مؤشرات مقلقة حول تغير توجهات الأسواق الأميركية بين مرحلتي «الثور» و«الدب»

محللون ربطوا التحول بسياسات ترمب الجمركية وتباطؤ اقتصاد الولايات المتحدة

تمثال الثور الهائج المعروف أيضاً باسم ثور وول ستريت بالحي المالي في مانهاتن (رويترز)
تمثال الثور الهائج المعروف أيضاً باسم ثور وول ستريت بالحي المالي في مانهاتن (رويترز)
TT

مؤشرات مقلقة حول تغير توجهات الأسواق الأميركية بين مرحلتي «الثور» و«الدب»

تمثال الثور الهائج المعروف أيضاً باسم ثور وول ستريت بالحي المالي في مانهاتن (رويترز)
تمثال الثور الهائج المعروف أيضاً باسم ثور وول ستريت بالحي المالي في مانهاتن (رويترز)

توقع محللون اقتصاديون احتمال تحول السوق المالية الأميركية من مرحلة «الثور» إلى مرحلة «الدب»، مؤكدين أن المؤشرات الاقتصادية والمالية بدأت تثير القلق مؤخراً.

تأتي هذه التوقعات في وقت شهدت أسواق الأسهم تراجعات حادة بعد فرض الرئيس الأميركي دونالد ترمب رسوماً جمركية هائلة لم تفرّق بين حليف وعدو، والتي أدت إلى تأجيج الهلع في الأسواق وتسجيل خسائر فادحة، وهو ما أفضى إلى طرح تساؤلات ما إذا كان هذا يعتبر «انهياراً» لسوق الأسهم.

 

ويشير مصطلح «سوق الثور» (Bull Market) إلى فترة طويلة من ارتفاع أسعار الأسهم وتفاؤل المستثمرين بخصوص الاقتصاد، وخلال هذه المرحلة، يميل المستثمرون إلى الشراء، وتزداد الثقة في الأسواق، وعادةً ما ترتفع الأرباح وأسعار الأصول.

رد فعل متداول في بورصة نيويورك بعد تسجيل المؤشرات خسائر فادحة (أ.ف.ب)

على عكس «سوق الثور»، يشير مفهوم سوق «الدب» (Bear Market) إلى انخفاض أسعار الأسهم بنسبة 20 في المائة أو أكثر من أعلى نقطة خلال الدورة الاقتصادية، مصحوباً بتشاؤم المستثمرين وزيادة عمليات البيع. تتميز هذه المرحلة عادة بتباطؤ اقتصادي أو توقعات سلبية لأداء الشركات.

وهذا يعني أن انخفاضاً بنسبة 20 في المائة من ذروته يعتبر «سوقاً هابطة... فهل نحن قريبون من هذا الوصف حالياً؟».

سنوات «الدب»

دخلت السوق الأميركية في مرحلة «الدب» في سنوات عدة، كان أبرزها عام 2000، حين سميت فقاعة الدوت كوم، نتيجة انهيار شركات التكنولوجيا التي كانت أسعار أسهمها مرتفعة بشكل مبالغ فيه. وخلال الأزمة المالية عام 2008، دخلت السوق هذه المرحلة بسبب انهيار سوق الرهن العقاري، وكذلك عام 2020 في أزمة كورونا، حيث تسبب انتشار جائحة كورونا في انهيار سريع وحاد في الأسواق المالية.

سوق العمل وأرباح الشركات

يشرح جون هاردي، رئيس استراتيجيات الاقتصاد الكلي في «ساكسو بنك»، بأن دخول السوق في مرحلة الدب يشير فقط إلى سوق الأسهم، ويمكن أن يحدث سواء كان هناك ركود أم ضعف في الاقتصاد. فـ«على سبيل المثال، كان عام 2022 عاماً سيئاً للأسهم، وشهدنا دخول السوق في (مرحلة الدب) نتيجة السياسة النقدية المتشددة من قبل (الاحتياطي الفيدرالي)، وليس بسبب ركود اقتصادي. وأعتقد أن احتمالية ظهور (مرحلة الدب) في السوق الأميركية هذا العام ستكون مرتبطة بضعف الاقتصاد».

وأوضح أن «المؤشرات التي يجب مراقبتها لتحديد المخاطر المتزايدة على الاقتصاد تتركز في سوق العمل، مثل ارتفاع طلبات إعانة البطالة وسلسلة من الانخفاضات في أرقام الوظائف الشهرية، رغم أن بيانات الوظائف كانت مضطربة منذ الجائحة. ويمكن لتقارير أرباح الشركات للربع الأول، التي تبدأ في منتصف أبريل (نيسان)، أن توفر بيانات مهمة».

