«لا نملك السيطرة على مجريات حياتنا»... كيت ميدلتون تتحدّث عن «قوة الطبيعة» في التعافي

الأميرة البريطانية كيت ميدلتون (أ.ف.ب)
الأميرة البريطانية كيت ميدلتون (أ.ف.ب)
TT

«لا نملك السيطرة على مجريات حياتنا»... كيت ميدلتون تتحدّث عن «قوة الطبيعة» في التعافي

الأميرة البريطانية كيت ميدلتون (أ.ف.ب)
الأميرة البريطانية كيت ميدلتون (أ.ف.ب)

تحدّثت الأميرة البريطانية كيت ميدلتون، زوجة الأمير ويليام، عن تجربتها الشخصية مع التعافي، وتأملت في التحديات التي يواجهها الإنسان حين يفقد القدرة على التحكم في مجريات حياته، مشيدةً بما وصفته بـ«القدرة العلاجية للطبيعة» ودورها في تعزيز الصحة النفسية، وذلك خلال زيارة لمؤسسة خيرية تعتمد على الطبيعة في تقديم الدعم النفسي، وفقاً لصحيفة «إندبندنت».

وكانت الأميرة كيت قد أجرت زيارة خاصة، الأسبوع الماضي، إلى مؤسسة «دوز أوف نيتشر» (Dose Of Nature) في غرب لندن؛ حيث التقت العاملين فيها وعدداً من المستفيدين من خدماتها، التي تشمل تقديم «وصفات علاجية بالطبيعة»، تحت إشراف مختصين، بهدف تعزيز الصحة النفسية والرفاه.

وتُعرف الأميرة كيت بدعمها الكبير لقضاء الوقت في الهواء الطلق، وهو ما اكتسب أهمية خاصة خلال رحلتها مع مرض السرطان. وكانت قد أكدت، في مقال نُشر مؤخراً، أن «قضاء الوقت في أحضان الطبيعة أو ممارسة الأنشطة الإبداعية يتيح لنا تنمية مهارات ومشاعر جوهرية لا يمكن رقمنتها، وهي: الوعي، والتعاطف، والتواضع، وقبل كل ذلك، الحب».

الأميرة البريطانية كيت خلال زيارة إلى دار رعاية للأطفال في البلاد (أ.ف.ب)

وخلال زيارتها مقر المؤسسة الخيرية، الواقع بالقرب من حدائق كيو، التقت كيت، مؤسِّسة المؤسسة الدكتورة أليسون غرينوود، والمسؤولة السريرية الدكتورة جورجينا غولد، إلى جانب عدد من أعضاء فريق العمل، للاطلاع من كثب على نهجهم المبتكر في تقديم الدعم للصحة النفسية.

كما تحدثت الأميرة إلى شخص يُدعى توم، كان قد استفاد من خدمات مؤسسة «دوز أوف نيتشر» خلال رحلة تعافيه، إذ ساعدته على استعادة ثقته بنفسه، وتعزيز قدرته على التكيف، وتوطيد صلته بالطبيعة، قبل أن ينضم إلى فريق عمل المؤسسة ويصبح مرشداً متطوعاً في مجال الطبيعة.

وقالت له كيت: «لقد كانت رحلتانا مختلفتين تماماً، لكن من الرائع حقاً أن أسمع كيف ساعدك تواصلك مع الطبيعة في رحلة التعافي، وهو أمر اختبرته أنا أيضاً. إن قدرتك على منح الآخرين في هذا المجتمع -من خلال هذه التجربة- شعوراً بالهدف والمعنى والانتماء تساعدهم على بناء قدرة مستدامة على الصمود. فحتى في ظل الغموض الذي يكتنف المستقبل، وعدم القدرة على التحكم في مجريات حياتك، يظل بإمكانك مواجهة التحديات بفضل هذا الإحساس العميق بالترابط. وأعتقد أن هذا يجسد نهجاً شمولياً بالمعنى الحقيقي للكلمة».

وتأسست مؤسسة «دوز أوف نيتشر» عام 2018، وتعمل بالتعاون مع هيئة الخدمات الصحية الوطنية البريطانية (NHS) والأطباء العامين، لتقديم الدعم للأشخاص الذين يواجهون تحديات متنوعة تتعلق بالصحة النفسية، من خلال برنامجها المعروف باسم «وصفة الطبيعة» (Nature Prescription).

