المخرج مروان حامد: تجربتي الإنسانية ليست ثرية مثل والدي

قال إنه يطوّر من نفسه بشكل مستمر لمواكبة تغيرات السينما

مروان حامد خلال «الماستر كلاس» (الشرق الأوسط)
مروان حامد خلال «الماستر كلاس» (الشرق الأوسط)
TT

المخرج مروان حامد: تجربتي الإنسانية ليست ثرية مثل والدي

مروان حامد خلال «الماستر كلاس» (الشرق الأوسط)
مروان حامد خلال «الماستر كلاس» (الشرق الأوسط)

تحدث المخرج المصري مروان حامد عن محاولته اكتشاف عوالم مختلفة من خلال تجاربه السينمائية، لا سيما أن تجربته الإنسانية ليست ثرية مثل والده الكاتب الراحل وحيد حامد الذي انتقل من القرية للمدينة، وهو ما يمكن رصدها بأعماله الفنية، وفق مروان.

ووصف مروان خلال «ماستر كلاس» ضمن فعاليات الدورة السادسة من «مهرجان الجونة السينمائي» الذي منح المخرج المصري جائزة «الإنجاز الإبداعي»، تجربة دراسته في معهد السينما بـ«الثرية التي أضافت كثيراً إليه»، لا سيما مع حرصه على المرجعية الأكاديمية بالقراءة والاطّلاع عند التحضير أو الانتهاء من أي مشروع فني جديد.

وقال حامد إن «السينما شيء متغير، يشهد جديداً كل يوم على المستوى التقني وطريقة السرد، لذا دراستها لا تتوقف عند مرحلة معينة، مرجعاً جزءاً من حبه الكبير للسينما لعمله على تطوير نفسه بشكل مستمر، خصوصاً أنه لا يوجد شخص يمكن أن تكون لديه معرفة بنتيجة المشروع الذي يعمل عليه».

وأشار إلى أن «المقياس الحقيقي لاختيار أعماله مرتبط بعدم فقدانه الشغف طوال فترة العمل على المشروع التي تصل لعامين»، مؤكداً أن تمسكه بالمشروع وإيمانه به يكونان المحرك الرئيسي لتحمله أي صعوبات تعرقل مشروعه على غرار فيلم «إبراهيم الأبيض» الذي استغرق 8 سنوات ليخرج إلى النور.

يسرا وعمرو منسي وأحمد داش خلال حضور ندوة تكريم حامد (الشرق الأوسط)

وأوضح أن «أكثر المشروعات التي يتحمس لها هي التي تتطرق لموضوعات لا يعلم عنها شيئاً، ويحاول من خلال تقديمها الإجابة على تساؤلات لديه، لذا لا يمكنه البدء في تصوير الفيلم فور قراءة السيناريو أو حتى تحديد مواقع التصوير، فهذه الخطوة لا تتم إلا بعد مقابلة الشخصيات التي تساعده على دخول (عالم الفيلم) ليتمكن من خلق واقع يصدقه الجمهور عندما يشاهده ويشعر كأنه حقيقي».

وروى مروان «مواقف عدة صادفته خلال تحضيرات أفلامه السينمائية، من بينها اختيار العمارة التي صور بها فيلم (عمارة يعقوبيان)، والتي اختيرت صدفة خلال سيره مع مصمم الديكور فوزي العوامري في منطقة وسط القاهرة في أعقاب عدم التوصل لاتفاق بين الشركة المنتجة ومسؤولي (عمارة يعقوبيان) الأصلية، التي كانوا يرغبون بالتصوير فيها»، عاداً أن «البدائل التي يجري التوصل لها لتجاوز العقبات قد تعطي نتائج أفضل أمام الكاميرا».

ومن بين المواقف التي ذكرها أيضاً مشهد المطاردة أعلى سور مجرى العيون الذي نفذه في فيلم «إبراهيم الأبيض»، مؤكداً أن المكان شاهده وعاينه خلال التحضير لتصوير أحد الإعلانات، لكن الإعلان لم يُصوّر به وقتها، واحتفظ بالموقع في ذاكرته حتى وظفه في الفيلم». ويرى حامد أن «الممثل أهم عنصر في العملية السينمائية، إذ لا يمكن أن يحب الجمهور الفيلم، إلا أذا أحب الممثل».

