تضارب الآراء في «الفيدرالي» بشأن وتيرة خفض الفائدة

الأنظار تتجه إلى البيانات القادمة

مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» في واشنطن (رويترز)
مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» في واشنطن (رويترز)
TT

تضارب الآراء في «الفيدرالي» بشأن وتيرة خفض الفائدة

مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» في واشنطن (رويترز)
مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» في واشنطن (رويترز)

لم يكن هناك إجماع كامل في «الاحتياطي الفيدرالي» عندما صوت الأسبوع الماضي لتخفيض أسعار الفائدة بمقدار نصف نقطة مئوية، حيث اعترض صانع سياسة واحد، وأظهرت التوقعات الاقتصادية أن البعض كان متردداً في بدء دورة التيسير النقدي بتحرك كبير.

وقد تساعد بيانات التضخم الجديدة المقررة يوم الجمعة في توضيح ما إذا كان المصرف المركزي الأميركي يتجه نحو تخفيض كبير آخر، كما يتوقع كثير من المستثمرين، أو تخفيض أصغر. لكن كما أظهر اجتماع السياسة في 17-18 سبتمبر (أيلول)، يمكن لمسؤولي «الفيدرالي» أن يستنتجوا نفس البيانات بطرق مختلفة اعتماداً على ما يعتبرونه أكثر أهمية، وأي جدول زمني يؤكدونه، والمخاطر التي يهتمون بها أكثر، وفق «رويترز».

سوق العمل هي «الأولوية»

ستكون بيانات الوظائف حاسمة في هذا السياق. لقد جعل رئيس «الاحتياطي الفيدرالي»، جيروم باول، الدفاع عن انخفاض معدل البطالة هدفاً رئيسياً لفترته، حيث يشعر بالقلق من أن المخاطر على سوق العمل تتزايد. تشير الأدلة في تقارير سوق العمل القادمة، بما في ذلك تقرير الوظائف لشهر سبتمبر المقرر في 4 أكتوبر (تشرين الأول)، إلى ضرورة اتخاذ تخفيضات أكبر أو أسرع في أسعار الفائدة.

قال باول في المؤتمر الصحافي بعد الاجتماع في 18 سبتمبر: «هناك كثير من مؤشرات التوظيف، وماذا تقول؟ تقول إن سوق العمل لا يزال قوياً». وأشار إلى أن معدل البطالة الحالي، البالغ 4.2 في المائة، هو أقل من المتوسط التاريخي للولايات المتحدة. لكنه أضاف أن مسار عدة جوانب من سوق العمل «يحتاج إلى مراقبة دقيقة».

وتشير مجموعة واسعة من المؤشرات إلى أن ظروف سوق العمل أصبحت أقل تشدداً مما كانت عليه قبل جائحة كوفيد-19، وهي فترة يعتبرها باول منطقة حلوة مع بطالة منخفضة مستدامة وأجور ترتفع بمعدل ثابت وغير تضخمي.

التضخم قد يكون منخفضاً جداً

كان «الفيدرالي» يعاني لمدة تقارب العقد بعد الأزمة المالية 2007-2009 من تضخم ظل دون هدفه البالغ 2 في المائة على الرغم من سنوات من السياسة النقدية الميسرة.

لماذا القلق بشأن ذلك؟ بينما قد يجادل البعض بأن التضخم بنسبة صفر في المائة سيكون أفضل لتحقيق تفويض «الاحتياطي الفيدرالي» لاستقرار الأسعار، يعتقد المصرفيون المركزيون في جميع أنحاء العالم أن بعض التضخم المعتدل يحافظ على الشركات والمستهلكين في حالة تفاؤل، مما يمنح حافزاً مدمجاً للإنفاق والاستثمار والتوظيف بدلاً من التردد في انتظار انخفاض الأسعار أو الأجور، وهي وصفة لدورة مدمرة من الانكماش.

وفي تحول مفاجئ في التركيز، أشار محافظ الاحتياطي «الفيدرالي» كريستوفر والر، وهو صوت رئيسي في معركة المركزي ضد التضخم لمدة عامين، الأسبوع الماضي إلى أنه على مدى فترة ثلاثة أو أربعة أشهر، كان التضخم يعمل الآن دون الهدف وقد ينخفض أكثر إذا تباطأت زيادات تكاليف السكن كما هو متوقع.

