كي لا نغضّ الطرف وندفن الذاكرة... مهرجان عمّان يُفرد شاشاته لسينما الواقع العربي

من عرض «الجانب الآخر من الشمس» لتوفيق صابوني في «الهيئة الملكيّة الأردنية للأفلام» (الشرق الأوسط)
من عرض «الجانب الآخر من الشمس» لتوفيق صابوني في «الهيئة الملكيّة الأردنية للأفلام» (الشرق الأوسط)
TT

كي لا نغضّ الطرف وندفن الذاكرة... مهرجان عمّان يُفرد شاشاته لسينما الواقع العربي

من عرض «الجانب الآخر من الشمس» لتوفيق صابوني في «الهيئة الملكيّة الأردنية للأفلام» (الشرق الأوسط)
من عرض «الجانب الآخر من الشمس» لتوفيق صابوني في «الهيئة الملكيّة الأردنية للأفلام» (الشرق الأوسط)

في أزقّة العالم العربي الفسيح وخلف أبواب بيوته الموصدة، آلاف القصص التي لم يخترعها ذكاءٌ اصطناعيّ ولم تنشرها صفحات تواصل اجتماعي. من حسن الحظ أن ثمة أفلاماً وثائقية صارخة تأتي لتروي بعضها. هي تلك الأفلام تحديداً التي تُفرَد لها شاشات «مهرجان عمّان السينمائي» كي تقول الواقع الذي لم يُقَل، وتنفضَ من رمادها حكاياتٍ لا يجب أن تُطمَس.

معظم الأفلام الوثائقية التي يعرضها المهرجان في دورته السابعة، هي من النوع الذي يفضّل الجمهور عادةً غضّ الطرف عنه، لأنّ الواقع الذي فيها هو بمثابة صفعةٍ على خدّ كل عربيّ. من شهادات أهل غزّة بعيونهم الممتلئة موتاً، إلى حكايات نساءٍ عراقيات تمنّين لو لم يخرجن من أرحام أمهاتهنّ، وليس انتهاءً بمذكّرات معتقَلي سجن صيدنايا حيث الجدران ما زالت تصرخ ألماً.

"مَن لا يزال حياً"

على أرضٍ محايدة وتحديداً في قاعة معتمة في جنوب أفريقيا، يتنقّل غزّيون بين مربّعاتٍ بيضاء مرسومة فوق ما يشبه خشبة مسرح. كل مربّعٍ يرمز إلى بيتٍ هجروه غصباً، أو مكان عملٍ انسلخوا عنه، أو أرضٍ زرعوها فاستحالت خراباً. هنا غزّة المدينة، وهنا دار البلح، وهذه خان يونس...

أبطالُ المخرج السويسري نيكولا فاديموف في فيلمه الوثائقي «مَن لا يزال حياً»، هم مجموعة من بنات غزّة وأبنائها الذين استطاعوا الخروج منها عبر رفح قبل إغلاق الحدود مع مصر، بعد أيام أو شهور على اندلاع الحرب الإسرائيلية ضد القطاع الفلسطيني.

أمامهم رقعة سوداء كبيرة، يرسم كلٌ منهم عليها بالطبشور المكان الذي أتى منه ولا يعلم ما إذا كان سيعود إليه يوماً. هذا الذي أخذ مفتاح البيت غير عارفٍ ما إذا كان سيرجع فيجدَ قفلاً أم هواء. وذاك الذي يفتقد أشجاراً زرعها في بستانه. و«حنين» التي دفنت نصف عائلتها قبل أن توضّب حقيبةً صغيرة وتغادر رغماً عنها مع من تبقّوا.

يتّخذ الفيلم الوثائقي اتّجاهاً تصاعدياً. فبعد إيقاظ الذكريات المرتبطة بالأماكن والأغراض الشخصية وبحر غزّة، ينكأ في نصفه الثاني الجراح العميقة التي خلّفتها الحرب. يسرد كلٌ من الشهود التسعة يوميات القصف والقتل الممنهج كما عايشوها قبل رحيلهم.

«تنشّقنا الموت... كنا موتى بلا قبور»، تقول إيمان في وصف الأشهر الخمسة التي قضتها في غزة ما بين 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023 ومارس (آذار) 2024، تاريخ مغادرتها القطاع. وإيمان التي استقرّت وعائلتها في القاهرة، حضرت عرض الفيلم في عمّان مشاركةً شهادتها مع الحضور. هي التي انتصرت في معركتها ضد السرطان قبل سنوات، تقول إنّها ظنّت أنّ تلك كانت كبرى معاركها وصدماتها في الحياة إلى أن اندلعت حرب غزة.

