قد يؤيد أفكارك ويتجاهل أعراضاً خطيرة... مخاطر استشارة الذكاء الاصطناعي نفسياً

شعار «شات جي بي تي» يظهر في صورة توضيحية على لوحة مفاتيح (رويترز)
شعار «شات جي بي تي» يظهر في صورة توضيحية على لوحة مفاتيح (رويترز)
TT

قد يؤيد أفكارك ويتجاهل أعراضاً خطيرة... مخاطر استشارة الذكاء الاصطناعي نفسياً

شعار «شات جي بي تي» يظهر في صورة توضيحية على لوحة مفاتيح (رويترز)
شعار «شات جي بي تي» يظهر في صورة توضيحية على لوحة مفاتيح (رويترز)

يتزايد اعتماد الأطفال والبالغين على روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي للحصول على المشورة والدعم النفسي، بدلاً من اللجوء إلى المختصين في بعض الحالات. ورغم ما قد توفره هذه الأدوات من مساعدة في فهم المشاعر وإعادة صياغة الأفكار، يحذّر خبراء من مخاطر استخدامها بديلاً عن الرعاية النفسية المتخصصة، خصوصاً أنها قد تؤيد أفكار المستخدم دون تمحيص، أو تفشل في رصد أعراض تشير إلى اضطرابات نفسية خطيرة، وفقاً لصحيفة «إندبندنت».

وكشفت بيانات استطلاع شمل ألفي طفل بريطاني، تتراوح أعمارهم بين 11 و17 عاماً، أجرته مؤسسة «بارناردو» والجمعية الوطنية للاستشارات والعلاج النفسي، أن 43 في المائة منهم استخدموا الذكاء الاصطناعي للحصول على المشورة أو الدعم النفسي.

ويبدو أن البالغين يتجهون نحو النمط نفسه؛ إذ أظهر «مؤشر بوبا للرفاهية لعام 2026» أن ما يقرب من 3 من كل 5 بالغين، أي 57 في المائة، يختارون حالياً روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي بدلاً من حجز موعد مع طبيب عام، بسبب ضيق الوقت.

وترتفع هذه النسبة إلى 65 في المائة بين الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و24 عاماً، وإلى 61 في المائة لدى الفئة العمرية بين 25 و34 عاماً.

وفي هذا السياق، تحدث الدكتور دانييل مسعود، استشاري الطب النفسي في مركز «سنترال هيلث لندن» (Central Health London)، والمتخصص في الطب النفسي العام للبالغين وعلاج الإدمان، عن الدوافع والفوائد والمخاطر المرتبطة بالاعتماد على هذه التقنيات للحصول على الدعم النفسي.

روبوتات الدردشة قد تبالغ في تأييد المستخدم وتفتقر إلى الموضوعية

من أبرز المخاطر التي يشير إليها مسعود أن نماذج الذكاء الاصطناعي مصممة لتكون تفاعلية وتميل إلى موافقة المستخدم على آرائه، بدلاً من التشكيك فيها أو إخضاعها للتقييم الموضوعي.

ويقول: «نماذج اللغة الكبيرة (LLMs)، مثل (تشات جي بي تي)، مُدرَّبة على تأييد وجهة نظرك؛ لذا فهي لا تشكك بالضرورة في المعلومات التي تقدمها لها».

ويوضح بمثال: «إذا قلت لها: (أنا قلق من أن أمي تحاول تسميمي)، فستتعامل مع ذلك على أنه حقيقة، وستقدم لك نصائح بناءً عليه».

ويضيف: «وبالتالي، فإنها تقدم المشورة انطلاقاً من منظور المريض أو المعلومات التي يرويها، بدلاً من تبنّي رؤية أكثر موضوعية. وفي المقابل، من المرجح أن يكون الطبيب النفسي البشري أكثر فضولاً وتدقيقاً في المعلومات المطروحة، وقد يتساءل عما إذا كان الشخص يعاني من جنون الارتياب (البارانويا)، أو ربما من حالة ذهانية».

احتمال عدم اكتشاف أعراض نفسية مهمة

يحذّر مسعود أيضاً من احتمال أن تفشل روبوتات الدردشة في التعرف على أعراض قد تشير إلى مشكلات نفسية تستدعي تدخلاً متخصصاً.