المخرج المصري مروان حامد قدم عدداً من الأفلام المميزة (حسابه على فيسبوك)

لم يخفِ مروان حامد وجود مخاوف لديه من عدة أمور، من بينها الأكشن وطريقة تقديمه وتوظيفه في الفيلم السينمائي، لأن الجمهور يشاهد مستوى وأسلوباً مختلفين في أفلام هوليوود، وهو ما يجعله حريصاً على توظيف عملية تنفيذه بما يخدم السياق الدرامي للأحداث وتقديمه بطريقة تشبه ما يحدث في الواقع، وهو ما نفذه في فيلم «إبراهيم الأبيض» عبر مشاهد أكشن تصاحبها رحلة من المشاعر الإنسانية العميقة، على حد تعبيره.

من بين الأمور التي يخشاها صاحب «كيرة والجن» استخدام عناصر «الغرافيكس» التي قد تجعل الجمهور لا يصدق الأحداث ما لم تكن موظفة بشكل جيد في العمل، مشيراً إلى «توجه بعض المخرجين الكبار للاستغناء عنها».

ويشدّد مروان حامد على أن «العلاقة بين المنتج والمخرج يجب أن تقوم على الشراكة، فالمخرج لا بدّ أن يفهم ويدرك اقتصاديات الفيلم، ويقدم تنازلات في تنفيذ بعض المطالب بما لا يخلّ بالرؤية العامة للفيلم»، عاداً أن «تجربة سينمائية جديدة ناجحة قد تمهّد للكثير من التجارب».

مروان حامد خلال «الماستر كلاس» (الشرق الأوسط)

ويُعدّ مروان حامد أحد أبرز المخرجين المصريين راهناً. تخرج من معهد السينما عام 1999، وعمل مساعد مخرج مع المخرج الكبير شريف عرفة، لينطلق بعدها بتقديم عدة أفلام نالت جوائز وحققت إيرادات كبيرة منها «إبراهيم الأبيض»، و«الفيل الأزرق» بجزأيه، و«تراب الماس»، بالإضافة إلى فيلم «عمارة يعقوبيان».


مقالات ذات صلة

«ثريا حبي» يُعيد المخرج الراحل مارون بغدادي إلى عائلته

يوميات الشرق ثريا بغدادي تستعيد مارون من الذاكرة (المنتجة جانا وهبه)

«ثريا حبي» يُعيد المخرج الراحل مارون بغدادي إلى عائلته

الفيلم هو مراجعة؛ اعترافات لامرأة تجلس لساعات أمام حاسوبها بباريس، لتروي للمخرج الذي يحاورها على الجانب الآخر من بيروت...

سوسن الأبطح (بيروت)
يوميات الشرق من كواليس تصوير فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)

مسابقة «النقاد للأفلام العربية» تجتذب القضايا السياسية والإنسانية

أهمية جوائز «النقاد للأفلام العربية» لا تقتصر على تكريم أفضل الإنتاجات، وإنما تمتد إلى دورها الحيوي في تسليط الضوء على السينما العربية ضمن سياق دولي واسع.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق عدد من صناع الأفلام بالذكاء الاصطناعي (مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير)

سينما الذكاء الاصطناعي تفرض حضورها في الإسكندرية

فرضت «سينما الذكاء الاصطناعي» حضورها بالدورة الـ12 لمهرجان «الإسكندرية للفيلم القصير»، حيث تم تخصيص مسابقة لها للعام الثاني على التوالي بمشاركة 16 فيلماً.

انتصار دردير (الإسكندرية (مصر))
يوميات الشرق خيري بشارة متحدثاً في «ماستر كلاس» بإدارة المخرج عمر الزهيري (مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير)

خيري بشارة: ابتعدت عن «الواقعية» حتى لا أصنع أفلاماً تقتل الناس

أكد المخرج المصري خيري بشارة أن أفلامه تدور حول محور واحد يتمثل في العلاقة بين الفقراء والأغنياء، عبر تيمات مختلفة.

انتصار دردير (القاهرة )
يوميات الشرق محمد ممدوح يوكد أن موضوع الفيلم شائك (إدارة المهرجان)

محمد ممدوح يقتحم قضايا حرجة في «مشاكل داخلية 32B»

حظي الفيلم الروائي القصير «مشاكل داخلية 32B» باهتمام خلال عرضه في افتتاح الدورة الـ12 لـ«مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير».

