من الميكروويف إلى دمى باربي... ما السلع الصينية التي يعتمد عليها الأميركيون؟

دمى باربي معروضة للبيع في متجر ألعاب «فاو شوارتز» بمدينة نيويورك (أ.ف.ب)
دمى باربي معروضة للبيع في متجر ألعاب «فاو شوارتز» بمدينة نيويورك (أ.ف.ب)
TT

من الميكروويف إلى دمى باربي... ما السلع الصينية التي يعتمد عليها الأميركيون؟

دمى باربي معروضة للبيع في متجر ألعاب «فاو شوارتز» بمدينة نيويورك (أ.ف.ب)
دمى باربي معروضة للبيع في متجر ألعاب «فاو شوارتز» بمدينة نيويورك (أ.ف.ب)

استثنى الرئيس الأميركي دونالد ترمب الهواتف الذكية وأجهزة الكمبيوتر المحمولة وغيرها من الأجهزة الإلكترونية الاستهلاكية من رسومه الجمركية «المتبادلة»، لكن 46 من أصل 50 سلعة تعتمد الولايات المتحدة فيها بشكل كبير على الصين لا تزال خاضعة للرسوم.

يُظهر تحليل السلع التي تزيد قيمتها الإجمالية عن مليار دولار التأثير المحتمل للإجراءات الجديدة على المستهلكين الأميركيين، وفق صحيفة «فاينانشيال تايمز».

هواتف «أيفون 16» من «أبل» معروضة خلال حفل الإطلاق في متجر «أبل» بنيويورك (أ.ف.ب)

صُنع أكثر من ثلاثة أرباع أجهزة ألعاب الفيديو وأجهزة معالجة الطعام والمراوح الكهربائية المستوردة إلى الولايات المتحدة العام الماضي في الصين. وسيضطر أي شخص يرغب في شراء الألعاب إلى مواجهة ارتفاع الأسعار. فقد صنّعت الصين 75 في المائة من الدمى والدراجات ثلاثية العجلات والدراجات البخارية وغيرها من الألعاب ذات العجلات التي سُلّمت إلى المستهلكين الأميركيين من الخارج العام الماضي.

وحذرت شركة «ماتيل»، صانعة الألعاب وراء دمية باربي، من أنها قد ترفع أسعارها في الولايات المتحدة لتعويض تأثير الرسوم - وكان ذلك قبل تصعيد ترمب الأخير في حرب الرسوم الجمركية المتبادلة. وقالت الشركة التي يقع مقرها في ولاية كاليفورنيا، والتي تصنع أيضاً سيارات «هوت ويلز» ولعبة الورق «أونو»، إن 40 في المائة من منتجاتها يتم تصنيعها في الصين.

فوز لشركات التكنولوجيا

يأتي قرار إدارة ترمب بإعفاء الهواتف الذكية وأجهزة التوجيه ومعدات تصنيع الرقائق وبعض أجهزة الكمبيوتر وأجهزة الكمبيوتر المحمولة مما يسمى الرسوم الجمركية المتبادلة على الصين بعد أسبوع من الاضطرابات في الأسواق الأميركية. ويُعد هذا الاستثناء فوزاً كبيراً لشركات التكنولوجيا الأميركية مثل «أبل» و«إنفيديا» و«مايكروسوفت»، والتي شهدت جميعها انخفاضاً في أسعار أسهمها الأسبوع الماضي.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب في ميامي لمشاهدة بطولة القتال النهائي في مركز كاسيا (أ.ف.ب)

وكانت أجهزة الكمبيوتر المحمولة والهواتف الذكية أعلى واردات من الصين من حيث القيمة العام الماضي، بقيمة إجمالية بلغت 74 مليار دولار. وسترحب «أبل» بالإعفاء بشكل خاص لأن الجزء الأكبر من سلسلة التوريد الخاصة بها يتركز في الصين.

لكن رسوم ترمب الجمركية لا تزال مصدر قلق للمتسوقين الذين يأملون في شراء سلع لا تزال خاضعة للرسوم البالغة 125 في المائة.