ويقول: «تعتمد روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي على المنطق والأوامر التي تتلقاها، وهي ليست مُدرَّبة على التعرف على الأنماط المرتبطة بحالات الصحة النفسية المحددة».

ويضيف: «ما يحدث أحياناً هو أن أعراضاً مهمة، كان من الممكن التعامل معها عبر المسارات المخصصة لخدمات الصحة النفسية، تضيع ولا يجري رصدها».

ويتابع: «سيكون أمراً رائعاً لو تمكنت النماذج اللغوية الكبيرة من اكتشاف مشكلات الصحة النفسية الخطيرة بصورة أفضل، مثل الذهان. لكنني اختبرت ذلك بنفسي، وأدخلت أوامر قد تشير إلى وجود مرض، ومع ذلك لم تنجح الروبوتات في اكتشافه».

غياب الوضوح بشأن تدابير الحماية

من بين المخاوف الأخرى التي يثيرها الطبيب النفسي عدم وضوح الإجراءات الوقائية التي تعتمدها الشركات المطوّرة لأنظمة الذكاء الاصطناعي عند التعامل مع حالات الاضطرابات النفسية الشديدة.

ويحذّر مسعود قائلاً: «لا يوجد وضوح كافٍ بشأن تدابير الحماية التي تضعها الشركات المطوّرة لهذه النماذج اللغوية الكبيرة للتعامل مع حالات الأمراض النفسية الشديدة».

خطر تكوين علاقة زائفة مع روبوت الدردشة

يشير مسعود إلى أن بعض المستخدمين قد يطوّرون ارتباطاً عاطفياً بروبوتات الدردشة، إلى درجة تصبح معها هذه الأدوات أشبه بطرف ثالث في علاقاتهم الشخصية.

ويقول: «قد يطوّر بعض الأشخاص علاقات مع روبوتات الدردشة الخاصة بهم، لدرجة أنها تصبح أشبه بطرف ثالث في علاقاتهم الشخصية».

ويضيف: «من الصعب جداً وضع حدود صارمة بشأن مدى ملاءمة اعتماد الشخص على هذا النموذج للحصول على الدعم؛ فأحياناً يستخدم الأشخاص هذه الروبوتات بديلاً عن العلاج النفسي، ويطرحون عليها أسئلة عميقة للغاية، في حين أنها لا تمتلك بالضرورة الخبرة أو الإجابات المناسبة للتعامل مع مثل هذه الأمور».

فوائد محتملة في فهم المشاعر وإعادة صياغة الأفكار

رغم هذه المخاطر، يرى مسعود أن روبوتات الدردشة قد توفر بعض الفوائد في مجال الدعم النفسي العام، لا سيما عندما يواجه الأشخاص صعوبة في التعبير عن مشاعرهم وأفكارهم.

ويقول: «في بعض الأحيان، قد لا يمتلك المرضى القدرة اللغوية للتعبير بوضوح عما يمرون به، أو عما يفكرون فيه ويشعرون به. وهنا قد يساعدهم التحدث إلى روبوت الدردشة في فهم وجهة نظرهم الخاصة وترتيب مشاعرهم».

ويشير إلى أن روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي يمكن أن تساعد الأفراد، في ظروف مناسبة، في إعادة صياغة أفكارهم وتبنّي ما يُعرف بـ«عقلية النمو».

ويوضح: «يمكن لهذه الروبوتات أحياناً مساعدة الأشخاص في إعادة صياغة الأفكار الصعبة التي قد تراودهم؛ فعلى سبيل المثال، إذا اعتقد شخص أن مديره يكرهه، أو واجه موقفاً صعباً في العمل، يمكن لروبوتات الدردشة غالباً تقديم نصائح بسيطة بشأن كيفية التعامل مع مثل هذه المواقف مستقبلاً، والاستفادة منها لتحقيق النمو الشخصي».