وقال والر في مقابلة مع شبكة «سي إن بي سي»: «هذا هو ما جعلني أشعر بالتردد قليلاً... التضخم يتراجع بشكل أسرع مما كنت أعتقد أنه سيحدث»، مضيفاً أن هذا الإدراك جعله «يدعم» التخفيض بمقدار نصف نقطة مئوية الأسبوع الماضي.

تضخم ضيق

غالباً ما أشار رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» في أتلانتا، رافائيل بوستيك، إلى اتساع التضخم في جميع أنحاء الاقتصاد كحجة رئيسية للتحفظ بشأن تخفيض الأسعار بسرعة كبيرة. لكن تلك المخاوف تلاشت إلى حد كبير. أصبح التضخم الشهري متركزاً بشكل متزايد في قطاع الإسكان، ما دفع بوستيك لدعم تخفيض أسعار الفائدة الأسبوع الماضي، وهو ما لم يتوقع أن يكون مبرراً حتى وقت لاحق من العام.

قال بوستيك بعد اجتماع 17-18 سبتمبر: «تقلص نطاق الزيادات السعرية بما يتماشى مع استقرار الأسعار». وكانت حصة العناصر التي ترتفع بنسبة 5 في المائة أو أكثر في يوليو (تموز) فقط 18 في المائة، وهو أدنى مستوى منذ 2020 ومقارنة بالمعدل التاريخي الطويل البالغ 17 في المائة.

وجهة نظر «صقور» الاحتياطي الفيدرالي

كفئة بشكل عام حذرة من المخاطر، لا أحد في «الفيدرالي» متحمس لإعلان النصر على التضخم، والذي يعتبر، بالنظر إلى أحداث السنوات الأخيرة، طريقة مؤكدة لاستفزاز القدر. والأهم من ذلك، أن عضوة الاحتياطي الفيدرالي، ميشيل بومان، التي اعترضت على التخفيض بمقدار نصف نقطة مئوية لصالح تخفيض بمقدار ربع نقطة، أبقت منطقها بسيطاً: التضخم لا يزال مرتفعاً جداً، وقد يؤدي تخفيض الأسعار الآن إلى إعادة إشعال الطلب والإنفاق قبل أن يتم قمع ضغوط الأسعار حقاً.

وباستخدام نفس البيانات مثل والر وآخرين، قامت بومان بتفسيرها من خلال عدسة مختلفة حيث لا تزال مخاطر التضخم موجودة، وأبقت تركيزها على المعدل السنوي المستخدم لتحديد هدف «الفيدرالي»، وليس التقديرات قصيرة الأجل التي أكد عليها والر.

وقالت بومان: «لا يزال الاقتصاد الأميركي قوياً، والتضخم الأساسي يبقى فوق هدفنا البالغ 2 في المائة بشكل غير مريح»، مضيفة: «إن خفض سعر السياسة بسرعة كبيرة يحمل خطر إطلاق الطلب المكبوت. سيساعد نهج أكثر توازناً أيضاً في تجنب تحفيز الطلب بشكل غير ضروري وإعادة إشعال ضغوط التضخم».

نظرة باركين

من جانبه، أشار رئيس «الفيدرالي» في ريتشموند، توم باركين، إلى دعمه لتخفيض معدل الفائدة الرئيسي «إلى حد ما» من المستوى الحالي، لكنه ليس مستعداً بعد للتخلي تماماً عن أدوات التحكم في الاقتصاد. وفي مقابلة مع وكالة «أسوشييتد برس» يوم الخميس، أكد أن الاقتصاد يظهر «قوة مثيرة للإعجاب»، مشيراً إلى التقارير القوية الأخيرة حول مبيعات التجزئة، ومطالبات البطالة، والنمو خلال الربع الذي يمتد من أبريل (نيسان) إلى يونيو (حزيران)، الذي سجل نسبة نمو صحية تصل إلى 3 في المائة.