شاشة تعرض انخفاض مؤشر «داو جونز» بعد إعلان ترمب عن الرسوم الجمركية (إ.ب.أ)

وعرّج هاردي إلى التعريف حول مفهوم «مرحلة الدب»، وقال: «بالنسبة للسوق نفسها، تُعرّف (مرحلة الدب) على أنها انخفاض بنسبة 20 في المائة من أعلى مستوى له في الدورة، وقد شهدنا فقط تصحيحاً بنسبة 10 في المائة في مؤشر (ستاندرد آند بورز 500) في أسوأ حالاته الأخيرة... لذلك، يجب أن يكون الانخفاض ضعف هذا المقدار لكي نعتبر أن الأسواق قد دخلت فعلياً في (مرحلة الدب). هذا المستوى يقع تحت 5 آلاف نقطة، أي حوالي 4910 نقاط تحديداً».

وكان مؤشر «ستاندرد آند بورز» قد تراجع يوم الجمعة بنسبة 5.97 في المائة ليصل إلى 5074.08 نقطة، وهو أكبر انخفاض له منذ مارس (آذار) 2020. في حين انخفض مؤشر «داو جونز الصناعي» 5.5 في المائة، إلى 38314.86، في أكبر انخفاض منذ يونيو 2020 خلال جائحة كورونا.

 

موجة بيع حادة

في المقابل، قال أرون ليزلي جون، كبير محللي السوق في «سنشري فاينانشال»، إن الأسواق الأميركية شهدت مؤخراً موجة بيع حادة استمرت أربعة أسابيع، ما أثار تساؤلات حول ما إذا كان ذلك تصحيحاً أم بداية لمرحلة الدب.

رد فعل متداول في بورصة نيويورك بعد التراجع الكبير في سوق الأسهم يوم الجمعة (إ.ب.أ)

وأضاف: «يعتبر الانخفاض بين 10 و20 في المائة تصحيحاً، وهو عادةً حاد وقصير الأجل، في حين أن التراجع بنسبة 20 في المائة أو أكثر يشير إلى سوق الدببة، الذي يميل إلى التكشف تدريجياً».

وأشار إلى ارتفاع مؤشر «فيكس» للتقلبات فوق مستوى 20 لمدة 16 جلسة متتالية الشهر الماضي، وهو ما يدل على احتمالية تقلبات قادمة دون أن يعني بالضرورة وجود ذعر حقيقي في السوق. ولفت إلى أهمية مراقبة انقلاب منحنى العائد، رغم عدم حدوثه حالياً، منبهاً إلى توقع الأسواق خفض «الاحتياطي الفيدرالي» أسعار الفائدة مرتين في 2025.

وأكد أن أرباح الشركات الأميركية لا تزال قوية، رغم تباطئها مؤخراً، مع ضرورة متابعة اتساع السوق وثقة المستهلك كمؤشرات إضافية، مضيفاً أن الدخول رسمياً في «سوق الدببة» يتحقق بإغلاق مؤشر «ستاندرد آند بورز» دون مستوى 4915.32 دولار.

السيناريوهات المحتملة

وعن السيناريوهات المحتملة التي يمكن أن تحدث في حال دخول السوق الأميركية مرحلة «الدب»، قال جون هاردي، رئيس استراتيجيات الاقتصاد الكلي في «ساكسو بنك»: «يتجلى السيناريو الأكثر وضوحاً في فقدان السوق الأميركية للزخم نتيجة ضعف الاقتصاد الأميركي وزيادة حذر المستهلكين بسبب تراجع سوق العمل، ما يدفع الشركات إلى تقليص خطط الإنفاق نظراً لحالة عدم اليقين في الطلب».

متداول يرصد تراجعات سوق الأسهم يوم الجمعة بعد تسجيلها خسائر كبيرة (رويترز)

وأضاف: «كل هذه العوامل تؤدي إلى تأثير متسلسل يعزز تراجع السوق. كما أن استجابة السياسات المالية والنقدية في هذه المرحلة قد تزيد من صعوبة التعافي من أي انكماش اقتصادي، نظراً للوضع المالي الحرج للولايات المتحدة، حيث استمرت الحكومة الفيدرالية في تسجيل عجز مالي كبير حتى في فترات النمو الاقتصادي خلال السنوات الأخيرة».