وقال تشاد باون، الزميل البارز في معهد «بيترسون» للاقتصاد الدولي، إن سرعة ونطاق الإجراءات يعنيان أن التكاليف من المرجح أن تنتقل إلى المستهلكين. وأوضح أن الرسوم الجمركية على الصين فُرضت «بمستويات أعلى بكثير، وبسرعة أكبر بكثير، وعلى العديد من المنتجات الاستهلاكية الجديدة» التي لم تتأثر خلال ولاية ترمب الأولى.

وقال: «هناك احتمال أكبر بكثير لارتفاعات كبيرة في أسعار المستهلكين الذين يشترون هذه الأنواع من المنتجات اليوم».

تعني هذه الرسوم أن البقاء بارداً خلال أشهر الصيف قد يكون مكلفاً للأميركيين غير المستعدين مسبقاً - تسعة من كل 10 مراوح كهربائية تم شراؤها من الخارج في الولايات المتحدة العام الماضي جاءت من الصين، وكذلك 40 في المائة من وحدات تكييف الهواء ذاتية الاحتواء. وتهيمن الصين على سوق التصدير العالمي لكليهما.

كذلك، سيواجه الأميركيون الذين يفكرون في شراء «ميكروويف» جديد أيضاً زيادات محتملة في الأسعار؛ لأن 90 في المائة من تلك المستوردة بالولايات المتحدة العام الماضي جاءت من الصين، وتسيطر بكين على ثلاثة أرباع سوق التصدير العالمي.

إن هيمنة الصين على هذا العدد الكبير من الصادرات العالمية تعني أن إيجاد بدائل للمصنّعين لن يكون سهلاً، وفقاً للمسؤولة السابقة في وزارة التجارة البريطانية، آلي رينيسون، التي تعمل الآن في شركة الاستشارات SEC Newgate.

وقالت: «لقد نقلت الشركات الأميركية والغربية سلاسل التوريد الخاصة بها من الصين إلى دول آسيوية أخرى في السنوات الأخيرة. ولكن مع استمرار دخول الكثير من المواد الخام الصينية وقطع الغيار إلى المنتجات التي تُجمّعها، سيعتمد الكثير على مدى صرامة هذه القواعد الخاصة بكل منتج ومدى تأييد هذه الدول للولايات المتحدة». وأضافت: «لا يكمن التحدي في إيجاد موردين بديلين، نظراً لزيادة إنتاج معظم دول جنوب شرقي آسيا من السلع الصناعية، بل في الشروط التي ستفرضها الولايات المتحدة على اتفاقياتها مع تلك الدول».

وقال جيسون ميلر، الأستاذ في كلية إدارة الأعمال بجامعة ولاية ميشيغان: «سيكون الفصل السريع صعباً للغاية، خاصة بالنسبة للسلع مثل الهواتف الذكية حيث يجب إنشاء سعة إضافية وتدريب العمال وإنشاء خطوط إمداد بديلة للمدخلات».

هواتف «أيفون 16» من «أبل» معروضة خلال حفل الإطلاق في متجر «أبل» بنيويورك (أ.ف.ب)

إذا احتفظت «أبل» بإنتاجها الكامل من هواتف «أيفون» من الهند للسوق الأميركية، فسيظل ذلك يغطي فقط نحو نصف الطرازات التي تزيد عن 50 مليون طراز تشحنها الشركة إلى الولايات المتحدة كل عام، وفقاً لما ذكره المحلل في «بنك أوف أميركا» وامسي موهان.

بشكل عام، تم تصنيع أربعة من كل خمسة من الهواتف الذكية وأجهزة الألعاب المستوردة إلى الولايات المتحدة العام الماضي في الصين. لم يستبعد ترمب إعفاء بعض الشركات الأميركية من الرسوم الجمركية المتبادلة، لكن قلق المتسوقين هو أن المنتجات الأخرى قد لا تكون متاحة على الإطلاق.

وقال ميلر: «إن أكبر مصدر قلق للمستهلكين هو أن المستوردين، خوفاً من عدم قدرتهم على تمرير زيادات تكلفة الرسوم الجمركية إلى المستهلكين، يوقفون استيراد بعض السلع من الصين».

يُعدّ نقل التصنيع خارج الصين صعباً بشكل خاص بالنسبة للمنتجات الإلكترونية، مثل أجهزة الألعاب والهواتف المحمولة، نظراً لتعقيد سلاسل التوريد والمهارات اللازمة لتصنيعها.

