«كتاب العراق الأسود»... خوارزمية اقتصاديات الأحزاب

3 مراحل لتدوير المال القذر... وحصة إيران تموّل «حماس» و«الحوثي»

رجل يعدّ أوراقاً نقدية من فئة الدولار الأميركي في سوق الكفاح ببغداد في 27 ديسمبر 2022 (أ.ف.ب)
رجل يعدّ أوراقاً نقدية من فئة الدولار الأميركي في سوق الكفاح ببغداد في 27 ديسمبر 2022 (أ.ف.ب)
TT

«كتاب العراق الأسود»... خوارزمية اقتصاديات الأحزاب

رجل يعدّ أوراقاً نقدية من فئة الدولار الأميركي في سوق الكفاح ببغداد في 27 ديسمبر 2022 (أ.ف.ب)
رجل يعدّ أوراقاً نقدية من فئة الدولار الأميركي في سوق الكفاح ببغداد في 27 ديسمبر 2022 (أ.ف.ب)

بغداد صيف 2010. بعد ساعات من الاستجواب لا يزال المتهم بقضية اختلاس متماسكاً. يضع ساقاً على ساق. ينتظر النهاية حتى يغادر، فيما المحقق في حيرة.

سأل المتهم: «متى ينتهي كل هذا؟». رد المحقق: «عندما تجيب عن كل الأسئلة».

المحقق مدقق مالي مخضرم، يحسب نفسه قادراً على إدانة «مختلس محاصر بالأدلة». وكانت السرقات يومها تنبت مثل «ورد النيل»؛ عشبة ضارة تبدأ بقعةً صغيرة، لا تلبث أن تغطي النهر كله.

ضغط المحقق بالأسئلة، عرض أدلة على الطاولة، وقال المتهم: «عزيزي... لماذا تتعب نفسك؟ لدي مليون دولار احتياطياً لإخراجي من هذه الغرفة».

قال المحقق: «لا أقبل الرشوة». رد المتهم مندهشاً: «من قال إنها لك؟».

ساد صمت لدقائق. وقال المتهم: «استرح عزيزي».

انتهى الاستجواب.

يقول المحقق الذي تقاعد عام 2012، إن «القضية لا تزال مفتوحة»، ويأمل اليوم أن تفضي حملة اعتقالات بدأت منتصف يونيو (حزيران) الماضي، وطالت مسؤولين وسياسيين، إلى مصير مختلف.

لم يكن ذلك الاستجواب سوى نافذة على منظومة معقدة بمليارات الدولارات. تبين أن «مليون دولار» ليس مخصصاً لحماية أفراد، بل كيانات ظِل طورت نفسها، وباتت جزءاً مما يسميه مسؤول سابق «كتاب العراق الأسود».

على مدى سنوات، أنشأت أحزاب عراقية، ومعها فصائل مسلحة موالية لإيران، ما يعرف بـ«المكاتب الاقتصادية»، وظيفتها ابتلاع حصة من ريع النفط، تنقلها عقود وعمولات إلى محافِظ مالية غير رسمية. كان تجريمها قانونياً صعباً، ويُخشى من دفع ثمنها السياسي.

دولة المكاتب الاقتصادية

للمرة الأولى، يكشف تحقيق «الشرق الأوسط» عن خوارزمية «المكاتب الاقتصادية»، ينسج خيوطها أشخاص بمواصفات خاصة، وتنمو من حولهم خلايا من موظفين، وجيش مقاولين ورجال أعمال، داخل العراق وخارجه.

أظهرت شهادات خاصة لمسؤولين ومحققين سابقين ومحاسبين ونواب، أن الطريقة التي صممت بها تلك المكاتب سمحت لها، مع الوقت، بإنشاء نظام ذاتي يولد المزيد من المكاتب الفرعية، يستمد قوته من جماعات مسلحة ومن الانتخابات أيضاً، التي يصادف أنها تشكل السلطات في البلاد.

وشرحت إفادة نادرة لمستشار مطلع على هياكل حكومية، كيف تطورت «الاقتصاديات»، من نموذج بدائي بدأ يتشكل عام 2006 وصولاً اليوم إلى خوارزمية معقدة، مرت بثلاث مرحل من النمو والتكيف.

خلف هذا النظام، تجني إيران مكاسب من نفوذ الكيانات المالية الموازية، لتمويل «محور المقاومة» دون أن يعني ذلك أنها تحتكر الأرباح، لكن أهميتها تكمن في التغطية على أنشطة التهرب من العقوبات الأميركية.

تكشف الإفادة ذاتها عن مستويين من المكاتب، يمكن وصف الأولى بدرجة «كبار الشخصيات»، وتضم قادة أحزاب شيعية وسنية، يقتصر دورها على توقيع العقود وتحصيل نسب من الأرباح، تاركة مراحل التنفيذ للمستوى الثاني من المكاتب، ويمكن وصفه بـ«الدرجة السياحية»، الأوسع والأكثر تشعباً.

يسود اعتقاد بأن المتهمين الذين يخضعون للتحقيق منذ أسابيع، والأموال التي يعلن عن ضبطها، ينحصرون ضمن نطاق المستوى الثاني. ولا يزال الوقت مبكراً للقول إن السلطات تقترب من وكر الدرجة الأولى.

في 28 يونيو 2026، قدمت السلطات عرضاً مثيراً للقوة، باستخدام دبابات ومدرعات في المنطقة الخضراء، لمداهمة مقرات سياسيين في بغداد، واعتقلت العشرات.

العرض الذي وصفه سياسيون عراقيون بـ«الانقلاب» نال تسمية تمنح العملية طابعاً هجومياً ودرامياً: «صولة الفجر». بعد ذلك الفجر، نُفذت الاعتقالات اللاحقة بصمت، ودون استعراض.

وتتركز الاعتقالات على اثنين من كبار المسؤولين في قطاع الطاقة العراقي، هما وكيل وزارة النفط لشؤون التصفية عدنان الجميلي، ووكيل وزارة النفط لشؤون التوزيع علي معارج. ويعتقد أنهما - أو أحدهما - حلقتان مفصليتان في برنامج إيراني لتهريب النفط والالتفاف على العقوبات الأميركية، إلى جانب تمويل جماعات مسلحة وحملات انتخابية للاعبين مختلفين.

الفساد ليس عاراً

لم يسبق أن نجحت حملات أطلقتها الحكومات المتعاقبة لمكافحة اختلاس الأموال، وفق صحافيين وسياسيين. غالباً ما تبدأ بإعلانات ضخمة عن الاعتقالات، ولا تنتهي بالمحاسبة أو إصلاح لوائح العمل في الإدارة الحكومية، ما عزز الانطباع بأن الحملات غطاء لتصفية حسابات بين أقطاب السلطة، أو لمعالجة أزمة داخلية.

يقول مسؤول حكومي، لـ«الشرق الأوسط»، إن «الأمر مختلف الآن، إلى الحد الذي دفع جهات دولية لمصارحتنا حين نتحدث عن أزمتنا المالية بسبب القيود الأميركية وإغلاق هرمز: الأموال حولكم، في كل مكان (...) ورائحتها قذرة».

منذ نحو عقدين، بدا أن الفساد لا يوصم أصحابه بالعار الاجتماعي، بل إن أثرياء تحوم حولهم الشبهات يعاملون كنجوم مجتمع، بينما وجد منتقدو أحزاب «الإسلام السياسي» أن التطبيع مع هذه الجرائم يعود إلى ما يُعتقد أنها فتاوى لا تحرم الاستحواذ على أموال الدولة أو مصارفها باعتبارها «مجهولة المالك».

يتداول سياسيون على نطاق واسع تقديرات متباينة لحجم الأموال التي يعتقد أنها اختُلست خلال العقود الماضية، بين عشرات ومئات المليارات من الدولارات. في الوقت نفسه، لا تبادر السلطات في كثير من الحالات إلى دحض أو تأكيد الأرقام المتداولة.

يقدر صادق الركابي، وهو خبير اقتصادي مقيم في لندن، حجم المبالغ التي استولت عليها «الاقتصاديات» بنحو 15.3 مليار دولار سنوياً من الموازنة. يقول إن عشرات الوسطاء والشركات شغلوا استثمارات لأصول الدولة بمئات مليارات الدولارات.

كانت الحكومة السابقة، برئاسة محمد شياع السوداني، شغلت منذ 2023، موازنة تغطي ثلاثة أعوام بنحو 450 مليار دولار، لكن رئيس الحكومة الحالي علي الزيدي يقول إنه تسلم الخزينة العامة وفيها نحو مليار دولار.

وجبة من الأموال النقدية ضُبِطت في أحد المنازل تعود لقضية الموقوف عدنان الجميلي (مجلس القضاء)

أشباح الوزارة

تبدو الفكرة التي هندست مكاتب الأحزاب شديدة التبسيط، لكن هذه البساطة هي أيضاً سر التعقيد؛ يصطفي الحزب أفراداً موثوقين، يمكن السيطرة عليهم، يديرون عمليات مالية تتطلب الحضور والتأثير في أماكن رسمية بوصفهم أشباحاً «لا يوقعون على أي وثيقة رسمية».

يقول محقق سابق، خرج من الخدمة قبل نحو عشر سنوات بسبب تهديدات، إن «أعضاء الاقتصاديات أشخاص يسهل توقعهم، مثل الدائرة العائلية الصغيرة لرئيس الحزب، لكن هناك أيضاً أولئك الذين لا يخطرون على البال (.....) زوجة السائق، ابن عم أحد أفراد الحماية، أو هذا المراهق الذي يثير الفوضى في الحي؛ شخص اختير لطيشه وقابليته للإغراء، لا لنفوذه».