انتصار دردير (الإسكندرية)

اكتشافات جديدة تُعيد رسم الخريطة العمرانية للإسكندرية القديمة

الكشف الأثري تضمَّن تماثيل من العصور القديمة (وزارة السياحة والآثار)
الكشف الأثري تضمَّن تماثيل من العصور القديمة (وزارة السياحة والآثار)
TT

اكتشافات جديدة تُعيد رسم الخريطة العمرانية للإسكندرية القديمة

الكشف الأثري تضمَّن تماثيل من العصور القديمة (وزارة السياحة والآثار)
الكشف الأثري تضمَّن تماثيل من العصور القديمة (وزارة السياحة والآثار)

أعلنت وزارة السياحة المصرية اكتشاف مجموعة من العناصر الأثرية والمعمارية، التي تُلقي الضوء على تطوّر الحياة الحضرية بمدينة الإسكندرية عبر عصورها التاريخية القديمة، وفق ما أكدته بعثة حفائر الإنقاذ، التابعة للمجلس الأعلى للآثار، العاملة بمنطقة محرم بك بحي وسط الإسكندرية.

وعدَّ وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، هذا الكشف إضافةً نوعيةً لسجل الاكتشافات الأثرية بمدينة الإسكندرية. وقال في بيان للوزارة، السبت، إنَّ هذا الكشف يعكس الأهمية التاريخية والحضارية للإسكندرية بكونها أحد أبرز المراكز الثقافية في العالم القديم، ويبرز مكانتها الفريدة واحدةً من أهم الحواضر التاريخية، بما تجسّده من ثراء حضاري وتنوّع ثقافي متراكم عبر العصور.

وأشار إلى أنَّ نتائج الكشف تُسهم في إعادة رسم الخريطة العمرانية لمدينة الإسكندرية القديمة، كما تؤكد استمرار الجهود المصرية في حماية التراث الأثري وصونه، لا سيما من خلال حفائر الإنقاذ المرتبطة بمشروعات التنمية، بما يحقِّق التوازن بين الحفاظ على التراث ودعم خطط التنمية المستدامة.

جانب من الكشف الأثري بالإسكندرية (وزارة السياحة والآثار)

وتضمّ مدينة الإسكندرية، التي أنشأها الإسكندر الأكبر عام 331 قبل الميلاد لتكون عاصمةً لمصر ومركزاً حضارياً عالمياً، عدداً من المعالم السياحية العائدة إلى العصور اليوناني (البطلمي)، والروماني، والبيزنطي، من بينها المسرح الروماني، وعمود السواري، وجبانة الكتاكومب بكوم الشقافة، ومعبد السيرابيوم، والآثار الغارقة.

وبيَّن الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، الدكتور هشام الليثي، أنَّ أعمال الحفائر كشفت عن تسلسل حضاري متكامل يبدأ من العصر البطلمي، مروراً بالعصر الروماني، وصولاً إلى العصر البيزنطي، بما يعكس استمرارية الاستيطان بالموقع عبر مراحل زمنية متعاقبة.

أحد التماثيل المُكتشَفة بالإسكندرية (وزارة السياحة والآثار)

ومن أبرز المكتشفات، حمام عام دائري من طراز «Tholoi» يرجع إلى العصر البطلمي المتأخر، إلى جانب بقايا فيلا سكنية رومانية مزوّدة بأرضيات من الفسيفساء متعدّدة الطرز، ممّا يعكس مستوى متقدّماً من الرفاهية والتخطيط العمراني خلال تلك الفترات.

ويقدِّم الموقع المُكتَشف نموذجاً متكاملاً لتطوُّر العمارة السكنية والخدمية في الإسكندرية القديمة، حيث كشفت الحفائر عن منشآت مائية متطوّرة، من بينها حوض استحمام (مسبح صغير) مرتبط بالفيلا الرومانية، مزوّد بنظام متكامل لإدارة المياه، وفق تصريحات رئيس قطاع الآثار المصرية، محمد عبد البديع.

وأشار إلى تنوع تقنيات تنفيذ أرضيات الفسيفساء المكتَشفة، التي شملت أسلوبَي «Opus Tessellatum» و«Opus Sectile»، بما يعكس ثراء المدارس الفنية بالإسكندرية وتنوّعها خلال العصرَين البطلمي والروماني.