ولفت إلى أن «هناك عاملاً إضافياً يتمثل في تأثير النهج التصادمي لإدارة ترمب مع بقية العالم، حيث قد تؤدي هذه السياسة إلى عزوف عالمي متزايد عن الاستثمار في الأسهم الأميركية، خاصة في ظل حقيقة أن 70 في المائة من المحافظ الاستثمارية في الأسواق المتقدمة كانت موجهة نحو السوق الأميركية في أقصى مستويات هذه الدورة الاقتصادية».

وقت الضغوط

وقال أرون ليزلي جون من «سنشري فاينانشال» إن مؤشر «ستاندرد آند بوز 500» شهد منذ عام 2000، تسعة تصحيحات، بمتوسط خسارة 14 في المائة على مدى 83 يوماً. استغرق التعافي منها 86 يوماً في المتوسط، مع عوائد 9 في المائة في شهر واحد، و20 في المائة في ستة أشهر، و26 في المائة في عام واحد، و72 في المائة على مدى خمس سنوات. أضاف: «كما شهد دخول الأسواق في مرحلة الدب أربع مرات، بمتوسط خسارة 41 في المائة على مدى 440 يوماً. استغرق التعافي 435 يوماً في المتوسط، مع عوائد 18 في المائة في شهر واحد، و32 في المائة في ستة أشهر، و49 في المائة في عام واحد، و121 في المائة على مدى خمس سنوات».

وشرح أن الانزلاق إلى «مرحلة الدب» قد يحدث نتيجة مجموعة من العوامل المحلية والعالمية. إذ قد تستمر الآثار المتأخرة للتشديد النقدي السابق في التأثير على تكاليف الاقتراض والاستثمار والإنفاق الاستهلاكي. كما قد تتعرض أرباح الشركات لضغوط بسبب انخفاض الهوامش الناتج عن تضخم الأجور وضعف الطلب وارتفاع تكاليف المدخلات.

كما أشار إلى أن تباطؤ الإنفاق الاستهلاكي أو ارتفاع حالات التعثر في سداد الديون بسبب المستويات المرتفعة للديون سيشير إلى ضعف متزايد، وقد يؤدي إلى تدهور سوق العمل، الذي يتجلى في ارتفاع البطالة أو انخفاض خلق فرص العمل، إلى زيادة تراجع الثقة والزخم الاقتصادي.

وأوضح جون أن أسواق الأسهم قد تخضع لتصحيحات في التقييم إذا فشلت الأرباح في تبرير مستويات الأسعار المرتفعة، خاصة في القطاعات التي تركز على النمو.

عالمياً، يشكل التباطؤ الاقتصادي في الصين خطراً على التجارة العالمية والطلب على السلع الأساسية، وفق جون الذي أشار إلى الحروب التجارية التي تتسبب بها رسوم ترمب، «وهو ما يؤدي إلى إعادة إشعال الضغوط التضخمية وربما إحداث تراجع اقتصادي... كما قد تؤدي التوترات الجيوسياسية المتصاعدة إلى تعطيل التدفقات التجارية وأسواق الطاقة وحركة رأس المال عبر الحدود، مما يزيد من مخاطر الهبوط للأسواق العالمية».


مقالات ذات صلة

تذبذبات بالأسواق الأوروبية والأميركية وسط ضغوط حرب إيران

الاقتصاد تذبذبات بالأسواق الأوروبية والأميركية وسط ضغوط حرب إيران

تذبذبات بالأسواق الأوروبية والأميركية وسط ضغوط حرب إيران

اتجهت الأسواق العالمية نحو تسجيل خسائر أسبوعية، بينما ظلَّت السندات تحت ضغط، في ظلِّ تحذيرات البنوك المركزية من أنَّ الحرب الإيرانية قد تعيد إشعال فتيل التضخم.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد شاشة تعرض حركة الأسهم على مقر البورصة في جزيرة هونغ كونغ الصينية (أ.ف.ب)

«أصداء الحرب» تدفع بورصة الصين لأكبر تراجع أسبوعي منذ نوفمبر

أنهت أسهم البر الرئيسي الصيني تداولاتها يوم الجمعة على انخفاض، مسجلةً أكبر تراجع أسبوعي لها منذ نوفمبر الماضي

«الشرق الأوسط» (بكين)
متداولو العملات يراقبون شاشات بالقرب من شاشة تعرض مؤشر أسعار الأسهم الكوري المركب «كوسبي» (أ.ب)

الأسهم الآسيوية تنتعش بدعم من صائدي الصفقات

أظهرت الأسواق الآسيوية تعافياً ملحوظاً بنهاية الأسبوع، حيث اتجه المستثمرون لشراء الأسهم بأسعار منخفضة بعد عمليات بيع واسعة شهدتها الأسابيع الماضية.