مع الوقت، راكمت الأحزاب موارد بشرية بمهارات فريدة؛ فن التفاوض، معرفة بدهاليز البيروقراطية وحاجات السوق، قنوات خاصة إلى المصارف ومكاتب الصيرفة، وفنون النجاة من الرقابة والعقوبات.

غريزة النجاة ليست الصفة الوحيدة التي يجب أن يضمنها مسؤول «الاقتصادية». يقول زياد الهاشمي، وهو خبير اقتصادي مقيم في بغداد، إن «عليه أن يتمتع بعلاقات سياسية ورسمية واسعة، تشمل الشركات والوزارات والمديرين العامين. يمكنه أن يطرق باب الكبار في أي وقت حاملاً صفقة دسمة».

تتنافس الأحزاب للظفر بأفضل شخص يدير شبكتها المالية. يقول المستشار السياسي إن «مسؤول الاقتصادية هو اسم ينمو في الظل (...) قوة لا يستهان بها، لكنه يبقى في معظم الحالات تحت عباءة زعيم الحزب، والعلاقة بينهما شديدة الحساسية والغموض».

للمكتب الاقتصادي نفوذ ضارب بلا مسمّى رسمي. «قد يكون الوزير موظفاً لديهم»، كما يقول عضوان قياديان في تحالف «الإطار التنسيقي»، المظلة الشيعية للحكومة.

وبعد كل انتخابات في البلاد، تخوض الأحزاب مفاوضات لتشكيل الحكومة يبدو ظاهرها سياسي وعقائدي، لكنها في الجوهر ترسم حدود المكاتب الاقتصادية، وحصص أربع سنوات مقبلة، وفق نظام عرفي يحوّل المقاعد البرلمانية إلى نقاط تُستخدم لتوزيع الحقائب.

يقول مسؤول سابق طلب عدم ذكر اسمه: «منذ الأسبوع الأول لوصول الوزير (أو الوكيل أو المدير العام) إلى مكتبه، يتولى فريق من مكتب الحزب الاقتصادي التفاوض على عقود الوزارة (...) إذا سارت الأمور كما خطط لها، يقولون للوزير: وقع هنا». يضيف: «من النادر أن تتمكن مؤسسة حكومية من توقيع عقود بعيداً عن سطوة المكاتب».

«يمكن لمسؤول المكتب الاقتصادي طرق باب أي مسؤول، مهما كان، حاملاً صفقة دسمة»

يُفهم من هذا النظام أن الانتخابات لا تشكل الحكومات فقط، بل تعيد توزيع السوق بين الأحزاب. كما يفهم ضمنياً أن الوزير ومئات الدرجات الخاصة يشبه حارس مصرف يترك مفتاح الخزنة تحت الباب.

يفضل صادق الركابي وصف الاقتصاديات بأنها «المركز المالي غير المعلن» للمحاصصة السياسية. ومن وجهة نظره، فإن «خطورتها لا تكمن في سرقة المال العام بل في تشكيلها للدولة العراقية».

يقدر الركابي عدد «المكاتب الاقتصادية المرتبطة بالأحزاب بنحو 40 شبكة لديها قرابة 200 خلية نفوذ داخل الوزارات ومجالس المحافظات والبلديات والمصارف وغيرها من المؤسسات». ويقول، إن هذه الخلايا أنشأت أكثر من 1000 شركة واجهة أو مقاول مرتبطين بها».

حسب تجار شاركوا في هذا التحقيق، فإن شركات منخرطة مع مكاتب الأحزاب لديها «تجارة حقيقية، نظيفة أيضاً، لكنهم لا يعثرون على فرص حقيقية من دون مصافحة الذين يديرون تجارة قذرة».

ويقول نائب سابق لـ«الشرق الأوسط» إن «بعض الأحزاب خلقت رجال أعمالها. صنعتهم من بطانة الحزب تجاراً أصحاب نفوذ. بينما تمكن زعماء أحزاب من فرض شراكاتهم على رجال أعمال ناشطين أساساً في السوق». يضيف، «في مرحلة مبكرة كان العمل يزدهر بالتهديد».

لكن ثمة نوعين من رجال الأعمال كانا حصيلة سنوات من المكاتب الاقتصادية؛ الأول «جماعة رئيس الحزب»، وهم معفيون من الضرائب بامتيازات استثنائية وتسهيلات نادرة مع دوائر الحكومة، لكنهم يدفعون لتمويل مرشحي انتخابات وشركات ومحطات تلفزيون تقدم خدمات سياسية، بينما يعاني النوع الثاني، ويضم تجار القطاع الخاص، في الحصول على مستحقاتهم، التي وصلت حتى عام 2025 نحو 28 مليون دولار، حسب اتحاد المقاولين العراقيين.

الحال، أن عشرات المكاتب تستحوذ على نحو 10 في المائة من موازنة الدولة (نحو 15 مليار دولار سنوياً)، عبر مقاولين يوجهون العقود الحكومية، وأفراد يتحركون بين الدولة والأحزاب. دون أن يشمل ذلك حصتها من التهريب والاستيلاء على أصول القطاع الخاص.

موظفون بمصرف بغداد في حي الكرادة بالعاصمة يقومون بعدّ الأموال في يونيو 2004 (غيتي)

دورة المال... من الصيد إلى المأسسة

على مدى عقدين، مرت حركة أموال «الاقتصاديات» بثلاث مراحل تضمنت تقلبات وأساليب عمل مختلفة تكيفت معها الأحزاب. يقول صادق الركابي إن «عائدات الاختلاس في المرحلة الأولى، بين 2004 و2008، كانت تهرَّب إلى الخارج، لشراء عقارات أو أراضٍ أو فنادق». وفي المرحلة الثانية، بين 2010 و2014، اضطرت المكاتب إلى إنشاء مصارف محلية لإيداع أموالها المسروقة، دون أن توقف تهريبها إلى الخارج.

حسب الركابي، لعبت المصارف في تلك المرحلة دور «الوعاء الآمن» الذي يسمح بسحب الأموال بطريقة شبه رسمية، والاستفادة من فرق السعر في نافذة بيع العملة.

وبدأت المرحلة الثالثة منذ أن كشفت وزارة الخزانة الأميركية عن طرق غسل الأموال وتهريبها، وضُيِّق على المصارف وعلى خروج الأموال. يقول الركابي إن «المكاتب لجأت حينها إلى إنشاء شركات استجابت لحاجة السوق، مثل الشركات العقارية، والمولات التجارية، ومؤخراً أنشأوا مصانع صغيرة».

الحال، أن المصادر تتفق على أن «الاقتصاديات» نشأت أول مرة مع اندلاع أعمال العنف بين المجموعات المذهبية، حين أدركت أطراف النزاع أهمية مصادر التمويل في الحرب.

يقول ضابط سابق في الجيش الأميركي خدم في بغداد بين عامي 2004 و2007، إن «الأمر كان أشبه بصراع على الموارد بين أمراء حرب. يسطون على البضائع لشراء الأسلحة وتجنيد مقاتلين (...) أتذكر من مشاهدات تعود إلى ذلك الوقت، أن معمل مياه غازية - مثلاً - كان يمول فصيلاً سنياً. في الجهة الأخرى، كانت ميليشيا شيعية تتاجر في الأدوية». تطور الأمر لاحقاً إلى «الخطف من أجل الفدية».

أول نموذج واضح لهذه المكاتب ترسخ مع حكومتي إبراهيم الجعفري القصيرة ونوري المالكي الأولى بين عامي 2006 - 2010. كان بدائياً يلبي حاجات لا تختلف كثيراً عن تاجر مبتدئ في سوق كبيرة.

في هذا النموذج، يستحوذ الحزب على عقود الوزارة، يبيعها مباشرة إلى شركات تقوم بتنفيذها مقابل نسبة من الأرباح، قد تكون 30 في المائة.

قبل أن يتولوا مناصبهم، كانت الكوادر الحزبية أمضت سنوات طويلة في معارضة صدام حسين قبل عام 2003. وعندما دخلوا مؤسسات الدولة للمرة الأولى، تعاملوا مع لوائح إدارية لم يسمعوا عنها من قبل، وحضروا جلسات مع أشخاص يتفاعلون بلغة لم يألفوها طيلة مسيرتهم.

يضرب مسؤول سابق مثالاً بشخص كان يشغل موقعاً محورياً في مكتب رئيس حكومة قبل نحو عشرين عاماً، إنه سياسي قليل الحيلة الإدارية، صادف أن يجد نفسه في قلب مفاوضات تأسيسية لـ«العراق الجديد».

يقول المسؤول: «إن ممثل شركة النفط الأميركية (إكسون موبيل) كان لديه موعد مع رئيس الحكومة. قبل ساعة أخبرهم الشخص، وهو قيادي في الحزب الحاكم أيضاً، أن اللقاء حدث بالفعل في اليوم السابق، فلماذا تريد (أكسون موبيل) لقاء الرئيس مرة أخرى!».

حدثت فوضى وقلق في مكتب الرئيس؛ لماذا لشخصين يمثلان الشركة نفسها أن يكونا داخل المنطقة الخضراء، وقد يكون أحدهما منتحلاً للصفة؟

في النهاية، تبين أن رئيس الحكومة كان اجتمع مع ممثل إحدى شركات «الموبايل» أي الهاتف الخلوي. اختلط الأمر على موظف مكتبه، ظناً أن «إكسون موبيل» تعمل في الهواتف أيضاً، وليس النفط.