ما السلع التي تستوردها الصين من الولايات المتحدة؟

لقد كانت الصين ثالث أكبر سوق تصدير للولايات المتحدة في عام 2023، بعد كندا والمكسيك، حيث شحنت الشركات سلعاً بقيمة 145 مليار دولار إلى الدولة الآسيوية، وفقاً لمجلس الأعمال الأميركي الصيني. ودعمت الصادرات الأميركية إلى الصين 931231 وظيفة أميركية في عام 2022، وقد استند معظمها إلى صادرات الزراعة والثروة الحيوانية.

وكانت البذور الزيتية والحبوب أبرز واردات الصين من الولايات المتحدة في عام 2023، يليها النفط والغاز. انخفضت صادرات البذور الزيتية والحبوب بمقدار 7 مليارات دولار بين عامي 2022 و2023، وقد تنخفض بشكل أكبر في ظل الخلاف التجاري الحالي بين الولايات المتحدة والصين بشأن الرسوم الجمركية. تشمل الحبوب محاصيل مثل فول الصويا والقمح والذرة.

وصرح مجلس الأعمال الأميركي الصيني في تقريره لعام 2024: «إن أي زيادات جديدة في الرسوم الجمركية الأميركية على الواردات من الصين، والتي يقترحها العديد من المشرعين والقادة السياسيين بنشاط، قد تؤثر سلباً على قطاع الزراعة الأميركي إذا أدت إلى إجراءات انتقامية».

وتأتي شحنات النفط والغاز إلى الصين بشكل رئيسي من ولايتي تكساس ولويزيانا، اللتين تمثلان معاً 96 في المائة من صادرات النفط والغاز الأميركية. وتُعدّ المنتجات الصيدلانية والأدوية، وأشباه الموصلات ومكوناتها، ومنتجات الفضاء، والمواد الكيميائية، والمركبات الآلية من بين أكبر فئات السلع التي تستوردها الصين من الولايات المتحدة.

ما هي السلع الأميركية الأكثر تصديراً إلى الصين؟

بحسب الولايات، كانت تكساس أكبر مُصدّر للبضائع إلى الصين في عام 2023، حيث استوردت بكين منتجات بقيمة 25.7 مليار دولار منها في ذلك العام. كما استوردت الصين بضائع بقيمة 16.4 مليار دولار من كاليفورنيا، و6.5 مليار دولار من لويزيانا. واستكملت كارولينا الجنوبية قائمة العشرة الأوائل، حيث صدّرت بضائع بقيمة 3.9 مليار دولار إلى الصين في ذلك العام.


مقالات ذات صلة

واشنطن وأوتاوا تكثفان مفاوضات اللحظة الأخيرة لتفادي رسوم ترمب البالغة 50 %

الاقتصاد حاويات شحن في ميناء مونتريال بمقاطعة كيبيك الكندية (رويترز)

واشنطن وأوتاوا تكثفان مفاوضات اللحظة الأخيرة لتفادي رسوم ترمب البالغة 50 %

على مدى عقود لم تخلُ العلاقات التجارية بين الولايات المتحدة وكندا من خلافات متكررة، وسجالات محتدمة حول قضايا شائكة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد قضبان نحاس في شركة «سي آند آر ميتالز» بميامي (أ.ف.ب)

النحاس يرتفع في مستهل الأسبوع وسط شحّ المعروض

بدأ النحاس الأسبوع بقوة مدعوماً بشحّ المعروض، ما أسهم أيضاً في اتساع فارق السعر الرئيسي، بعدما سجل، الأسبوع الماضي، أوسع مستوياته خلال خمس سنوات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد شاحنات متوقفة بمحطة الحاويات الداخلية في أويوانغ بكوريا الجنوبية (رويترز)

كوريا الجنوبية تقيل كبير المفاوضين التجاريين وسط تصاعد التوترات مع أميركا

أقالت الحكومة الكورية الجنوبية، كبير مفاوضيها التجاريين، في وقت تشهد فيه العلاقات التجارية بين سيول وواشنطن تزايداً في حدة التوتر، على خلفية ملفات بشأن الرسوم.