وقال باركين إنه مع اقتراب التضخم والبطالة من المستويات الطبيعية، من المقبول تقليل مستوى القيود إلى حد ما (في إشارة إلى تخفيض أسعار الفائدة). ولكنه أضاف: «لست مستعداً بعد لإعلان النصر على التضخم، ولذلك لن أعود إلى الوراء تماماً إلى المستوى الذي لم يعد يقيّد الاقتصاد»، والذي يشير إليه الاقتصاديون بالمستوى «المحايد». وتقدر تقديرات المستوى المحايد حالياً بنحو 3 في المائة إلى 3.5 في المائة، وهو أقل بكثير من المستوى الحالي الذي يبلغ 4.8 في المائة.

وأوضح أن أحد العوامل الرئيسية التي دعمت موقفه هو المسار المعتدل نسبياً لتخفيضات الفائدة المتوقع من قبل «الفيدرالي» لبقية هذا العام وعبر عام 2025، كما ورد في مجموعة التوقعات التي أصدرها في 18 سبتمبر. حيث أظهرت هذه التوقعات تخفيضين فقط بمقدار ربع نقطة في وقت لاحق من هذا العام وأربعة في العام المقبل، وهو أقل مما كان يتوقعه كثير من المستثمرين والاقتصاديين.

ووصف باركين هذه التوقعات بأنها سلسلة «محسوبة للغاية» من تخفيضات الفائدة، بالإضافة إلى «وجهة نظر إيجابية إلى حد ما» بشأن الاقتصاد، ما ساعد في تفنيد أي تصور بأن التخفيض الحاد الذي قام به «الفيدرالي» هذا الشهر يعكس «ذعراً» بشأن الاقتصاد.

وقال إن التضخم من المحتمل أن يستمر في التراجع على المدى القريب، لكنه يشعر ببعض المخاطر من أن يكون عنيداً في العام المقبل. وأوضح أن النزاع في الشرق الأوسط قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط، ما سيرفع التضخم، وأن الفائدة المنخفضة قد تسرع من مشتريات المنازل والسيارات، ما سيرفع الأسعار إذا لم يواكب العرض.

وأضاف: «التضخم لا يزال أعلى من المستهدف، ونحتاج إلى البقاء يقظين تجاه ذلك».


مقالات ذات صلة

أزمة السندات الأميركية: ديون قياسية وتكاليف حرب ترهق الموازنة

الاقتصاد أوراق من الدولار الأميركي (رويترز)

أزمة السندات الأميركية: ديون قياسية وتكاليف حرب ترهق الموازنة

أدت مخاطر التضخم إلى ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأميركية منذ اندلاع المواجهة الأميركية الإسرائيلية - الإيرانية التي أشعلت أسعار الطاقة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد موظفون بقاعة التداول في بورصة نيويورك (أ.ب)

مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» يسجل أسوأ أداء ربع سنوي منذ 2022

يسجل مؤشر الأسهم الأميركية الرئيسي أسوأ أداء ربع سنوي له منذ 4 سنوات؛ مما يعكس انخفاضاً واضحاً في إنفاق المستثمرين؛ بسبب مخاوف التضخم.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد أرفف مليئة بالفاكهة داخل سوبر ماركت في برلين (رويترز)

تضخم منطقة اليورو يقفز إلى 2.5 % بفعل صدمة أسعار الطاقة

تجاوز التضخم بمنطقة اليورو هذا الشهر هدف «البنك المركزي الأوروبي» البالغ اثنين في المائة؛ نتيجة ارتفاع أسعار النفط والغاز، مما زاد تعقيد معضلة السياسة النقدية.

«الشرق الأوسط» (فرنكفورت (ألمانيا) )
الاقتصاد حافلة تمرّ عبر الحيّ المالي في لندن (رويترز)

اقتصاد بريطانيا ينهي 2025 بنمو هامشي... وآفاق 2026 رهينة «حرب إيران»

أظهرت بيانات رسمية، الثلاثاء، أن الاقتصاد البريطاني أنهى عام 2025 بأداء ضعيف، إذ سجّل نمواً هامشياً، ما يزيد من تعقيد مهمة الحكومة في تحفيز النشاط الاقتصادي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد باول يلقي كلمة أمام الطلاب في جامعة هارفارد (أ.ب)

باول: توقعات التضخم «مستقرة» رغم صدمة الطاقة

قال رئيس مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» جيروم باول، يوم الاثنين، إن توقعات التضخم على المدى الطويل تبدو «مستقرة وراسخة» حتى الآن.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

انتعاش حذر في «وول ستريت» مع تباطؤ وتيرة ارتفاع النفط

متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ب)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ب)
TT

انتعاش حذر في «وول ستريت» مع تباطؤ وتيرة ارتفاع النفط

متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ب)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ب)

انتعشت الأسواق الأميركية، الثلاثاء، مع تباطؤ وتيرة ارتفاع أسعار النفط، وسط تداعيات الحرب المستمرة مع إيران.