وتعتمد المؤسسة الخيرية على الطبيعة وسيلةً لتعزيز الرفاه النفسي، من خلال الجمع بين نهج يستند إلى علم النفس، وإرشاد فردي يقدمه متطوعون متخصصون في التواصل مع الطبيعة، والانغماس المباشر في البيئات الطبيعية، بهدف مساعدة الأفراد على استعادة صلتهم بالطبيعة، وتحسين رفاههم النفسي، وتنمية قدرتهم على الصمود على المدى الطويل.


مقالات ذات صلة

ميغان ماركل تشارك في برنامج «ماستر شيف أستراليا للصغار» العام المقبل

يوميات الشرق دوقة ساسكس ميغان ماركل (أ.ف.ب)

ميغان ماركل تشارك في برنامج «ماستر شيف أستراليا للصغار» العام المقبل

تعتزم ميغان، زوجة الأمير البريطاني هاري، المشاركة في الموسم المقبل من برنامج «ماستر شيف أستراليا للصغار» موسم 2027.

«الشرق الأوسط» (لندن )
يوميات الشرق تبدو مسيرة آرثر إدواردز أكثر من حكاية مهنية طويلة (أ.ب)

آرثر إدواردز… نصف قرن خلف عدسة وثّقت أسرار العائلة المالكة البريطانية

على مدى نصف قرن، لم يكن آرثر إدواردز مجرد مصور صحافي يتعقب أخبار العائلة المالكة البريطانية، بل شاهداً على تحولات مؤسسة ملكية ظلت، رغم تغير الزمن، محط أنظار…

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق ميغان ماركل زوجة الأمير هاري (د.ب.أ) p-circle

العثور على «مواد إباحية متعلقة بالأطفال» بمنزل والد ميغان ماركل

عثرت الشرطة الفلبينية على «كمية كبيرة من المواد الإباحية المتعلقة بالأطفال» في المسكن السابق لوالد ميغان ماركل، زوجة الأمير هاري.

«الشرق الأوسط» (مانيلا)
يوميات الشرق الأمير البريطاني هاري وزوجته ميغان ماركل (رويترز)

«أردت حماية أطفالي»... ميغان ماركل تعبّر عن «انزعاج عميق» من اتهامات تطال والدها

أعربت ميغان ماركل، زوجة الأمير البريطاني هاري، عن «انزعاج عميق» إزاء تقارير صحافية تتضمن اتهامات تطال والدها، توماس ماركل.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق التاج الماسي الذي صنعته دار «بريدج آند راندل» عام 1820 (رويال كوليكشن ترست)

500 عام من البريق والقصص... معرض غير مسبوق يوثق تاريخ المجوهرات الملكية البريطانية

تستعد مؤسسة «رويال كوليكشن» لإقامة معرض استثنائي في الغاليري الملحق بقصر باكنغهام العام المقبل، يروي تاريخ المجوهرات الملكية البريطانية

«الشرق الأوسط» (لندن)

قبل 237 مليون عام... برمائي تحدّى ملوحة المحيطات

كائنٌ من زمن كانت فيه الطبيعة تجرّب احتمالاتها (جامعة غويتشو)
كائنٌ من زمن كانت فيه الطبيعة تجرّب احتمالاتها (جامعة غويتشو)
TT

قبل 237 مليون عام... برمائي تحدّى ملوحة المحيطات

كائنٌ من زمن كانت فيه الطبيعة تجرّب احتمالاتها (جامعة غويتشو)
كائنٌ من زمن كانت فيه الطبيعة تجرّب احتمالاتها (جامعة غويتشو)

أفاد علماء بالعثور على دليل أحفوري على أول برمائي بحري بالكامل، وذلك في دراسة أجرتها جامعة كاليفورنيا في ديفيس، وجامعة بكين، ومتحف الجيولوجيا في غويتشو. والبرمائي المكتشف كائن محيطي مغطّى بدروع عظمية ويعيش في القاع، ويماثل في حجمه السلمندر العملاق، وقد أطلق عليه الباحثون اسم «غيروثوراكس ماريتيموس».