يتحدّث الشهود، يُفرغون ما في ذاكرتهم البصريّة والعاطفية، وكأنّ في التوثيق بعضَ شفاء. لا حاجةَ إلى الصور هنا ولا إلى فيديوهات الغارات والدمار والأشلاء، رواياتهم تكفي. لا يقاطعهم المخرج، وبين غصّة ودمعة تخرج الحكايات كمثلِ حكاية «ملاك» التي سقط البيت عليها وعلى عائلتها فاستشهد شقيقاها ونجت هي لتشهد.

يترافق عرض الفيلم ومعرضاً سمعياً بصرياً أُحضرت إليه خريطة غزة المستخدمة في «الوثائقي» (إدارة المهرجان)

"الجانب الآخر من الشمس"

فيلمٌ وثائقيّ آخر يبدأ بمجسّمٍ لمكانٍ قاهر، هو «الجانب الآخر من الشمس» الحاصل على تمويل «البحر الأحمر السينمائي». مستعيناً بقطعٍ من الخشب الرقيق وبأغراض بلاستيكية صغيرة، يبني المخرج السوري توفيق صابوني مصغّراً عن سجن صيدنايا. هي قصة غير اعتيادية تلك التي يرويها صابوني وتُعرض للمرة الأولى في العالم العربي ضمن مهرجان عمّان السينمائي.

صابوني معتقلٌ سابق في السجن السوري الذي ترتعدُ لاسمه الذاكرة والأبدان. رُميَ فيه يافعاً عام 2011 بتهمة تصوير المظاهرات خلال الثورة السورية. هناك شهدَ على فظائعَ لا يعرف مَن هم خارج الأسوار عنها شيئاً: «كنت أحلم بأن يكون لديّ كاميرا لأصوّر ما لن تنساه ذاكرتي»، يقول صابوني في الفيلم.

يوم خرج من خلف القضبان، لم يدرك أنه سيعود إلى صيدنايا بعد أعوام قليلة مصطحباً كاميرته ليوثّق تراجيديا المكان حيث قيل له «رح نودّيك ورا الشمس» بعد كل جلسة ضرب وتعذيب. برفقة 4 من المعتقلين السابقين، يقتربون من المبنى الشبَح. بعضُهم يجهش باكياً لرؤية المكان، وآخر يتذكّر مبتلعاً دموعه: «هنا مات فلان»، «من خلف هذه القضبان كنت كلّما رأيتُ عصفوراً حسدتُه».

بين آلاف الأوراق التي هُجرت في مكاتب السجن، يبحثون عن حُكمِ إعدامٍ يحمل أسماءهم. يتنقّلون بين المهاجع والزنازين مستذكرين التعذيب، ومُعيدين تمثيل بعض مَشاهده. «بين جدران هذه الغرفة الضيّقة كانوا يكدّسوننا عراة». ثم يخبرون كيف كان السجّان، وإذا أراد أن يلقّنهم درساً في الرعب، يقتل أحد رفاقهم أمامهم. أو أنه يطحن عنق آخر حتى النفس الأخير لمجرّد أن يعلّمهم كيف يوضّبون جثّة ويُخرجونها من المكان. وأحياناً كانوا يتركون مريض السلّ عمداً بين رفاق الزنزانة كي ينقل المرض إليهم قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة أمامهم.

تنتمي هذه السينما إلى خانة المحتوى المُؤرق للعين والمؤذي للقلب، لكنها ضروريّة. هذا النوع من الأفلام التي تشرّح ذاكرة الواقع هي التوثيق التاريخي الذي تفتقده المناهج التربوية والمدارس العربيّة.

المعتقلون السابقون على مشارف سجن صيدنايا السوري (إنستغرام)

«فلانة»

من بين الأعمال الوثائقية الطويلة المتنافسة ضمن مهرجان عمّان السينمائي، فيلم «فلانة» الآتي من العراق والذاهب بمشاهديه إلى واقعٍ لا يعرف عنه سوى قلّة. توثّق المخرجة زهراء غندور لحكاياتٍ شخصيّة بطلاتُها نساءٌ عبرن في حياتها؛ من خالتها «الداية حياة» التي وُلد كل أطفال العائلة والقرية على يدَيها غير أنها لم تُنجب لنفسها ذرّيّة، مروراً بجارة الطفولة «نور» التي نُبذت منذ الولادة ممّن أنجبوها وممّن تبنّوها، وصولاً إلى «نتالي» التي طُردت طفلةً من بيت أبيها فافترستها الشوارع.