مقالات ذات صلة

«لا نملك السيطرة على مجريات حياتنا»... كيت ميدلتون تتحدّث عن «قوة الطبيعة» في التعافي

يوميات الشرق الأميرة البريطانية كيت ميدلتون (أ.ف.ب) p-circle

«لا نملك السيطرة على مجريات حياتنا»... كيت ميدلتون تتحدّث عن «قوة الطبيعة» في التعافي

تحدّثت الأميرة البريطانية كيت ميدلتون عن تجربتها الشخصية مع التعافي، وتأملت في التحديات التي يواجهها الإنسان حين يفقد القدرة على التحكم في مجريات حياته.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق التعامل مع الأشخاص المزعجين قد يتسبب في استنزاف قدر كبير من الطاقة النفسية (بيكسلز)

دون أن تفقد هدوءك النفسي... كيف تتعامل مع الشخص المزعج؟

قد يتسبب التعامل مع بعض الأشخاص المزعجين في استنزاف قدر كبير من الطاقة النفسية، خصوصاً عندما يكون الاحتكاك بهم أمراً لا يمكن تجنبه، مثل زملاء العمل أو الدراسة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
علوم العبء الرقمي الزائد: كيف نتغلب على إجهاد الشاشات ومتطلبات الحياة الرقمية مع التقدم في العمر؟

العبء الرقمي الزائد: كيف نتغلب على إجهاد الشاشات ومتطلبات الحياة الرقمية مع التقدم في العمر؟

التغيرات الفسيولوجية المرتبطة بتقدم العمر تضاعف تأثيراته

مورين سالامون (كمبردج (ولاية ماساتشوستس الأميركية))
يوميات الشرق تجنّب التوتر قد يكون أمراً صعباً في ظل التحديات العالمية لكن الخبر السار يتمثل في إمكانية إصلاح الضرر الحاصل داخل جسمنا (بيكسلز)

التوتر المزمن قد يسرّع شيخوختك... 4 نصائح لتخفيف تأثيراته

قد يكون الشعور بالتوتر من حين إلى آخر جزءاً طبيعياً من الحياة اليومية، لكن استمراره لفترات طويلة قد يترك آثاراً تتجاوز الحالة النفسية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق الحديث عن شخصية خيالية يساعد الطفل على التعبير عن جوانب من شخصيته بطريقة غير مباشرة (بيكسلز)

بدلاً من «كيف كان يومك؟»... 5 أسئلة تكشف مشاعر طفلك وتقرّبك منه

قد يسأل الآباء أبناءهم يومياً: «ماذا فعلت اليوم؟»، أو «كيف كان يومك في المدرسة؟»، لكن الإجابات غالباً ما تأتي مقتضبة: «لا شيء» أو «جيد».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

«وعد ووعد»... مواجهة افتراضية بين ربيع العمر وخريفه

المواجهة بين زمن الشباب وزمن الشيخوخة على مسرح «شغل بيت» (الشرق الأوسط)
المواجهة بين زمن الشباب وزمن الشيخوخة على مسرح «شغل بيت» (الشرق الأوسط)
TT

«وعد ووعد»... مواجهة افتراضية بين ربيع العمر وخريفه

المواجهة بين زمن الشباب وزمن الشيخوخة على مسرح «شغل بيت» (الشرق الأوسط)
المواجهة بين زمن الشباب وزمن الشيخوخة على مسرح «شغل بيت» (الشرق الأوسط)

هل سبق أن تخيّلت نفسك في عمر متقدّم، وكيف ستكون بعد 25 أو 50 سنة؟ فكرة قد لا تراود كثيرين، لكنها شكّلت مدخلاً لمواجهة بين زمنين مختلفين لشخص واحد، اسمه وعد. وقد وضعها الكاتب ديمتري ملكي، بالتعاون مع المخرج شادي الهبر، في إطار عمل مسرحي بعنوان «وعد ووعد»، عُرض مؤخراً بمناسبة الذكرى العاشرة لتأسيس مسرح «شغل بيت». والعمل من بطولة إبراهيم الحسيني، وعلي بيضون.

سهّلت بعض التطبيقات الإلكترونية استيعاب فكرة مماثلة، من خلال تقنيات متطوّرة تُظهر الشخص في عمر متقدّم. ومن باب الفضول، استخدم كثيرون تطبيقات من هذا النوع، ورسموا صورة افتراضية لأنفسهم في زمن الشيخوخة. كذلك تطرّقت برامج تلفزيونية إلى الموضوع نفسه، أبرزها «حكايتي مع الزمان»، الذي قدّمته الإعلامية منى أبو حمزة عبر إحدى الشاشات العربية. وكانت فكرته ترتكز على استضافة ضيفين لخوض التجربة، بمساعدة فريق عالمي متخصّص في المكياج، يتولّى تحويل ملامحهما ليبدوا أكبر سنّاً بنحو 25 أو 50 عاماً. وتتمحور الأسئلة حول همومهما المستقبلية ومدى تقبّلهما فكرة التقدّم في العمر.