وقفز مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 1.2 في المائة، بعد أن فقد أكثر من 9 في المائة من أعلى مستوياته القياسية التي سجلها مطلع العام. وارتفع مؤشر «داو جونز» الصناعي 400 نقطة، أي بنسبة 0.9 في المائة بحلول الساعة 9:35 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، بينما سجل مؤشر «ناسداك» المركب ارتفاعاً بنسبة 1.6 في المائة.

وجاء هذا الانتعاش بعد استقرار أسعار النفط الذي خفف بعض الضغوط على «وول ستريت». فقد انخفض سعر برميل خام برنت، المعيار الدولي، بنسبة طفيفة تقل عن 0.1 في المائة ليصل إلى 107.37 دولاراً، في حين ارتفع خام غرب تكساس الوسيط الأميركي بنسبة 0.7 في المائة، وفق «وكالة أسوشييتد برس».

ولطالما كانت أسعار النفط المحرك الرئيسي لتقلبات سوق الأسهم الأميركية منذ اندلاع الحرب، حيث ارتفع خام برنت من حوالي 70 دولاراً للبرميل إلى مستويات وصلت إلى 119 دولاراً أحياناً. ويخشى المستثمرون من استمرار الحرب لفترة طويلة، ما قد يقيد تدفقات النفط والغاز الطبيعي من الخليج العربي إلى الأسواق العالمية، ويؤدي إلى موجة تضخم جديدة.

وأفاد محللون بأن التفاؤل ساد الأسواق ليلة أمس بعد تقرير نشرته «وول ستريت جورنال»، مفاده أن الرئيس دونالد ترمب أبلغ مساعديه استعداده لإنهاء الحملة العسكرية الأميركية ضد إيران، حتى في ظل استمرار إغلاق جزئي لمضيق هرمز، الممر المائي الحيوي الذي يربط الخليج العربي بالمحيط، وتمر عبره خُمس صادرات النفط العالمية يومياً.

ورغم تصريحات ترمب على شبكته الاجتماعية، التي دعا فيها المملكة المتحدة ودولاً أخرى إلى «التوجه إلى المضيق والاستيلاء عليه»، فقد أثرت تصريحاته الأخيرة بشأن المحادثات المثمرة مع إيران وتهديده بمحطات الطاقة الإيرانية على معنويات السوق بشكل معتدل.

ضغوط على المستهلكين والشركات

ارتفعت أسعار النفط إلى مستويات قياسية دفعت التضخم في أوروبا إلى 2.5 في المائة في مارس (آذار)، بعد أن كان 1.9 في المائة في فبراير (شباط). وفي الولايات المتحدة، تجاوز سعر غالون البنزين 4 دولارات لأول مرة منذ 2022، ما يضغط على ميزانيات الأسر، ويقلل قدرتها على الإنفاق في القطاعات الأخرى. وتأثر بذلك أيضاً قطاع الشركات التي تعتمد على النقل البري والبحري والجوي لنقل منتجاتها.

قطاع الشركات يتحرك مع تباطؤ أسعار الوقود

أسهم تباطؤ أسعار النفط، يوم الثلاثاء، في صعود أسهم الشركات ذات تكاليف الوقود المرتفعة، حيث ارتفع سهم شركة «نورويجيان كروز لاين القابضة» بنسبة 2.9 في المائة، والخطوط الجوية الأميركية بنسبة 1.3 في المائة.

وكانت أسهم قطاع التكنولوجيا المحرك الأبرز للأسواق، إذ ارتفع سهم «مارفيل تكنولوجي» بنسبة 7.6 في المائة بعد استثمار «إنفيديا» ملياري دولار في الشركة وإعلان شراكة استراتيجية معها. وسجل سهم «إنفيديا» ارتفاعاً بنسبة 1.9 في المائة، ليظل السهم الأكثر تأثيراً على «وول ستريت» نظراً لحجمه الكبير.

