مؤشرات مقلقة حول تغير توجهات الأسواق الأميركية بين مرحلتي «الثور» و«الدب»

محللون ربطوا التحول بسياسات ترمب الجمركية وتباطؤ اقتصاد الولايات المتحدة

تمثال الثور الهائج المعروف أيضاً باسم ثور وول ستريت بالحي المالي في مانهاتن (رويترز)
تمثال الثور الهائج المعروف أيضاً باسم ثور وول ستريت بالحي المالي في مانهاتن (رويترز)
TT

مؤشرات مقلقة حول تغير توجهات الأسواق الأميركية بين مرحلتي «الثور» و«الدب»

تمثال الثور الهائج المعروف أيضاً باسم ثور وول ستريت بالحي المالي في مانهاتن (رويترز)
تمثال الثور الهائج المعروف أيضاً باسم ثور وول ستريت بالحي المالي في مانهاتن (رويترز)

توقع محللون اقتصاديون احتمال تحول السوق المالية الأميركية من مرحلة «الثور» إلى مرحلة «الدب»، مؤكدين أن المؤشرات الاقتصادية والمالية بدأت تثير القلق مؤخراً.

تأتي هذه التوقعات في وقت شهدت أسواق الأسهم تراجعات حادة بعد فرض الرئيس الأميركي دونالد ترمب رسوماً جمركية هائلة لم تفرّق بين حليف وعدو، والتي أدت إلى تأجيج الهلع في الأسواق وتسجيل خسائر فادحة، وهو ما أفضى إلى طرح تساؤلات ما إذا كان هذا يعتبر «انهياراً» لسوق الأسهم.

 

ويشير مصطلح «سوق الثور» (Bull Market) إلى فترة طويلة من ارتفاع أسعار الأسهم وتفاؤل المستثمرين بخصوص الاقتصاد، وخلال هذه المرحلة، يميل المستثمرون إلى الشراء، وتزداد الثقة في الأسواق، وعادةً ما ترتفع الأرباح وأسعار الأصول.

رد فعل متداول في بورصة نيويورك بعد تسجيل المؤشرات خسائر فادحة (أ.ف.ب)

على عكس «سوق الثور»، يشير مفهوم سوق «الدب» (Bear Market) إلى انخفاض أسعار الأسهم بنسبة 20 في المائة أو أكثر من أعلى نقطة خلال الدورة الاقتصادية، مصحوباً بتشاؤم المستثمرين وزيادة عمليات البيع. تتميز هذه المرحلة عادة بتباطؤ اقتصادي أو توقعات سلبية لأداء الشركات.

وهذا يعني أن انخفاضاً بنسبة 20 في المائة من ذروته يعتبر «سوقاً هابطة... فهل نحن قريبون من هذا الوصف حالياً؟».

سنوات «الدب»

دخلت السوق الأميركية في مرحلة «الدب» في سنوات عدة، كان أبرزها عام 2000، حين سميت فقاعة الدوت كوم، نتيجة انهيار شركات التكنولوجيا التي كانت أسعار أسهمها مرتفعة بشكل مبالغ فيه. وخلال الأزمة المالية عام 2008، دخلت السوق هذه المرحلة بسبب انهيار سوق الرهن العقاري، وكذلك عام 2020 في أزمة كورونا، حيث تسبب انتشار جائحة كورونا في انهيار سريع وحاد في الأسواق المالية.

سوق العمل وأرباح الشركات

يشرح جون هاردي، رئيس استراتيجيات الاقتصاد الكلي في «ساكسو بنك»، بأن دخول السوق في مرحلة الدب يشير فقط إلى سوق الأسهم، ويمكن أن يحدث سواء كان هناك ركود أم ضعف في الاقتصاد. فـ«على سبيل المثال، كان عام 2022 عاماً سيئاً للأسهم، وشهدنا دخول السوق في (مرحلة الدب) نتيجة السياسة النقدية المتشددة من قبل (الاحتياطي الفيدرالي)، وليس بسبب ركود اقتصادي. وأعتقد أن احتمالية ظهور (مرحلة الدب) في السوق الأميركية هذا العام ستكون مرتبطة بضعف الاقتصاد».