«الشرق الأوسط» (سيول)
الاقتصاد صائغ يفحص الحلي الذهبية في متجر للذهب في بانكوك (أ.ف.ب)

الذهب يحاول الصمود فوق 4700 دولار... وشبح التشدد النقدي يطارده

ارتفعت أسعار الذهب يوم الجمعة مدفوعة بعمليات شراء فنية، لكنها تتجه نحو الانخفاض للأسبوع الثالث على التوالي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد منشآت شركة قطر للطاقة العاملة في مدينة رأس لفان الصناعية (أ.ف.ب)

«حرب المنشآت» تشعل أسواق الطاقة وتطغى على «بريق» الذهب

دخلت أسواق الطاقة العالمية يوم الخميس مرحلة «الخطر الشديد» حيث قفزت أسعار خام برنت لتتجاوز 119 دولاراً للبرميل

«الشرق الأوسط» (عواصم)

«مأزق هرمز»... هل صار نفط إيران «ضرورة اقتصادية» لواشنطن؟

سفن شحن في الخليج العربي قرب مضيق هرمز (رويترز)
سفن شحن في الخليج العربي قرب مضيق هرمز (رويترز)
TT

«مأزق هرمز»... هل صار نفط إيران «ضرورة اقتصادية» لواشنطن؟

سفن شحن في الخليج العربي قرب مضيق هرمز (رويترز)
سفن شحن في الخليج العربي قرب مضيق هرمز (رويترز)

تخوض إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، سباقاً محموماً مع الزمن لتأمين كل برميل نفط متاح في الأسواق العالمية، في محاولة لاحتواء أزمة طاقة متفاقمة وضعت الاقتصاد العالمي في «حالة طوارئ». فبعد 3 أسابيع من اندلاع المواجهة العسكرية مع إيران، وجدت واشنطن نفسها أمام خيارات مريرة؛ دفعها أحدها إلى رفع العقوبات مؤقتاً عن النفط الإيراني العالق في البحار، في خطوة وصفها محللون بأنها «فعل يأس» يعكس استنزاف الأدوات السياسية والاقتصادية للقوة العظمى.

ففي خطوة أثارت ذهول المراقبين، أصدرت وزارة الخزانة الأميركية ترخيصاً يسمح ببيع 140 مليون برميل من النفط الإيراني المحمّل على السفن. وبرر وزير الخزانة، سكوت بيسنت، القرار، يوم الجمعة، بأنه وسيلة لـ«استخدام البراميل الإيرانية ضد طهران نفسها» لخفض الأسعار، بينما عدّ السفير الأميركي لدى الأمم المتحدة، مايك والتز، الخطوة «مؤقتة للغاية»، بهدف «إفشال الاستراتيجية الإيرانية الرامية إلى رفع أسعار الطاقة إلى مستويات قياسية».

وأضاف والتز: «لذا، سنسمح بتصدير البراميل بشكل مؤقت إلى بعض حلفائنا مثل الهند واليابان وغيرهما، حتى لا تنجح هذه الاستراتيجية الإيرانية؛ أي النظام الإيراني».

هو الإعفاء الثالث الذي تمنحه وزارة الخزانة الأميركية مؤقتاً من العقوبات المفروضة على النفط من دول «معادية» في غضون ما يزيد قليلاً على أسبوعين، ويأتي في إطار مساعي الإدارة المتعثرة لكبح جماح أسعار الطاقة التي تجاوزت 100 دولار للبرميل، مسجلةً أعلى مستوياتها منذ عام 2022.

وكانت الإدارة قد بدأت سلسلة التنازلات هذه بتخفيف العقوبات المفروضة على النفط الروسي الموجود في البحر. كما وسعت نطاق الإعفاءات من العقوبات المفروضة على فنزويلا (في فترات سابقة) لدعم الإمدادات العالمية.

وتُعادل كمية 140 مليون برميل المتوفرة في البحر ما يقارب استهلاك النفط العالمي ليوم ونصف يوم تقريباً، وفقاً لإدارة معلومات الطاقة الأميركية.