تراجع عوائد السندات وتأثيره على القروض

في سوق السندات، انخفضت عوائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات إلى 4.30 في المائة من 4.35 في المائة، بعد أن كانت 4.44 في المائة في نهاية الأسبوع الماضي، مما يمثل تحركاً مهماً لسوق الدخل الثابت. ومن المتوقع أن يسهم هذا التراجع في خفض أسعار الفائدة على قروض الرهن العقاري وغيرها من القروض للأسر والشركات الأميركية، التي شهدت ارتفاعات حادة منذ بداية الحرب.

وكان عائد سندات الخزانة لأجل عشر سنوات قد سجل 3.97 في المائة في أواخر فبراير، قبل أن تتسبب المخاوف بشأن ارتفاع أسعار النفط في إلغاء آمال المتداولين في خفض محتمل لأسعار الفائدة من قبل مجلس الاحتياطي الفيدرالي هذا العام.

على الصعيد العالمي، عادت الأسواق الأوروبية للارتفاع بعد موجة تراجع حاد في آسيا، حيث انخفض مؤشر «كوسبي» الكوري الجنوبي بنسبة 4.3 في المائة، وخسر مؤشر «نيكي 225» الياباني 1.6 في المائة، مسجلين اثنين من أكبر التحركات الأخيرة.


كيف تُسهم حرب الشرق الأوسط في ارتفاع تكاليف الشحن؟

سفن شحن تبحر عبر الخليج العربي كما تُرى من عجمان بالإمارات العربية المتحدة (أ.ب)
سفن شحن تبحر عبر الخليج العربي كما تُرى من عجمان بالإمارات العربية المتحدة (أ.ب)
TT

كيف تُسهم حرب الشرق الأوسط في ارتفاع تكاليف الشحن؟

سفن شحن تبحر عبر الخليج العربي كما تُرى من عجمان بالإمارات العربية المتحدة (أ.ب)
سفن شحن تبحر عبر الخليج العربي كما تُرى من عجمان بالإمارات العربية المتحدة (أ.ب)

تُظهر بيانات قطاع الشحن أن إغلاق إيران لمضيق هرمز، أحد أهم الممرات التجارية في العالم، أدى إلى ارتفاع كبير في تكاليف نقل الوقود والبضائع على مستوى العالم.

وجاء هذا الارتفاع نتيجة تقلص الطاقة الاستيعابية، إذ تفضِّل كثير من السفن البقاء داخل الخليج؛ تجنباً لمخاطر الاستهداف في حال الإبحار، في حين تلجأ سفن أخرى إلى اتخاذ مسارات بديلة أطول وأكثر تكلفة لتفادي المرور عبر المضيق. كما أسهم تراجع تدفقات النفط في رفع أسعار وقود السفن، وفق «وكالة الأنباء الفرنسية».

وقال رولف هابن يانسن، الرئيس التنفيذي لشركة «هاباغ لويد»، إحدى كبرى شركات شحن الحاويات، الأسبوع الماضي: «اضطررنا إلى تعليق الحجوزات من وإلى منطقة الخليج العربي، إذ لم نعد قادرين على إدخال السفن أو إخراجها»، مقدّراً أن الحرب رفعت التكاليف بما يتراوح بين 40 و50 مليون دولار أسبوعياً.

وأضاف خلال مؤتمر صحافي: «يرتبط جزء كبير من هذه الزيادة بارتفاع أسعار وقود السفن، لكننا شهدنا أيضاً صعوداً في تكاليف التأمين وتخزين الحاويات والنقل البري، فضلاً عن خروج 6 سفن من الخدمة، ما قلّص الطاقة التشغيلية المتاحة».

وفيما يلي أبرز 5 مؤشرات تعكس تأثير الأزمة على تكاليف الشحن:

1- تأجير ناقلات النفط

قفزت تكلفة استئجار ناقلات النفط منذ بدء الغارات الأميركية والإسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط)، وما تبعها من ضربات انتقامية في المنطقة.

فقد تضاعف متوسط «الأرباح» - وهو مؤشر قياسي غير مباشر لتكاليف التأجير - لأكثر من 3 أضعاف منذ 26 فبراير، ليتجاوز 330 ألف دولار يومياً لناقلات النفط الخام الكبيرة من فئة «سويزماكس»، وفق بيانات مجموعة «كلاركسونز».

