماضي عند نطاق يتراوح بين 3.5 و3.75 في المائة، مع توقعات بخفض إضافي خلال العام الحالي. ومن المقرر أن يعقد اجتماعه المقبل يومي 28 و29 أبريل (نيسان) الحالي، دون توقعات بتغيير فوري في السياسة النقدية.

وفي الأيام الأخيرة، تجنب مسؤولو «الفيدرالي» تقديم إشارات واضحة بشأن مسار الفائدة على المدى القريب، رغم أن بيث هاماك، رئيسة «بنك الاحتياطي الفيدرالي» في كليفلاند، أشارت في مقابلة مع «سي إن بي سي» إلى احتمال تحرك السياسة في أي اتجاه؛ سواء بالخفض والرفع، تبعاً لتطورات الاقتصاد.

وأشار ويليامز إلى أن الصدمة النفطية الناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط، التي اندلعت بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة؛ وإيران من جهة، أسهمت في رفع التضخم العام، الذي كان أصلاً عند مستويات مرتفعة نتيجة الزيادات الكبيرة في الرسوم الجمركية المفروضة على الواردات.

ويترقب مسؤولو «الفيدرالي» ما إذا كانت هذه الضغوط السعرية ستستمر، وما إذا كانت ستنعكس على التضخم الأساسي، في ظل مخاوف من سيناريو معقد يجمع بين ارتفاع التضخم وضعف النشاط الاقتصادي؛ مما يضع «البنك المركزي» أمام معادلة صعبة: إما تشديد السياسة النقدية، وإما تخفيفها.

وتوقع ويليامز أن يرتفع معدل التضخم إلى ما بين 2.75 و3 في المائة خلال العام الحالي، قبل أن يتراجع تدريجياً ليصل إلى هدف اثنين في المائة بحلول عام 2027. كما رجّح أن يتراوح معدل البطالة بين 4.25 و4.5 في المائة هذا العام، مع نمو اقتصادي بين اثنين و2.5 في المائة.


تراجع «غير متوقع» للإنتاج الصناعي الأميركي في مارس

يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
TT

تراجع «غير متوقع» للإنتاج الصناعي الأميركي في مارس

يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)

سجّل الإنتاج الصناعي في الولايات المتحدة انخفاضاً غير متوقع خلال شهر مارس (آذار)، منهياً بذلك شهرين متتاليين من المكاسب القوية، ومتأثراً بشكل رئيسي بتراجع إنتاج السيارات وعدد من السلع الأخرى.

وأعلن مجلس «الاحتياطي الفيدرالي»، يوم الخميس، أن الإنتاج الصناعي تراجع بنسبة 0.1 في المائة في مارس، بعد تعديل بيانات فبراير (شباط) لتُظهر ارتفاعاً أقوى بلغ 0.4 في المائة. وكان اقتصاديون استطلعت «رويترز» آراءهم قد توقعوا ارتفاعاً بنسبة 0.1 في المائة في مارس، بعد زيادة سابقة قدرها 0.2 في المائة في فبراير.

وعلى أساس سنوي، ارتفع الإنتاج الصناعي بنسبة 0.5 في المائة في مارس، فيما سجل نمواً بمعدل سنوي بلغ 3 في المائة خلال الربع الأول، متعافياً من انخفاض نسبته 3.2 في المائة في الربع الرابع. ويأتي هذا الأداء في وقت يُظهر فيه قطاع التصنيع، الذي يمثل نحو 10.1 في المائة من الاقتصاد الأميركي، مؤشرات تعافٍ تدريجي بعد الضغوط التي تعرض لها نتيجة الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس دونالد ترمب على الواردات.

غير أن تصاعد التوترات المرتبطة بالحرب الأميركية-الإسرائيلية مع إيران ساهم في دفع أسعار النفط إلى الارتفاع بأكثر من 35 في المائة، ما قد يضيف مزيداً من الضغوط على وتيرة التعافي الاقتصادي. وفي هذا السياق، أشار تقرير «الكتاب البيج» الصادر عن «الاحتياطي الفيدرالي»، يوم الأربعاء، إلى أن الصراع يُعد «مصدراً رئيسياً لعدم اليقين، بما يعقّد قرارات التوظيف والتسعير والاستثمار الرأسمالي»، حيث تبنّت العديد من الشركات نهج «الترقب والانتظار».

وسجّل إنتاج السيارات انخفاضاً حاداً بنسبة 3.7 في المائة، بعد ارتفاعه بنسبة 2.6 في المائة في فبراير، فيما تراجع إنتاج المعادن الأساسية والآلات، إضافة إلى الأثاث والمنتجات ذات الصلة. كما انخفض إنتاج السلع المعمرة بنسبة 0.2 في المائة، في حين تراجع إنتاج السلع غير المعمرة بنسبة 0.1 في المائة، رغم ارتفاع إنتاج البترول والفحم ومنتجات البلاستيك والمطاط.

وفي قطاع التعدين، انخفض الإنتاج بنسبة 1.2 في المائة بعد أن كان قد ارتفع بنسبة 2.1 في المائة في فبراير، بينما تراجع إنتاج الطاقة بنسبة 1.6 في المائة مع انخفاض أنشطة حفر آبار النفط والغاز بنسبة 2.4 في المائة.

وأشار «الكتاب البيج» كذلك إلى أنه رغم تسجيل نشاط طفيف في قطاع الطاقة مطلع أبريل (نيسان)، فإن العديد من المنتجين ما زالوا متحفظين حيال توسيع عمليات الحفر، في ظل استمرار حالة عدم اليقين بشأن استدامة ارتفاع الأسعار.

أما إنتاج المرافق العامة فقد تراجع بنسبة 2.3 في المائة نتيجة انخفاض الطلب على التدفئة، بعد أن كان قد ارتفع بنسبة 1.8 في المائة في فبراير. وبذلك، انخفض الإنتاج الصناعي الإجمالي بنسبة 0.5 في المائة بعد أن تم تعديل بيانات فبراير لتُظهر ارتفاعاً إلى 0.7 في المائة، مقارنة بتقدير سابق بلغ 0.2 في المائة.

وعلى أساس سنوي، ارتفع الإنتاج الصناعي بنسبة 0.7 في المائة في مارس، وسجل نمواً قدره 2.4 في المائة خلال الربع الأول. في المقابل، تراجع معدل استغلال الطاقة الإنتاجية في القطاع الصناعي، وهو مؤشر يعكس مدى استخدام الشركات لمواردها، إلى 75.7 في المائة مقارنة بـ76.1 في المائة في فبراير، ليظل أقل بنحو 3.7 نقاط مئوية من متوسطه طويل الأجل للفترة 1972–2025.

كما انخفض معدل التشغيل في قطاع التصنيع بمقدار 0.2 نقطة مئوية ليصل إلى 75.3 في المائة، وهو أقل بنحو 2.9 نقطة مئوية من متوسطه التاريخي على المدى الطويل.