«بيع اليابان»... لحظة تخشاها الأسواق وتقلق واشنطن

طوكيو عالقة بين الدفاع عن الين والسندات وحماية سوق الدين الأميركي

سائح يمر أمام لوحة دعائية لجبل فوجي في مطار العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ف.ب)
سائح يمر أمام لوحة دعائية لجبل فوجي في مطار العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ف.ب)
TT

«بيع اليابان»... لحظة تخشاها الأسواق وتقلق واشنطن

سائح يمر أمام لوحة دعائية لجبل فوجي في مطار العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ف.ب)
سائح يمر أمام لوحة دعائية لجبل فوجي في مطار العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ف.ب)

تواجه اليابان واحدة من أكثر اللحظات الاقتصادية والمالية حساسية منذ عقود، مع تحول أزمة الين الضعيف إلى معضلة عالمية تمس أسواق السندات الأميركية واستقرار النظام المالي الدولي، في وقت تتزايد فيه رهانات المستثمرين على ما باتت الأسواق تسميه «بيع اليابان» أو Japan Sell، أي اهتزاز الثقة المتزامن في العملة والسندات والسياسة النقدية اليابانية، ما قد يسفر عن موجة حادة من التخلص من الأصول اليابانية، والتي سيتبعها حتماً اندفاع ياباني لبيع السندات الأميركية من أجل محاولة إنقاذ اقتصادها، وهو ما سيسفر عن اضطراب اقتصادي عالمي.

وخلال اجتماعات مجموعة السبع الأخيرة، حاولت طوكيو إرسال رسائل طمأنة للأسواق، بعدما أكدت وزيرة المالية اليابانية ساتسوكي كاتاياما أن السلطات «مستعدة للتحرك في أي وقت» لمواجهة التقلبات المفرطة في سوق العملات، لكنها شددت في الوقت نفسه على ضرورة تنفيذ أي تدخل بطريقة لا تؤدي إلى اضطراب سوق سندات الخزانة الأميركية.

ويعكس هذا التصريح حجم التعقيد الذي يواجه ثالث أكبر اقتصاد في العالم. فاليابان لم تعد تحاول فقط إنقاذ الين، بل أصبحت مضطرة أيضاً إلى حماية علاقتها المالية الحساسة مع الولايات المتحدة، التي تعتمد بشكل كبير على استقرار سوق السندات الأميركية وسط تصاعد العجز المالي وارتفاع تكاليف الاقتراض.

وخلال الأسابيع الأخيرة، تصاعدت الضغوط على الين بصورة حادة، بعدما اقترب مجدداً من مستوى 160 يناً للدولار، وهو المستوى الذي تعتبره السلطات اليابانية «خطاً أحمر» نفسياً وسياسياً. ودفعت هذه التطورات طوكيو إلى تنفيذ تدخلات واسعة في سوق الصرف عبر شراء الين وبيع الدولار، في أول تحرك مباشر بهذا الحجم منذ نحو عامين.

سيدة تمر أمام شاشة تعرض حركة الأسواق المالية في العاصمة اليابانية طوكيو (إ.ب.أ)

وتشير تقديرات الأسواق حالياً إلى أن إجمالي التدخلات اليابانية منذ نهاية أبريل (نيسان) ربما تجاوز 12 تريليون ين، أي ما يعادل نحو 75 إلى 82 مليار دولار، بعدما شهدت الأسواق عدة موجات صعود مفاجئة للين خلال جلسات التداول الآسيوية الضعيفة.

ورغم نجاح هذه التدخلات مؤقتاً في دفع العملة اليابانية من حدود 160 إلى قرب 155 يناً للدولار، عاد الين لاحقاً إلى التراجع مع استمرار قوة الدولار وارتفاع العوائد الأميركية، ما عزز شكوك المستثمرين في قدرة طوكيو على تغيير الاتجاه العام للسوق.