صحيح أن النموذج البدائي يبدو من الخارج متصدعاً، لكنه أنشأ نموذجاً للتقاسم في داخل النظام. كان من الصعب على حزب وزارة الصحة، على سبيل المثال، أن يقترب من عقود «الكهرباء». في السنوات اللاحقة تداخلت المكاتب والأحزاب.

 

مسؤول سابق خلط بين شركة «موبايل» و«إكسون موبيل» خلال ترتيب لقاء مع رئيس الحكومة

يشبه هذا النموذج «أسلوب الصيد»؛ لا يعرف الصياد أهمية الفريسة. يقول المسؤول السابق: «كانت المكاتب ساذجة في بدايتها، تبيع عقوداً دون أن تعرف مضمونها، كما أن بعضاً منها لا يُنفذ».

«كان لدينا أعمدة إنارة في مدينة الشعلة (غرب بغداد). محولات كهربائية في مدينة الصدر (شرق بغداد). حدائق عامة في الحلة (جنوب بغداد). شبكات مجارٍ في الموصل (شمال)، وأمثلة أخرى لمشاريع منفذة على الورق فقط». يقول مسؤول رقابي في وزارة التخطيط.

سيتطور هذا النموذج مع حصول الأحزاب على معرفة أكبر بدهاليز البيروقراطية. ليظهر الشكل الثاني من المكاتب وتزداد الأرباح.

يقول المستشار إن «قادة الأحزاب توصلوا إلى قناعة بأن بيع العقود للشركات يحرمهم من أرباح أكبر. أسسوا شركاتهم. تراكمت الخبرة. وارتفعت النسبة من 30 في المائة إلى 50 أو 60 في المائة».

وعندما بدأت الشركات الجديدة تنفيذ الأعمال، ظهرت مشكلات تتعلق بالتدقيق والحسابات والجودة، وتعثرت عقود أو لم يكتمل تنفيذها، بسبب سرقات أو فشل أو تلكؤ، وفق المستشار.

أظهر بحث في المصادر المفتوحة أن عدد المشاريع المتعثرة بين عامي 2008 وحتى دخول «داعش» إلى البلاد منتصف 2014، بلغ نحو 6 آلاف مشروع. وهي الفترة التي نضج فيها النموذجان الأول والثاني من «الاقتصاديات».

بعد انتهاء المعارك ضد «داعش»، وصعود نفوذ الفصائل، تنبهت جماعات متنفذة إلى أن مكاتبها تواجه مشكلات مع العقود التي أحالتها إلى شركاتها. تبين أن بيروقراطية الدولة المتجذرة منذ نحو قرن ليست سهلة، وأن الرقابة والتدقيق يستنزفان الوقت والمال.

خوارزمية الأرباح والكلف

على الفور، ابتكرت الأحزاب نمطاً لتكييف الاقتصاديات. ولِد الشكل الثالث من التطور. يقول المستشار: «جرى الاستغناء عن خيار بيع العقود مباشرة مقابل نسبة من الأرباح، وكذلك عن خيار تأسيس شركات تتولى التنفيذ بنفسها، والاتجاه إلى تأسيس شركات وهمية وسيطة. تتولى تسلم العقد من الحكومة، ثم تتفاوض مع المنفذ الحقيقي، وهو شركة متخصصة، للحصول على أفضل سعر».

بدلاً من الاكتفاء بالحصول على العقد وبيعه، أو إحالته إلى شركة تابعة قد لا تمتلك الخبرة أو الاختصاص أو المعرفة بإجراءات الدولة، تُنشأ شركة وهمية (مسجلة رسمياً)؛ تتسلم العقود، تحتفظ بها، وتدخل في مفاوضات تشبه المزايدة لاختيار شركة تدفع أفضل مقابل لقاء إحالة العقد إليها.

تعتمد هذه الآلية على اقتطاع نسبة من الربح المتوقع، وليس من القيمة الإجمالية للعقد. يجري احتساب الربح من الفرق بين الكلفة التخمينية وقيمة العرض الذي تقدمه الشركة. فإذا كانت الكلفة المقدرة للتنفيذ تبلغ 6 ملايين دولار، بينما قدمت شركة عرضاً بقيمة 16 مليون دولار، فإن هامش الربح المتوقع يبلغ 10 ملايين دولار.

ثم تبدأ المساومات بين الأطراف لتحديد حجم الربح النهائي؛ إذ قد يُعاد تقديره ليصبح 9 ملايين دولار أو 8.5 مليون بدلاً من 10 ملايين، وفقاً للتفاهمات.

بعد تثبيت الرقم النهائي للربح، تُحدد النسبة التي سيجري اقتطاعها منه. على سبيل المثال، إذا تم الاتفاق على اقتطاع 35 في المائة من ربح قدره 9 ملايين دولار، فإن المبلغ المقتطع يبلغ 3.15 مليون دولار.

يقول المحقق السابق إن «غالبية أوراق قضايا الفساد سليمة. لا أثر يربطها بأعضاء المكاتب الاقتصادية؛ لأنهم يبرمون عقوداً أصولية دون توقيع يدينهم».

ويرى أن «القضاء اليوم بحاجة إلى خبراء لتفكيك رموز الكلف التخمينية».

يمكن القول إن هذه الآلية معتمدة في مستوى «كبار الشخصيات» ضمن مرحلة توقيع العقود. بينما ثمة مكاسب في العمولات، وهي حصص متناثرة بين مقاولين ومكاتب حكومية تنتظر العقود عند مرحلة التنفيذ لـ«تسمين قطط جائعة».

يقول المستشار: «ثمة طرف في المستوى الأول يشعر دائماً بأنه أكبر الخاسرين. الوزير أو وكيل الوزارة الذي يوقع العقود، دون حصة ترضيه».

من هذا الوزير أو الوكيل تنشأ شبكة مصرفيين ووسطاء يبنون نفوذهم من مرحلة تنفيذ العقود. يقول المستشار، إن عدنان الجميلي الموقوف على ذمة اختلاس يمثل حلقة هامشية في المستوى الأول من مكاتب قادة الأحزاب، لكنه تحول إلى محطة أساسية لإنتاج مكاتب فرعية في المستوى الثاني».

ويظهر لاعبون جدد يؤمّنون حصصاً من شركات اشترت العقود من المستوى الأول للمكاتب، تنوي تنفيذها تحت رحمة المستوى الثاني.

يشرح المستشار السياسي الصفقة: «سيقول وسيط صغير للمسؤول: سنمنحك 1 في المائة أو 2 في المائة، أو مبلغاً مقطوعاً، أو ملياراً، بحسب الاتفاق، مقابل إكمال تنفيذ العقود».

صورة وزعها القضاء العراقي في 9 يوليو 2026 بعد ضبط نحو 12 مليون دولار تعود لقضية الموقوف عدنان الجميلي كانت مُخبَّأة في قناة لتصريف الامطار

كيف تجري العملية؟

تودع الشركة مبلغاً أو صكاً في مكتب صيرفة، لن تُصرف للمسؤول إلا بعد انتهاء تنفيذ العقد، الذي يمر عادة بمراحل إدارية عديدة تستوجب صرف سلف تنفيذية من الدولة.

في العادة، يبلغ مكتب الصرافة بأن الصرف يتوجب حضور أشخاص محددين. يقول وسطاء إن «الودائع قد تكون أيضاً على شكل صكوك، أو عجلات «تاهو شوفروليه» أو شقق في مجمعات سكنية فارهة».

يلعب الوسطاء دوراً محورياً بين المسؤول والشركات؛ إذ يتولون تسلم الأموال والاحتفاظ بها حتى تحقق شروط الرشوة، وفي بعض الحالات يكون الوسيط هو نفسه صاحب مكتب الصيرفة. إنهم حلقة وصل تجنب الاتصال المباشر بين الجهة الرسمية والشركة، لكنها مع الوقت تضخمت إلى حد إنتاج «أثرياء جدد».

في السنوات الأخيرة، برز لاعبون ماليون في ظلال المستوى الثاني من المكاتب الاقتصادية، يمكن تسميتهم بـ«أمين صندوق الرشاوى».

وذاع صيت «أمناء» في السوق المحلية، رغم أنهم جاؤوا من المجهول. من بينهم، كما تشير مصادر متقاطعة، الأخوان حسن ومحمد الكردي. يشاع على نطاق واسع أنهما غادرا البلاد ومعهما نحو 500 مليون دولار ترتبط بقضية عدنان الجميلي.

لم يصدر القضاء العراقي أي تعليقات بخصوص الأخوين الكردي، رغم أساطير حاكتها وسائل إعلام دون أدلة، حتى الآن. وقيل إنهما كانا يتحركان في العراق رفقة عشرات المسلحين لحمايتهما خلال توزيع الأموال. أما اليوم، فهما يتنقلان بين اليونان وفرنسا، حسب أنباء غير مؤكدة.

صورة وزعها الإعلام الحكومي في 2 يناير 2025 تُظهر رئيس الوزراء السابق محمد السوداني خلال افتتاح الوحدتين الرابعة والخامسة في مصفاة بيجي وإلى يساره عدنان الجميلي الموقوف على ذمة التحقيق وإلى يمينه وزير النفط السابق حيان عبد الغني (أ.ف.ب)

«الطفرة الوراثية»

تتفق مصادر حكومية على أن الجميلي وشبكته الواسعة يشكلان «طفرة وراثية» في مسار الاقتصاديات. بدأ الرجل حياته المهنية موظفاً عادياً في وزارة النفط، قبل أن يتدرج في مصفاة بيجي (شمال بغداد)، التي ستصبح لاحقاً ملعبه المفضل.