وأوضح أن «المؤشرات التي يجب مراقبتها لتحديد المخاطر المتزايدة على الاقتصاد تتركز في سوق العمل، مثل ارتفاع طلبات إعانة البطالة وسلسلة من الانخفاضات في أرقام الوظائف الشهرية، رغم أن بيانات الوظائف كانت مضطربة منذ الجائحة. ويمكن لتقارير أرباح الشركات للربع الأول، التي تبدأ في منتصف أبريل (نيسان)، أن توفر بيانات مهمة».

شاشة تعرض انخفاض مؤشر «داو جونز» بعد إعلان ترمب عن الرسوم الجمركية (إ.ب.أ)

وعرّج هاردي إلى التعريف حول مفهوم «مرحلة الدب»، وقال: «بالنسبة للسوق نفسها، تُعرّف (مرحلة الدب) على أنها انخفاض بنسبة 20 في المائة من أعلى مستوى له في الدورة، وقد شهدنا فقط تصحيحاً بنسبة 10 في المائة في مؤشر (ستاندرد آند بورز 500) في أسوأ حالاته الأخيرة... لذلك، يجب أن يكون الانخفاض ضعف هذا المقدار لكي نعتبر أن الأسواق قد دخلت فعلياً في (مرحلة الدب). هذا المستوى يقع تحت 5 آلاف نقطة، أي حوالي 4910 نقاط تحديداً».

وكان مؤشر «ستاندرد آند بورز» قد تراجع يوم الجمعة بنسبة 5.97 في المائة ليصل إلى 5074.08 نقطة، وهو أكبر انخفاض له منذ مارس (آذار) 2020. في حين انخفض مؤشر «داو جونز الصناعي» 5.5 في المائة، إلى 38314.86، في أكبر انخفاض منذ يونيو 2020 خلال جائحة كورونا.

 

موجة بيع حادة

في المقابل، قال أرون ليزلي جون، كبير محللي السوق في «سنشري فاينانشال»، إن الأسواق الأميركية شهدت مؤخراً موجة بيع حادة استمرت أربعة أسابيع، ما أثار تساؤلات حول ما إذا كان ذلك تصحيحاً أم بداية لمرحلة الدب.

رد فعل متداول في بورصة نيويورك بعد التراجع الكبير في سوق الأسهم يوم الجمعة (إ.ب.أ)

وأضاف: «يعتبر الانخفاض بين 10 و20 في المائة تصحيحاً، وهو عادةً حاد وقصير الأجل، في حين أن التراجع بنسبة 20 في المائة أو أكثر يشير إلى سوق الدببة، الذي يميل إلى التكشف تدريجياً».

وأشار إلى ارتفاع مؤشر «فيكس» للتقلبات فوق مستوى 20 لمدة 16 جلسة متتالية الشهر الماضي، وهو ما يدل على احتمالية تقلبات قادمة دون أن يعني بالضرورة وجود ذعر حقيقي في السوق. ولفت إلى أهمية مراقبة انقلاب منحنى العائد، رغم عدم حدوثه حالياً، منبهاً إلى توقع الأسواق خفض «الاحتياطي الفيدرالي» أسعار الفائدة مرتين في 2025.

وأكد أن أرباح الشركات الأميركية لا تزال قوية، رغم تباطئها مؤخراً، مع ضرورة متابعة اتساع السوق وثقة المستهلك كمؤشرات إضافية، مضيفاً أن الدخول رسمياً في «سوق الدببة» يتحقق بإغلاق مؤشر «ستاندرد آند بورز» دون مستوى 4915.32 دولار.