كما ارتفعت تكاليف ناقلات الغاز الطبيعي المسال على المسار المرجعي بين الولايات المتحدة واليابان إلى نحو 90 ألف دولار يومياً، أي نحو 3 أضعاف خلال الفترة نفسها.

2- تكاليف شحن النفط

قال بيتر نورفولك، متخصص تسعير الشحن في «بلاتس» التابعة لشركة «إس آند بي غلوبال إنرجي»، إن تكاليف نقل النفط ارتفعت بشكل حاد عقب اندلاع الحرب.

وأوضح أن تكلفة شحن النفط الخام من الخليج العربي إلى الصين على متن ناقلة عملاقة من فئة «VLCC» ارتفعت من 46 دولاراً للطن المتري في نهاية فبراير إلى نحو 3 أضعاف خلال أيام، قبل أن تتراجع إلى نحو 64 دولاراً بنهاية مارس (آذار)، مضيفاً: «في الواقع، لا يكاد يوجد تحميل يُذكر حالياً».

ويمرُّ عبر مضيق هرمز نحو خُمس إمدادات النفط الخام والغاز الطبيعي المسال العالمية في أوقات السلم.

3- تكاليف الحاويات

أفادت شركة استشارات بحرية دولية بأنَّ السعر الفوري لشحن حاوية بطول 40 قدماً ارتفع بنسبة تتراوح بين 20 في المائة و25 في المائة على الطرق الرئيسية من الشرق الأقصى إلى أوروبا والساحل الغربي للولايات المتحدة.

وتراوح سعر الحاوية على الخط الأوروبي بين 2200 و2700 دولار. كما أدت «رسوم الحرب» الإضافية إلى زيادة تكاليف الشحن من الشرق الأقصى إلى الخليج العربي والبحر الأحمر بنحو 200 في المائة خلال الفترة بين 20 فبراير و20 مارس.

كما فرضت القيود المشددة على الملاحة عبر مضيق هرمز تغييرات واسعة في أنماط الشحن، حيث علّقت الشركات الحجوزات، وعدَّلت مسارات السفن، ولجأت إلى تفريغ الحمولات في مراكز إقليمية بديلة أكثر أماناً.

4- ارتفاع أسعار وقود السفن

ارتفعت أسعار وقود السفن بشكل حاد منذ اندلاع الحرب، حيث تضاعفت تقريباً وبلغت ذروتها عند 1053 دولاراً للطن المتري في 20 مارس.

وبحلول 31 مارس، استقرَّت الأسعار عند أكثر من 936 دولاراً للطن، مقارنة بنحو 540 دولاراً عشية اندلاع الصراع، وفق بيانات منصة «فاكتسيت».

5- أقساط التأمين

ارتفعت تكاليف التأمين ضد مخاطر الحرب إلى مستويات قياسية، إذ قد تصل إلى عشرات الملايين من الدولارات لرحلة واحدة عبر مضيق هرمز، في ظلِّ قيمة السفن والشحنات التي تبلغ مئات الملايين.

وقدّر ديفيد سميث، رئيس قسم التأمين البحري في شركة الوساطة «ماكغيل»، أن أقساط التأمين تتراوح بين 3.5 في المائة و10 في المائة من قيمة السفينة، ما يضيف عبئاً مالياً كبيراً على شركات الشحن.


رئيس «كبلر»: آسيا الأكبر تضرراً من أزمة الطاقة الناجمة عن الحرب

سفن شحن قرب مضيق هرمز في ظل الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران... يوم 11 مارس 2026 (رويترز)
سفن شحن قرب مضيق هرمز في ظل الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران... يوم 11 مارس 2026 (رويترز)
TT

رئيس «كبلر»: آسيا الأكبر تضرراً من أزمة الطاقة الناجمة عن الحرب

سفن شحن قرب مضيق هرمز في ظل الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران... يوم 11 مارس 2026 (رويترز)
سفن شحن قرب مضيق هرمز في ظل الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران... يوم 11 مارس 2026 (رويترز)

تواجه الدول الآسيوية أزمة طاقة حادة مع الحرب الإيرانية، وسط تراجع كبير في شحنات النفط الخام وندرة البدائل، وفق ما أفادت به شركة «كبلر»، المختصة في تحليلات النقل البحري العالمي.