عام 2023، فاوض حزب سني متنفذ حلفاء شيعة في «الإطار التنسيقي» على منصب مدير مصافي الشمال، الذي يشرف على بيجي، وأصبح من نصيب الجميلي الذي كان «شق طريقه قبل ذلك تحت عباءة فصيل شيعي متنفذ»، على ما تقول مصادر متقاطعة.

خلال عام واحد، أصبح وكيلاً لوزارة النفط، وخلال عامين حصل على تخويل مطلق بالعقود. ومن يومها، عثر الجميلي على منجم في بيجي.

كان الجميلي واحداً من خمسة مسؤولين، بينهم شخص يوفر الحماية الأمنية للجميع، يشكلون ما يشبه مجلس إدارة «اقتصاديات» المصافي، على حد وصف مسؤول سابق.

تحول هذا المكتب سريعاً، بقيادة الجميلي، إلى «موزع خدمات متعددة الأطراف». ومع الوقت، تجاوزت ممارساته الحدود، فأُحيلت عقود إلى جهات متعددة، وصُرفت أموال من دون تنفيذ المشاريع، وكان معظم ذلك يتعلق بمصفاة بيجي.

بهذا المعنى، أصبح الجميلي رجل الجميع، القوى الشيعية والسنية. ثم حدثت «فظائع لا تصدق» على حد وصف مسؤول نفطي سابق.

تنتج منشأة بيجي النفطية نحو 150 ألف برميل من المشتقات يومياً، وهو نحو نصف طاقتها، بسبب أضرار طالتها خلال سيطرة «داعش». وبعد استعادتها عام 2017، تحولت إلى ساحة صراع بين الفصائل الشيعية التي تقول إنها شاركت في معارك التحرير، كما نشأت حولها جهات محلية لعبت دوراً في تهريب الوقود، والاستحواذ على عقود الإنتاج.

 

وكيل الوزارة الموقوف، عدنان الجميلي، واحد من 5 شخصيات تدير «اقتصادية» لتهريب النفط

في واحدة من العقود التي أدارتها شبكة الجميلي، وبحسب شهادة عناصر أمن ومسؤولين سابقين، نفذت المنشأة عقداً لشراء مضخات وكابسات من رومانيا تضم «مضخات وكابسات» بنحو 450 مليون دولار، رغم أنها لم تكن متوافقة مع البنية الإنشائية في بيجي.

يقول مسؤول سابق في النفط: «وصلت المعدات إلى بيجي وهي خارج الخدمة، بسبب التقادم. كان من المفترض أن تساعد في إنتاج البنزين الأبيض الذي تبين أنه غير مطابق للمواصفات».

يقول موظفون إن «المعدات أدخلت في ورشة لطلائها وإخراجها على أنها جديدة». ويضيف أحدهم: «ركنت جانباً لأنها لم تكن تعمل».

وبعد تزايد الشبهات، صادف أن تتعرض منشأة بيجي إلى قصف بطائرات مسيرة، دمرت موقعاً كان يضم المعدات نفسها. يعتقد أن الهجوم نفذ خلال يوليو (تموز) 2025، دون تسجيل إصابات بشرية، حسب السلطات المحلية.

لم نحصل على تأكيدات من وزارة النفط، أو إدارة المصفاة بشأن العقد الروماني، أو المسيرة التي دمرت المضخات، لكن مسؤولين في قطاع الطاقة، طلبوا التحفظ على هوياتهم، أكدوا إبرام العقد، وكشف أحدهم عن أن «شراء المعدات كان أساساً لتعويض وحدات إنتاجية تم تهريبها في ظروف غامضة بعد معارك (داعش)، ونقلت لاحقاً إلى موقع مجهول».

دفتر الجميلي الأزرق

يقول مسؤول نفطي سابق إن «الجميلي تمكن خلال فترة قياسية منذ عام 2023 من تمرير عقود لمصافي الشمال بنحو 4 مليارات دولار، تضمنت شراء معدات لا تطابق مواصفات المنشآت النفطية العراقية».

تشير هذه الوقائع إلى أن «الطفرة الوراثية» في طريقة عمل الجميلي تعود أساساً إلى تغييرات كبرى في موازين القوى السياسية. يقول المستشار المطلع إن «الجميلي تحول إلى مكتب اقتصادي بديل لتحالف سياسي كان صاعداً بقوة خلال الانتخابات الأخيرة، لم تكن لديه خبرة سابقة في مجال المكاتب الاقتصادية، قبل تشكيل حكومة محمد شياع السوداني».

نقل سياسيون أخيراً أن عدنان الجميلي كان يتلقى طلبات مكتوبة بخط اليد من زعيم التحالف السياسي لدفع تمويل حملات انتخابية لمرشحيه. وقال أحدهم إن «طلبات التمويل تصل أحياناً إلى 150 مليون دينار، بينما تذكر روايات أرقاماً مختلفة، مثل 200 أو 500 مليون».

يقول مصدر موثوق إن الجميلي كان يسجل هذه الطلبات في «دفتر أزرق»، ويؤكد مصدر قضائي أنه «بات الآن دليلاً لتعقب الأموال والأسماء والشبكات».

صورة جوية وزعها الإعلام الحكومي في يناير 2025 تُظهر مصفاة بيجي النفطية شمال بغداد (أ.ف.ب)

حيتان العراق في بركة النفط

لا يملك العراق سوى بحر النفط. ولم تعرف الجماعات العراقية غير السباحة فيه. مع عشرات الفصائل، وميزانيات مليارية، تحول السباحون إلى تماسيح في بركة سوداء.

يقول وزير سابق، لـ«الشرق الأوسط»، إن «العراق يبيع النفط مرتين، بشكل رسمي. ومرة عبر شبكات التهريب».

لكن تهريب وقود «النفط الأسود» هو تجارة الظل التي تربط شبكات متداخلة من الاقتصاديات. يستخدم هذا الوقود مباشرة في محطات توليد الكهرباء والأفران الصناعية، كما يعاد تكريره أو معالجته لإنتاج مشتقات أبرزها الديزل.

تخصص الحكومة كميات من النفط الأسود لبيعه إلى السوق لتأمين حاجة محلية، لا سيما معامل الأسفلت. ويتراوح سعر الطن من هذا الوقود بين 100 دولار و250 دولاراً، حسب تسعيرة تغيرت مع تعاقب الإدارات.

حسب شهادات موثقة، تقوم شبكة مهربين يشرف عليها تحالف من مكاتب اقتصادية لفصائل وأحزاب في «الإطار التنسيقي» وقوى في «المجلس السياسي» السني، بتهريب جزء من «النفط الأسود» إلى موانئ إقليمية عبر وسطاء، ومزج الجزء الثاني مع زيت وقود إيراني لتصديره بأوراق عراقية.

يقول مصدران، ومسؤول سابق في وزارة النفط، إن «التهريب المزدوج» حقق لـ«الاقتصاديات» أرباحاً تقدر بنحو 2 مليار و600 مليون دولار سنوياً، بين 2023 و2025.

خلال هذه الفترة، وفق المصادر، تعاظمت تراخيص معامل الأسفلت، بالتزامن مع تخفيض السلطات سعر طن «النفط الأوسط» من 250 دولاراً إلى 100 دولار.

وتواصلت «الشرق الأوسط» مع مسؤولين تولوا مناصب خلال تلك الفترة، إلا أنهم امتنعوا عن التعليق حتى يوم النشر.

الحال، أن «الاقتصاديات» تقوم بعمليتين متزامنتين في تجارة «النفط الأسود»؛ تضخيم حاجة معامل أسفلت موجود فعلية للحصول على الفائض، وشراء زيت الوقود من الدولة لصالح معامل وهمية على الورق فقط.

وحسب 3 مصادر، فإن «النفط الأسود المهرب الذي لا يجد طريقه إلى المعامل المحلية، ينقل عبر وسطاء وشركات إلى موانئ العراق لتحميله». يقول أحد المصادر إن ميناءً إقليمياً خصص مصفاة لتلقي شحنات مهربة من النفط الأسود العراقي.

وفشلت مساعي السلطات على مدى سنوات في كبح نشاط تهريب النفط الأسود، سوى محاولات يتيمة لوزراء سابقين من خلال رفع السعر الحكومي.

معركة النفط الطاحنة

يقول سياسي في تحالف «الإطار التنسيقي» إن تداخل مصالح الاقتصاديات كان ينعكس على المفاوضات السياسية بعد الانتخابات، من خلال هندسة مناصب معنية بملف النفط، وتوزيع وسطاء وتدويرهم داخل المؤسسة، وهو ما يفسر المعركة الطاحنة على الوزارة»، كما يقول قيادي في «الإطار التنسيقي».

ولا تقتصر شبكات المصالح المرتبطة بالطاقة على تجارة المشتقات النفطية، مثل زيت الوقود، بل امتدت أيضاً إلى تعاملات مرتبطة بالنفط الخام. تشير مصادر مطلعة إلى علاقات عمل شركات مرتبطة بـ«خاتم الأنبياء»، الذراع الهندسية التابعة لـ«الحرس الثوري» ومسؤولين عراقيين لتسهيل تهريب النفط الإيراني بأوراق رسمية عراقية.