السيناريوهات المحتملة

وعن السيناريوهات المحتملة التي يمكن أن تحدث في حال دخول السوق الأميركية مرحلة «الدب»، قال جون هاردي، رئيس استراتيجيات الاقتصاد الكلي في «ساكسو بنك»: «يتجلى السيناريو الأكثر وضوحاً في فقدان السوق الأميركية للزخم نتيجة ضعف الاقتصاد الأميركي وزيادة حذر المستهلكين بسبب تراجع سوق العمل، ما يدفع الشركات إلى تقليص خطط الإنفاق نظراً لحالة عدم اليقين في الطلب».

متداول يرصد تراجعات سوق الأسهم يوم الجمعة بعد تسجيلها خسائر كبيرة (رويترز)

وأضاف: «كل هذه العوامل تؤدي إلى تأثير متسلسل يعزز تراجع السوق. كما أن استجابة السياسات المالية والنقدية في هذه المرحلة قد تزيد من صعوبة التعافي من أي انكماش اقتصادي، نظراً للوضع المالي الحرج للولايات المتحدة، حيث استمرت الحكومة الفيدرالية في تسجيل عجز مالي كبير حتى في فترات النمو الاقتصادي خلال السنوات الأخيرة».

ولفت إلى أن «هناك عاملاً إضافياً يتمثل في تأثير النهج التصادمي لإدارة ترمب مع بقية العالم، حيث قد تؤدي هذه السياسة إلى عزوف عالمي متزايد عن الاستثمار في الأسهم الأميركية، خاصة في ظل حقيقة أن 70 في المائة من المحافظ الاستثمارية في الأسواق المتقدمة كانت موجهة نحو السوق الأميركية في أقصى مستويات هذه الدورة الاقتصادية».

وقت الضغوط

وقال أرون ليزلي جون من «سنشري فاينانشال» إن مؤشر «ستاندرد آند بوز 500» شهد منذ عام 2000، تسعة تصحيحات، بمتوسط خسارة 14 في المائة على مدى 83 يوماً. استغرق التعافي منها 86 يوماً في المتوسط، مع عوائد 9 في المائة في شهر واحد، و20 في المائة في ستة أشهر، و26 في المائة في عام واحد، و72 في المائة على مدى خمس سنوات. أضاف: «كما شهد دخول الأسواق في مرحلة الدب أربع مرات، بمتوسط خسارة 41 في المائة على مدى 440 يوماً. استغرق التعافي 435 يوماً في المتوسط، مع عوائد 18 في المائة في شهر واحد، و32 في المائة في ستة أشهر، و49 في المائة في عام واحد، و121 في المائة على مدى خمس سنوات».

وشرح أن الانزلاق إلى «مرحلة الدب» قد يحدث نتيجة مجموعة من العوامل المحلية والعالمية. إذ قد تستمر الآثار المتأخرة للتشديد النقدي السابق في التأثير على تكاليف الاقتراض والاستثمار والإنفاق الاستهلاكي. كما قد تتعرض أرباح الشركات لضغوط بسبب انخفاض الهوامش الناتج عن تضخم الأجور وضعف الطلب وارتفاع تكاليف المدخلات.

كما أشار إلى أن تباطؤ الإنفاق الاستهلاكي أو ارتفاع حالات التعثر في سداد الديون بسبب المستويات المرتفعة للديون سيشير إلى ضعف متزايد، وقد يؤدي إلى تدهور سوق العمل، الذي يتجلى في ارتفاع البطالة أو انخفاض خلق فرص العمل، إلى زيادة تراجع الثقة والزخم الاقتصادي.

وأوضح جون أن أسواق الأسهم قد تخضع لتصحيحات في التقييم إذا فشلت الأرباح في تبرير مستويات الأسعار المرتفعة، خاصة في القطاعات التي تركز على النمو.

عالمياً، يشكل التباطؤ الاقتصادي في الصين خطراً على التجارة العالمية والطلب على السلع الأساسية، وفق جون الذي أشار إلى الحروب التجارية التي تتسبب بها رسوم ترمب، «وهو ما يؤدي إلى إعادة إشعال الضغوط التضخمية وربما إحداث تراجع اقتصادي... كما قد تؤدي التوترات الجيوسياسية المتصاعدة إلى تعطيل التدفقات التجارية وأسواق الطاقة وحركة رأس المال عبر الحدود، مما يزيد من مخاطر الهبوط للأسواق العالمية».