لقى أثرية تعود إلى العصور البطلمية والرومانية بالإسكندرية (وزارة السياحة والآثار)

وتُعيد النتائج الجديدة تقييم الخرائط التاريخية للمدينة، خصوصاً أعمال محمود بك الفلكي، التي تُعدُّ من أولى المحاولات العلمية لإعادة بناء التخطيط العمراني لمدينة الإسكندرية، باستخدام منهج يجمع بين القياسات الفلكية والدراسات الطبوغرافية والتحليل التاريخي. كما تؤكد أنَّ المنطقة كانت ضمن النطاق العمراني داخل أسوار الإسكندرية حتى العصر البيزنطي، قبل أن تتراجع أهميتها لاحقاً؛ نتيجة تغيُّرات التخطيط العمراني، وفق تصريحات رئيس آثار الوجه البحري، الدكتور هشام حسين.

ولفت إلى أنَّ المكتشفات تضمَّنت مجموعةً متميّزةً من اللقى الأثرية المنقولة، من بينها تماثيل رخامية لعدد من المعبودات مثل باخوس وأسكليبيوس، بالإضافة إلى تمثال فاقد الرأس يُرجَّح أنَّه للمعبودة مينيرفا.

كما عُثر على عملات، ومسارج، وأوانٍ فخارية، وأجزاء من أمفورات مختومة، تعكس في مجملها النشاطَين التجاري والثقافي المزدهرَين اللذين شهدتهما الإسكندرية القديمة، وعلاقاتها الواسعة مع محيطها في البحر المتوسط.

اكتشاف أرضية فيلا مشغولة بالفسيفساء (وزارة السياحة والآثار)

وأفاد رئيس البعثة الأثرية، إبراهيم مصطفى، بأنَّ أعمال الحفائر استمرَّت أشهراً، وأسفرت عن نتائج استثنائية، مؤكداً أنَّ فريق البعثة بدأ بالفعل تنفيذ أعمال الترميم المبدئي للمكتشفات تمهيداً لنقلها إلى المعامل المتخصّصة. كما أشار إلى أنَّه يُدرَس حالياً عرض أبرز القطع المكتشَفة بالمتحف اليوناني الروماني بالإسكندرية، بما يسهم في تعزيز تجربة الزائرين وإبراز أهمية هذا الكشف، إلى جانب استكمال أعمال الحفائر بالموقع، التي قد تسفر عن مزيد من الاكتشافات خلال المرحلة المقبلة، وفق البيان.

وشغلت مدينة الإسكندرية مكانةً مهمّةً في العصور اليونانية والبطلمية والرومانية والبيزنطية، حيث كانت مركزاً لحكم مصر في معظم هذه العصور، وضمَّت معالم حضارية ضخمة، وإنما تعرَّض عدد من آثارها للتدمير، مثل فنار الإسكندرية، ومكتبة الإسكندرية القديمة، ومقبرة الإسكندر الأكبر، وفق وزارة السياحة والآثار.


«ثريا حبي» يُعيد المخرج الراحل مارون بغدادي إلى عائلته

ثريا بغدادي تستعيد مارون من الذاكرة (المنتجة جانا وهبه)
ثريا بغدادي تستعيد مارون من الذاكرة (المنتجة جانا وهبه)
TT

«ثريا حبي» يُعيد المخرج الراحل مارون بغدادي إلى عائلته

ثريا بغدادي تستعيد مارون من الذاكرة (المنتجة جانا وهبه)
ثريا بغدادي تستعيد مارون من الذاكرة (المنتجة جانا وهبه)

عندما كانت الصبية الطَّموحة ثريا بغدادي راقصة تشقّ طريقها مع «كركلا» في سبعينات القرن الماضي، جاء المخرج الصاعد مارون بغدادي إلى مركز الفرقة، باحثاً عن ممثلة لفيلمه «حروب صغيرة»، ووقع اختياره عليها. هناك بدأت قصة حبّ مليئة بالمغامرات والأشواق والمتاعب.

لم يُكتب لزواج مارون وثريا أن يستمر أكثر من 12 سنة، فقد رحل المخرج الشاب في بيروت بحادث بقي غامضاً، وهو في عزّ تألقه، بعد سنتين فقط من فوزه بجائزة لجنة التحكيم في مهرجان «كان السينمائي» عن فيلمه «خارج الحياة». أحدث الخبر صدمة حينها في لبنان، وفي باريس حيث كانت ثريا الحامل في شهرها الأخير بطفلها شريف. ورغم الأسى، ظلَّت الزوجة أمينة على إرث مارون، ورعت أولادها الثلاثة، وهي تكمل طريقها في ممارسة الرقص الشرقي وتعليمه بعدما اختارته طريقاً.