كانت الولايات المتحدة قد فرضت، في مايو (أيار) 2026، عقوبات على علي معارج، وكيل وزارة النفط، إلى جانب قيادات في «عصائب أهل الحق»، على خلفية استغلال منصبه، لتسهيل تحويل مسار النفط العراقي وبيعه لصالح إيران، مشيرة إلى أنه مكّن من خلط النفط الإيراني مع العراقي وتقديم وثائق ساعدت على تسويق المزيج.

معارج هو أحد الذين شملتهم اعتقالات نفذتها القوات العراقية، وفق مذكرة قبض في يونيو 2026. يعتقد أن الرجل أحد من تعتمد عليهم إيران في الالتفاف على العقوبات الأميركية.

لكن كيف تحصل إيران على أموالها من مبيعات النفط العراقي؟ لقد ظل هذا السؤال واحداً من الثقوب السوداء. يزعم محقق سابق ومحاسب متقاعد عملا في وزارتي التخطيط والمالية، إنهما ظلا يشكّان لسنوات في أوامر صرف أصولية تستند إلى الموازنة العامة لكن الأموال تختفي. يعتقدان أنها تنقل سراً إلى إيران.

لم تظهر أدلة على ذلك، ويقول مسؤولون عراقيون إن «العثور عليها صعب للغاية».

لقطة مأخوذة من فيديو وثَّقه ناشطون لدبابة عراقية داخل المنطقة الخضراء بالتزامن مع اعتقال مسؤولين بتهم فساد

«بعض المقاومين أميركان في طباعهم»

من المستبعد أن يسيطر «الحرس الثوري» تماماً على تشكيل الاقتصاديات، لكنه ليس بريئاً حين يستثمر معها في العراق مستغلاً نفوذه.

يقول سياسيان شيعيان إن «لإيران مكاتبها الاقتصادية الخاصة». في السنوات الأخيرة تدفق رجال أعمال وشركات تعمل لصالح «الحرس الثوري» إلى السوق العراقية، وحصلوا على عقود بامتيازات كبيرة. ينطبق الأمر ذاته على رجال أعمال لبنانيين شغلوا مصالح في قطاع الفنادق والصحة لصالح «حزب الله».

يقول عضو سابق في التحالف الشيعي، إن الحزب اللبناني كان «يحدد من هم التجار الذين يحق لهم العمل في العراق، بناءً على الولاءات والعمولات».

وفق الشهادة، فإن إيران «تطمئن إلى أن استثمارات (حزب الله) في العراق ستنتهي لصالح محور المقاومة، بينما لا تستطيع مواكبة جشع حلفائها في العراق»، على حد تعبيره.

ويقول إن «قادة (الحرس الثوري) يشبِّهون مسؤولي الفصائل العراقية الذين حققوا طفرات هائلة على المستوى المالي، بأنهم أميركيون في طباعهم».

مع ذلك، أعجب بعض رجالات «الحرس» بالتجربة العراقية.، وأنشأوا شبكات مالية، ونسجوا علاقات مع مكاتب الأحزاب، لتختلط أدوار «المقاومة» بتجارة تزدهر في ظلالها، حسب تعبير العضو الشيعي.

لكن إيران الرسمية تحقق أرباحاً من العلاقة الوثيقة مع العراق؛ حيث قفزت صادراتها بين عامي 2018 و2025 من نحو 4.5 مليار دولار إلى 11.2 مليار دولار، وفق بيانات إدارة الجمارك، قسم من هذه المبالغ يشمل صادرات الكهرباء والغاز إلى العراق.

 

«حزب الله» اللبناني كان يحدد التجار الذين يحق لهم العمل في العراق «بناءً على الولاءات والعمولات»

مع ذلك، ثمة فوائد تجنيها إيران من مكاتب الظل في العراق. يقول نائب سابق إن «الإيرانيين يستقطعون مبالغ من قادة الأحزاب كما لو أنها جباية لدعم أشخاص محور المقاومة».

وحسب النائب الذي طلب عدم ذكر اسمه، فإن «مسؤولين في (الحرس) كانوا يتصلون بقادة أحزاب عراقية يطلبون تجهيز ملايين الدولارات وتسليمها إلى ممثلين عن حركة (حماس) أو جماعة الحوثي».

يقول النائب: «كان يأتي اتصال يقول: يا حاج... جهز خمسة ملايين دولار. سيأتي شخص إلى مكتبك يأخذها».

ويستخدم «الحرس الثوري» نفوذه لتحسين حظوظ مرشحين عراقيين مقربين في الانتخابات. وخلال مقاطعة المصادر والشهادات، تبين أن «ضباطاً إيرانيين سحبوا نحو 15 مليون دولار من المكاتب الاقتصادية ما بين أغسطس (آب) ونوفمبر (تشرين الثاني) 2025 لدعم حملات انتخابية لمرشحين بعينهم». يقول النائب السابق إن «قادة الأحزاب لا يردون في الغالب هذه الطلبات».

خلال الحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران، طرح العراقيون أسئلة حول مستقبلهم الاقتصادي بعدما وجدوا أنفسهم أمام ضائقة مالية حادة، لم يكن إغلاق مضيق هرمز سببها الوحيد، بل الأدوار المركبة التي لعبها النفوذ الإيراني والمكاتب الاقتصادية.

يقول مسؤول سابق في «جهاز الرقابة»، غادر البلاد عام 2018 بسبب تهديدات، إن «الأمر كان يشبه حيتاناً صغيرة تأكل من بطن حوت كبير... الحوت الكبير أصبح مريضاً اليوم».

صورة وزعها القضاء العراقي للقاضي فائق زيدان (الثاني من اليسار) وهو يعاين سبائك ذهبية تم ضبطها في قضية الموقوف عدنان الجميلي

«صولة فجر» لإعادة تركيب العراق

تفيض وسائل الإعلام بصور لأموال نقدية «كاش» مخبأة في منازل ومزارع، بعضها مخبأ تحت الأرض، بل وحتى في قنوات تصريف المياه.

يقول محقق سابق: «كل ما نراه الآن لم يكن ذا قيمة بالنسبة للموقوفين (...) هذه الأموال فشلت في أن تدخل السوق وتتحول إلى أصول». ويعتقد أن «هذه الأموال استعادت قيمتها حين استعادتها الدولة».

ويُرجع الخبير الاقتصادي زياد الهاشمي احتفاظ المتهمين الذين تم اعتقالهم بهذه الأموال نقداً إلى «صعوبة كشفها أو إظهارها بطريقة رسمية بسبب المتابعة والرصد، مع تعذر الحصول على أوراق رسمية يمكن من خلالها تبييض هذه الأموال».

السبب الأكثر منطقية لوجود هذه الكتلة النقدية، من وجهة نظر الهاشمي، هو حاجة الاقتصاديات إلى السيولة لدفع الرشاوى والعمولات، وربما دفع حتى الإتاوات، والتنسيق مع أطراف محلية وإقليمية ومكاتب منافسة.

يقول الهاشمي: «وجود الكاش (النقد) يسهل كثيراً من إنجاز المهام التي تتطلب عمليات دفع سريعة ومباشرة لإنجاز الأعمال».

ورغم المبالغ الطائلة التي استعادتها السلطات، يبدي النائب السابق سجاد، الذي قضى سنوات في معارضة نفوذ الفصائل، شكوكاً في أن عملية «صولة الفجر» ستبلغ حدوداً أكبر.

يشكك كثيرون في أن اعتقال الوسطاء يشكل فارقاً، نظراً لسعة المكاتب وتعقيدها. يقول قاضي تحقيق سابق: «مع هذه الطبقات المتعددة والمتراكمة من صيغ التكيف والاحتيال، كان بعض المتهمين لا يعرف موقعه ودوره في الصورة الكبرى (...) إنهم كأفراد فاعلون في سلسلة معقدة تنتهي إلى زعيم حزب أو مجموعة زعماء».

ويقول سالم: «الاعتقالات التي شنتها السلطات أخيراً تطارد أدوات المكاتب الاقتصادية، بينما سيتطلب الأمر تفكيك البنى التحتية للمكاتب الاقتصادية».

لكن مصدراً، طلب التحفظ على اسمه، قال إن «المحققين يتعاملون مع قضية معقدة، سيكون حلها وتتبع أطرافها ممكناً؛ لأن الوسطاء، رغم أنهم ليسوا الحلقة النهائية، يحملون مفاتيح الوصول إلى الطبقات العليا في الشبكة».

وبالنظر إلى خريطة المكاتب، فإن الاعتقالات المعلنة حتى اليوم تتركز على المستوى الثاني، دون أن تقترب من مستوى الكبار. ما يفسر توقعات مسؤولين بأن العملية تستهدف «إعادة تجميع للكتلة النقدية لمعالجة أزمة مالية، وسداد التزامات حكومية مثل الرواتب».

لكن ثمة مؤشرات قد تغير مسار العملية؛ ففي 12 يوليو 2026، قالت وسائل إعلام محلية إن قوة أمنية داهمت منزل وزير العمل والشؤون الاجتماعية السابق أحمد الأسدي في العاصمة بغداد، مؤكدة أنه لم يكن موجوداً داخل المنزل في أثناء تنفيذ العملية.

لم يرد أي تعليق من مجلس القضاء الأعلى بشأن الأسدي، لكن اعتقاله يقرب العملية من مستوى أكبر من النفوذ، لا سيما أنه يقود فصيل «جند الإمام» في «الحشد الشعبي»، كما أنه أحد أعضاء «الإطار التنسيقي» الحاكم.