• معضلة أكبر من العملة

ويرى محللون أن أزمة الين تجاوزت منذ فترة كونها مجرد قضية نقدية أو مالية، لتتحول إلى أزمة معيشية وسياسية داخل اليابان نفسها، مع ارتفاع تكاليف الواردات والطاقة والغذاء، وتآكل القوة الشرائية للأسر اليابانية بصورة غير مسبوقة منذ سنوات طويلة.

لكن المعضلة الأكبر بالنسبة لطوكيو لا تتعلق فقط بسوق العملات، بل بكيفية تمويل التدخلات دون التسبب في صدمة داخل سوق الدين الأميركي. فاليابان تمتلك نحو 1.4 تريليون دولار من احتياطيات النقد الأجنبي، معظمها مستثمر في سندات الخزانة الأميركية، ما يجعلها أحد أكبر الدائنين للولايات المتحدة. وللحصول على الدولارات اللازمة لدعم الين، قد تضطر السلطات اليابانية نظرياً إلى بيع جزء من هذه السندات، وهنا تكمن الحساسية الكبرى. فأي عمليات بيع واسعة لسندات الخزانة الأميركية قد تؤدي إلى ارتفاع إضافي في العوائد الأميركية، وهو ما يعزز قوة الدولار أكثر ويقوض فعالية التدخل الياباني نفسه. ولهذا، أصبح هناك تنسيق شبه يومي بين وزارة المالية اليابانية ووزارة الخزانة الأميركية بشأن إدارة التدخلات المحتملة وتفادي أي اضطرابات غير مرغوبة في سوق الدين الأميركي.

رجل يمر أمام مقر بنك اليابان المركزي في العاصمة طوكيو (رويترز)

• موقف معقد في واشنطن

وتدرك واشنطن أن اليابان تمثل عاملاً حاسماً في استقرار سوق السندات الأميركية، خصوصاً في وقت ترتفع فيه العوائد بالفعل بسبب التضخم والحرب الإيرانية وتزايد الإنفاق الحكومي الأميركي.

ومن هنا، تبدو الولايات المتحدة في موقف معقد: فهي تدعم استقرار الين وتفهم مخاوف طوكيو، لكنها لا تريد في الوقت نفسه تدخلاً يابانياً واسعاً يؤدي إلى اضطراب أكبر سوق سندات في العالم.

وفي الخلفية، بدأ المستثمرون العالميون يتحدثون بشكل متزايد عن سيناريو «بيع اليابان»، وهو مفهوم يشير إلى تزامن الضغوط على الين والسندات اليابانية والأسهم والأصول المحلية، بما يعكس اهتزاز الثقة في قدرة بنك اليابان على إدارة الخروج من عصر السياسة النقدية فائقة التيسير.

وهذه النقطة تحديداً أصبحت مصدر قلق كبير للأسواق العالمية، لأن اليابان ليست اقتصاداً عادياً، بل إحدى الركائز الأساسية للنظام المالي الدولي، سواء من خلال الين كعملة تمويل عالمية، أو عبر حجم سوق السندات اليابانية، أو من خلال التدفقات الاستثمارية اليابانية الضخمة حول العالم.

وفي الداخل، يواجه بنك اليابان بقيادة المحافظ كازو أويدا معضلة معقدة تتعلق بمستقبل السياسة النقدية وبرنامج «التشديد الكمي» الذي بدأه تدريجياً منذ عام 2024.

فبعد عقود من أسعار الفائدة شبه الصفرية وبرامج شراء السندات الضخمة، يحاول البنك المركزي تقليص حيازاته الهائلة من السندات الحكومية، التي لا تزال تبلغ نحو 500 تريليون ين، أي ما يعادل أكثر من 3 تريليونات دولار... لكن ارتفاع العوائد وتقلبات السوق أجبرا البنك على إعادة تقييم سرعة التخارج من سياساته القديمة.