نيكولا خوري وجانا وهبه بعد العرض في بيروت (صور المنتجة)

ارتأى المخرج اللبناني نيكولا خوري أنّ ثمة ما يستحق النبش في هذه السيرة الثنائية، والصلة الحميمية التي ربطت ثريا بمارون، ولم توثَّق بما يكفي. أجرى خوري 120 ساعة من المقابلات، طوال 4 سنوات، في تحضير طويل لوثائقي «ثريا حبي» الذي مدّته 77 دقيقة. كان الوقت حاجة لكسب ثقتها، وإنجاز فيلم يتحرى بواطن علاقة ربطت مارون بغدادي بثريا، وما بقي منها بعد 30 سنة من وفاته المفجعة.

عُرض الفيلم للمرة الأولى بلبنان قبل أيام، في ختام «مهرجان بيروت الدولي لسينما المرأة»، وسط حضور حاشد وكثير من الاهتمام. فرغم مرور السنوات، لا يزال مارون بغدادي الذي رحل عن 43 عاماً، تُعاد أفلامه وتُرى على هيئة شاهد على مرارة الحرب الأهلية اللبنانية وعبثها.

تتحدَّث ثريا في الفيلم عن مارون، وعن نفسها، وعن صعوبات عيشهما المشترك، وعن حياتها من بعده وكونها فنانةً لها هواجسها ورغباتها، وعن قصة حبهما المرتبطة عضوياً بتاريخ لبنان، وبحروبه ومآسيه. كان يمكن للزوجين أن يبقيا في بلدهما، لكنّ الحرب دفعتهما للهجرة إلى باريس. «منذ وصلنا، وهو لم يتوقّف عن العمل»، تقول. تشكو أنه لم تكن لهما يوميات حقيقية. نراها تُلاعب أولادها: «لعلّ هذه التسجيلات التي احتفظنا بها هي من بين اللحظات القليلة التي عشناها معاً». كان مأخوذاً بطموحه، وهي تعنى بالعائلة. الفنانة، وقد أصبحت أمّاً، انسحبت بهدوء لتقوم بالمهمات التي انشغل عنها مارون.

الفيلم هو مراجعة؛ اعترافات لامرأة تجلس لساعات أمام حاسوبها في باريس، لتروي للمخرج الذي يحاورها على الجانب الآخر من بيروت، ولا يكفّ عن الاستفسار. «تريدني أن أكون تلك الأرملة التي تبكي زوجها. لا أريد أن أبكي». كانت بحاجة لوقت لبناء الثقة وفتح الخزائن والأسرار. تقول لخوري: «بما أنني أُدخلك إلى حميمياتي، عليك أن تتسلَّل على رؤوس أصابعك من دون أن تُحدث ضجيجاً».

صراحة ثريا مدهشة، وشفافيتها لافتة. لا تفتعل المثالية، ولا تتصنّع دور الزوجة الهائمة. «نعم، تعرّفتُ على رجال آخرين، ولو بقي أحد منهم في حياتي، لتراجعت ذكرى مارون»، تستدرك بعد ذلك، متسائلة: «لكن من أين تأتي برجل يحمل كل هذا الحبّ الذي أغدقه مارون؟». الرسائل المتبادلة بين الحبيبين تكاد تكون العنصر الأكثر رومانسية في فيلم غاب بطله وحلّت محلّه كلماته. «أحبك من كلّ قلبي وشغفي»، يكتب لها. هكذا يحضر مارون من خلال الكلمات العاشقة التي سطَّرها بقلمه على أوراق لا تزال تحتفظ بها ثريا في ملفاتها. «أشتاق لحركتكِ... أحب أن أراكِ تتألقين... أحتاج بسرعة إلى حضنكِ، أحتاج إليكِ كي أبدع». هي بحاجة لأن تعود وتقرأ رسائله لتتذكر أنّ في العالم شيئاً من الرقة؛ رقة مارون. «أنا محظوظة بكلّ هذا الحب». فهذه الرسائل كانت وسيلة تواصل بين الزوجين الحبيبين حين تقع الخلافات، ويحلّ الصمت، وهي من بين أجمل ما بقي.