لكن المخرج شادي الهبر قرّر وضع زمن الشباب وزمن الشيخوخة تحت مجهر المسرح. ومن خلال حوار شيّق يتناول أحلام الشباب وخيبات الأمل والحبّ لدى شخص واحد في عمرين مختلفين، يولّد العمل حالة من العبثية، ويضع المشاهد أمام مواجهة بين الإنسان وصورته المستقبلية، حيث تتقاطع الأحلام مع الخيبات، وتُطرح أسئلة عن الذات وما يبدّله الزمن فيها.

تبدأ الحكاية على مقعد خشبي في حديقة عامة، حيث يجلس رجل في الثمانين من عمره غارقاً في قراءة كتاب. وفجأة، يظهر شاب في مقتبل العمر يجلس إلى جانبه، لتبدأ بينهما محادثة حول الكتاب، الذي يتبيّن أنه كتاب الحياة بما تحمله من دروس نتعلّمها مع مرور الزمن.

يلعب بطولة «وعد ووعد» إبراهيم الحسيني وعلي بيضون (الشرق الأوسط)

يحمل الرجلان الاسم نفسه: وعد. لكنّ أحدهما في العشرينات من عمره، والآخر في الثمانين. ومن خلال هذا اللقاء الافتراضي، يخوضان حواراً تتقاطع فيه تجارب الماضي وتطلّعات المستقبل، ويتوقّفان عند الأخطاء التي ارتكباها، والذكريات الحلوة والمرّة التي رافقتهما، والأحلام التي خنقتها التقاليد والقيود المفروضة عليهما. ورغم الفارق العمري بينهما، يعترف كلّ منهما بأنه لم يتمكّن يوماً من فهم كتاب الحياة واستيعاب دروسه. أما النصيحة الأبرز التي يوجّهها الرجل المسنّ إلى الشاب، فهي أن يستمتع بكلّ لحظة من هذه الرحلة. فعندما يتقاعد الإنسان ويبتعد عن العمل، يجد نفسه أمام فسحة يستعيد فيها شريط حياته، فيحاسب نفسه على بعض ما فعل، ويبتسم لأخطاء ارتكبها. فالماضي لا يمكن تغييره، وما مضى لا يعود، مهما تمنّينا استعادته.

ويؤدّي إبراهيم الحسيني وعلي بيضون دوري شخصيتَي وعد في مرحلتَي الشباب والشيخوخة، فينجحان بأسلوب يثير فضول المُشاهد ويضعه أمام تساؤلات عدّة. وبتوجيهات الهبر، يتنقّل الممثّلان بين مواقف العمل وحواراته بإيقاع يحافظ على حيويته، رغم اقتصار الخشبة عليهما. أما الفكرة الافتراضية التي انطلق منها الهبر والكاتب ديمتري ملكي، فتدفع الحضور إلى التفاعل مع العمل وإسقاط مواقفه على تجاربهم الشخصية. فملاحظات الشاب واندفاعه، في مقابل خبرة الرجل المسنّ ونظرته إلى الحياة، تفتحان الباب أمام مراجعة الذات وإعادة النظر في خيارات اتّخذناها أو أحلام تخلّينا عنها. فالعمر يمضي سريعاً، واللحظة التي نعيشها لا تتكرّر بالصورة نفسها. وإذا كان الشباب يرتبط بالفتوّة والحماسة والغضب والتمرّد على الواقع، فإن التقدّم في العمر يمنح الإنسان مساحة أوسع للتروّي والنضج واستخلاص العبر. وبين هاتين المرحلتين، يجد المشاهد نفسه معنيّاً بما يجري أمامه، كأنّه ينظر إلى صورتين مختلفتين منه في مرآة واحدة.