وبحسب مصادر مطلعة نقلت عنها «رويترز»، فإن بنك اليابان لا يستبعد الآن إبطاء أو حتى تعليق خطط تقليص مشتريات السندات إذا استمرت اضطرابات السوق الحالية. وفي الوقت نفسه، تتزايد التوقعات بأن يرفع البنك المركزي أسعار الفائدة خلال اجتماعه في يونيو (حزيران) أو يوليو (تموز)، لكن بوتيرة رمزية وحذرة للغاية.

رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي في إحدى جلسات البرلمان السابقة بالعاصمة طوكيو (أ.ف.ب)

• حساسية استثنائية

وتكمن المشكلة في أن أي رفع سريع للفائدة قد يؤدي إلى ارتفاع حاد في عوائد السندات اليابانية، وهو ما قد يرفع تكلفة خدمة الدين العام الياباني، الذي يُعد الأكبر في العالم مقارنة بحجم الاقتصاد.

وتحمل هذه النقطة حساسية استثنائية لأن بنك اليابان يمتلك حالياً نحو 49 في المائة من إجمالي السندات الحكومية اليابانية المتداولة، ما يجعل أي تغيير في سياسته النقدية مؤثراً مباشرة على استقرار السوق وتكلفة تمويل الدولة.

كما بدأت صناديق التحوط العالمية تراهن بصورة متزايدة ليس فقط ضد الين، بل أيضاً ضد السندات اليابانية طويلة الأجل، في اختبار واضح لقدرة بنك اليابان على السيطرة على منحنى العائد ومنع انفلات العوائد.

وحذر عضو مجلس إدارة بنك اليابان هاجيمي تاكاتا أخيراً من أن تقليص مشتريات السندات بسرعة كبيرة قد يؤدي إلى «تقلبات مفرطة» أو حتى تدهور أداء السوق إذا لم تتم إدارة العملية بحذر شديد.

محافظ بنك اليابان كازو أويدا في مؤتمر صحافي سابق بمقر البنك المركزي في العاصمة طوكيو (إ.ب.أ)

• سيناريوهات الأزمة

وفي هذا السياق، يناقش بنك اليابان حالياً ثلاثة سيناريوهات رئيسية خلال اجتماعه المقبل، الأول يتمثل في وقف تقليص مشتريات السندات مؤقتاً والإبقاء على وتيرة الشراء الحالية البالغة نحو تريليوني ين شهرياً. أما الثاني فهو الاستمرار في تقليص المشتريات بالمعدل الحالي البالغ 200 مليار ين كل ثلاثة أشهر. بينما يقضي السيناريو الثالث، الذي يراه كثير من المحللين الأكثر ترجيحاً، بإبطاء التخفيض إلى 100 مليار ين فقط كل ثلاثة أشهر لتخفيف الضغوط على الأسواق.

لكن مهما كان القرار النهائي، فإن الأسواق تدرك أن اليابان باتت تواجه اختباراً بالغ الحساسية: فهل يستطيع بنك اليابان إنهاء عصر الأموال الرخيصة دون التسبب في أزمة ديون أو انهيار في سوق السندات؟

ولا تقتصر تداعيات هذا السؤال على اليابان وحدها، بل تمتد إلى الاقتصاد العالمي بأكمله. فأي اضطراب حاد في الين أو السندات اليابانية أو سوق الدين الأميركي قد ينعكس سريعاً على أسعار الفائدة والعملات والأسهم عالمياً. كما أن استمرار ضعف الين يزيد الضغوط التنافسية على الاقتصادات الآسيوية الأخرى، ويدفع المستثمرين إلى إعادة تقييم رهاناتهم على مسار أسعار الفائدة العالمية.

وفي ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية، وارتفاع أسعار الطاقة، واستمرار الضغوط على الاقتصاد الصيني، تبدو اليابان اليوم أمام اختبار لا يتعلق فقط بمستقبل عملتها، بل بمستقبل واحدة من أهم ركائز النظام المالي العالمي، فالمعضلة اليابانية لم تعد مجرد أزمة ين أو سندات، بل تحولت إلى اختبار عالمي لقدرة البنوك المركزية على إنهاء عصر السيولة الرخيصة دون زعزعة استقرار أسواق الدين الدولية.