«الشرق الأوسط» (سيول)
الاقتصاد مقر البنك المركزي الماليزي في كوالالمبور (رويترز)

نمو الاقتصاد الماليزي يتجاوز التوقعات... و«المركزي» يترقب 5 % في 2026

قال البنك المركزي الماليزي، يوم الجمعة، إن اقتصاد البلاد قد ينمو بنحو 5 في المائة هذا العام، عند الحد الأعلى من نطاق توقعاته الرسمية.

«الشرق الأوسط» (كوالالمبور)
الاقتصاد العلم الأميركي يرفرف في «ناشونال مول» بالقرب من مبنى الكابيتول في واشنطن (رويترز)

«فيتش» تُبقي تصنيف الولايات المتحدة عند «إيه إيه +» مع نظرة مستقبلية مستقرة

أكدت وكالة «فيتش» للتصنيف الائتماني يوم الخميس تصنيفها السيادي للولايات المتحدة عند «إيه إيه +» مع نظرة مستقبلية مستقرة، مشيرةً إلى حجم الاقتصاد الأميركي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

«بورصة تكساس» تبدأ أول إدراجاتها الرئيسية في مسعى لمنافسة هيمنة نيويورك

شاشة تعرض حركة أحد الأسهم في قاعة التداول ببورصة نيويورك (رويترز)
شاشة تعرض حركة أحد الأسهم في قاعة التداول ببورصة نيويورك (رويترز)
TT

«بورصة تكساس» تبدأ أول إدراجاتها الرئيسية في مسعى لمنافسة هيمنة نيويورك

شاشة تعرض حركة أحد الأسهم في قاعة التداول ببورصة نيويورك (رويترز)
شاشة تعرض حركة أحد الأسهم في قاعة التداول ببورصة نيويورك (رويترز)

أعلنت بورصة تكساس أول إدراجاتها الرئيسية، يوم الثلاثاء، في خطوة جديدة ضمن مساعي البورصة الناشئة لتعزيز حضورها، ومنافسة البورصات الكبرى في نيويورك.

وقالت شركة الخدمات المالية «تكساس كابيتال بانكشيرز» إنَّ صندوقين متداولين في البورصة تابعَين لها سيُدرجان في بورصة تكساس بوصفها منصة التداول الرئيسية لهما، اعتباراً من 16 سبتمبر (أيلول)، رهناً بالحصول على الموافقات التنظيمية. ويُتداول الصندوقان حالياً في بورصة «نيويورك أركا» التابعة لمجموعة بورصة نيويورك.

وتُشكِّل هذه الخطوة اختباراً مبكراً لطموح بورصة تكساس في إقامة مركز جديد للشركات والمنتجات الاستثمارية خارج المراكز المالية التقليدية في نيويورك، وفق «رويترز».

وعلى الرغم من أنَّ البورصة نجحت بالفعل في استقطاب إدراجات ثانوية لعدد من الشركات، فإنَّ الإدراج الأولي يمنحها دوراً أكبر بوصفها المنصة الرئيسية للصندوقين المتداولين، ويعزِّز حضورها في نشاط التداول.

وأكدت «تكساس كابيتال» أنَّ رموز التداول واستراتيجيات الاستثمار الخاصة بالصندوقين ستظلُّ دون تغيير.

وتحظى بورصة تكساس للأوراق المالية (TXSE) بدعم عدد من المستثمرين، من بينهم «بلاك روك»، و«سيتادل سيكيوريتيز»، و«تشارلز شواب».

وبدأت البورصة عمليات التداول الكاملة في يوليو (تموز)، وأعلنت أنَّها تتوقع بدء استقبال طلبات الاكتتابات العامة الأولية العام المقبل.


السوق السعودية تغلق قرب أعلى مستوياتها في شهرين بدعم «معادن»

رجلان يتابعان الأسهم في السوق السعودية (رويترز)
رجلان يتابعان الأسهم في السوق السعودية (رويترز)
TT

السوق السعودية تغلق قرب أعلى مستوياتها في شهرين بدعم «معادن»

رجلان يتابعان الأسهم في السوق السعودية (رويترز)
رجلان يتابعان الأسهم في السوق السعودية (رويترز)

أنهى مؤشر السوق الرئيسية (تاسي) جلسة الثلاثاء على ارتفاع طفيف بنحو 4 نقاط، ليغلق عند 10912 نقطة، محافظاً على تداولاته قرب أعلى مستوياته منذ يونيو (حزيران) الماضي، وسط نشاط على أسهم المواد الأساسية والطاقة، بينما بلغت قيمة التداولات نحو 4.9 مليار ريال.