كما لو أنّ قدرَ شخصيات الفيلم، ومن خلالهنّ مئات النساء العراقيات، هو العيش على الهامش لمجرّد أنهنّ وُلدنَ إناثاً أو لأنّهنّ لم يتزوّجن.

«أين اختفت نور؟»، هو السؤال الذي تهجس به المخرجة والذي يأخذها في رحلة بحثٍ مظلّلة بالتساؤلات حول مصير رفيقة الطفولة. يبدأ المسار في بيت الخالة حياة حيث وُضعت نور رضيعةً بعد أن نبذها أبوها الذي ضاق ذرعاً من إنجاب زوجته للفتيات. ومن هناك إلى بيت عائلةٍ تبنّتها ثم رمتها من جديد بعد أن بلغت العاشرة من العمر. أما المحطة الثالثة ففي «ملجأ البنات المشرّدات» حيث تقبع عشرات الفتيات غير المرغوب بهنّ من آبائهنّ وعائلاتهنّ. ومعظمهنّ لا يجدن طريقاً بعد الخروج من الملجأ، سوى الملاهي الليليّة المشبوهة حيث تلتقي المخرجة بشخصيّتها الثالثة في الوثائقي «نتالي»، صاحبة الاسم المستعار ولون الشعر المستعار والحياة المستعارة.

وكأنّ حبل سرّة واحد يربط ما بين تلك النساء اللواتي رماهنّ المجتمع الذكوريّ جانباً، فتحوّلن إلى ضحايا الاستغلال، مجرّداتٍ من هويّةٍ وعائلةٍ وحبّ. أما الأخطر من ذلك كلّه فهو دخولهنّ دوّامة النسيان، وانتهاؤهنّ تحت تراب ما يُعرف بـ«مقابر المنبوذات» المنتشرة في عدد من بلدات جنوبي العراق.

يشارك فيلم «فلانة» من العراق في مسابقة الأفلام الوثائقية الطويلة (إدارة المهرجان)

عن فئة الأفلام الوثائقية الطويلة يتنافس ضمن مهرجان عمّان كذلك «ضد السينما» من المملكة العربية السعودية، و«عصافير الحرب» من سوريا، و«دو يو لاف مي» من لبنان، و«حبيبي حسين» من فلسطين، و«بابا والقذّافي» من ليبيا.


مقالات ذات صلة

«فرار ومحاولات اغتيال»... ماذا يحدث في مناطق عصابات غزة؟

خاص فلسطينيون يحاولون إخماد حريق بمركبة دُمرت جراء غارة جوية إسرائيلية جنوب مدينة غزة يوم الخميس (إ.ب.أ) p-circle

«فرار ومحاولات اغتيال»... ماذا يحدث في مناطق عصابات غزة؟

أظهرت بيانات لعائلات في غزة وإفادات لمصادر من حركة «حماس» متغيرات لافتة تجري في أوساط العصابات المسلحة التي تدعمها إسرائيل وتنشط بالمناطق التي تحتلها.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي Palestinians walk amidst destroyed buildings in Gaza City (AP)

مقتل فلسطيني وإصابة آخرين إثر قصف إسرائيلي على مدينة غزة

قُتل فلسطيني وأصيب آخرون اليوم الخميس، جراء قصف مُسيَّرة إسرائيلية مجموعة من المواطنين شمال غرب مدينة غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص مزارعون فلسطينيون يقطفون ثمار الزيتون يوم الاثنين من بساتينهم قرب رام الله في الضفة الغربية التي تحتلها إسرائيل وسط هجمات من المستوطنين (أ.ف.ب) p-circle

خاص مصدر فلسطيني لـ«الشرق الأوسط»: لا فرصة للتراجع عن تأجيل الانتخابات

أكد مصدر فلسطيني مطلع أنه «لا يوجد فرصة للتراجع» عن قرار الرئيس محمود عباس بتأجيل الانتخابات التشريعية التي كانت مقررة في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.