مقالات ذات صلة

انقسامات بين أكبر اقتصادات العالم بشأن فائض الإنتاج

الاقتصاد الممثل التجاري الأميركي جيميسون غرير يتحدث خلال اليوم الثاني من المؤتمر الوزاري للتجارة لمجموعة العشرين في مدينة ميلووكي بولاية ويسكونسن - 1 أكتوبر الحالي (أ.ف.ب)

انقسامات بين أكبر اقتصادات العالم بشأن فائض الإنتاج

قال مكتب الممثل التجاري الأميركي إن «عدداً قليلاً» من وزراء التجارة في مجموعة العشرين رفضوا دعوات الولايات المتحدة للحد من فائض الطاقة الإنتاجية الصناعية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد منظر عام لميدان تقسيم في إسطنبول (رويترز)

أزمة صناديق الاستثمار تدفع تركيا لتعديل قوانين الأسواق

تتحرك تركيا لتعديل قانون أسواق رأس المال في محاولة لاحتواء الاضطرابات التي ضربت جزءاً من قطاع صناديق الاستثمار

«الشرق الأوسط» (أنقرة)
الاقتصاد محطة للوقود في العاصمة الألمانية برلين (رويترز)

أوروبا تتحرك لاحتواء أزمة الديزل وتهديدات واشنطن

تصاعدت المواجهة بين أوروبا والولايات المتحدة حول أزمة الوقود العالمية، الجمعة، بعدما رفض الاتحاد الأوروبي تهديداً أميركياً بحظر صادرات الديزل.

«الشرق الأوسط» (عواصم)
الاقتصاد عاملات في مصنع لتعبئة التمور بمدينة بني خالد بتونس (إ.ب.أ)

أسعار الغذاء العالمية تقترب من ذروة 4 سنوات

ارتفعت أسعار الغذاء العالمية خلال سبتمبر (أيلول) إلى أعلى مستوياتها في نحو 4 سنوات، مع تزايد تأثير اضطرابات الشحن والمخاوف المناخية على أسواق المحاصيل

«الشرق الأوسط» (روما)
الاقتصاد مقر البنك المركزي في العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)

اليابان تعلن انتهاء عصر التيسير المفرط

أعلنت الحكومة اليابانية انتهاء المرحلة التي كان فيها الاقتصاد بحاجة إلى سياسة نقدية مفرطة في التيسير لدفع التضخم إلى الارتفاع

«الشرق الأوسط» (طوكيو)

«وكالة الطاقة الدولية»: الدول الأعضاء ضخَّت 325 مليون برميل من مخزونات النفط

صهاريج لتخزين النفط في ميناء بهامبورغ (رويترز)
صهاريج لتخزين النفط في ميناء بهامبورغ (رويترز)
TT

«وكالة الطاقة الدولية»: الدول الأعضاء ضخَّت 325 مليون برميل من مخزونات النفط

صهاريج لتخزين النفط في ميناء بهامبورغ (رويترز)
صهاريج لتخزين النفط في ميناء بهامبورغ (رويترز)

أعلنت «وكالة الطاقة الدولية»، السبت، أن الدول الأعضاء أفرجت حتى الآن عن 325 مليون برميل من النفط ومشتقاته من المخزونات الاستراتيجية، من أصل 400 مليون تعهَّدت بضخها في مارس (آذار)، بعيد اندلاع الحرب في الشرق الأوسط.

يأتي ذلك غداة موافقة دول مجموعة السبع، بالاتفاق مع الوكالة الدولية، على الإفراج فوراً عن 100 مليون برميل من وقود الديزل والنفط الخام لتخفيف المخاوف بشأن إمدادات الطاقة العالمية الناجمة عن تداعيات الحرب.