وزير الخزانة الأميركي متحدثاً للصحافيين في باريس بعد يومين من المحادثات مع وفد صيني (رويترز)

سياسة «الأبواب المغلقة»

ونقلت الشبكة عن مصادر مطلعة، أن الولايات المتحدة استنفدت بالفعل جميع أدواتها السياسية المعتادة لتخفيف صدمة العرض التي تعصف بالاقتصاد العالمي؛ فبعد 3 أسابيع من الحرب، باتت الخيارات المتبقية تتراوح بين «غير فعالة» و«غير مقبولة بتاتاً».

ويقول المسؤول السابق في وزارة الطاقة بعهد ترمب، نيليش نيروركار: «هذا أكبر اضطراب يمكن تصوره في أسواق النفط. النقص هائل لدرجة أن الإجراءات المتاحة تبدو ضئيلة أمام كمية النفط التي لا تصل إلى السوق».

هذا الاعتراف يتقاطع مع ما ذكره المسؤول السابق في الأمن القومي، لاندون ديرينتز، الذي قال إن «الوضوح هنا هو غياب البدائل... لا أحد يملك فكرة عبقرية أخرى».

ناقلة نفط خام في ميناء فوس سور مير التجاري والصناعي جنوب فرنسا (أ.ف.ب)

«أسطول الظل»

وبينما قال بيسنت إن إتاحة هذا المخزون سيوفر إمدادات سريعة، طرح الاقتصادي جيم بيانكو رؤية مغايرة تماماً؛ إذ أوضح أن هذه البراميل ليست «مخزونات إضافية»، بل هي جزء من المعروض العالمي الفعلي الذي ينقله «أسطول الظل» بانتظام إلى الصين بخصومات كبيرة.

وكتب بيانكو في حسابه على منصة «إكس»، أن قرار واشنطن لن يضيف برميلاً واحداً جديداً للسوق؛ بل سيسمح لإيران ببيع نفطها لوجهات إضافية مثل اليابان وكوريا الجنوبية، مما يرفع سعر البرميل الإيراني نتيجة المنافسة وتوقف الخصومات.

وبحسب بيانكو، فإن النتيجة النهائية هي: «لن تنخفض الأسعار عالمياً؛ بل سيزداد ثراء الخزينة الإيرانية عبر منحها القدرة على البيع بأسعار السوق الرسمية المرتفعة».

خيارات محدودة

يُبرز رفع القيود المفروضة على النفط الإيراني محدودية الأدوات التي تمتلكها الإدارة الأميركية لكبح جماح أسعار النفط؛ فقد سمحت بالفعل بالإفراج عن كميات هائلة من النفط من الاحتياطي البترولي الاستراتيجي الأميركي، ورفعت العقوبات عن النفط الروسي الموجود في البحر، وألغت مؤقتاً العمل بقانون جونز الذي يحظر شحنات النفط بين المواني الأميركية على متن سفن ترفع أعلاماً أجنبية. ورغم هذه الإجراءات، استمرت أسعار النفط في الارتفاع؛ إذ تُشلّ الهجمات الإيرانية حركة ناقلات النفط في الخليج العربي، وتُلحق أضراراً جسيمة بمنشآت إنتاجية حيوية في الشرق الأوسط.

مصفاة بيغ سبرينغ في تكساس (أ.ف.ب)

سيولة نقدية

ما يثير ريبة المحللين والمراقبين ليس مجرد فشل هذه الخطوة في خفض الأسعار، بل الثمن الباهظ الذي ستدفعه الولايات المتحدة «أمنياً» مقابل هذا الإعفاء؛ فمن خلال السماح ببيع 140 مليون برميل بأسعار السوق الرسمية (التي تتجاوز 110 دولارات)، تمنح إدارة ترمب النظام الإيراني «قبلة حياة» مالية وتدفقات نقدية بمليارات الدولارات في ذروة الصراع.

ويؤكد المدير الإداري لشركة «أوبسيديان ريسك أدفايزرز» المتخصصة في المخاطر التنظيمية والجرائم المالية، بريت إريكسون، أن هذا الإجراء يوفر للنظام الإيراني سيولة نقدية فورية ومهمة، في وقت يسعى فيه بنشاط إلى استهداف الجنود الأميركيين في ساحة المعركة. ويضيف إريكسون: «إننا أمام مشهد سريالي؛ فبينما تقصف الطائرات الأميركية والبريطانية المواقع الإيرانية، تفتح وزارة الخزانة الأبواب لتدفق السيولة إلى طهران لتمويل صواريخها وطائراتها المسيرة». وأضاف: «هذا ليس تصرف إدارة تملك مخرجاً استراتيجياً؛ بل هو تصرف إدارة استنفدت كل أوراقها ولم يبقَ أمامها سوى ما أسميه اليأس الاقتصادي».