كفاح زبون (رام الله)
شؤون إقليمية مُعارض لنتنياهو يضع قناعاً يمثله ويلبس زي سجين ويداه مكبلتان خارج مقر المحكمة بتل أبيب في ديسمبر 2024 (إ.ب.أ) p-circle

نتنياهو أجهض صفقة تبادل شاملة مع «حماس» بعد 9 أشهر فقط من الحرب

كشفت مصادر إسرائيلية عن مشروع اتفاق شامل بين نتنياهو و«حماس» والمدعي العام السابق لـ«الجنائية الدولية» كريم خان، بعد 9 أشهر فقط من بدء الحرب على غزة.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال فعالية بالقدس في يونيو الماضي (رويترز)

«إسرائيل تُدار مثل المافيا»... اتهامات جديدة لنتنياهو بالتزوير

بعدما كشف السكرتير العسكري السابق لنتنياهو عن تزويره بروتوكولات ووثائق تتعلق بـ«7 أكتوبر»، هاجمه مدير سابق لمكتبه، وقال إن «إسرائيل تدار بأسلوب عمل المافيا».

نظير مجلي (تل أبيب)

«موسم الرياض» يعود بفعاليات استثنائية وتجارب متنوعة

تركي آل الشيخ تحدَّث في فيديو حول «موسم الرياض» عن دعم وتمكين القيادة السعودية للقطاع (هيئة الترفيه)
تركي آل الشيخ تحدَّث في فيديو حول «موسم الرياض» عن دعم وتمكين القيادة السعودية للقطاع (هيئة الترفيه)
TT

«موسم الرياض» يعود بفعاليات استثنائية وتجارب متنوعة

تركي آل الشيخ تحدَّث في فيديو حول «موسم الرياض» عن دعم وتمكين القيادة السعودية للقطاع (هيئة الترفيه)
تركي آل الشيخ تحدَّث في فيديو حول «موسم الرياض» عن دعم وتمكين القيادة السعودية للقطاع (هيئة الترفيه)

أطلق «موسم الرياض» نسخته السابعة بفعاليات وتجارب ترفيهية وبطولات رياضية عالمية، وحفلات غنائية وعروض مسرحية متنوعة، استعرضها المستشار تركي آل الشيخ، رئيس مجلس إدارة هيئة الترفيه السعودية (GEA)، في مقطع فيديو نشره على منصة «إكس» للتواصل الاجتماعي.

وأعلن آل الشيخ عودة «موسم الرياض» بفعاليات وتجارب ترفيهية متنوعة، وبطولات رياضية استثنائية، وحفلات غنائية وعروض مسرحية مختلفة فيها، مثمناً دعم وتمكين خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وولي العهد الأمير محمد بن سلمان، لقطاع الترفيه.

وتضمن الفيديو لقطات لأبرز البطولات والأحداث الرياضية التي يشهدها الموسم، وفي مقدمتها بطولة «Six Kings Slam» للتنس، التي تجمع نخبة من أبرز نجوم اللعبة عالمياً، ونزالات «Mexico vs. The World»، حيث يتصدرها النزال المرتقب بين الملاكم المكسيكي كانيلو ألفاريز والفرنسي كريستيان مبيلي.

ويشهد الموسم بطولات «Zuffa Boxing» التي تقدم مواجهات احترافية في الملاكمة، و«UFC» للفنون القتالية المختلطة، وعرض «WWE Crown Jewel» الذي يجمع أبرز نجوم المصارعة العالمية.

كما يضم فعالية «Power Slap» التي تجمع نخبة من المتنافسين في هذه الرياضة، ومهرجان الإثنوسبورت الثقافي الذي يسلط الضوء على الرياضات والألعاب التقليدية، ويقدم منافسات وأنشطة ثقافية مصاحبة.

واستعرض الفيديو مجموعة من مناطق الموسم ووجهاته الترفيهية، بينها «بوليفارد وورلد» التي تجمع ثقافات وتجارب مستوحاة من دول العالم، وتشهد هذا العام إضافة 4 دول جديدة هي أوزبكستان واليمن وهولندا والبرتغال، في حين تقدم «وندر جاردن» ألعاباً وتجارب ترفيهية متنوعة في أجواء مستوحاة من عالم الخيال والطبيعة.