تتناول مسرحية «وعد ووعد» استعادة شريط الحياة بين عمرين مختلفين (الشرق الأوسط)

ويبرز التناقض بين أفكار الشخصيتين ومواقفهما، فالشباب حماسة واندفاع، فيما التقدّم في العمر يحضّ على التروّي والتأمّل. ولا يغفل ملكي والهبر عن استحضار أفكار مألوفة تراودنا في مراحل مختلفة من حياتنا؛ فنحن نصرّ أحياناً على أننا لن نكبر، فيما نتوق في سنّ المراهقة إلى بلوغ سنّ الرشد سريعاً، ونعدّ الأيام والساعات حتى نتحرّر من قيود أهلنا. لكنّ الإجابة التي يقدّمها العمل تختصرها عبارة «يا ريت»، بما تحمله من حنين. فيا ليتنا نعود إلى زمن أهلنا، عندما كانت فرص الإفلات من رقابتهم محدودة، ويا ليتنا نستعيد أيام اللعب والرسم على الجدران، عندما كانت متعتنا في تفاصيل بسيطة لا نعرف قيمتها إلا بعدما تصبح جزءاً من الماضي.

وتضفي الصور العبثية والمَشاهد المنبثقة من الخيال على العمل مزيجاً من الألم والأمل، وتُذكّرنا بأنّ أحلامنا وتطلّعاتنا وقصصنا العاطفية لا يمكن استعادتها كما كانت، مهما حاولنا العودة إليها. فالزمن يمضي ولا يعود، واللحظات التي نعيشها لا تتكرّر، وهو ما تختصره المقولة الشائعة «العمر غفلة».

ينجح الهبر في استدراج المشاهد إلى هذا العالم الافتراضي، من خلال إيقاع مسرحي يتجدّد بالأداء التمثيلي. ويمزج الواقع بالخيال في تنقّل يشبه تعاقب الليل والنهار، من دون الوقوع في فخّ الخطابة المباشرة. كما يمرّر العمل رسائل تدعو إلى التأمّل في علاقتنا بالزمن، وفي ما نريده من الحياة قبل أن يصبح الماضي مجرّد صفحات في كتاب الذكريات.

وتأتي ساعة الرحيل في ختام العمل لتؤكّد أننا لا نتحكّم بالوقت، بل هو الذي يتحكّم بنا. لذا، من الأجدى أن نسير مع الحياة ونتقبّل تقلّباتها، بدلاً من مصارعتها ومحاولة إخضاعها لإرادتنا.


وليد خيري: ركزت على الجانب العاطفي في تناول سيرة داليدا

خيري بشارة مع فرح الديباني والسفير الفرنسي بالقاهرة خلال الإعلان عن المشروع (فيسبوك)
خيري بشارة مع فرح الديباني والسفير الفرنسي بالقاهرة خلال الإعلان عن المشروع (فيسبوك)
TT

وليد خيري: ركزت على الجانب العاطفي في تناول سيرة داليدا

خيري بشارة مع فرح الديباني والسفير الفرنسي بالقاهرة خلال الإعلان عن المشروع (فيسبوك)
خيري بشارة مع فرح الديباني والسفير الفرنسي بالقاهرة خلال الإعلان عن المشروع (فيسبوك)

قال المؤلف المصري وليد خيري، مؤلف العرض المسرحي الغنائي «داليدا... الأغنية التي لا تنتهي»، إن فكرة العمل بدأت عام 2024، عندما اقترح عليه المخرج خيري بشارة الكتابة عن المطربة داليدا. وأوضح أنه بدأ منذ ذلك الوقت رحلة بحث واسعة شملت مشاهدة أفلام ووثائقيات عنها، وقراءة كتب باللغة الإنجليزية، والاطلاع على شهادات ومواد كتبها أشخاص كانوا قريبين منها، قبل أن يخرج بمعالجة اختار فيها تناول جانب محدد من حياتها، بدلاً من تقديم سيرة شاملة.

وأضاف خيري، في حوار مع «الشرق الأوسط»، أن الجانب الذي جذبه في شخصية داليدا هو حياتها العاطفية وما تركته من أثر في استقرارها الإنساني، بالتوازي مع نجاح فني استثنائي أوصلها إلى مستويات غير مسبوقة من المبيعات والشهرة العالمية. ولفت إلى أن وجودها في مصر خلال سنوات نشأتها ترك أثراً واضحاً في شخصيتها، مشيراً إلى اهتمامه بتقديمها من منظور إنساني وعاطفي، لا بصفتها نجمة عالمية فحسب.