وتستند الدراسة، المنشورة في دورية «نيتشر إيكولوجي آند إيفولوشن»، إلى تحليل هيكلين عظميين شبه كاملين يعودان إلى العصر الترياسي المتأخّر، قبل نحو 237 مليون عام. وقد عُثر على الأحفوريتين في منطقة من مقاطعة غويتشو الصينية كانت مغمورة بالمحيط في الماضي، وتقع على بُعد مئات الأميال من الكتل اليابسة الكبيرة.

وقال المؤلّف المراسل للدراسة، الأستاذ في قسم علوم الأرض والكواكب بجامعة كاليفورنيا في ديفيس، رايوسوكي موتاني: «هذه المنطقة جزء من منظومة بيئية ظللنا ندرسها ونحاول إعادة بنائها. كنا ندرس في الغالب الزواحف البحريّة والأسماك التي عاشت في هذا المكان، لكن لدينا الآن هذا البرمائي أيضاً، وهو عضو غير مألوف إلى حدّ بعيد في سلالته».

ومن بين أكثر من 8 آلاف نوع من البرمائيات الحديثة، لم يُعرف أنّ أياً منها يعيش في بيئات بحرية بالكامل، ولا تتجاوز نسبة الأنواع التي تُظهر درجةً ما من تحمّل الملوحة 2 في المائة فقط. وهذا أمر غريب، إذ إنّ سائر الحيوانات ذات الأطراف الأربعة، ومنها الثدييات والزواحف والطيور، تضمّ أنواعاً قادرة على البقاء من دون الاعتماد على الغذاء أو الماء من اليابسة. كما لا يوجد في السجل الأحفوري أي دليل على كائن برمائي بحري بالكامل. حتى الآن.

كيف كان يبدو «غيروثوراكس ماريتيموس»؟

بفضل الحالة الممتازة التي حُفظت بها العينات الهيكلية، تمكّن الباحثون من إعادة بناء هيئة «غيروثوراكس ماريتيموس» وطريقة عيشه في بيئته البحرية.

ومن اللافت أنّ هذا الكائن البرمائي كان يتميّز بجسم مفلطح مغطّى بدروع عظمية، قد تكون بمثابة آلية دفاعية في مواجهة المفترسات مثل «الإكثيوصورات». وبلغ طول الحيوان نحو 3 أقدام، وكان جسمه يأخذ شكل القرص.

وقال موتاني: «إذا فكّرنا في البرمائيات الموجودة اليوم، فإن هذا الحيوان غير مألوف لأنه كبير الحجم. فهو على الأرجح يماثل السلمندر العملاق لجهة كتلة الجسم، لكن الفرق أنّ السلمندر العملاق ذو جسم مستطيل، أما هذا الحيوان فجسمه ممتلئ وضخم حقاً».

واستناداً إلى الدرع العظمي لدى «غيروثوراكس ماريتيموس» وشكل جمجمته، يفترض الباحثون أن هذا الكائن كان يعيش في القاع ويتغذّى بالامتصاص.

وقال موتاني: «على الأرجح كان ينتظر في القاع، وعندما تقترب فريسة، يُباشر بامتصاصها». ولفت موتاني إلى أن أسلوب التغذية هذا يشبه أسلوب سمك «الووبيغونغ»، وهو من أسماك القرش السجادية الحالية التي تعيش في القاع.

لماذا لا تستطيع البرمائيات الحالية العيش في المياه المالحة؟

ولا تستطيع البرمائيات الحالية العيش في البيئات البحرية بسبب جلدها الذي لا يتحمّل الملوحة. وقال موتاني: «جلد هذه الكائنات نفّاذ للماء، مما يتيح لها استخدامه لأغراض متعدّدة. فهي تستخدمه في التنفّس وامتصاص الماء، ولذلك لا تشرب البرمائيات ولا تتنفّس عبر الفم، لأنها تستطيع القيام بالأمرين عبر الجلد».

وتفرض هذه الوظائف البيولوجية على البرمائيات أن تعيش في بيئات المياه العذبة أو بالقرب منها. ومع أن بعض الأنواع الحديثة، مثل الضفدع آكل السرطانات، تُظهر درجات من تحمُّل الملوحة، فإنها تفقد وزنها في المياه قليلة الملوحة وتحتاج إلى التعافي في المياه العذبة.