مقالات ذات صلة

السوق السعودية تنهي الأسبوع بتراجع 0.3 % بتأثير من أسهم قيادية

الاقتصاد مستثمر يتابع شاشة الأسهم في السوق المالية السعودية بالرياض (أ.ف.ب)

السوق السعودية تنهي الأسبوع بتراجع 0.3 % بتأثير من أسهم قيادية

تراجع مؤشر سوق الأسهم السعودية الرئيسية بنسبة 0.3 في المائة، في نهاية جلسة الخميس، ليصل إلى 11554 نقطة، وبتداولات قيمتها 6.4 مليار ريال (1.7 مليار دولار).

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد مشاة يمرون أمام شاشة تعرض حركة الأسهم في مدينة شنغهاي الصينية (إ.ب.أ)

«الأسهم» الصينية تنتعش مع نمو يفوق التوقعات

ارتفعت أسهم الصين وهونغ كونغ، الخميس، مدعومة ببيانات نمو اقتصادي أفضل من المتوقع للربع الأول من العام...

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد رجل ينظر إلى شاشة تعرض حركة الأسهم في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ف.ب)

«نيكي» يقفز لمستوى قياسي وسط آمال السلام في الشرق الأوسط

قفز مؤشر «نيكي» الياباني إلى مستوى قياسي، يوم الخميس، مع ازدياد الآمال في مفاوضات لإنهاء الحرب في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد لافتات بنوك «جي بي مورغان تشيس» و«سيتي بنك» و«ويلز فارغو» (رويترز)

بنوك «وول ستريت» تجني 45 مليار دولار من الأزمات الجيوسياسية

بينما يواجه العالم تداعيات الصراع في الشرق الأوسط، أثبت «شارع المال» الأميركي قدرة استثنائية على تحويل التقلبات إلى مكاسب مليارية.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد مستثمرون يتابعون شاشة التداول في السوق المالية السعودية بالرياض (أ.ف.ب)

تباين الأسهم الخليجية في التداولات المبكرة مع ترقب لاتفاق سلام محتمل   

شهدت أسواق الأسهم الخليجية تبايناً في أدائها خلال التداولات المبكرة يوم الخميس، حيث يترقب المستثمرون احتمالات التوصل إلى اتفاق ينهي الحرب المرتبطة بإيران.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

صندوق النقد الدولي: منطقة الشرق الأوسط تعيش لحظة اقتصادية فارقة

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
TT

صندوق النقد الدولي: منطقة الشرق الأوسط تعيش لحظة اقتصادية فارقة

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)

أكد صندوق النقد الدولي أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وباكستان تعيش لحظة فارقة وصعبة في تاريخها الاقتصادي المعاصر، إثر الحرب التي اندلعت في فبراير (شباط) 2026، موضحاً أن هذا النزاع لم يمثل مجرد أزمة حدودية، بل تحول إلى زلزال ضرب قلب الممرات الاقتصادية الاستراتيجية، مخلفاً صدمة طاقة عالمية وشللاً في سلاسل الإمداد. وفي خضم هذه التحديات، برز اقتصاد السعودية بوصفه نموذجاً للصمود؛ حيث أظهر «متانة استثنائية» مكنته من امتصاص تداعيات إغلاق مضيق هرمز وتراجع الإنتاج الإقليمي، بفضل ركائز «رؤية 2030» التي عززت السياسات المالية القوية والقدرة اللوجيستية على التكيف مع أعنف المتغيرات الجيوسياسية.