وسجَّل المؤشر أعلى مستوى خلال الجلسة عند 10967 نقطة، وهو الأعلى منذ يونيو الماضي، بينما بلغ أدنى مستوى 10898 نقطة.

ودعم أداء السوق ارتفاع سهم «أرامكو السعودية» بأقل من 1 في المائة إلى 26.58 ريال، بينما صعد سهم «معادن» بنسبة 2 في المائة إلى 66 ريالاً، مُسجِّلاً أعلى إغلاق منذ مايو (أيار) الماضي، وسط تداولات تجاوزت 100 مليون ريال.

كما تصدَّر سهم «كيمانول» قائمة الأسهم المرتفعة بالنسبة القصوى عند 30.24 ريال، بينما ارتفعت أسهم «التصنيع»، و«تنمية»، و«جاهز»، و«لوبريف»، و«ساسكو»، و«سابك للمغذيات الزراعية»، و«أديس»، و«سيسكو القابضة»، و«المواساة»، و«نايس ون» بنسب تراوحت بين 2 و5 في المائة.

في المقابل، تراجع سهم «جرير» بنسبة 4 في المائة إلى 16.59 ريال عقب نهاية أحقية توزيعات نقدية بواقع 0.20 ريال للسهم.

كما انخفضت أسهم «بي إس إف»، و«مكة»، و«كابلات الرياض»، و«طيران ناس»، و«الكيميائية»، و«الصناعات الكهربائية» بنسب تراوحت بين 1 و3 في المائة.

وفي قطاع الصناديق العقارية المتداولة، أغلق صندوق «سدكو كابيتال ريت» منخفضاً بنسبة 3 في المائة عند 7.33 ريال.


زخم استثماري بقفزة 252% للتراخيص... والإصلاحات تفتح مسارات جديدة في السعودية

العاصمة السعودية الرياض (واس)
العاصمة السعودية الرياض (واس)
TT

زخم استثماري بقفزة 252% للتراخيص... والإصلاحات تفتح مسارات جديدة في السعودية

العاصمة السعودية الرياض (واس)
العاصمة السعودية الرياض (واس)

تواصل السعودية تعزيز جاذبيتها الاستثمارية، عبر مزيج من التَّوسُّع في إصدار التراخيص، إذ قفزت نحو 252 في المائة خلال الرُّبع الثاني من العام الحالي، إلى جانب تطوير البيئة التنظيمية، وإطلاق المبادرات القطاعية، بالتوازي مع نمو ملحوظ في تكوين رأس المال والاستثمار الأجنبي المباشر.

ويُظهِر «راصد الاقتصاد والاستثمار السعودي» للرُّبع الثاني من عام 2026 أنَّ هذه المسارات بدأت تُشكِّل قاعدةً أوسع لنمو النشاط الاستثماري وتنويع الاقتصاد، بما يتسق مع مستهدفات «رؤية 2030».

وسجَّلت التراخيص الاستثمارية الصادرة خلال الرُّبع الثاني قفزةً لافتةً بلغت 252 في المائة على أساس سنوي، لتتجاوز 9 آلاف ترخيصاً، مقارنة مع 2.5 ألف ترخيص في الفترة المماثلة من 2025.

ويعكس هذا الارتفاع تنامي ثقة المستثمرين، واستمرار جاذبية البيئة الاستثمارية في المملكة، بما يدعم توجه السعودية نحو ترسيخ مكانتها وجهةً استثماريةً رائدةً.

وتشير البيانات إلى أنَّ النمو لم يكن محصوراً في نشاط واحد، بل امتدَّ إلى مجموعة واسعة من القطاعات، حيث استحوذت أنشطة التشييد، وتجارة الجملة والتجزئة، والصناعات التحويلية على نحو 66 في المائة من إجمالي التراخيص الاستثمارية الصادرة خلال الرُّبع الثاني.