ويقترح الباحثون أنّ «غيروثوراكس ماريتيموس» تغلّب على هذه العقبة بفضل درعه العظمي وخصائصه البيولوجية الأقرب إلى الأسماك. فقد كان الدرع سيمنع امتصاص الماء عبر الجلد، ما يستلزم أن يشرب البرمائي الماء المالح عن طريق الفم، على أن يمتصّه عبر جهازه الهضمي. أما الخياشيم التي يتميّز بها جنس «غيروثوراكس»، فكانت ستتيح له التخلّص من الأملاح.

كيف حدّد الباحثون أن «غيروثوراكس ماريتيموس» عاش في المحيط؟

إلى جانب العثور على الأحفوريات في رواسب أعماق البحار، قال موتاني إن كون العينات هياكل عظمية شبه كاملة قاد الباحثين إلى الاعتقاد بأن «غيروثوراكس ماريتيموس» كان يعيش في المحيط.

وتابع: «الجثث في البحر، ما لم تغرق إلى القاع فوراً، تميل إلى الجفاف وفقدان أطرافها قبل أن تستقرّ في القاع. لكن أصابع هذه الحيوانات كانت محفوظة، وهذا يعني أنها على الأرجح نفقت قرب المكان الذي عاشت فيه».

كما أجرى الباحثون تحاليل كيميائية جيولوجية للأحفوريات، كشفت عن أن نسبة نظائر السترونتيوم فيها تشبه إلى حدّ بعيد النسبة التي كانت موجودة في محيطات العصر الترياسي المتأخّر.


«وعد ووعد»... مواجهة افتراضية بين ربيع العمر وخريفه

المواجهة بين زمن الشباب وزمن الشيخوخة على مسرح «شغل بيت» (الشرق الأوسط)
المواجهة بين زمن الشباب وزمن الشيخوخة على مسرح «شغل بيت» (الشرق الأوسط)
TT

«وعد ووعد»... مواجهة افتراضية بين ربيع العمر وخريفه

المواجهة بين زمن الشباب وزمن الشيخوخة على مسرح «شغل بيت» (الشرق الأوسط)
المواجهة بين زمن الشباب وزمن الشيخوخة على مسرح «شغل بيت» (الشرق الأوسط)

هل سبق أن تخيّلت نفسك في عمر متقدّم، وكيف ستكون بعد 25 أو 50 سنة؟ فكرة قد لا تراود كثيرين، لكنها شكّلت مدخلاً لمواجهة بين زمنين مختلفين لشخص واحد، اسمه وعد. وقد وضعها الكاتب ديمتري ملكي، بالتعاون مع المخرج شادي الهبر، في إطار عمل مسرحي بعنوان «وعد ووعد»، عُرض مؤخراً بمناسبة الذكرى العاشرة لتأسيس مسرح «شغل بيت». والعمل من بطولة إبراهيم الحسيني، وعلي بيضون.

سهّلت بعض التطبيقات الإلكترونية استيعاب فكرة مماثلة، من خلال تقنيات متطوّرة تُظهر الشخص في عمر متقدّم. ومن باب الفضول، استخدم كثيرون تطبيقات من هذا النوع، ورسموا صورة افتراضية لأنفسهم في زمن الشيخوخة. كذلك تطرّقت برامج تلفزيونية إلى الموضوع نفسه، أبرزها «حكايتي مع الزمان»، الذي قدّمته الإعلامية منى أبو حمزة عبر إحدى الشاشات العربية. وكانت فكرته ترتكز على استضافة ضيفين لخوض التجربة، بمساعدة فريق عالمي متخصّص في المكياج، يتولّى تحويل ملامحهما ليبدوا أكبر سنّاً بنحو 25 أو 50 عاماً. وتتمحور الأسئلة حول همومهما المستقبلية ومدى تقبّلهما فكرة التقدّم في العمر.

لكن المخرج شادي الهبر قرّر وضع زمن الشباب وزمن الشيخوخة تحت مجهر المسرح. ومن خلال حوار شيّق يتناول أحلام الشباب وخيبات الأمل والحبّ لدى شخص واحد في عمرين مختلفين، يولّد العمل حالة من العبثية، ويضع المشاهد أمام مواجهة بين الإنسان وصورته المستقبلية، حيث تتقاطع الأحلام مع الخيبات، وتُطرح أسئلة عن الذات وما يبدّله الزمن فيها.