إضافة إلى الأفلام التي تركها، تعيش ثريا برفقة صناديق تحوي رسائل، ونصوصاً مكتوبة، وتسجيلات، ورسوماً. أرشيف مُربك، لكنه يشكل رافداً يغني الفيلم، ويُجبر ثريا على العودة إليه بهذه المناسبة، وتقليبه، ممّا يجعل الجروح طرية والذكريات فياضة.

بين الصورة والذكرى... حياة كاملة (المنتجة جانا وهبه)

أمر ليس بالسهل احتماله ولا بالمستساغ. ربما هذا ما ساعد ثريا في أن تكون عفوية، وراغبة في البوح البسيط والموجع. «لا، لم أرغب في الذهاب إلى الجنازة، حين علمت بموته وأنا في باريس. لماذا تركني وأنا على وشك الولادة، وذهب إلى مكان خطر؟ لم أسامحه على هذا».

لم تكن الحياة سلسة، ولا العلاقة رغم العشق وردية. بعد حصوله على جائزة لجنة التحكيم في «كان»، أصبح «مأخوذاً وقلقاً، ومشغولاً، وكأنني لم أعد موجودة. قرّرت أن أنسحب. حصل ذلك بالاتفاق مع أمي. لكنه شاهدني وأنا على باب الفندق، وأمسكني من يدي وأعادني. كنتُ راغبة في أن يراني ويُعيدني».

كان منهمكاً عنها، إلى حدّ يجعلها تتساءل: «لا أعرف ماذا كان يريدني أن أكون. ربما أرادني قوية، وأن أواجه صعوبات الحياة وحدي». حين تنظر إلى الوراء، رغم كلّ المنغّصات، ترى ثريا أنه كان حباً رقيقاً ورومانسياً.

فيلم مشغول بحبّ وشغف، بتأنٍّ ودعة من المخرج نيكولا خوري والمنتجة جانا وهبه، ومشاركة آية البلوشي، ومارين فيايان. حرص المخرج على متابعة تطوّرات شخصية ثريا، امرأة وفنانة ضحَّت بأخصب سنوات عمرها كي تساند شريكها، ثم من بعد ذلك صارت أمّاً لها شغفها وهواها وطموحها. ثم استحضار مارون بغدادي بعد عقود على رحيله؛ إن باستبطان الذاكرة، أو باستلهام الأفلام التي تركها، أو بإحياء سيارته الخاصة التي لا تزال في حوزة العائلة. تظهر ثريا في السيارة المكشوفة بشوارع بيروت، وقد غزا شَعرها الشيب، وكأنها تسترجع يوم كانت تجلس إلى جانبه ذات يوم. أو نراها في مشهد آخر، تلبس قميصه ومعطفه، تشتم رائحته فيهما، وتضع نظارتيه على وجهها، في محاولة لاستعادة الغائب.

لعبة مُرهقة؛ العودة إلى ماضٍ بعيد جداً، للحديث عن تفاصيل صغيرة، أو خلافات عابرة، تضاءلت مع الوقت حتى ذابت. ومتعب حقاً أن تجد ثريا بغدادي نفسها في حاجة لتفسير وتحليل ما لم يخطر لها على بال: «عندما أسأل عن عيشي مع عبقري، أشعر بالضيق. لا أريد أن أكون بهذه الصورة. صورة الأرملة. لا أحبّ هذه الطريقة التي يُضفى بها طابع غامض على مارون».

للمخرج نيكولا خوري 3 أفلام حائزة على جوائز، عُرضت في عدد من المهرجانات الدولية. عُرض فيلمه الروائي الأول «فياكسو» للمرة الأولى في مهرجان كوبنهاغن للأفلام الوثائقية، وفاز بجائزتين في مهرجان «القاهرة السينمائي الدولي» عام 2021، أما فيلم «ثريا حبي» ففاز بجائزة أفضل فيلم وثائقي أيضاً في «القاهرة السينمائي».


زوجان في الستينات ينطلقان في رحلة 3057 كيلومتراً بالدراجة المزدوجة

معاً... تصبح المسافة أخف (إنستغرام)
معاً... تصبح المسافة أخف (إنستغرام)
TT

زوجان في الستينات ينطلقان في رحلة 3057 كيلومتراً بالدراجة المزدوجة

معاً... تصبح المسافة أخف (إنستغرام)
معاً... تصبح المسافة أخف (إنستغرام)

انطلق زوجان بريطانيان في عقدهما السادس في رحلة بالدراجة المزدوجة لمسافة نحو 3057 كيلومتراً، سعياً إلى استعادة استقلالهما بعد مغادرة أبنائهما المنزل.