وجاء قطاع التشييد في الصدارة بـ2.6 ألف ترخيص مقابل 827 ترخيصاً قبل عام، بنمو بلغ 218 في المائة، تلاه قطاع تجارة الجملة والتجزئة بـ2.3 ألف ترخيص مقابل 607 تراخيص، وبنمو 285 في المائة، ثم الصناعات التحويلية بأكثر من ألف تراخيص مقابل 263 ترخيصاً، وبنمو 284 في المائة.

كما سجَّلت قطاعات أخرى زيادات قوية، من بينها النقل والتخزين الذي ارتفع عدد تراخيصه إلى 494 ترخيصاً بنمو 443 في المائة، وخدمات الإقامة والطعام إلى 705 تراخيص بنمو 393 في المائة، والعقارات إلى 118 ترخيصاً بنمو 436 في المائة، بينما سجَّلت الزراعة والغابات وصيد الأسماك أعلى معدل نمو بلغ 736 في المائة.

إصلاحات تنظيمية

بالتوازي مع زيادة التراخيص، واصلت المملكة تحديث البيئة التنظيمية بهدف جعل الاستثمار أكثر مرونة وتنافسية. وشملت أبرز التشريعات الداعمة خلال الرُّبع الثاني إلغاء عدد من الوثائق المتعلقة بالأنشطة التجريبية السياحية، بما في ذلك بعض القرارات واللوائح والأدلة الإجرائية المرتبطة بهذه الأنشطة.

كما جرى تمديد العمل بمبادرة إلغاء الغرامات والإعفاء من العقوبات المالية عن المكلفين لمدة 6 أشهر إضافية، اعتباراً من الأول من يوليو (تموز) 2026، في خطوة تستهدف تخفيف الأعباء وتحسين البيئة التنظيمية أمام المكلفين.

وتعكس هذه الإجراءات اتجاهاً أوسع نحو تطوير الأنظمة والإجراءات الاستثمارية بما يقلل التعقيدات، ويرفع كفاءة ممارسة الأعمال، ويعزِّز قدرة الاقتصاد السعودي على استقطاب رؤوس الأموال المحلية والأجنبية.

الاستثمار الرياضي

برز «منتدى الاستثمار الرياضي 2026» بوصفه إحدى المبادرات التي تستهدف توسيع قاعدة الاستثمار في القطاعات الواعدة. واستقطب المنتدى أصحاب الأعمال والمستثمرين والخبراء التنفيذيِّين وصُنَّاع القرار من مختلف دول العالم، في وقت يشهد فيه القطاع الرياضي السعودي تحولاً سريعاً، مدفوعاً بالإصلاحات التنظيمية وتطوير البنية التحتية.

ويعكس المنتدى تَوجُّه المملكة إلى تحويل الرياضة إلى أحد روافد الاقتصاد، إذ أشار التقرير إلى أنَّ الاستثمارات المستهدفة في القطاع تصل إلى 50 مليار ريال (13.3 مليار دولار)، مع التأكيد على دور الإجراءات الحكومية والجهود الجارية في دفع نمو القطاع ورفع مشاركة القطاع الخاص.

البلاستيك والبتروكيماويات

كما سلَّط التقرير الضوء على «المعرض السعودي للبلاستيك والبتروكيماويات 2026»، الذي جمع بين الجهات الحكومية والمستثمرين وصُنَّاع القرار في قطاع يُعدُّ من الركائز الصناعية للمملكة. واستقطب المعرض 498 شركة عارضة من 24 دولة، بهدف تعزيز الشراكات وسلاسل الإمداد ورفع كفاءة الإنتاج ودعم نمو الصناعات التحويلية.

وفي قطاع الخدمات اللوجستية، جاء «المعرض السعودي للخدمات اللوجستية الذكية 2026» ليبرز الفرص المرتبطة بالتَّحوُّل نحو الخدمات اللوجستية الذكية، وتوظيف الأتمتة والروبوتات والذكاء الاصطناعي في النقل والتخزين وسلاسل الإمداد، بما يعزِّز موقع المملكة مركزاً لوجستياً في المنطقة.

وعلى مستوى الاستثمار المحلي، ارتفع إجمالي تكوين رأس المال الثابت الاسمي خلال الرُّبع الأول من عام 2026 بنحو 5.1 في المائة على أساس سنوي، ليصل إلى 358 مليار ريال (95.4 مليار دولار).