وصف مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، الدكتور جهاد أزعور، خلال عرضه لتحديث «تقرير آفاق الاقتصاد الإقليمي» في واشنطن، على هامش اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين، الحرب الحالية بأنها تعيد رسم خريطة النمو الإقليمي بنسب لم تشهدها الأسواق منذ عقود، حيث أدى توقف الملاحة في مضيق هرمز إلى تعطل تدفق 21 مليون برميل نفط يومياً، ما دفع بأسعار خام برنت لتجاوز حاجز 100 دولار. ولم تقف الصدمة عند النفط، بل طالت إمدادات الغاز الطبيعي، حيث قفزت أسعاره في أوروبا بنسبة 40 في المائة، متخطية المستويات القياسية التي سجلتها إبان أزمة أوكرانيا عام 2022، مما وضع أمن الطاقة العالمي في مهب الريح.

وقال إن اضطرابات الطاقة الناجمة عن الحرب الإيرانية ستؤثر بشدة على اقتصادات الدول الخليجية المصدرة للنفط والغاز، بينما تواجه الدول المستوردة للنفط في الشرق الأوسط، مثل مصر والأردن، صدمات من ارتفاع أسعار السلع الأساسية واحتمال انخفاض دخل تحويلات العاملين في دول الخليج.

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (رويترز)

وبشكل عام، من المتوقع أن تشهد منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تباطؤاً ملحوظاً في النمو هذا العام، حيث يُتوقع أن يبلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي 1.1 في المائة، أي أقل بنسبة 2.8 نقطة مئوية من التوقعات قبل الحرب، قبل أن تشهد انتعاشاً في عام 2027، وفقاً لأحدث تقرير للتوقعات الإقليمية الصادر عن صندوق النقد الدولي.

قال أزعور: «إنها ليست مجرد قصة نفط وغاز، بل هي أيضاً تأثير هذه الحرب على جميع المنتجات الأخرى التي تُنتج في المنطقة، والتي تتمتع فيها المنطقة بموقع استراتيجي»، بما في ذلك صادرات الأسمدة والعديد من المنتجات الكيميائية وغيرها من المنتجات المتخصصة التي تجعلها ممراً اقتصادياً استراتيجياً عالمياً. وحذر من أن ارتفاع تكاليف الغذاء بات يهدد الفئات الضعيفة في الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا بشكل مباشر، خصوصاً مع تأثر الصادرات الخليجية الحيوية؛ حيث تورد دول المنطقة 40 في المائة من صادرات الكبريت و20 في المائة من أسمدة النيتروجين عالمياً. وأشار إلى أن أي اضطراب طويل الأمد في هذه الإمدادات يعني تهديداً مباشراً للمواسم الزراعية العالمية والقدرة الشرائية لملايين البشر.

وأضاف: «علاوة على ذلك، أثر الصراع على القطاع غير النفطي، حيث تتمتع دول مجلس التعاون الخليجي بموقع استراتيجي عالمي، لا سيما في مجال الطيران والخدمات اللوجيستية».

وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن بعض الدول المستوردة للنفط في المنطقة تعتمد اعتماداً كبيراً على اقتصادات الخليج في استيراد الطاقة والتدفقات المالية، مما يجعلها عرضة للخطر في حال اشتدت الحرب أو طالت مدتها.

تجربة السعودية

أكد أزعور أن أحد أبرز الدروس القاسية والملهمة التي استخلصها الاقتصاد العالمي من الحرب وإغلاق مضيق هرمز، يكمن في ضرورة «تنويع طرق التجارة» بوصفها ضمانة وجودية لاستمرار تدفق السلع والطاقة.

وفي هذا السياق، اعتبر أزعور أن النهج الذي سلكته السعودية ضمن رؤيتها الاستراتيجية لم يكن مجرد تطوير للبنية التحتية، بل كان إعادة رسم شاملة لخريطة العبور اللوجيستي؛ حيث نجحت المملكة من خلال تطوير الموانئ البديلة على البحر الأحمر، وتوسيع شبكات الربط البري والسككي، في تقليل حالة «الهشاشة» التقليدية الناتجة عن الارتباط بممر مائي واحد وضيق.