وليد خيري مؤلف عرض «داليدا» (الشرق الأوسط)

ويقدم العرض المسرحي «داليدا... الأغنية التي لا تنتهي» معالجة موسيقية تتناول جانباً من حياة داليدا ومحطاتها الإنسانية والفنية، من خلال مزيج من التمثيل والرقص والغناء باللغتين العربية والفرنسية، مع توظيف أغانيها داخل النسيج الدرامي.

ومن المقرر تقديم العرض في ختام فعاليات «موسم البحر المتوسط» في مكتبة الإسكندرية، يوم 31 أكتوبر (تشرين الأول)، برعاية السفارة الفرنسية في مصر، على أن تتواصل عروضه لاحقاً في مسارح باريس. والعمل من بطولة الفنانة فرح الديباني.

وأوضح خيري أن كتابة العمل لم تتطلب اللجوء إلى مساحة واسعة من الخيال، لأن حياة داليدا نفسها مليئة بالأحداث والتحولات الدرامية، لكنه احتاج إلى خيال فني لتحويل هذه التفاصيل إلى عرض مسرحي موسيقي. وأشار إلى أن التحدي الأساسي تمثل في إيجاد طريقة تجعل أغانيها جزءاً من الدراما، لا مجرد فواصل غنائية بين المشاهد.

وأشار إلى أن طبيعة المسرح الموسيقي تقوم على فكرة «حين يعجز الكلام تبدأ الأغنية»، وهو ما حاول تطبيقه على أغاني داليدا، خصوصاً أنها تمتلك رصيداً متنوعاً من الأغنيات التي تحمل أبعاداً درامية وتتصل بتجارب إنسانية مختلفة. وأوضح أنه لم يستعن بأغنيات أو مواد موسيقية من خارج عالمها الفني، بل حاول بناء العرض انطلاقاً من هذا العالم نفسه.

فرح الديباني (حسابها على «فيسبوك»)

وقال خيري إن اختياره المعالجة الدرامية لم يكن قائماً على تقديم قراءة خارجية لحياة داليدا، بل على محاولة الكتابة من داخل الشخصية، مؤكداً رغبته في الاقتراب من مشاعرها وتجاربها وعلاقاتها وأزماتها، بدلاً من الاكتفاء باستعراض محطات حياتها المعروفة.

ولفت إلى أن اختيار فرح الديباني لبطولة العرض ارتبط بالفكرة منذ بدايتها، إذ كان المخرج خيري بشارة يفكر في مشروع يمنح السوبرانو المصرية العالمية فرصة تجسيد شخصية داليدا. وأشار إلى أن ارتباط الديباني بالشخصية يعود إلى سنوات، سواء من خلال غنائها أعمالها في حفلاتها أو حديثها المستمر عنها.

وأضاف أن العمل لم يُكتب بطريقة تستهدف إجراء تعديلات كبيرة ليتناسب مع الديباني، موضحاً أنه منذ اللحظات الأولى لمعرفته بها، لاحظ أوجه التشابه بينها وبين داليدا. وأكد أن قربها من عالم الشخصية وثقافتها الموسيقية ساعداه على الوصول إلى تفاصيل دقيقة خلال الكتابة، خصوصاً عند التعامل مع معاني بعض الأغنيات الفرنسية.

وكشف خيري عن أن تعدد اللغات كان أحد أصعب تحديات المشروع، موضحاً أن العرض صُمم منذ البداية ليُقدَّم بالعربية المصرية والفرنسية، مع حضور لغات أخرى في بعض المواضع، لأن داليدا نفسها كانت شخصية متعددة الثقافات واللغات. وأكد أن الهدف لم يكن إنتاج عرض مصري عن نجمة عالمية، بل تقديم عمل يمكن أن ينتقل من مصر إلى فرنسا، ثم يصل إلى جمهور دولي.

وبيَّن أن فريق العمل اختير على أساس القدرة على تقديم العرض نفسه في مصر وفرنسا وأماكن أخرى، وهو ما فرض شروطاً خاصة عند اختيار الممثلين والراقصين. ولفت إلى أن جمع فريق قادر على التعامل مع هذا التنوع اللغوي والفني كان من أكثر مراحل المشروع تحدياً، لكنه أتاح في المقابل تكوين مجموعة تعكس التعدد الثقافي الذي ميّز حياة داليدا.