 

«المحققون العراقيون يتعاملون مع قضية معقدة سيكون حلُّها ممكناً، لأن الوسطاء يحملون مفاتيح الطبقات العليا في الشبكة»

ولا يفضل صادق الركابي التركيز على الأفراد وحسب، وإنما على النظام المالي والإداري للتدفقات وإعادة هندسة مسار الإيرادات المالية. وحتى مع الضغط الأقصى الذي تمارسه الولايات المتحدة الأميركية أو أي جهة أخرى، لا يمكن إسقاط المكاتب الاقتصادية بشكل مباشر.

لقد حمل رئيس الحكومة علي الزيدي وعوداً كبيرة إلى واشنطن حين زارها منتصف يوليو، بينما تنظر الإدارة الأميركية من بغداد إلى «فصل المكاتب الاقتصادية عن الدولة، بالقدر الذي يحرم إيران من الموارد العراقية»، كما يقول المستشار العراقي.

قد يجيب هذا التفسير عن سؤال: أي فساد تستهدفه الحكومة؟ الآن، تكمن صعوبة الموقف علي الزيدي في الكيفية التي يريد فيها إنهاء العملية. يقول الركابي إن «الأمر يتطلب دعماً دولياً، وهو ما يحصل عليه، كما يستلزم زخماً من القضاء وقد حصل عليه. لكن ضرب البنية يحتاج إلى جرأة وحنكة حتى لا يكون الاستهداف مباشراً للجميع دفعة واحدة».

لكن، بالنظر إلى تركيبة المكاتب الاقتصادية، التي طوّرت آلياتها مستفيدة من ظروف وحاجات مختلفة، تتحرك «صولة الفجر» في «أذناب» الشبكة دون أن تصل حتى الآن إلى الخوارزمية. سيبدو القضاء عليها دفعة واحدة بمثابة صدمة تحدث تغييرات جوهرية في النظام السياسي. وبدلاً من ذلك، تمضي داخلياً نحو ميزان قوى جديد بديناميكيات جديدة من خارج «الإطار التنسيقي». أما بالنسبة إلى الإدارة الأميركية، فإنها ستحصل، غالباً، على هامش أوسع لرسم حدود النفوذ الإيراني، بإخلاء مساحة آمنة لاستثمارات واعدة.

 


مقالات ذات صلة

انتشار الفوضى ينعش جرائم «غسل الأموال» في ليبيا

شمال افريقيا محافظ المصرف المركزي الليبي ناجي عيسى خلال اجتماع سابق مع اللجنة الوطنية لمكافحة غسل الأموال (المصرف المركزي)

انتشار الفوضى ينعش جرائم «غسل الأموال» في ليبيا

تسلط تحويلات وإيداعات مصرفية مشبوهة تجاوزت قيمتها 24 مليون دينار ليبي الضوء مجدداً على اتساع مخاطر غسل الأموال في ليبيا.

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا وفدا وزارتي العدل الجزائرية والفرنسية بحثا بالجزائر تسليم أعضاء «مافيا دي زاد» في مايو الماضي (وزارة العدل الجزائرية)

الجزائر تلاحق بارونين من شبكة «مافيا دي زاد» بتهم ثقيلة

وجَّه الادعاء الجزائري ثلاث تهم يشملها قانون العقوبات لعضوين قياديين من شبكة «مافيا دي زاد»، وأودعهما الحبس الاحتياطي في انتظار استكمال التحقيق.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا رجل الأعمال الجزائري المسجون في إسبانيا أيوب عيسيو (ناشطون في مجال محاربة الفساد)

الجزائر تترقب من مدريد تسلّم مدان بأحكام سجنية ثقيلة

تترقب الجزائر تجاوب القضاء الإسباني مع طلبها تسليم رجل الأعمال أيوب عيسيو، الخاضع منذ الإثنين الماضي لإجراءات الحبس الاحتياطي في برشلونة عقب توقيفه.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شؤون إقليمية صورة وزَّعها القضاء العراقي لمَبالغ نقدية ضُبطت داخل صناديق وأكياس مقيَّدة بختم «البنك المركزي»

تقرير بريطاني: معركة العراق ضد الفساد تتحول إلى «ضرورة دولية»

قال تقرير بحثي بريطاني حديث، الخميس، إن مكافحة الفساد في العراق «دخلت منعطفاً بنيوياً حاسماً، مدفوعةً بضغوط دولية ومخاوف إقليمية متصاعدة»...

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي مستقبلاً رئيس مجلس القضاء فائق زيدان في بغداد (إعلام حكومي)

القضاء العراقي يفتح باب «تسويات مشروطة» لاسترداد أموال الفساد

أعلن مجلس القضاء الأعلى في العراق، الجمعة، أنه يعمل بالتنسيق مع الحكومة على آليات تهدف إلى الجمع بين محاسبة المتهمين بقضايا الفساد واسترداد الأموال العامة.

حمزة مصطفى (بغداد)

الجيش السوري الجديد... تغيير مسمّيات أم إعادة هيكلة مؤسساتية؟

عرض عسكري خلال حفل تخريج أفراد الفرقة 56 بالجيش السوري 1 يونيو 2025 (وزارة الدفاع)
عرض عسكري خلال حفل تخريج أفراد الفرقة 56 بالجيش السوري 1 يونيو 2025 (وزارة الدفاع)
TT

الجيش السوري الجديد... تغيير مسمّيات أم إعادة هيكلة مؤسساتية؟

عرض عسكري خلال حفل تخريج أفراد الفرقة 56 بالجيش السوري 1 يونيو 2025 (وزارة الدفاع)
عرض عسكري خلال حفل تخريج أفراد الفرقة 56 بالجيش السوري 1 يونيو 2025 (وزارة الدفاع)

بعد إسقاط نظام بشار الأسد، بدأت السلطات السورية العمل على تشكيل جيش جديد عبر دمج الفصائل الثورية المسلحة التي شاركت في القتال والاقتتال خلال سنوات الحرب ضمن وزارة الدفاع، في خطوة أولى هدفت إلى وضع مختلف التشكيلات العسكرية تحت مظلة مؤسسة رسمية واحدة.

في المرحلة التي عقبت سقوط النظام، ضم الجيش السوري الجديد نحو 22 فرقة عسكرية، كانت امتداداً مباشراً للفصائل السابقة، واحتفظت هذه التشكيلات بهياكلها وقياداتها وتركيبتها الداخلية، لكنها انتقلت «إدارياً» للعمل تحت مظلة وزارة الدفاع السورية.

لكن هذه الصيغة لم تكن تعني انتهاء الحالة الفصائلية بقدر ما مثلت مرحلة أولى من عملية الدمج غير السهلة؛ فقد اتخذت تلك الفصائل مسميات جديدة كـ «فرق» و«ألوية» تعمل ضمن هيكلة وزارة الدفاع المستحدثة، من دون أن تفقد كامل بنيتها السابقة أو شبكات النفوذ والولاءات التي شكلتها خلال سنوات الحرب.

وبقيت في كثير من الحالات مرتبطة بمناطق معاقلها والوفاء لقادتها، وبشبكاتها الاقتصادية والإدارية والاجتماعية، الأمر الذي جعل عملية الدمج أقرب إلى جمع الفصائل تحت مظلة واحدة منها إلى بناء جيش مؤسساتي موحد.

عناصر من الجيش السوري في ريف دمشق (أ.ف.ب)

تفكيك التكتلات الفصائلية

مع مرور الوقت، بدأت دمشق الانتقال إلى مرحلة ثانية أكثر وضوحاً في إعادة بناء المؤسسة العسكرية، تقوم على إعادة تشكيل الوحدات ودمجها في تشكيلات جديدة، وصولاً إلى العمل على تفكيك التكتلات الفصائلية من الداخل.

هذه المرحلة تحديداً، بدأت بعملية أكثر حساسية تتمثل في تفكيك الإرث السابق بوصفه عبارة عن كتل قوة داخل الجيش الجديد، فأعيد توزيع العناصر على التشكيلات المختلفة، بما يقلل من قدرة المجموعات على الاحتفاظ بهياكلها السابقة أو إعادة إنتاج النفوذ الخاص داخل المؤسسة العسكرية.

وتشكل هذه الخطوة بحسب مصادر لـ«الشرق الأوسط»، واحدة من أصعب مراحل هيكلة الجيش السوري؛ إذ لم يعد التحدي في دمج الفصائل ضمن كيان واضح هو الجيش، بل في القدرة على «قصقصة أجنحة الفصائل داخل هذا الجيش»؛ فالفصائل التي تحولت بعد سقوط النظام إلى فرق تابعة لوزارة الدفاع، احتفظ بعضها بتماسكه التنظيمي ومناطقيته، كما بقيت علاقات الولاء للقادة حاضرة وإن بدرجات مختلفة، إلى جانب الارتباط شبكات مالية وإدارية واجتماعية نشأت، وتجذرت طوال أكثر من عقد من الزمن.

صورة أرشيفية لمقاتل من المعارضة السورية يرفع علامة النصر وهو يقف على متن طائرة عسكرية تابعة لقوات موالية لحكومة بشار الأسد داخل مطار حماة العسكري 7 ديسمبر 2024 (رويترز)

انتقال لم يكتمل بعد

لكن هذه العملية لم تصل بعد إلى هدفها النهائي؛ إذ لا تزال بعض الفرق داخل الجيش تحتفظ ببنيتها السابقة وإن بدرجات متفاوتة، بينما تتواصل الترتيبات لإعادة توزيعها وإعادة تنظيم قيادات جديدة لها ومناطق انتشار ومهام مختلفة.

