لا يقدّم الفيلم الوثائقي «Bára: Diary of a Rockstar» (بارا: يوميات نجمة روك) سيرة تقليدية لنجمة موسيقية صنعت شهرتها على خشبات المسارح، بل يحاول تفكيك العلاقة المعقدة بين النجاح المهني والحياة الشخصية، عبر رحلة تمتد نصف قرن في حياة المغنية التشيكية بارا باسيكوفا.
ومن خلال أسلوبها المعروف في الأفلام الوثائقية الممتدة عبر الزمن، تتابع المخرجة التشيكية هيلينا تريشتيكوفا بطلتها الفنانة التشيكية بارا باسيكوفا على مدار أكثر من ثلاثين عاماً، لتصنع بورتريهاً إنسانياً يروي تحولات امرأة عاشت تحت الأضواء، بينما كانت تخوض في الوقت نفسه صراعاتها الخاصة كأم وزوجة وإنسانة تبحث عن الحب والاستقرار.
لا يتوقف الفيلم عند محطات الشهرة والنجاحات الفنية، بل يذهب إلى المساحات الأكثر هشاشة في حياة باسيكوفا، حيث تتحول الكاميرا إلى دفتر يوميات شخصي تسجِّل فيه المغنية اعترافاتها عن الوحدة، والاكتئاب، والعلاقات العاطفية الفاشلة، وصعوبة التوفيق بين الأمومة والعمل.

وبين صور الحفلات الجماهيرية والمشاهد المنزلية الهادئة، يرسم الفيلم صورة لامرأة لا تخشى مواجهة ماضيها، ولا تتردد في مراجعة قراراتها وأخطائها أمام الجمهور، وتستعين تريشتيكوفا بمواد أرشيفية تعود إلى البدايات الأولى لمسيرة باسيكوفا، إلى جانب لقطات صُورت خصيصاً خلال العقود الثلاثة الأخيرة، ليتحول العمل إلى تأمل طويل في معنى الزمن، والذاكرة، والخسارة، وقدرة الإنسان على الاستمرار رغم الانكسارات.
وحصد الفيلم جائزة الجمهور في الدورة الستين من مهرجان كارلوفي فاري السينمائي الدولي بالتشيك، بعد عرضه ضمن فعاليات المهرجان مؤخراً.
وقالت المخرجة هيلينا تريشتيكوفا، لـ«الشرق الأوسط» عبر البريد الإلكتروني، إن اهتمامها بالأفلام الوثائقية الممتدة عبر الزمن بدأ منذ سنوات دراستها في أكاديمية السينما، بعدما اكتشفت أن مرور الزمن نفسه قادر على كتابة أكثر القصص صدقاً، موضحة أنها لا تبحث عن الأحداث الكبيرة بقدر ما تهتم برصد التحولات التي يصنعها الزمن في البشر، وأن الزمن هو «كاتب السيناريو الحقيقي» في أفلامها.
وأضافت أن التعرف إلى بارا باسيكوفا جاء في منتصف التسعينات، أثناء إعداد سلسلة وثائقية عن النساء مع مطلع الألفية، بعدما قرأت مقابلة صحافية تحدثت فيها المغنية عن كونها المعيلة الوحيدة لأسرتها، بينما كان زوجها يتولى رعاية الطفلين التوأمين، وهو ما رأت فيه نموذجاً مختلفاً يستحق المتابعة.

وأوضحت أن التجربة الأولى أثمرت فيلماً قصيراً، قبل أن تتوقف سنوات بسبب نقص التمويل، ثم استؤنف المشروع لاحقاً ليغطي خمسين عاماً من حياة المغنية، منها ثلاثون عاماً صُورت خصيصاً لهذا الفيلم، بينما استُكملت السنوات السابقة بمواد أرشيفية.
وأكدت أن نظرتها إلى باسيكوفا لم تتغير طوال سنوات التصوير، رغم التحولات الكبيرة التي شهدتها حياتها، موضحة أنها كانت ترى فيها دائماً شخصية صادقة ومنفتحة بصورة نادرة بين المشاهير، مشيرة إلى أن كثيراً من الأفلام التي تتناول النجوم تقدم شخصيات مصنوعة أمام الكاميرا، بينما كانت بطلة الفيلم تعبر باستمرار عما تشعر به في اللحظة نفسها، حتى إنها كانت تخبرها أحياناً بأن بعض الاعترافات لم تُبح بها لأي شخص آخر سوى للفيلم.
وأضافت أن العلاقة بينهما تجاوزت مع مرور السنوات حدود العلاقة التقليدية بين مخرجة وبطلة فيلم، لتصبح صداقة حقيقية، لكنها حرصت في الوقت نفسه على ألا تتحول تلك الصداقة إلى تدخل في حياة الشخصية أو محاولة لتوجيهها، موضحة أنها كانت تستمع إلى شكوك باسيكوفا ومشكلاتها العاطفية، لكنها لم تكن تقدم لها النصائح بقدر ما كانت تمنحها مساحة للتعبير عن نفسها، لأن جوهر الفيلم الوثائقي بالنسبة إليها هو التقاط الحياة كما تحدث، وليس كما يرغب صانع الفيلم في أن تكون.
وترى تريشتيكوفا أن الفيلم لا يدور حول الشهرة بقدر ما يناقش الصراع الذي تعيشه المرأة العاملة بين النجاح المهني والأسرة، مؤكدة أن هذا الموضوع ظل حاضراً في عدد كبير من أعمالها.

وأشارت إلى أنها نشأت في أسرة كانت فيها الأم فنانة تعمل خارج المنزل، لذلك لم تنظر يوماً إلى دور المرأة باعتباره مقتصراً على الأسرة، وهو ما جعلها تنجذب إلى شخصيات نسائية تحاول بناء حياة مهنية بالتوازي مع مسؤولياتها العائلية.
وأوضحت أن باسيكوفا تمثل نموذجاً لامرأة تحملت مسؤولية إعالة أسرتها لسنوات طويلة، بينما كان الرجال في حياتها يعتمدون بدرجات مختلفة على نجاحها المهني، معتبرة أن هذه المفارقة تكشف كثيراً من التحولات الاجتماعية التي شهدها المجتمع التشيكي خلال العقود الماضية، كما تعكس الضغوط التي تتحملها النساء عندما يصبحن المسؤول الأول عن الأسرة.
وقالت المخرجة إنها لا تضع حدوداً مسبقة لما يمكن تصويره، لكنها تحترم دائماً رغبة الشخص الذي تصوره؛ فإذا طلب إيقاف الكاميرا تتوقف فوراً، مؤكدة أن الثقة هي العنصر الأساسي الذي يسمح للشخصيات بأن تكشف عن نفسها بصدق.
وأضافت أن عملية المونتاج لا تقل أهمية عن التصوير؛ إذ تعتمد على مراجعة يوميات مكتوبة لكل يوم تصوير، ثم تعود إليها بعد سنوات لاكتشاف الخيوط الرئيسية التي نسجها الزمن بنفسه.
ورأت أن الفيلم يقدم صورة مختلفة عن المشاهير، لأنه لا يحتفي بالنجومية ولا يلاحق تفاصيلها، بل يحاول اكتشاف الإنسان المختبئ خلفها، مؤكدة أنها رفضت سابقاً تصوير أفلام عن مشاهير آخرين، لأنها لا تهتم بالشهرة في حد ذاتها، بينما وجدت في قصة باسيكوفا حكاية امرأة عاملة وأمّاً تواجه الحياة بكل ما فيها من نجاحات وإخفاقات.