ولم توضح مجموعة السبع ما إذا كانت الـ100 مليون برميل تشمل الـ75 مليوناً المتبقية من التعهُّد السابق، أم أنها ستكون إضافة إليها.


قادة أفارقة يدعون من مصر إلى الاستفادة من رؤوس أموال القارة

السيسي خلال افتتاحه «منتدى العلمين - أفريقيا» (رئاسة الجمهورية)
السيسي خلال افتتاحه «منتدى العلمين - أفريقيا» (رئاسة الجمهورية)
TT

قادة أفارقة يدعون من مصر إلى الاستفادة من رؤوس أموال القارة

السيسي خلال افتتاحه «منتدى العلمين - أفريقيا» (رئاسة الجمهورية)
السيسي خلال افتتاحه «منتدى العلمين - أفريقيا» (رئاسة الجمهورية)

دعا قادة أفارقة خلال قمة للأعمال في مصر، السبت، إلى تعبئة الموارد المالية في القارة، مؤكدين أن أفريقيا قادرة على «تحقيق نتائج أفضل بكثير» في تمويل نموها وتقليل اعتمادها على التمويل الخارجي.

وجمع اللقاء، الذي يستمر 3 أيام في مدينة العلمين المصرية على البحر المتوسط، أكثر من 20 رئيس دولة وممثلين عن حكومات، إلى جانب قادة أعمال ومصرفيِّين ومؤسسات تنموية.

وقال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال افتتاح «منتدى العلمين - أفريقيا» في نسخته الأولى، إن القطاع الخاص في أفريقيا لا يزال المحرِّك الاقتصادي الرئيسي للقارة، إذ يمثِّل أكثر من 70 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي.

لكنه أشار إلى أن الشركات الأفريقية لا تزال أكثر ارتباطاً بالأسواق خارج القارة منها بالدول المجاورة.

وقال: «من اللافت أن نحو 85 في المائة من معاملات القطاع الخاص الأفريقي تتم مع شركات من خارج القارة»، مضيفاً أن المنتدى يهدف إلى مساعدة الشركات الأفريقية على تحديد الفرص الأقرب إليها وبناء شراكات عابرة للحدود.

وقال رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، محمود علي يوسف، إن تقدماً تحقق، لكن أفريقيا لا تزال تملك إمكانات كبيرة غير مستغَلة. وأضاف: «في عام 2024، بلغت التجارة البينية الأفريقية 220 مليار دولار، ما يمثل 14.4 في المائة من تجارة قارتنا».

ونمت التجارة بين الدول الأفريقية بنسبة 12.4 في المائة في 2024، بعدما سجَّلت انكماشاً بنسبة 5.9 في المائة في العام السابق.

وعدَّ يوسف ذلك أمراً مشجِّعاً، لكنه أضاف أن «أفريقيا قادرة على تحقيق نتائج أفضل بكثير».

ومن المقرر أن يصبح المنتدى حدثاً يُعقَد كل عامين بتفويض من الاتحاد الأفريقي، مع التركيز على البنية التحتية والتجارة والزراعة والرعاية الصحية والتعدين والتكنولوجيا والطاقة المتجددة.

وبعدما ركَّزت طويلاً على الشرق الأوسط والبحر المتوسط، تتجه مصر بشكل متزايد جنوباً؛ سعياً إلى استعادة نفوذها في قارة وسَّعت فيها الصين وقوى خليجية، لا سيما الإمارات، حضورها الاقتصادي والسياسي.

ويقدر مسؤولون الاستثمارات المصرية في أفريقيا بنحو 14 مليار دولار، بما في ذلك مشروع جوليوس نيريري للطاقة الكهرمائية في تنزانيا بقيمة 3 مليارات دولار.

قطاع السيارات الأفريقي

شهدت فعاليات المنتدى جلسة بعنوان «تحليل معمق للسياسات: سياسات صناعة السيارات» ضمن فعاليات «منتدى الاستثمار في قطاع السيارات بأفريقيا»، الذي عُقد في مدينة العلمين يومَي 2 و3 أكتوبر (تشرين الأول)، وركز على «إطلاق العنان لإمكانات صناعة السيارات في أفريقيا في ظلِّ اتفاقية التجارة الحرة القارية الأفريقية (AfCFTA)».