تبدأ الحكاية على مقعد خشبي في حديقة عامة، حيث يجلس رجل في الثمانين من عمره غارقاً في قراءة كتاب. وفجأة، يظهر شاب في مقتبل العمر يجلس إلى جانبه، لتبدأ بينهما محادثة حول الكتاب، الذي يتبيّن أنه كتاب الحياة بما تحمله من دروس نتعلّمها مع مرور الزمن.

يلعب بطولة «وعد ووعد» إبراهيم الحسيني وعلي بيضون (الشرق الأوسط)

يحمل الرجلان الاسم نفسه: وعد. لكنّ أحدهما في العشرينات من عمره، والآخر في الثمانين. ومن خلال هذا اللقاء الافتراضي، يخوضان حواراً تتقاطع فيه تجارب الماضي وتطلّعات المستقبل، ويتوقّفان عند الأخطاء التي ارتكباها، والذكريات الحلوة والمرّة التي رافقتهما، والأحلام التي خنقتها التقاليد والقيود المفروضة عليهما. ورغم الفارق العمري بينهما، يعترف كلّ منهما بأنه لم يتمكّن يوماً من فهم كتاب الحياة واستيعاب دروسه. أما النصيحة الأبرز التي يوجّهها الرجل المسنّ إلى الشاب، فهي أن يستمتع بكلّ لحظة من هذه الرحلة. فعندما يتقاعد الإنسان ويبتعد عن العمل، يجد نفسه أمام فسحة يستعيد فيها شريط حياته، فيحاسب نفسه على بعض ما فعل، ويبتسم لأخطاء ارتكبها. فالماضي لا يمكن تغييره، وما مضى لا يعود، مهما تمنّينا استعادته.

ويؤدّي إبراهيم الحسيني وعلي بيضون دوري شخصيتَي وعد في مرحلتَي الشباب والشيخوخة، فينجحان بأسلوب يثير فضول المُشاهد ويضعه أمام تساؤلات عدّة. وبتوجيهات الهبر، يتنقّل الممثّلان بين مواقف العمل وحواراته بإيقاع يحافظ على حيويته، رغم اقتصار الخشبة عليهما. أما الفكرة الافتراضية التي انطلق منها الهبر والكاتب ديمتري ملكي، فتدفع الحضور إلى التفاعل مع العمل وإسقاط مواقفه على تجاربهم الشخصية. فملاحظات الشاب واندفاعه، في مقابل خبرة الرجل المسنّ ونظرته إلى الحياة، تفتحان الباب أمام مراجعة الذات وإعادة النظر في خيارات اتّخذناها أو أحلام تخلّينا عنها. فالعمر يمضي سريعاً، واللحظة التي نعيشها لا تتكرّر بالصورة نفسها. وإذا كان الشباب يرتبط بالفتوّة والحماسة والغضب والتمرّد على الواقع، فإن التقدّم في العمر يمنح الإنسان مساحة أوسع للتروّي والنضج واستخلاص العبر. وبين هاتين المرحلتين، يجد المشاهد نفسه معنيّاً بما يجري أمامه، كأنّه ينظر إلى صورتين مختلفتين منه في مرآة واحدة.

تتناول مسرحية «وعد ووعد» استعادة شريط الحياة بين عمرين مختلفين (الشرق الأوسط)

ويبرز التناقض بين أفكار الشخصيتين ومواقفهما، فالشباب حماسة واندفاع، فيما التقدّم في العمر يحضّ على التروّي والتأمّل. ولا يغفل ملكي والهبر عن استحضار أفكار مألوفة تراودنا في مراحل مختلفة من حياتنا؛ فنحن نصرّ أحياناً على أننا لن نكبر، فيما نتوق في سنّ المراهقة إلى بلوغ سنّ الرشد سريعاً، ونعدّ الأيام والساعات حتى نتحرّر من قيود أهلنا. لكنّ الإجابة التي يقدّمها العمل تختصرها عبارة «يا ريت»، بما تحمله من حنين. فيا ليتنا نعود إلى زمن أهلنا، عندما كانت فرص الإفلات من رقابتهم محدودة، ويا ليتنا نستعيد أيام اللعب والرسم على الجدران، عندما كانت متعتنا في تفاصيل بسيطة لا نعرف قيمتها إلا بعدما تصبح جزءاً من الماضي.