وتجمع منطقة «بوليفارد سيتي» العروض المسرحية والتجارب التفاعلية والمطاعم والمقاهي، بينما يقدم «سوق المزارعين» المنتجات الزراعية والمحلية، وتقام تجربة «متاهة الحصن» تقام لأول مرة بتحديات تفاعلية ومغامرات داخلها، كذلك تحتوي وجهة «سفن الحمراء» الترفيهية على تجارب وأنشطة متنوعة.

وشملت اللقطات منطقة «شتاء الديرة» التي تقدم تجارب ثقافية وتراثية تستحضر تاريخ الرياض وأسواقها القديمة، فيما تجمع «فيا رياض» المطاعم الراقية والتسوق والتجارب الفاخرة، وتتيح «ذا جروفز» تجربة حديقة مفتوحة تضم المطاعم والمقاهي والعروض الحية والأنشطة الترفيهية.

ويُمكن لزوار «حديقة الحيوان» في الرياض مشاهدة أنواع متعددة من الحيوانات والاستمتاع بالتجارب العائلية، بينما تحتضن «حديقة السويدي» سبع ثقافات من حول العالم، تشمل اليمن وباكستان والسودان والفلبين وإندونيسيا وبنغلاديش والهند، عبر العروض الفنية والمأكولات الشعبية والمنتجات التقليدية والتجارب الثقافية المتنوعة.

وتطرق الفيديو إلى حفلات غنائية يحييها أشهر الفنانين على مسارح الرياض، وعروض مسرحية متنوعة يقدمها نخبة من أبرز نجوم المسرح العربي، ضمن برنامج ترفيهي يجمع مختلف الفنون والتجارب التي تلبي اهتمامات شرائح واسعة من الجمهور.

ورحّب آل الشيخ بالجمهور، قائلاً: «أهلاً وسهلاً بكم في موسم الرياض»، الذي تشهد نسخته السابعة برنامجاً متنوعاً من الفعاليات والتجارب المحلية والعالمية، بما يعزز مكانة العاصمة السعودية كوجهة عالمية رائدة للترفيه.


وفاة الممثل توم سكيريت الحائز جائزة إيمي عن سن 93 عاماً

 توم سكيريت (رويترز)
توم سكيريت (رويترز)
TT

وفاة الممثل توم سكيريت الحائز جائزة إيمي عن سن 93 عاماً

 توم سكيريت (رويترز)
توم سكيريت (رويترز)

توفي الممثل توم سكيريت، الحائز جائزة إيمي، الذي اشتهر بأداء أدوار شخصيات تتسم بالرصانة والسلطة الممزوجة بالسخرية، سواء في دور مدرب الطيران في فيلم «توب جن»، أو قائد الشرطة الحازم والمنصف في المسلسل التلفزيوني «بيكيت فنسز» أو قائد المركبة الفضائية الذي يلقى حتفه في فيلم «إليان» عن عمر 93 عاماً.

وقالت عائلة سكيريت في بيان إنه توفي أمس الأربعاء لأسباب طبيعية. وجاء في البيان: «بينما عرفه العالم من خلال مسيرته التمثيلية الاستثنائية، عرفناه نحن بروح دعابته وفضوله وحكمته وكرمه والحب الذي غمرنا به في حياتنا».

وتم ترشيح سكيريت مرتين لجائزة إيمي، في المرتين عن دوره في مسلسل «بيكيت فنسز» وفاز عام 1993 بجائزة أفضل ممثل رئيسي في مسلسل درامي.

ومن أبرز محطات مسيرته الفنية أيضاً تجسيده دور الزوج المتفهم للممثلة شيرلي ماكلين في فيلم » تيرنينج بوينت» أو (نقطة تحول).


لغز لوحة «ليلة النجوم»... كيف رسم فان غوخ كوكبة الثور من داخل مصحته العقلية؟

لوحة الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ «ليلة مرصعة بالنجوم» (The Starry Night) (ويكيبيديا)
لوحة الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ «ليلة مرصعة بالنجوم» (The Starry Night) (ويكيبيديا)
TT

لغز لوحة «ليلة النجوم»... كيف رسم فان غوخ كوكبة الثور من داخل مصحته العقلية؟

لوحة الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ «ليلة مرصعة بالنجوم» (The Starry Night) (ويكيبيديا)
لوحة الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ «ليلة مرصعة بالنجوم» (The Starry Night) (ويكيبيديا)

في خضم النوبات الذهنية العنيفة التي كادت تعصف بعقله، اتخذ الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ قراراً مصيرياً في مايو (أيار) من عام 1889 بالدخول طواعية إلى مصحة «سان بول دو موزول» للأمراض العقلية في منطقة «سان ريمي دو بروفانس» بجنوب فرنسا. هناك، بين الجدران الصامتة وفي غمرة العزلة الخانقة، عاش الفنان الفترة الأكثر إنتاجاً وزخماً في حياته، حيث كانت إدارة المصحة قد خصصت له غرفتين، إحداهما للنوم، والأخرى استعملها كمرسم مؤقت ليصارع من خلالها خطوط المرض اللامرئية.

الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ (ويكيبيديا)

نافذة المصحة تفتح أبواب الكون

ومن وراء قضبان نافذته الضيقة التي كانت تطل على حقل من القمح وسماء الجنوب الفسيحة، لم يكن فان غوخ يستسلم لهلاوسه، بل كان يطوّع الطبيعة بالريشة، ليتضح اليوم أن تلك النافذة لم تكن تطل على الفراغ، بل كانت بوابته الشخصية لتوثيق الكون بدقة علمية مذهلة.

وقد تحوّلت لوحته الشهيرة «ليلة النجوم» (The Starry Night) إلى محور نقاش علمي وفني مثير، بعد أن كشف باحثون ومختصون في علم الفلك عن مفاجأة غير متوقعة تقلب المفاهيم التاريخية السائدة حول عبقرية هذا الفنان المثير للجدل.

فلطالما اعتقد نقاد الفن لقرابة قرن ونصف قرن من الزمان أن تلك الدوامات اللامعة والنجوم المتفجرة في سماء اللوحة كانت مجرد نتاج هلوسات بصرية أو تدفقات من الخيال المحض الذي تغذى على العزلة والاضطراب النفسي.

غير أن العلم المعاصر جاء ليثبت العكس تماماً، مؤكداً أن ما خطّته ريشة الفنان المضطرب لم يكن سوى وثيقة فلكية شديدة الدقة ترصد حركة الأجرام الكونية كما بدت في ليلة صيّاد حقيقية، وليس بناءً على الخيال المحض.

وتكتسب هذه الدقة الفلكية بعداً درامياً هائلاً، إذ أشارت كتب التاريخ أن إدارة المصحة كانت تمنع الفنان من الخروج إلى الحديقة ليلاً خشية انتكاسه الصحي وسقوطه في نوبات الصرع، ما يعني أن فان غوخ كان يقف لساعات طوال يتأمل المشهد ويحفظه عبر القضبان الحديدية لزنزانته، ثم يقوم برسمه نهاراً من الذاكرة البصرية بدقة هندسية تفوقت على أعتى تليسكوبات عصره.

غرفة الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ داخل مصحة «سان بول دو موزول» للأمراض العقلية في منطقة «سان ريمي دو بروفانس» بجنوب فرنسا (ويكيبيديا)

العزلة التي رصدت حركة المجرات

لطالما نظر نقاد الفن إلى الأشكال الحلزونية والدوامات المضيئة في لوحة «ليلة النجوم» على أنها انعكاس مباشر للاضطراب النفسي وتجسيد بصري للشيزوفرينيا أو الصرع الذي عانى منه. لكن الكشف الفلكي الحديث الذي نشرته مجلة «Nature» بالتعاون مع متحف الفن الحديث في نيويورك (MoMA) جاء ليعيد الاعتبار لعقل الفنان الأسير، حيث أثبتت المحاكاة الفلكية أن فان غوخ كان يرسم بوعي فائق، ويقظة بصرية صارمة عاكساً تفاصيل سماء حقيقية ظهرت في أفق فرنسا قبل فجر يوم 22 يوليو (تموز) 1889.

رسالة تاريخية نادرة يحمل جزؤها العلوي الرقم 593 كتبها فان غوخ لشقيقه ثيو عام 1889 ليرصد فيها سماء الفجر قبل أن يخلدها علمياً وفنياً في لوحة «ليلة النجوم» (متحف فان غوخ - أمستردام)

هذا التناغم الكوني المذهل لم يكن وليد الصدفة، بل وثّقه الفنان بنفسه في رسائله التاريخية المؤثرة إلى شقيقه «ثيو»، إذ كتب له في إحداها قبل رسم اللوحة بأسابيع واصفاً المشهد الفجري: «رأيت هذا الصباح الريف من نافذتي لفترة طويلة قبل شروق الشمس، ولم يكن هناك سوى نجمة الصباح التي بدت كبيرة جداً»، ونجمة الصباح هذه التي بهرته لم تكن في الحقيقة سوى كوكب الزهرة الذي أثبتت المحاكاة الفلكية المعاصرة وجوده في المكان ذاته.