هذا يعني أن الجيش السوري يمر حالياً بمرحلة تتراوح بين نموذجين: نموذج دمج الفصائل بشكل غير فعال عقب سقوط النظام ضمن وزارة الدفاع، ونموذج الجيش المؤسساتي الذي يفترض أن تتلاشى فيه الفصائلية والمناطقية، وتصبح فيه سلسلة القيادة والقرار العسكري مرتبطة بالدولة السورية.

في هذا الإطار، قال مصدر مطلع لـ«الشرق الأوسط» إن «الدولة السورية تستكمل اليوم عملية الدمج الإجباري للفصائل كافة وإضعاف مواطن القوة التي تمتعت بها خلال السنوات الماضية»، معتبراً أن هذه الخطوة ضرورية جداً، فمن دونها لن تستطيع دمشق تأسيس جيش موحد وبناء دولة مستقرة.

جنود سوريون يهرعون إلى موقع انفجار مستودع أسلحة في إدلب مخلّفاً 14 قتيلاً في 9 سبتمبر الجاري (إ.ب.أ)

وأوضح المصدر الذي فضَّل عدم الكشف عن اسمه أن ما شهدته الأيام السابقة من تفكيك بعض الكتل العسكرية، وفي مقدمتها «جيش الإسلام» الذي جرى دمجه ضمن الفرقة 70، وتفكيك مجموعات «العمشات» و«الحمزات» و«أحرار الشرقية»، سبقته عمليات مشابهة طالت «أحرار الشام» و«الجبهة الشامية»، وهي فصائل كانت متماسكة ولها مصالح اقتصادية وجهوية، وقد نجحت إدارة الرئيس أحمد الشرع في تفكيكها تدريجياً وبهدوء ودون ضجة؛ ما أدى إلى سحب قوة هذه التكتلات التي كانت تشكل ثقلاً داخل الجيش.

فصائل داخل الدولة

المهمة الأساسية الآن هي هيكلة المؤسسات الأمنية والعسكرية بعد ضم الفصائل إليها، ومن ثم تفكيك البنية الفصائلية داخل الدولة السورية بشكل كامل.

وهناك فصائل لا تزال موجودة داخل الجيش، لكن معظم التشكيلات التي كانت تنتمي لـ «الجيش الوطني» السابق قد فككت بمعظمها، ويجري حالياً تفكيك «جيش سوريا الحرة» الذي كان حليفاً مهماً للولايات المتحدة في قاعدة منطقة التنف قرب الحدود الأردنية.

ويوضح المصدر أن هناك تنسيقاً كاملاً بين إدارة الشرع وكل من تركيا والولايات المتحدة في عملية تفكيك الفصائل داخل الجيش السوري الجديد؛ إذ كان يُعتقد سابقاً أن شخصيات مثل أبو عمشة وحاتم أبو شقرا وسيف بكور بولاد، وهم حلفاء لتركيا، قد يثير تحييدهم حساسية لدى أنقرة، قد يدفعها للضغط باتجاه عدم إبعادهم، لكن ما حدث كان العكس تماماً فتركيا اليوم تبدي حرصاً على تفكيك المكونات التي كان حليفة سابقة لها.

«كتائب خالد بن الوليد» وهي جزء من «هيئة تحرير الشام» تقدّم عرضاً عسكرياً بعد الإطاحة بالرئيس السوري السابق بشار الأسد (أرشيفية - رويترز)

«هيئة تحرير الشام» في الهيكلية الجديدة

رغم جهود التفكيك والدمج وإعادة بناء مؤسسة عسكرية متجانسة، فإن المصدر يؤكد أن «الهيكلية النهائية للأجهزة الأمنية وللجيش تهدف إلى أن يبقى ضباط وقادة (هيئة تحرير الشام) حصراً والقادة المهمين في جبهة النصرة في المفاصل الرئيسية ومواقع القيادة والقرار، وأن كل من جرى تعيينه من الضباط المنشقين أو قادة الفصائل التي تم حلها وتوزيعها سيكون قائده أو رئيسه في النهاية شخصية من (تحرير الشام)».

ويرى المصدر أن «هذا التوجه منطقي في هذه المرحلة الحساسة التي تواجه فيها الدولة تحديات داخلية وخارجية كبيرة؛ إذ إن العمل السياسي يتطلب وجود نواة صلبة وتماسك داخلي، وإن لم تكن القرارات المفصلية الأمنية والعسكرية مضمونة فلن يكون بالإمكان بناء أي شيء، وستكون المؤسسات عرضة للاختراق وخاضعة للتجاذبات الداخلية».

عناصر من قوات الأمن السورية في اللاذقية (أرشيفية - رويترز)

رواية القيادة

تحدثت «الشرق الأوسط» إلى العقيد عبد المعطي الحلبي، وهو أحد القيادات العسكرية في الجيش السوري الجديد ومن الضباط الذين كانوا في الصف الأول داخل جبهة النصرة سابقاً، فأكد أن تفكيك الفصائل «ليس استهدافاً لأحد»، بل «ضرورة وجودية لبناء مؤسسة عسكرية حقيقية».

وأوضح الحلبي أن الإبقاء على الفصائل ككتل متماسكة داخل الجيش «يعني ببساطة الإبقاء على ولاءات متعددة داخل المؤسسة العسكرية»، وهو ما يهدد القرار الأمني والعسكري، ويجعل الدولة هشة.

وأضاف: «لا يمكن أن نبني جيشاً وطنياً إذا بقيت كل مجموعة تعد نفسها كياناً مستقلاً، ولها اقتصادها الخاص، وولاءاتها»، مشيراً إلى أن الدولة تعمل على توزيع القيادات وإعادة توزيعها.

وفي ما يتعلق باختيار قادة الفيالق من «هيئة تحرير الشام»، قال الحلبي إن هذا الأمر ليس دقيقاً كما يشاع، موضحاً أن «(تحرير الشام) هي أول من حل نفسه، واندمجت في الدولة، رغم أنها تمتلك خبرة تنظيمية وأمنية وإدارية سبقت بها الجميع، وخاضت تجربة الحكم والإدارة في إدلب، وخاضت تجربة العمل الأمني المعقد، ولديها قدرة على ضبط الأرض والمؤسسات».

وأضاف: «لو أبقينا الأمور على الحالة السابقة، ستعود الحساسية المناطقية والولاءات القديمة. نحن نريد قيادة موحدة، صلبة، لا تخضع لأي تجاذبات، في هذه المرحلة، وهذا بمشاركة الجميع دون تمييز».

تعيين حجي محمد نبو المعروف بلقب «جيا كوباني» نائباً لقائد «الفرقة 60» في الجيش السوري العاملة في الحسكة مارس الماضي (حساب فيسبوك)

5 فيالق وتغييرات مرتقبة

يقول الباحث في الشؤون الأمنية في مركز جسور للدراسات، رشيد حوراني، لـ«الشرق الأوسط»، إن الهيكلية الجديدة للجيش السوري ستبقي، على الأرجح، على صيغة تشكيل 5 فيالق في الجيش، مع احتمال إجراء تغييرات على مستوى القيادات وقوام الفيالق ومناطق انتشارها ومهامها العملياتية، مشيراً إلى أن المرحلة السابقة أظهرت الحاجة إلى تعزيز مرونة تحرك هذه التشكيلات في مواجهة التهديدات الداخلية والخارجية.

وأوضح حوراني أن «على الأرجح الإبقاء على الهيكلية التي أعلن عنها مؤخراً، المتضمنة تشكيل 5 فيالق في الجيش السوري، ولكن التغيير قد يطول القيادات وقوام الفيالق العسكرية التي أعلن عنها، وتنظيم أماكن انتشارها، ومناطق العمليات الخاصة بها بشكل أكبر مما كان سابقاً؛ لأنه خلال المرحلة السابقة تم الوقوف على نقاط تتعلق بمرونة تحرك تلك الفيالق استجابة للمهددات الداخلية والخارجية، ومن ثم تكون الهيكلية المقبلة تغييراً في القيادات وأساليب عمل كل فيلق بما يتناسب ومهامه».

دخان يتصاعد من خلف جندي سوري على أثر انفجار مستودع أسلحة في إدلب خلّف 14 قتيلاً في 9 سبتمبر الجاري (أ.ف.ب)

وفيما يتعلق بالهدف من الهيكلة الجديدة، يرى حوراني أن إعادة تنظيم المؤسسة العسكرية ترتبط بمرحلة أوسع من إعادة بناء الجيش السوري وتطوير آليات عمله، بما يتناسب مع متطلبات الدولة والمرحلة المقبلة.

وكانت مواقع سورية قد تداولت أخباراً مفادها أن الترتيبات الجديدة وضعت الفيلق المكلف بالمنطقة الشرقية تحت قيادة العميد أحمد محمد الجاسم، المعروف في الأوساط العسكرية بـ«أبو محمد شورى»، وهو الضابط الذي ارتبط اسمه سابقاً بإدارة الفرقة 66.

بينما تتحدث مصادر أخرى على أن المنطقة الشمالية ستخضع لقيادة العميد عواد الجاسم «أبو قتيبة الشامي»، الذي ارتبط اسمه بالفرقة 60، في إطار إعادة توزيع الفرق الأربع العاملة هناك.