وتضفي الصور العبثية والمَشاهد المنبثقة من الخيال على العمل مزيجاً من الألم والأمل، وتُذكّرنا بأنّ أحلامنا وتطلّعاتنا وقصصنا العاطفية لا يمكن استعادتها كما كانت، مهما حاولنا العودة إليها. فالزمن يمضي ولا يعود، واللحظات التي نعيشها لا تتكرّر، وهو ما تختصره المقولة الشائعة «العمر غفلة».

ينجح الهبر في استدراج المشاهد إلى هذا العالم الافتراضي، من خلال إيقاع مسرحي يتجدّد بالأداء التمثيلي. ويمزج الواقع بالخيال في تنقّل يشبه تعاقب الليل والنهار، من دون الوقوع في فخّ الخطابة المباشرة. كما يمرّر العمل رسائل تدعو إلى التأمّل في علاقتنا بالزمن، وفي ما نريده من الحياة قبل أن يصبح الماضي مجرّد صفحات في كتاب الذكريات.

وتأتي ساعة الرحيل في ختام العمل لتؤكّد أننا لا نتحكّم بالوقت، بل هو الذي يتحكّم بنا. لذا، من الأجدى أن نسير مع الحياة ونتقبّل تقلّباتها، بدلاً من مصارعتها ومحاولة إخضاعها لإرادتنا.


وليد خيري: ركزت على الجانب العاطفي في تناول سيرة داليدا

خيري بشارة مع فرح الديباني والسفير الفرنسي بالقاهرة خلال الإعلان عن المشروع (فيسبوك)
خيري بشارة مع فرح الديباني والسفير الفرنسي بالقاهرة خلال الإعلان عن المشروع (فيسبوك)
TT

وليد خيري: ركزت على الجانب العاطفي في تناول سيرة داليدا

خيري بشارة مع فرح الديباني والسفير الفرنسي بالقاهرة خلال الإعلان عن المشروع (فيسبوك)
خيري بشارة مع فرح الديباني والسفير الفرنسي بالقاهرة خلال الإعلان عن المشروع (فيسبوك)

قال المؤلف المصري وليد خيري، مؤلف العرض المسرحي الغنائي «داليدا... الأغنية التي لا تنتهي»، إن فكرة العمل بدأت عام 2024، عندما اقترح عليه المخرج خيري بشارة الكتابة عن المطربة داليدا. وأوضح أنه بدأ منذ ذلك الوقت رحلة بحث واسعة شملت مشاهدة أفلام ووثائقيات عنها، وقراءة كتب باللغة الإنجليزية، والاطلاع على شهادات ومواد كتبها أشخاص كانوا قريبين منها، قبل أن يخرج بمعالجة اختار فيها تناول جانب محدد من حياتها، بدلاً من تقديم سيرة شاملة.

وأضاف خيري، في حوار مع «الشرق الأوسط»، أن الجانب الذي جذبه في شخصية داليدا هو حياتها العاطفية وما تركته من أثر في استقرارها الإنساني، بالتوازي مع نجاح فني استثنائي أوصلها إلى مستويات غير مسبوقة من المبيعات والشهرة العالمية. ولفت إلى أن وجودها في مصر خلال سنوات نشأتها ترك أثراً واضحاً في شخصيتها، مشيراً إلى اهتمامه بتقديمها من منظور إنساني وعاطفي، لا بصفتها نجمة عالمية فحسب.

وليد خيري مؤلف عرض «داليدا» (الشرق الأوسط)

ويقدم العرض المسرحي «داليدا... الأغنية التي لا تنتهي» معالجة موسيقية تتناول جانباً من حياة داليدا ومحطاتها الإنسانية والفنية، من خلال مزيج من التمثيل والرقص والغناء باللغتين العربية والفرنسية، مع توظيف أغانيها داخل النسيج الدرامي.