جمع المنتدى - الذي نظَّمه البنك الأفريقي للتصدير والاستيراد (Afreximbank) بالتنسيق مع الرابطة الأفريقية لمصنعي السيارات، ووزارة الاستثمار والتجارة الخارجية المصرية - نخبة من كبار صناع السياسات والمؤسسات المالية ومصنعي المعدات الأصلية وقادة الصناعة؛ وذلك لبحث سبل جذب مزيد من الاستثمارات في قطاع السيارات، وتعزيز القدرات التصنيعية، وبناء سلاسل قيمة إقليمية أكثر تنافسية.

وأكدت الدكتورة جيهان صالح، المستشارة الاقتصادية في شركة «لينكس» للاستشارات والأبحاث الاقتصادية، التي تشارك في برنامج تنمية صناعة السيارات في مصر، أن السؤال لم يعد يتمحور حول ما تريد أفريقيا تحقيقه، بل حول كيفية الانتقال من مرحلة الطموح إلى مرحلة التنفيذ الفعلي.

وأشارت خلال مشاركتها في الجلسة إلى أنه «في حين تعمل الدول الأفريقية على تطوير سياساتها الصناعية وسياسات قطاع السيارات الخاصة بها، فإن الاستراتيجيات الوطنية لا يمكن أن تعمل بمعزل عن بعضها بعضاً إذا كان الهدف هو بناء صناعة سيارات أفريقية متكاملة حقاً. لذا، فإن تعزيز مواءمة السياسات، وتوحيد اللوائح والمعايير، وتحديد خرائط واضحة لقدرات كل دولة - بدءاً من المواد الخام والمكونات ووصولاً إلى التصنيع والمهارات والطاقة والخدمات اللوجستية والوصول إلى الأسواق - يُعدُّ أمراً جوهرياً لربط الاستراتيجيات الوطنية في سلسلة قيمة قارية تنافسية».

كما سلَّطت مداخلة الدكتورة جيهان الضوء على مبدأ مهم هو: لا توجد دولة أفريقية واحدة بحاجة إلى بناء سلسلة القيمة الكاملة للسيارات بمفردها؛ إذ تكمن فرصة أفريقيا في دمج قدراتها المتنوعة ومزاياها النسبية لتشكيل منظومة إقليمية أكثر إنتاجية ومرونة وتنافسية ضمن سلاسل القيمة العالمية للسيارات.

وترى شركة «لينكس» للاستشارات، أن هذه النقاشات تكتسب أهميةً خاصةً في ظلِّ التحولات الجذرية التي تشهدها صناعة السيارات على الأصعدة التكنولوجية والجيوسياسية وسلاسل التوريد.

وأضافت: «عكست مناقشات المنتدى هذه التحديات، بما في ذلك تطوير الموردين وتوطين الصناعة، وتشتت الأطر التنظيمية، وتوحيد الإجراءات الجمركية والمعايير، وتنفيذ سياسات قطاع السيارات، ومركبات الطاقة الجديدة، وتطوير سلاسل التوريد والقيمة الإقليمية».


مجموعة السبع تقر سحب 100 مليون برميل من مخزونات الديزل والنفط

من المقرر أن تجتمع مجموعة السبع مع وكالة الطاقة الدولية لتنسيق السحب من المخزونات في المرحلة المقبلة (رويترز)
من المقرر أن تجتمع مجموعة السبع مع وكالة الطاقة الدولية لتنسيق السحب من المخزونات في المرحلة المقبلة (رويترز)
TT