وأكد خيري أن المشروع دفعه إلى دراسة المسرح الموسيقي بصورة متخصصة، بعدما كان أكثر ارتباطاً بكتابة السيناريو والرواية. ولفت إلى أنه لم يكتفِ بالبحث في حياة داليدا، بل درس كيفية كتابة هذا النوع من الأعمال، وبناء العلاقة بين الحوار والغناء والموسيقى والحركة.


أحمد البحراني يستعيد ذاكرة الطفولة بـ«ضفاف الفرات»

يهدي الفنان معرضه إلى الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة (الشرق الأوسط)
يهدي الفنان معرضه إلى الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة (الشرق الأوسط)
TT

أحمد البحراني يستعيد ذاكرة الطفولة بـ«ضفاف الفرات»

يهدي الفنان معرضه إلى الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة (الشرق الأوسط)
يهدي الفنان معرضه إلى الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة (الشرق الأوسط)

كيف يمكن لقطعة خشب أنهت رحلتها في البحر أن تبدأ حياة جديدة؟ وأي ذاكرة تختبئ في طائر صغير، لا يحاكي الطبيعة بقدر ما يستعيد بيتاً بعيداً وطفولة لا تزال تسكن صاحبه؟

في معرضه «العصفور... ما تبقّى»، المقام في «غاليري ياسين» بالزمالك، يحوّل الفنان العراقي البحراني بقايا سفن أنهكها البحر إلى عصافير تحمل حكايات الذاكرة والاغتراب، مستلهماً تجربته مع الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، وما تعلّمه منهم عن المحبة والسلام وحرية التعبير.

ومن خلال هذه الأعمال، يدعونا الفنان إلى تأمّل العلاقة بين الذاكرة والفقد، وبين ما ينكسر في الحياة وما يستطيع الفن إعادة بنائه.

فتبدو العصافير التي يقدمها البحراني كائنات تحمل آثار رحلات طويلة، بعضها حملتها سفن قديمة عبر البحار قبل أن تصل إلى نهايتها، وبعضها الآخر اختزنتها ذاكرة فنان ابتعد طويلاً عن وطنه، فظل يبحث عن طريق يعيده إليه.

تتَّخذ عصافير البحراني من البساطة لغة للتعبير عن الحنين والاغتراب (الشرق الأوسط)

وبين الخشب والطين ومكعبات البناء، تتشكل تجربة فنية تتجاوز حدود المادة لتطرح سؤالاً أكثر إنسانية: كيف نمنح ما تبقّى فرصة أخرى للحياة؟

يقول البحراني لـ«الشرق الأوسط»: «بدأت الحكاية في الهند، حين قادتني المصادفة إلى مكان يُعرف باسم مقبرة السفن، حيث تنتهي رحلات السفن التي أمضت عقوداً في البحر، وتبدأ عملية تفكيكها».

هناك، لفتت انتباهه الأخشاب التي حملت آثار الزمن والملح والرحلات الطويلة، فاختار منها قطعاً بعناية، مستشعراً أن هذه المادة التي تبدو وكأنها بلغت نهايتها لا تزال تختزن حكايات تستحق أن تُروى.

ويستعيد الفنان تلك اللحظة، قائلاً: «استشعرت كم تحمل الأخشاب بين ثناياها من آثار البحر والغياب، ومن قصص البشر الذين عبروا على متن السفن، وما واجهوه خلال رحلاتهم».

من هنا، نشأت فكرة تحويل البقايا الثقيلة إلى عصافير خفيفة، تنتقل من ثقل البحر إلى خفة الهواء، ومن النهاية إلى بداية جديدة.

لم يكن البحراني معنياً، في هذه التجربة، بصنع طيور مكتملة وفق مقاييس تشريحية، بقدر ما كان يبحث عن شكل بسيط قادر على استثارة العاطفة وإيقاظ الذاكرة. فالعصفور، بالنسبة إليه، هو «استعارة للحرية، وللإنسان الذي يحاول أن يحتفظ بجزء من عالمه الأول، حتى عندما تتغير الأمكنة وتتباعد المسافات».