ويهدف كريس ونيكي كلارك للوصول إلى لشبونة في البرتغال، انطلاقاً من منزلهما في سومرست خلال 65 يوماً، حاملين معهما كل ما يحتاجان إليه، بما في ذلك خيمة.

وذكرت «بي بي سي» أنّ هذه الرحلة تُعدّ أحدث مغامرات الزوجين منذ أن أصبح أطفالهما الأربعة بالغين، بعد تجارب سابقة شملت جولات بالدراجات في أنحاء أوروبا.

وألهمت رحلات الزوجين تأليف مذكرات بعنوان «حان وقت تغيير السرعة»، التي توثّق رحلة حياتهما المشتركة، مستعرضةً تجاربهما في الزواج، وما يمرّ به الإنسان في مرحلة منتصف العمر، إلى جانب مغامراتهما على الطرق المفتوحة خلال رحلاتهما بالدراجة.

وتُمثّل هذه الرحلة المغامرة الطويلة السادسة لهما على دراجتهما المزدوجة المحبوبة، التي أطلقا عليها اسم «إديث».

وقال كريس إنّ الكتاب يروي قصة رحلة سابقة انطلقت من منزلهما في أوك هيل، مروراً بالساحل الغربي لفرنسا وصولاً إلى سانتاندير في إسبانيا، في إطار بحثهما عن روح المغامرة.

وأضاف: «يطرح الكتاب سؤالاً يهمّ كثيراً من الآباء الأكبر سناً: بعد أن يصبح أبناؤك مستقلّين، كيف تستعيد استقلالك أنت؟». وتابع: «علينا ببساطة أن نمضي قُدماً ونعيش حياتنا من جديد من دون الأبناء».

وتابع: «الكتاب يتناول الأشخاص الذين نلتقيهم على طول الطريق، وما يخبروننا به عن التقدُّم في العُمر وكيفية تعاملهم مع الحياة. وأعتقد أنّ هذه التجربة كانت مفيدة جداً لعلاقتنا». وأوضح: «اكتشفنا عندما بدأنا تلك الرحلات بالدراجة بمفردنا أننا لا نزال نكنّ إعجاباً كبيراً بعضنا ببعض».

على عجلتين تتّسع الحياة (إنستغرام)

وقد صُمِّمت الدراجة المزدوجة بحيث يتولى كريس القيادة في المقدمة، فيما تجلس نيكي في الخلف.

وقالت نيكي: «كريس يقود دائماً في المقدّمة، لكنني راضية بذلك». وأضافت: «في الواقع يعجبني هذا الوضع؛ يمكنني النظر حولي، وأتولّى النظر في الخرائط، في حين يتولّى هو تحديد الاتجاهات، وهذا شيء رائع».

وأفادت مؤسّسة «تروما ريسيرتش يو كيه» الخيرية الوطنية بأن الآباء الذين يمرّون بمرحلة «العشّ الفارغ» غالباً ما يشعرون بـ«الفقد أو الوحدة أو الارتباك».

وقالت مديرة العمليات في المؤسّسة، سارة فلويد: «من المهم بشكل خاص في هذه المرحلة إدراك أنّ هذا التحول يمكن أن يُشكّل أيضاً فرصة جديدة».

وأضافت: «مع تغيُّر دور الرعاية، تُتاح للآباء مساحة لإعادة اكتشاف اهتماماتهم واستكشاف تحدّيات أو شغف جديد ربما جرى تأجيلها».

وأوضحت أنّ «الانخراط في أنشطة جديدة، سواء كانت السفر، أو ممارسة الهوايات، أو العمل التطوعي، أو تعلُّم مهارات جديدة بالكامل، يمكن أن يلعب دوراً محورياً في استعادة الإحساس بالهدف والهوية».

ويؤكد الزوجان أنّ هذه الرحلة تمثّل قصة عن «العلاقات طويلة الأمد، وإعادة اكتشاف الذات، وروح الدعابة التي تنشأ حتماً من كونهما مقترنين معاً على دراجة مزدوجة».