وفي ذلك التوقيت المقدر، بدت سماء ما قبل الفجر فوق منطقة سان ريمي دو بروفانس في فرنسا متطابقة تماماً مع التشكيل الملحمي للوحته، حيث يظهر هلال متضائل واضح، وإلى جواره كوكب الزهرة المتوهج، وعنقود «القلائص» (Hyades) النجمي، وهي الأجرام الثلاثة التي بدت في تلك اللحظة التاريخية متقاربة معاً في الفضاء.

كوكبة الثور ولغز الهالات الصفراء

لم يتوقف التطابق عند حدود المظهر العام، بل امتد ليشمل تفاصيل هندسية بالغة الدقة أثبتها تحليل الأشكال والمواقع داخل اللوحة. فقد أكد التحليل البصري وجود تطابق علمي قاطع بين 5 نجوم مركزية، رسمها الفنان وتتوسط المشهد، وعنقود «القلائص» النجمي الذي يمثل جزءاً أصيلاً ورئيسياً من كوكبة الثور.

وتُظهر المقارنات العلمية المستندة إلى الدراسة المشتركة، أن ريشة فان غوخ وضعت في مواضعها الصحيحة هندسياً كلاً من القمر وكوكب الزهرة، بالإضافة إلى نجم الدبران اللامع ومجموعة هياديس النجمية التي تتضمن النجوم الفردية الدقيقة لكوكبة الثور وهي: غاما تاوري، ثيتا تاوري، دلتا تاوري، إبسيلون توري.

ويظل اللغز الأكبر كامناً في تلك الدوامات الحلزونية والهالات الضخمة التي تحيط بالنجوم والقمر، إذ يرجح بعض الأطباء والمؤرخين أن العقاقير الطبية التي كان يتناولها الفنان داخل المصحة، ولا سيما مستخلصات نبات «الديجيتالس» ويُعرف علمياً في العصر الحالي باسم «نبات القمعية» أو «قفاز الثعلب» (Foxglove) لعلاج الصرع، كانت تسبب عارضاً بصرياً جانبياً يجعل المريض يرى الأجرام محاطة بهالات مشعة، ما يعني أن اللوحة مزجت بعبقرية بين حقيقة السماء الفلكية وحقيقة الرؤية البصرية الواقعية للفنان تحت تأثير العلاج.

لوحة الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ «ليلة مرصعة بالنجوم» (The Starry Night) (ويكيبيديا)

مسح السماء الرقمي يوثق العبقرية

تأتي القيمة العلمية المضافة لهذا الاكتشاف الفلكي من خلال الاعتماد الفني المتبادل على مسح السماء الرقمي الثاني، وهي البيانات المرجعية المتقدمة الموثقة من قِبل المختبر الوطني لأبحاث الفلك البصري والأشعة تحت الحمراء التابع لمؤسسة العلوم الوطنية الأميركية ورابطة الجامعات لأبحاث الفلك (NOIRLab/NSF/AURA/Digitized Sky Survey 2).

لقد قدم هذا المسح الرقمي المتقدم الدليل الملموس والقاطع على أن التوزيع النجمي في لوحة فان غوخ لم يكن مجرد عشوائية تشكيلية أو شطحة لونية، بل كان تجسيداً عبقرياً لحركة ومواقع الكون الحقيقي الذي رآه الفنان وعاش تفاصيله بعقله وروحه من وراء قضبان المصحة العقلية.

قبر فينسنت فان غوخ وإلى جواره شقيقه ثيو في فرنسا، اللذان خلّد التاريخ رسائلهما المتبادلة كواحدة من أعظم قصص الدعم الإنساني والفني في التاريخ. (ويكيبيديا)

فبعد أن دخل فان غوخ المصحة عام 1889 غادرها في مايو (أيار) 1890 متوجهاً إلى بلدة «أوفير سور أواز»، حيث توفي هناك سريعاً في يوليو (تموز) 1890، تاركاً خلفه هذه التحفة الفنية الخالدة لتظل شاهداً حياً على أن العبقرية الصارمة يمكنها أن تولد وتشرق من عتمة المعاناة والمصحات.