وقال رئيس الشركة، جان ماينييه، من مقرها في سنغافورة، في مقابلة مع «وكالة الصحافة الفرنسية»: «نعتقد أن آسيا ستكون، في الوقت الراهن، الأكبر تضرراً».

وأدت الحرب، التي اندلعت بضربات أميركية - إسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، إلى شبه توقف في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية، إضافة إلى كميات كبيرة من الغاز الطبيعي.

وأحدث ذلك صدمة قوية في أسواق الطاقة العالمية، انعكست في ارتفاع الأسعار على المستهلكين حول العالم.

وأوضح ماينييه أن آسيا تفتقر إلى موارد طاقة كافية لسد هذا النقص، قائلاً: «في الصين، وكذلك في دول كبرى مثل الفلبين وإندونيسيا، لا توجد بدائل كافية؛ مما يجعلها أزمة طاقة حقيقية».

وأشار إلى أن الإغلاق شبه الكامل لمضيق هرمز دفع الحكومات إلى اتخاذ إجراءات استثنائية، مثل إعلان الفلبين حالة طوارئ وطنية في قطاع الطاقة، مضيفاً: «الوضع صعب للغاية بالنسبة إلى آسيا، ولسنا متفائلين إذا استمر على هذا النحو».

شح النفط الخام

قال ماينييه: «يكاد تدفق النفط الخام إلى آسيا يتوقف حالياً، ولا توجد بدائل مجدية لواردات الطاقة من الشرق الأوسط في ظل استنزاف المخزونات».

وأضاف أنه رغم توقع الهجوم على إيران، فإن توقيته ومدة الصراع شكّلا مفاجأة، خصوصاً بالنسبة إلى آسيا، التي تواجه الآن أزمة طاقة حقيقية.

وتُعد شركة «كبلر»، ومقرها بروكسل، التي تأسست عام 2014 وتمتلك منصة «مارين ترافيك»، من أبرز شركات تحليل البيانات وتتبع حركة السفن عالمياً.

مراقبة مضيق هرمز

تتابع «كبلر» من كثب حركة الملاحة في مضيق هرمز منذ اندلاع الحرب. ورغم إعلان مسؤولين عسكريين إيرانيين السيطرة على الممر المائي واستهداف سفن «معادية»، فإن بعض السفن لا تزال تخاطر بالعبور... فقد عبرت 17 سفينة شحن المضيق خلال عطلة نهاية الأسبوع، منها 12 سفينة يوم السبت، وهو من أعلى أيام العبور نشاطاً منذ 1 مارس (آذار). ومع ذلك، فلم يتجاوز إجمالي العبور 196 سفينة خلال الشهر حتى مساء الاثنين، وهو انخفاض حاد مقارنة بما قبل الحرب.

ومن بين هذه السفن، كان معظم 120 ناقلة نفط وغاز متجهاً شرقاً خارج المضيق.

السفن المختفية

تعتمد «كبلر»، التي توفر بيانات آنية لنحو ألف شركة، على الأقمار الاصطناعية والطائرات المسيّرة وتقنيات متقدمة أخرى لتتبع حركة السفن.

وقال ماينييه: «دمج هذه الأدوات مع البيانات التي نحصل عليها من شراكات مختلفة يتيح لنا فهم ما يحدث فعلياً، بما في ذلك حالات اختفاء السفن».

وأوضح أن «السفن المختفية» - وغالباً ما تكون ناقلات نفط أو سفن شحن - توقف عمداً أو تغير في أجهزة التتبع الخاصة بها للتهرب من أنظمة المراقبة العامة، مثل نظام «مارين ترافيك».

وأضاف: «تسعى هذه السفن إلى الإفلات من الرصد، وغالباً ما تكون مرتبطة بعمليات تهريب أو نقل شحنات خاضعة للعقوبات».

وأشار إلى أن «كبلر» تستخدم صور الأقمار الاصطناعية والبيانات البحرية وهوائيات الرصد الساحلي لإعادة بناء مسارات السفن التي تختفي عن الأنظار، مؤكداً: «من الصعب تحقيق دقة كاملة، لكننا قادرون على تتبع أكثر من 90 في المائة من النشاط خلال الوقت الفعلي».