ونقلت صحيفة «واشنطن بوست» عن بريت إريكسون، قوله إن هذه الخطوة تعد دليلاً على أن الإدارة «لا تملك مخرجاً واضحاً»، واصفاً الأمر بـ«اليأس». ورأى أن جهود الإدارة للسيطرة على الأسعار لن يكون لها تأثير ملموس حتى يُفتح المضيق أمام السفن، وأن «تخفيف العقوبات يثير مخاوف بشأن الاستنزاف السريع لأدوات واشنطن الاقتصادية» لكبح أسعار النفط. وأضاف: «إذا وصلنا إلى مرحلة تخفيف العقوبات على الدولة التي نخوض معها حرباً، فإننا في الواقع نفقد خياراتنا».

شبكة معقدة من أنابيب ومعدات النفط الخام مع رفرفة علمي الولايات المتحدة وتكساس في الخلفية (رويترز)

في المقابل، أشاد مارك دوبويتز، الرئيس التنفيذي لمؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، وهي مؤسسة بحثية غير ربحية تُعدّ متشددة تجاه إيران، بهذا القرار. وقال: «لقد عملنا على فرض عقوبات على صناعة النفط الإيرانية لسنوات. هذه خطوة ذكية... للمساعدة في كسب المعركة ضد النظام».

وبينما يرى الصقور في واشنطن أن الخطوة تكتيك ذكي لكسر استراتيجية طهران، يظل السؤال القائم: هل تنجح مقامرة ترمب بـ«البراميل الإيرانية» في حماية المستهلك الأميركي وصناديق الاقتراع؟ أم أنها مجرد «قبلة حياة» مالية لخصم تخوض معه واشنطن حرباً مفتوحة؟


بعد سنوات من «الاستفراد»... الصين تواجه زحاماً آسيوياً على مائدة النفط الإيراني

ناقلة نفط ترفع العلم الصيني راسية في محطة نفطية بميناء تسينغ يي في هونغ كونغ الصين (رويترز)
ناقلة نفط ترفع العلم الصيني راسية في محطة نفطية بميناء تسينغ يي في هونغ كونغ الصين (رويترز)
TT

بعد سنوات من «الاستفراد»... الصين تواجه زحاماً آسيوياً على مائدة النفط الإيراني

ناقلة نفط ترفع العلم الصيني راسية في محطة نفطية بميناء تسينغ يي في هونغ كونغ الصين (رويترز)
ناقلة نفط ترفع العلم الصيني راسية في محطة نفطية بميناء تسينغ يي في هونغ كونغ الصين (رويترز)

لطالما انفردت بكين، أكبر مستورد للخام في العالم، بالحصة الكبرى من النفط الإيراني، مستفيدةً من «خصومات العقوبات» التي وفَّرت لمليارات الدولارات. غير أن هذا الاستفراد بات اليوم تحت مجهر الاختبار؛ فمع صدور الإعفاء الأميركي لمدد محددة، تجد الصين نفسها مضطرة لخوض منافسة شرسة مع قوى آسيوية أخرى كاليابان وكوريا الجنوبية، وهو ما يهدد بتبخر «امتياز الخصم» وتحول البرميل الإيراني من صيد صيني ثمين إلى سلعة تتنازعها الأسواق العالمية بأعلى الأثمان.

واستغلت بكين، التي كانت أيضاً أكبر مستورد للنفط من فنزويلا وأحد كبار مستوردي النفط من روسيا، مشترياتها من الدول الثلاث التي تواجه عقوبات غربية مختلفة لتوفير مليارات الدولارات من فاتورة وارداتها في السنوات الأخيرة.

لقد أظهرت بيانات شركة التحليلات «كبلر» لعام 2025 أن الصين تشتري أكثر من 80 في المائة من النفط الإيراني المُصدّر. وقد كان مشتري النفط الإيراني محدودين بسبب العقوبات الأميركية التي تهدف إلى قطع التمويل عن البرنامج النووي الإيراني. بحسب شركة «كبلر»، اشترت الصين ما معدله 1.38 مليون برميل يومياً من النفط الإيراني العام الماضي. ويمثل هذا نحو 13.4 في المائة من إجمالي وارداتها البحرية من النفط، والتي بلغت 10.27 مليون برميل يومياً.