مجموعة السبع تقر سحب 100 مليون برميل من مخزونات الديزل والنفط

من المقرر أن تجتمع مجموعة السبع مع وكالة الطاقة الدولية لتنسيق السحب من المخزونات في المرحلة المقبلة (رويترز)
من المقرر أن تجتمع مجموعة السبع مع وكالة الطاقة الدولية لتنسيق السحب من المخزونات في المرحلة المقبلة (رويترز)

اتفقت دول مجموعة السبع، مساء الجمعة، على سحب 100 مليون برميل من الديزل والنفط الخام من احتياطات الطوارئ، في خطوة رحب بها الرئيس الأميركي دونالد ترمب في ظل مساعيه لتهدئة الارتفاع الحاد في أسعار الوقود المرتبط بالحرب مع إيران.

وأشعل الصراع أكبر عملية سحب من مخزونات الطوارئ في التاريخ، نسقتها وكالة الطاقة الدولية في مارس (آذار).

وقالت مجموعة السبع في بيان مشترك: «مع الأخذ في الاعتبار الالتزامات التي جرى الوفاء بها بالفعل، سننفذ التزاماتنا من خلال سحب منسق عبر وكالة الطاقة الدولية يبلغ 100 مليون برميل».

وأضافت أن العملية ستبدأ على الفور وتستمر أربعة أشهر، مع سحب كبير ومبكر عن الديزل خلال 20 يوماً من جانب دول مجموعة السبع وشركائها.

ولم يحدد البيان توزيعاً لكميات النفط الخام والديزل وغيرها من المنتجات المقرر السحب منها، ولم يذكر الدول التي ستشارك.

وأضاف البيان: «سنجتمع في إطار وكالة الطاقة الدولية في الأيام المقبلة لمناقشة إمكان إجراء عمليات إضافية للسحب (من احتياطات) الديزل حسب الضرورة».

وكتب ترمب في منشور على منصة «تروث سوشال» بعد القرار: «وافقت أوروبا للتو على سحب كمية هائلة من مخزونها الضخم من وقود الديزل. وستبدأ العملية على الفور».

ويسعى الرئيس الأميركي إلى خفض أسعار الوقود المحلية قبل انتخابات التجديد النصفي في الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني).

وقال لصحافيين في البيت الأبيض، قبيل مغادرته إلى ولاية ألاباما، إن الولايات المتحدة لن تفرض حظراً على تصدير الديزل. وأشار إلى أن هذه الخطة لم تكن مطروحة بجدية من الأساس، وذلك رغم أنه ذكر مراراً خلال الأسبوعين الماضيين بأن فرض حظر كهذا كان قيد الدراسة وأنه يؤيد الفكرة.

وأضاف ترمب: «لدى أوروبا مخزون كبير من الديزل، وستقدم إسهاماً عالمياً رئيسياً، وكذلك سنفعل نحن. لن نفرض حظراً على التصدير، بل سنقوم بما يتعين علينا القيام به».

كانت حرب إيران قد أدت في مارس إلى أكبر عملية سحب من المخزونات الطارئة على الإطلاق، إذ سحبت الدول 400 مليون برميل بتنسيق من وكالة الطاقة الدولية.

ونقلت «رويترز» عن ثلاثة مصادر مطلعة يوم الخميس قولها، إن إدارة ترمب أبلغت في وقت سابق ألمانيا وفرنسا بضرورة السحب من مخزونات الديزل المخصصة للطوارئ، وإلا فستواجهان حظراً أميركياً محتملاً على صادراته.

وقال بيان مجموعة السبع إن الدول الأعضاء ستمتنع عن فرض قيود على صادرات منتجات الطاقة فيما بينها.

وقالت ثلاثة مصادر مطلعة على مناقشات حكومات دول الاتحاد الأوروبي، وفقاً لـ«رويترز»، إن الحكومات بحثت يوم الجمعة مقترحاً فرنسياً يقضي بأن تسحب الدول الأوروبية 50 مليون برميل من الديزل، وأن تسحب الدول الأعضاء في وكالة الطاقة الدولية 50 مليون برميل من النفط الخام.