ومن المقرر تقديم العرض في ختام فعاليات «موسم البحر المتوسط» في مكتبة الإسكندرية، يوم 31 أكتوبر (تشرين الأول)، برعاية السفارة الفرنسية في مصر، على أن تتواصل عروضه لاحقاً في مسارح باريس. والعمل من بطولة الفنانة فرح الديباني.

وأوضح خيري أن كتابة العمل لم تتطلب اللجوء إلى مساحة واسعة من الخيال، لأن حياة داليدا نفسها مليئة بالأحداث والتحولات الدرامية، لكنه احتاج إلى خيال فني لتحويل هذه التفاصيل إلى عرض مسرحي موسيقي. وأشار إلى أن التحدي الأساسي تمثل في إيجاد طريقة تجعل أغانيها جزءاً من الدراما، لا مجرد فواصل غنائية بين المشاهد.

وأشار إلى أن طبيعة المسرح الموسيقي تقوم على فكرة «حين يعجز الكلام تبدأ الأغنية»، وهو ما حاول تطبيقه على أغاني داليدا، خصوصاً أنها تمتلك رصيداً متنوعاً من الأغنيات التي تحمل أبعاداً درامية وتتصل بتجارب إنسانية مختلفة. وأوضح أنه لم يستعن بأغنيات أو مواد موسيقية من خارج عالمها الفني، بل حاول بناء العرض انطلاقاً من هذا العالم نفسه.

فرح الديباني (حسابها على «فيسبوك»)

وقال خيري إن اختياره المعالجة الدرامية لم يكن قائماً على تقديم قراءة خارجية لحياة داليدا، بل على محاولة الكتابة من داخل الشخصية، مؤكداً رغبته في الاقتراب من مشاعرها وتجاربها وعلاقاتها وأزماتها، بدلاً من الاكتفاء باستعراض محطات حياتها المعروفة.

ولفت إلى أن اختيار فرح الديباني لبطولة العرض ارتبط بالفكرة منذ بدايتها، إذ كان المخرج خيري بشارة يفكر في مشروع يمنح السوبرانو المصرية العالمية فرصة تجسيد شخصية داليدا. وأشار إلى أن ارتباط الديباني بالشخصية يعود إلى سنوات، سواء من خلال غنائها أعمالها في حفلاتها أو حديثها المستمر عنها.

وأضاف أن العمل لم يُكتب بطريقة تستهدف إجراء تعديلات كبيرة ليتناسب مع الديباني، موضحاً أنه منذ اللحظات الأولى لمعرفته بها، لاحظ أوجه التشابه بينها وبين داليدا. وأكد أن قربها من عالم الشخصية وثقافتها الموسيقية ساعداه على الوصول إلى تفاصيل دقيقة خلال الكتابة، خصوصاً عند التعامل مع معاني بعض الأغنيات الفرنسية.

وكشف خيري عن أن تعدد اللغات كان أحد أصعب تحديات المشروع، موضحاً أن العرض صُمم منذ البداية ليُقدَّم بالعربية المصرية والفرنسية، مع حضور لغات أخرى في بعض المواضع، لأن داليدا نفسها كانت شخصية متعددة الثقافات واللغات. وأكد أن الهدف لم يكن إنتاج عرض مصري عن نجمة عالمية، بل تقديم عمل يمكن أن ينتقل من مصر إلى فرنسا، ثم يصل إلى جمهور دولي.

وبيَّن أن فريق العمل اختير على أساس القدرة على تقديم العرض نفسه في مصر وفرنسا وأماكن أخرى، وهو ما فرض شروطاً خاصة عند اختيار الممثلين والراقصين. ولفت إلى أن جمع فريق قادر على التعامل مع هذا التنوع اللغوي والفني كان من أكثر مراحل المشروع تحدياً، لكنه أتاح في المقابل تكوين مجموعة تعكس التعدد الثقافي الذي ميّز حياة داليدا.

وأكد خيري أن المشروع دفعه إلى دراسة المسرح الموسيقي بصورة متخصصة، بعدما كان أكثر ارتباطاً بكتابة السيناريو والرواية. ولفت إلى أنه لم يكتفِ بالبحث في حياة داليدا، بل درس كيفية كتابة هذا النوع من الأعمال، وبناء العلاقة بين الحوار والغناء والموسيقى والحركة.