مشترو النفط الإيراني في الصين

تُعدّ مصافي التكرير الصينية المستقلة، المعروفة باسم «مصافي الشاي»، والتي تتركز بشكل رئيسي في مقاطعة شاندونغ، المشترين الرئيسيين للنفط الخام الإيراني، وذلك بفضل سعره المخفّض مقارنةً بالبراميل غير الخاضعة للعقوبات. وتستحوذ «مصافي الشاي» على ما يقارب ربع طاقة التكرير الصينية، وتعمل بهوامش ربح ضيقة، وأحياناً سلبية، وقد تأثرت مؤخراً بضعف الطلب المحلي على المنتجات المكررة.

وأفاد تجار وخبراء بأن شركات النفط الحكومية الصينية الكبرى امتنعت عن شراء النفط الإيراني منذ عامي 2018، 2019.

سعر النفط الإيراني

قال تجار إن سعر خام النفط الإيراني الخفيف انخفض بنحو 8 إلى 10 دولارات للبرميل عن سعر خام برنت في بورصة إنتركونتيننتال عند التسليم إلى الصين منذ ديسمبر (كانون الأول)، بعد أن كان أقل بنحو 6 دولارات في سبتمبر (أيلول). وهذا يعني أن مصافي التكرير الصينية توفر ما بين 8 و10 دولارات للبرميل إذا اشترت خام النفط الإيراني الخفيف بدلاً من خام عُمان غير الخاضع للعقوبات، وفقاً لحسابات أحد التجار ووكالة «رويترز».

في فبراير (شباط)، اتسع الفارق بين سعر خام النفط الإيراني الخفيف وسعر خام عُمان إلى أكثر من 10 دولارات للبرميل. ومنذ الضربات الأميركية الإسرائيلية الأولى على إيران في 28 فبراير، شهدت تجارة النفط الإيراني شحاً كبيراً. وكانت الصفقات القليلة التي أُبرمت بخصم 9 دولارات للبرميل. وقد تقلصت الخصومات قليلاً بسبب عدم اليقين بشأن الإمدادات مع تصاعد الصراع.

وقدّرت شركة «إنرجي أسبيكتس» في 19 مارس (آذار) وجود ما بين 130 و140 مليون برميل من النفط الإيراني الملوث بالمياه، أي ما يعادل أقل من 14 يوماً من خسائر الإنتاج الحالية في الشرق الأوسط.

تشير بيانات شركة «كبلر» إلى أن مخزون النفط الإيراني في المياه بلغ 171.6 مليون برميل.

تأثير العقوبات الأميركية

أعادت واشنطن فرض عقوبات على طهران عام 2018، وفرضت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب عدة جولات جديدة من العقوبات على تجارة النفط الإيراني منذ توليها السلطة العام الماضي. وشملت عقوبات ترمب فرض عقوبات على ثلاث شركات صينية لتصنيع أباريق الشاي، مما أدى إلى تقليص مشتريات العديد من الشركات المستقلة متوسطة الحجم التي تخشى إدراجها على قائمة العقوبات، وفقاً لـ«رويترز».

من جهتها، ترفض بكين العقوبات الأحادية وتدافع عن مشروعية تجارتها مع إيران. وعادةً ما يصنف التجار النفط الإيراني الذي تستورده الصين على أنه مستورد من دول أخرى، مثل ماليزيا، وهي مركز رئيسي للشحن العابر، وإندونيسيا. لم تُظهر بيانات الجمارك الصينية أي شحنات نفطية من إيران منذ يوليو (تموز) 2022.


المصافي الهندية والآسيوية تتأهب لاستئناف شراء النفط الإيراني بضوء أخضر أميركي

ناقلة نفط محملة بالنفط الروسي في متنزه نارارا البحري الوطني في بحر العرب بولاية غوجارات بالهند (رويترز)
ناقلة نفط محملة بالنفط الروسي في متنزه نارارا البحري الوطني في بحر العرب بولاية غوجارات بالهند (رويترز)
TT

المصافي الهندية والآسيوية تتأهب لاستئناف شراء النفط الإيراني بضوء أخضر أميركي

ناقلة نفط محملة بالنفط الروسي في متنزه نارارا البحري الوطني في بحر العرب بولاية غوجارات بالهند (رويترز)
ناقلة نفط محملة بالنفط الروسي في متنزه نارارا البحري الوطني في بحر العرب بولاية غوجارات بالهند (رويترز)

قال تجار يوم السبت إن مصافي التكرير الهندية تخطط لاستئناف شراء النفط الإيراني، بينما تدرس مصافي التكرير في دول آسيوية أخرى هذه الخطوة، بعد أن رفعت واشنطن العقوبات مؤقتاً لتخفيف أزمة الطاقة الناجمة عن الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران.