ومع تطور المشروع، انتقل الفنان من استخدام أخشاب السفن القديمة إلى الطين، المادة الأقرب إلى روحه، والأقدر على الاحتفاظ بأثر اليد.

وخلال هذا التحول، لم يتخلَّ البحراني عن فكرته الأولى، بل وسّع آفاقها لتصبح مساحة أرحب للتعبير عن الذاكرة والتجربة الإنسانية، بما تنطويان عليه من نقص ومحاولات متكررة للبدء من جديد.

وكان لتعاونه الفني مع أطفال التوحد والأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة دور بارز في تشكيل رؤيته الإنسانية والفنية. ويقول عن هذه التجربة: «غيّرت سنوات عملي معهم فهمي للفن على نحو عميق».

ويتابع: «علّمتني هذه التجربة أن الإبداع لا يحتاج دائماً إلى البحث عن الكمال، بل إلى مساحة حرة يستطيع الإنسان فيها التعبير عن نفسه من دون خوف».

جانب من المعرض (الشرق الأوسط)

وحين عجزت الذاكرة عن استعادة صورة بيته الأول، صنع البحراني عصفوراً أعاد إليه الأطفال ذوو الهمم ملامحه المنسية، فأحياه بيديه، في حين أعاده هو إلى بيته البعيد على ضفاف نهر الفرات.

وهكذا، غدا العصفور وسيلة للعودة إلى مكان لا تستطيع المسافات وحدها محوه. وفي هذه العودة الرمزية، تتجاور ذاكرة الطفولة مع تجربة الفنان، وتلتقي براءة البدايات بسنوات من العمل والبحث والتجريب.

كما منح هؤلاء الأطفال الفنان فهماً مختلفاً لفعل البناء؛ إذ استطاعوا، من خلال مكعبات اللعب البسيطة، ابتكار عوالمهم الخاصة، وترتيب القطع وفق رؤيتهم، وتحويلها إلى أشكال تنطوي على كثير من الخيال والصدق والجمال.

تتواصل رحلة العصفور في تجربة البحراني لتتحول النهايات إلى بدايات مشرقة (الشرق الأوسط)

لكن مكاسبه من العمل مع هؤلاء الأطفال لم تقتصر على ذلك؛ إذ كان أكثر ما بقي معه، على حد قوله، هو «المحبة والسلام والصدق في المشاعر».

ومن هنا جاء اختيار عنوان المعرض «العصفور... ما تبقَّى»، ثم إهداؤه إليهم، تقديراً لما أضافوه إلى تجربته، وما فتحوه أمامه من آفاق جديدة لفهم الفن والإنسان.

ولم تخلُ تجربة الفنان العراقي من لمسة عفوية طريفة؛ فداخل قاعة المعرض، لاحظ بعض الحضور أنه يرتدي جوربين بلونين مختلفين. وعن ذلك، يقول ضاحكاً: «نعم، وقد همس أحد الأصدقاء في أذني بخجل لينبِّهني إلى ذلك».

الفنان العراقي أحمد البحراني في معرضه بالقاهرة (الشرق الأوسط)

ويتابع: «كانت تلك فرصة لأوضح له، ولكل المحبين، أنني عاهدت نفسي على ارتداء جوربين بلونين مختلفين في كل مناسبة مهمة تشهد حضوراً كبيراً، لتكون رسالة واضحة إلى العالم تعبِّر عن حبي للأطفال ذوي متلازمة داون ودعمي لهم».

واللافت أن الأعمال الخمسين التي يضمها معرض البحراني، والمستمر حتى 5 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، لا تسعى إلى محاكاة الطيور كما تبدو في الطبيعة. فعند تأمل منحوتاته ورسوماته على السواء، نكتشف أننا أمام أوعية تحتضن الذاكرة والتحوّل معاً، أو كائنات تتأرجح بين النهايات وإمكانات البدء من جديد.

ومن هذه الزاوية، تبدو مكعبات الليغو والطين والخشب أجزاءً من حكاية واحدة تتمحور حول إعادة التكوين. وهنا تتجاوز دلالة المعرض تجربة البحراني الشخصية، لتلامس واقعاً إنسانياً يختبر فيه كثيرون مشاعر الفقد والاغتراب، ويتأرجحون بين اليأس والأمل، محاولين التمسك بما تبقّى من ذاكرتهم وسط عالم هشّ ومضطرب.