ويرى أزعور أن هذه «الرشاقة السيادية» في خلق مسارات تجارية موازية هي التي مكنت التجارة السعودية من الاستمرار بفاعلية رغم الشلل الذي أصاب ممرات إقليمية أخرى، مما حول المملكة إلى نموذج عالمي في كيفية حماية الأمن الاقتصادي عبر فك الارتباط بالممرات البحرية القابلة للتعطل الجيوسياسي، وضمان وصول الإمدادات الحيوية إلى الأسواق المحلية والدولية دون انقطاع، وهو ما يجسد نجاح المرحلة الثانية من الرؤية في تحصين الاقتصاد الوطني ضد أعنف الصدمات الجيوسياسية.

مصر

وقال أزعور إن الإصلاحات الاقتصادية التي نفذتها مصر وتعزيزها لهوامش الأمان يمكّنان البلاد من التعامل بشكل أفضل مع الصدمات الخارجية.

وأضاف: «لقد سمحوا لسعر الصرف بأن يكون أكثر مرونة، لامتصاص أي صدمة خارجية، كما أنهم قاموا بزيادة وبناء مستوى مرتفع من الاحتياطيات بما يتيح لهم توفير مزيد من الطمأنينة للسوق».

تفاوت إقليمي

رصد التقرير تفاوتاً حاداً في القدرة على امتصاص الصدمة؛ فبينما واجهت قطر خفضاً تاريخياً في توقعات النمو بواقع 15 نقطة مئوية نتيجة تضرر بنيتها التحتية للغاز، أظهرت سلطنة عُمان صموداً بفضل موقعها الجغرافي. وعلى صعيد آخر، تزايدت الضغوط التمويلية على مصر وباكستان والأردن نتيجة ارتفاع الفوارق السيادية، مما دفع أزعور للتأكيد على جاهزية الصندوق لتقديم الدعم الفني والمالي لمواكبة متطلبات المرحلة المقبلة.

وقال أزعور: «إذا شهدنا انتعاشاً في إنتاج النفط، وفتحاً كاملاً لمضيق هرمز، فسيعني ذلك أن الدول ستزيد إنتاجها بسرعة كبيرة. كما أن مستوى أسعار النفط، المتوقع أن يبقى مرتفعاً مقارنةً بمستويات ما قبل عام 2026، سيمكن الدول المنتجة للنفط من استعادة بعض المكاسب التي تتكبدها حالياً بسبب الأزمة».


ويليامز: الحرب تعزز ضغوط التضخم و«الفيدرالي» في موقع يسمح له بالاستجابة

جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
TT

ويليامز: الحرب تعزز ضغوط التضخم و«الفيدرالي» في موقع يسمح له بالاستجابة

جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)

قال جون ويليامز، رئيس «بنك الاحتياطي الفيدرالي» في نيويورك، الخميس، إن الحرب الدائرة في الشرق الأوسط تؤدي بالفعل إلى زيادة ضغوط التضخم، في وقت أكد فيه أن «البنك المركزي الأميركي» في موقع يسمح له بالاستجابة للتطورات الاقتصادية المحتملة.

وأوضح ويليامز، في كلمة ألقاها أمام ندوة أعضاء «بنك الإقراض العقاري الفيدرالي» في نيويورك لعام 2026، أن «التطورات في الشرق الأوسط تؤدي إلى ارتفاعات كبيرة في أسعار الطاقة؛ مما ينعكس بالفعل في زيادة التضخم العام»، وفق «رويترز».

وأضاف أنه في حال انتهاء الاضطرابات سريعاً، فإن من المرجح أن تتراجع أسعار الطاقة، «إلا إن استمرار الصراع مدة أطول قد يؤدي إلى صدمة عرض كبيرة، تدفع التضخم إلى الارتفاع عبر زيادة تكاليف السلع الوسيطة والأسعار النهائية، وفي الوقت نفسه تُضعف النشاط الاقتصادي».

وحذّر ويليامز بأن هذه العملية «بدأت بالفعل»، مشيراً إلى مؤشرات متصاعدة على اضطرابات في سلاسل الإمداد، وإلى أن ارتفاع تكاليف الوقود بدأ ينعكس على أسعار تذاكر الطيران والمواد الغذائية والأسمدة وغيرها من السلع الاستهلاكية.