وأفادت 3 مصادر في قطاع التكرير الهندي، بأنها ستشتري النفط الإيراني وتنتظر توجيهات الحكومة وتوضيحات من واشنطن بشأن تفاصيل مثل شروط الدفع.

وسارعت مصافي التكرير في الهند، التي تمتلك مخزونات نفط خام أصغر بكثير من كبار مستوردي النفط الآسيويين، إلى حجز النفط الروسي بعد أن رفعت الولايات المتحدة العقوبات مؤقتاً مؤخراً.

وقال عدد من المطلعين على الأمر، إن مصافي تكرير آسيوية أخرى تجري تحقيقات لمعرفة إمكانية شراء النفط.

وأعلن وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، أن إدارة ترمب أصدرت يوم الجمعة، إعفاءً من العقوبات لمدة 30 يوماً لشراء النفط الإيراني الموجود بالفعل في البحر.

ويسري الإعفاء على النفط المحمّل على أي سفينة، بما في ذلك ناقلات النفط الخاضعة للعقوبات، في أو قبل 20 مارس (آذار)، والمُفرَّغ بحلول 19 أبريل (نيسان)، وفقاً لمكتب مراقبة الأصول الأجنبية. وهذه هي المرة الثالثة التي تُصدر فيها الولايات المتحدة إعفاء مؤقتاً من العقوبات المفروضة على النفط منذ بدء الحرب.

تحرير ملايين البراميل من النفط

قال مدير أول بيانات سوق النفط الخام في شركة «كبلر»، إيمانويل بيلوسترينو، إنه يوجد نحو 170 مليون برميل من النفط الخام الإيراني في البحر، على متن سفن منتشرة من الخليج العربي إلى المياه القريبة من الصين.

وقدّرت شركة «إنرجي أسبيكتس» الاستشارية، في 19 مارس، وجود ما بين 130 و140 مليون برميل من النفط الإيراني في البحر، أي ما يعادل خسائر إنتاج الشرق الأوسط الحالية لأقل من 14 يوماً.

وتعتمد آسيا على الشرق الأوسط في 60 في المائة من إمداداتها من النفط الخام، ويُجبر الإغلاق شبه التام لمضيق هرمز هذا الشهر، المصافي في جميع أنحاء المنطقة، على العمل بمعدلات أقل وتقليص صادرات الوقود.

وقد أعاد ترمب فرض عقوبات على إيران في عام 2018 بسبب برنامجها النووي. ومنذ ذلك الحين، أصبحت الصين العميل الرئيسي للنفط الإيراني، حيث اشترت مصافيها المستقلة 1.38 مليون برميل يومياً العام الماضي، وفقاً لبيانات شركة «كبلر»، مدفوعةً بالخصومات الكبيرة، نظراً لعزوف معظم الدول عن استيراد النفط الخام بسبب العقوبات.

مشكلات أخرى تُعقّد عملية الشراء

أفاد تجار بأن من بين التعقيدات المحتملة لشراء النفط الإيراني عدم اليقين بشأن كيفية الدفع، وحقيقة أن جزءاً كبيراً منه مُخزّن على متن سفن أسطول الظل القديمة.

كما ذكر مصدران في قطاع التكرير أن بعض المشترين السابقين للنفط الإيراني، كانوا مُلزمين تعاقدياً بالشراء من شركة النفط الوطنية الإيرانية. مع ذلك، ومنذ أن أعادت الولايات المتحدة فرض العقوبات في أواخر عام 2018، أصبح النفط الإيراني يُباع في جزء كبير منه عبر تجار من أطراف ثالثة.

وقال تاجر مقيم في سنغافورة: «عادةً ما يستغرق الأمر بعض الوقت لإتمام إجراءات الامتثال والإدارة والمعاملات المصرفية، وما إلى ذلك، لكنني أعتقد أن الناس سيحاولون إنجاز العمل في أسرع وقت ممكن».

إلى جانب الصين، شملت قائمة كبار مشتري النفط الخام الإيراني قبل إعادة فرض العقوبات، كلاً من الهند وكوريا الجنوبية واليابان وإيطاليا واليونان وتايوان وتركيا.