وجاء النمو مدفوعاً بصورة رئيسية بتكوين رأس المال الثابت في القطاع غير الحكومي، الذي ارتفع بنحو 1.3 في المائة، مستحوذاً على نحو 89 في المائة من الإجمالي، بينما بلغت مساهمة تكوين رأس المال الثابت في الناتج المحلي الإجمالي الاسمي نحو 28 في المائة.

جاذبية لرؤوس الأموال

وتكتسب هذه الأرقام أهميةً خاصةً في ظلِّ سعي السعودية إلى زيادة دور الاستثمار الخاص في النشاط الاقتصادي، إذ تشير البيانات إلى استمرار القطاع غير الحكومي في تشكيل الجزء الأكبر من قاعدة تكوين رأس المال، بما يعكس اتساع مساهمة القطاع الخاص في عملية النمو الاقتصادي.

وفي مؤشر آخر على تنامي جاذبية المملكة لرؤوس الأموال الدولية، بلغ رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر نحو 1.1 تريليون ريال (293.3 مليار دولار) بنهاية عام 2025، مسجِّلاً ارتفاعاً بنحو 13 في المائة مقارنة بعام 2024، وأكثر من الضعف مقارنة برصيد الاستثمار الأجنبي المباشر في عام 2017.

كما ارتفعت نسبة رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى نحو 28 في المائة خلال عام 2025.

وبحسب التقديرات الأولية للهيئة العامة للإحصاء، بلغت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر خلال عام 2025 نحو 136 مليار ريال (36.2 مليار دولار)، مُسجِّلة نمواً نحو 14 في المائة مقارنة بعام 2024.

وتكشف السلسلة الزمنية عن مسار تصاعدي واضح في رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر، إذ ارتفع من 502 مليار ريال (133.8 مليار دولار) في 2017 وصولاً إلى 1.1 تريليون ريال في 2025.

التوقعات الدولية

وفي هذا الإطار قال الأستاذ بجامعة الملك فيصل المتخصص في الاقتصاد، الدكتور محمد بن دليم القحطاني، إنه حين تتوقَّع المؤسسات الدولية أن يقفز نمو الاقتصاد السعودي في 2027 إلى 4.3 في المائة و4.9 في المائة طبقاً للبنك الدولي، و5.5 في المائة بحسب صندوق النقد الدولي؛ فالرسالة بين السطور واضحة، وهي أن ثمار التَّحوُّل الاقتصادي بدأت تنتقل من مرحلة البناء والاستثمار إلى مرحلة العوائد والنمو.

وأوضح الدكتور بن دليم في حديثه إلى «الشرق الأوسط»، أن المؤسسات الـ3، رغم اختلاف تقديراتها، تتفق على اتجاه واحد وهو استمرار النمو بقوة في 2027. «وهنا تكمن القصة الحقيقية لرؤية المملكة، ليس أن ينمو الاقتصاد سنة واحدة، بل أن يصبح أكثر تنوعاً ومرونة وقدرة على صناعة النمو رغم اضطرابات العالم»، مؤكداً أن الرياض لا تنتظر مستقبل الاقتصاد العالمي، بل تبني موقعها فيه.

قراءة في الاتجاه العام

تعكس مؤشرات الرُّبع الثاني من 2026 انتقال البيئة الاستثمارية السعودية إلى مرحلة أكثر اتساعاً، لا تقتصر فيها الجهود على جذب رؤوس الأموال، وإنما تمتد إلى توسيع قاعدة القطاعات المستفيدة من الاستثمار، وتخفيف القيود التنظيمية، وتحفيز القطاع الخاص، ورفع مساهمة الاستثمارات المحلية والأجنبية في الاقتصاد.

وتبرز القفزة الكبيرة في التراخيص الاستثمارية، إلى جانب تجاوز رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر حاجز التريليون ريال، بوصفهما من أبرز مؤشرات التَّحوُّل في المشهد الاستثماري السعودي. كما أنَّ التركيز المتزايد على قطاعات التشييد والتجزئة والصناعة واللوجستيات والسياحة والرياضة يعكس اتساع نطاق الاقتصاد غير النفطي، وتوجُّه المملكة إلى بناء مصادر جديدة للنمو والاستثمار ضمن مستهدفات «رؤية 2030».