ورغم هذه الضغوط، فإن ويليامز جدّد تأكيده على «الالتزام الراسخ» بإعادة التضخم إلى مستهدفه البالغ اثنين في المائة. وقال إنه في ظل «ظروف استثنائية»، فإن السياسة النقدية الحالية في وضع جيد يسمح بالموازنة بين مخاطر تحقيق أقصى قدر من التوظيف والحفاظ على استقرار الأسعار، من دون تقديم توجيهات واضحة بشأن الخطوة المقبلة لأسعار الفائدة.

وتتسق تصريحاته مع نهج «الترقب والانتظار» الذي يتبناه مسؤولو «الاحتياطي الفيدرالي» في تقييم تأثير الحرب وارتفاع أسعار الطاقة على الاقتصاد. وكان «البنك المركزي» قد أبقى سعر الفائدة دون تغيير في اجتماعه بمنتصف مارس (آذار) الماضي عند نطاق يتراوح بين 3.5 و3.75 في المائة، مع توقعات بخفض إضافي خلال العام الحالي. ومن المقرر أن يعقد اجتماعه المقبل يومي 28 و29 أبريل (نيسان) الحالي، دون توقعات بتغيير فوري في السياسة النقدية.

وفي الأيام الأخيرة، تجنب مسؤولو «الفيدرالي» تقديم إشارات واضحة بشأن مسار الفائدة على المدى القريب، رغم أن بيث هاماك، رئيسة «بنك الاحتياطي الفيدرالي» في كليفلاند، أشارت في مقابلة مع «سي إن بي سي» إلى احتمال تحرك السياسة في أي اتجاه؛ سواء بالخفض والرفع، تبعاً لتطورات الاقتصاد.

وأشار ويليامز إلى أن الصدمة النفطية الناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط، التي اندلعت بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة؛ وإيران من جهة، أسهمت في رفع التضخم العام، الذي كان أصلاً عند مستويات مرتفعة نتيجة الزيادات الكبيرة في الرسوم الجمركية المفروضة على الواردات.

ويترقب مسؤولو «الفيدرالي» ما إذا كانت هذه الضغوط السعرية ستستمر، وما إذا كانت ستنعكس على التضخم الأساسي، في ظل مخاوف من سيناريو معقد يجمع بين ارتفاع التضخم وضعف النشاط الاقتصادي؛ مما يضع «البنك المركزي» أمام معادلة صعبة: إما تشديد السياسة النقدية، وإما تخفيفها.

وتوقع ويليامز أن يرتفع معدل التضخم إلى ما بين 2.75 و3 في المائة خلال العام الحالي، قبل أن يتراجع تدريجياً ليصل إلى هدف اثنين في المائة بحلول عام 2027. كما رجّح أن يتراوح معدل البطالة بين 4.25 و4.5 في المائة هذا العام، مع نمو اقتصادي بين اثنين و2.5 في المائة.


تراجع «غير متوقع» للإنتاج الصناعي الأميركي في مارس

يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
TT

تراجع «غير متوقع» للإنتاج الصناعي الأميركي في مارس

يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)

سجّل الإنتاج الصناعي في الولايات المتحدة انخفاضاً غير متوقع خلال شهر مارس (آذار)، منهياً بذلك شهرين متتاليين من المكاسب القوية، ومتأثراً بشكل رئيسي بتراجع إنتاج السيارات وعدد من السلع الأخرى.

وأعلن مجلس «الاحتياطي الفيدرالي»، يوم الخميس، أن الإنتاج الصناعي تراجع بنسبة 0.1 في المائة في مارس، بعد تعديل بيانات فبراير (شباط) لتُظهر ارتفاعاً أقوى بلغ 0.4 في المائة. وكان اقتصاديون استطلعت «رويترز» آراءهم قد توقعوا ارتفاعاً بنسبة 0.1 في المائة في مارس، بعد زيادة سابقة قدرها 0.2 في المائة في فبراير.

وعلى أساس سنوي، ارتفع الإنتاج الصناعي بنسبة 0.5 في المائة في مارس، فيما سجل نمواً بمعدل سنوي بلغ 3 في المائة خلال الربع الأول، متعافياً من انخفاض نسبته 3.2 في المائة في الربع الرابع. ويأتي هذا الأداء في وقت يُظهر فيه قطاع التصنيع، الذي يمثل نحو 10.1 في المائة من الاقتصاد الأميركي، مؤشرات تعافٍ تدريجي بعد الضغوط التي تعرض لها نتيجة الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس دونالد ترمب على الواردات.

غير أن تصاعد التوترات المرتبطة بالحرب الأميركية-الإسرائيلية مع إيران ساهم في دفع أسعار النفط إلى الارتفاع بأكثر من 35 في المائة، ما قد يضيف مزيداً من الضغوط على وتيرة التعافي الاقتصادي. وفي هذا السياق، أشار تقرير «الكتاب البيج» الصادر عن «الاحتياطي الفيدرالي»، يوم الأربعاء، إلى أن الصراع يُعد «مصدراً رئيسياً لعدم اليقين، بما يعقّد قرارات التوظيف والتسعير والاستثمار الرأسمالي»، حيث تبنّت العديد من الشركات نهج «الترقب والانتظار».

وسجّل إنتاج السيارات انخفاضاً حاداً بنسبة 3.7 في المائة، بعد ارتفاعه بنسبة 2.6 في المائة في فبراير، فيما تراجع إنتاج المعادن الأساسية والآلات، إضافة إلى الأثاث والمنتجات ذات الصلة. كما انخفض إنتاج السلع المعمرة بنسبة 0.2 في المائة، في حين تراجع إنتاج السلع غير المعمرة بنسبة 0.1 في المائة، رغم ارتفاع إنتاج البترول والفحم ومنتجات البلاستيك والمطاط.

وفي قطاع التعدين، انخفض الإنتاج بنسبة 1.2 في المائة بعد أن كان قد ارتفع بنسبة 2.1 في المائة في فبراير، بينما تراجع إنتاج الطاقة بنسبة 1.6 في المائة مع انخفاض أنشطة حفر آبار النفط والغاز بنسبة 2.4 في المائة.

وأشار «الكتاب البيج» كذلك إلى أنه رغم تسجيل نشاط طفيف في قطاع الطاقة مطلع أبريل (نيسان)، فإن العديد من المنتجين ما زالوا متحفظين حيال توسيع عمليات الحفر، في ظل استمرار حالة عدم اليقين بشأن استدامة ارتفاع الأسعار.

أما إنتاج المرافق العامة فقد تراجع بنسبة 2.3 في المائة نتيجة انخفاض الطلب على التدفئة، بعد أن كان قد ارتفع بنسبة 1.8 في المائة في فبراير. وبذلك، انخفض الإنتاج الصناعي الإجمالي بنسبة 0.5 في المائة بعد أن تم تعديل بيانات فبراير لتُظهر ارتفاعاً إلى 0.7 في المائة، مقارنة بتقدير سابق بلغ 0.2 في المائة.

وعلى أساس سنوي، ارتفع الإنتاج الصناعي بنسبة 0.7 في المائة في مارس، وسجل نمواً قدره 2.4 في المائة خلال الربع الأول. في المقابل، تراجع معدل استغلال الطاقة الإنتاجية في القطاع الصناعي، وهو مؤشر يعكس مدى استخدام الشركات لمواردها، إلى 75.7 في المائة مقارنة بـ76.1 في المائة في فبراير، ليظل أقل بنحو 3.7 نقاط مئوية من متوسطه طويل الأجل للفترة 1972–2025.

كما انخفض معدل التشغيل في قطاع التصنيع بمقدار 0.2 نقطة مئوية ليصل إلى 75.3 في المائة، وهو أقل بنحو 2.9 نقطة مئوية من متوسطه التاريخي على المدى الطويل.