أما ما يتصل بالمنطقة الوسطى، فتذكر بعض المصادر أن العميد هيثم العلي «أبو مسلم آفس» سيكون على رأس الفيلق المسؤول عن هذا القطاع، في حين تتحدث تسريبات أخرى عن أن العاصمة دمشق ستشهد ترتيبات مختلفة يقودها العميد عمر محمد جفتشي «مختار التركي» الذي يدير حالياً فرقة دمشق العسكرية.

وفي المقابل، تتداول منصات محلية أن المنطقة الغربية والساحل سيخضعان لإشراف العميد منير الشيخ «أبو أسامة»، ضمن فيلق يضم 4 فرق أعيد تنظيمها مؤخراً.

معضلة الفصائل الأكثر تطرّفاً

حول الفصائل الأكثر تطرفاً، قال الحلبي إن الدولة تتعامل معها «بمنهجية دقيقة»؛ إذ سيجري تفكيكها وتوزيع عناصرها داخل الفيالق بما يمنع تشكل أي كتل داخل الجيش.

وأضاف: «هذه الفصائل تمتلك خبرة قتالية مهمة، لكن يجب أن تعمل ضمن مؤسسة، لا ضمن عقلية الجماعة أو التنظيم. لذلك سيتم توزيعها بشكل مدروس داخل الفيالق، بحيث تذوب في البنية العسكرية الجديدة».

وختم الحلبي قوله بأن التحدي الأهم الآن هو الانتقال من «الذهنية الفصائلية إلى ذهنية الدولة».

وعن المقاتلين الأجانب وبينهم التركستان وغيرهم، داخل الهيكلية العسكرية الجديدة، أوضح حوراني أن هذه الجماعات أصبحت منضوية ضمن الجيش، لا سيما في الفرقة 84، ومن ثم فإنها تخضع، من حيث المبدأ، للقواعد والقوانين العسكرية نفسها التي تنطبق على بقية الوحدات.

وقال: «انضوت الجماعات الإسلامية الأجنبية ضمن الجيش في الفرقة 84 بشكل خاص وأصبح يسري عليهم ما يسري على جميع الوحدات العسكرية، وأي مخالفة منهم يتم التعامل معهم وفق القانون العسكري النافذ».

وفي ما إذا كانت المرحلة المقبلة ستشهد خطوات لإزالة أو تفكيك بعض الفصائل المتطرفة الموجودة ضمن التشكيلات العسكرية، في ظل وجود مطالب دولية مرتبطة بهذا الملف، يرى حوراني أن التعامل مع هذه الفصائل سيبقى جزءاً من عملية بناء الجيش واستخلاص الدروس من المراحل السابقة، لكنه يشير في الوقت نفسه إلى وجود محددين أساسيين يحكمان هذا الملف.

الرئيس السوري أحمد الشرع في مؤتمر إعلان انتصار الثورة السورية وسط حضور موسع من فصائل إدارة العمليات العسكرية 29 يناير 2025 (أ.ف.ب)

موقف الفصائل من إعادة الهيكلة

عن التحفظات الفصائلية، ومخاوف الفصائل التي انضمت إلى وزارة الدفاع من تداعيات إعادة الهيكلة، يلفت حوراني إلى أن هذه الفصائل باتت تدرك الفارق بين طبيعة التشكيلات التي نشأت خلال مرحلة إسقاط النظام السابق، وبين متطلبات بناء جيش يعمل ضمن مؤسسات الدولة.

ويشرح: «تدرك الفصائل التي انضمت لوزارة الدفاع أن طريقة عمل وتشكيل الفصائل في مرحلة إسقاط النظام يختلف عن طريقة تشكيل الجيش ومهامه ضمن كيان الدولة؛ ولذلك كانت هناك استجابة كبيرة من جميع الفصائل لعملية الدمج، على الرغم من أن تقارير غربية حذرت من طريقة الدمج وآثاره، لكن الهدف العام للفصائل سهل المهمة وجعل عملية تشكيل الجيش تسير بسلاسة».

وحول بقاء بعض قادة الفيالق محسوبين على جهات فصائلية معينة، وما يفسر ذلك، يرى حوراني أن الأمر يرتبط بالخبرة التي راكمها الجناح العسكري لـ«هيئة تحرير الشام» خلال السنوات التي سبقت سقوط النظام.

وقال: «كون الجناح العسكري لـ(هيئة تحرير الشام) تطور بشكل كبير قبل سقوط النظام من ناحية التدريب والتنظيم والخبرة في أساليب العمل العسكري، وتريد القيادة اليوم الاستفادة من ذلك».

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يراقب تقدم جنود إسرائيليين داخل الأراضي السورية مطلع سبتمبر الجاري (د.ب.أ)

تنسيق سوري ـ تركي ودور أميركي

عن الدور الإقليمي والدولي في عملية إعادة هيكلة الجيش، أشار حوراني إلى أن التنسيق السوري ـ التركي في المجال العسكري بات معلناً، ويشمل جوانب التنظيم والتدريب، لافتاً إلى أن ذلك انعكس من خلال الزيارات المتكررة لمسؤولين عسكريين رفيعي المستوى في أعلى هرمي المؤسسة العسكرية في كل من سوريا وتركيا.

وقال: «لا يخفي الجانب السوري والتركي التنسيق العسكري بينهما المشتمل على التنظيم والتدريب، وهو ما انعكس من خلال الزيارات المتكررة لمسؤولين عسكريين رفيعي المستوى في أعلى هرمي المؤسسة العسكرية لكل من سوريا وتركيا، وهذا التعاون موافق عليه من الجانب الأميركي الذي أوصى بدوره مجلس الشيوخ لجنة الأمن والدفاع فيه بتقديم تقرير خلال العام 2026 بإمكانية إقامة شراكة عسكرية مع سوريا، وهذا يندرج ضمن دور سوريا في مكافحة الإرهاب».

أهداف الدور التركي

وحول أهداف الدور التركي، خصوصاً في عملية بناء الجيش السوري، يعتقد حوراني أن هذا الدور يحمل مجموعة من الأهداف المرتبطة بالأمن القومي التركي، إلى جانب أهداف سياسية وعسكرية تتصل بموقع أنقرة في سوريا والمنطقة.

ويقول: «أهداف الدور العسكري متعددة، أبرزها حماية الأمن القومي التركي وبناء الجيش السوري الموحد الذي يقطع الطريق على قيام كيانات انفصالية تهدد الداخل الكردي كتنظيم (قسد) شرق سوريا سابقاً، وتعزيز نفوذ تركيا السياسي والعسكري وتكرار تجربتها العسكرية في بناء الجيوش في الدول الأفريقية، إضافة إلى دور تركيا في دعم الإدارة السورية الجديدة التي كانت داعمة لها خلال الثورة».

عبدي مع مجموعة من قواته بلباس الجيش السوري (مواقع التواصل)

معركة بناء لا مجرد دمج

في المحصلة، تكشف عملية إعادة هيكلة الجيش السوري أن التحدي الذي تواجهه دمشق لا يتمثل فقط في إدخال الفصائل المسلحة السابقة إلى وزارة الدفاع، وإنما في إنهاء قدرتها على العمل ككتل مستقلة داخل المؤسسة العسكرية.

فالمرحلة الأولى قامت على استيعاب الفصائل تحت مظلة الدولة، بينما تركز المرحلة الحالية على تفكيك هياكلها الداخلية، وإعادة توزيع عناصرها وقياداتها، وتغيير مناطق انتشارها ومهامها، بما يمنع إعادة إنتاج الولاءات المناطقية والفصائلية.

وبينما تؤكد السلطات العسكرية أن الهدف هو بناء جيش موحد لكل السوريين، تبرز في المقابل تساؤلات حول حجم الدور الذي ستحتفظ به الشخصيات القادمة من «هيئة تحرير الشام»، وحول طبيعة العقيدة العسكرية للجيش الجديد، وحدود التأثير التركي والدولي في عملية بنائه.

وفي نهاية المطاف، تبدو إعادة الهيكلة اختباراً أساسياً لقدرة الدولة السورية الجديدة على الانتقال من مرحلة «الفصائل المنتصرة» إلى مرحلة «المؤسسة العسكرية التابعة للدولة»، وهي عملية لم تكتمل بعد، وستحدد نتائجها إلى حد كبير شكل الدولة السورية وأمنها خلال المرحلة المقبلة.


ربع قرن على يوم «آبوكاليبتي»... «11 سبتمبر» الذي غيّر أميركا والعالم

هياكل برجَي مبنى التجارة العالمي بعد احتراقهما بالكامل إثر التفجيرات (أ.ف.ب)
هياكل برجَي مبنى التجارة العالمي بعد احتراقهما بالكامل إثر التفجيرات (أ.ف.ب)
TT

ربع قرن على يوم «آبوكاليبتي»... «11 سبتمبر» الذي غيّر أميركا والعالم

هياكل برجَي مبنى التجارة العالمي بعد احتراقهما بالكامل إثر التفجيرات (أ.ف.ب)
هياكل برجَي مبنى التجارة العالمي بعد احتراقهما بالكامل إثر التفجيرات (أ.ف.ب)

خلّفت هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 الإرهابية ندوباً لا تزال ماثلة على شواهد في الولايات المتحدة، وذكريات رهيبة في وجدان الأميركيين وكثيرين عبر العالم. وإذا كانت التداعيات الأولى ظهرت سريعاً في غزوين أميركيين لكل من أفغانستان (2001) والعراق (2003)، فإن البعض يجادل بأن حرب إيران اليوم تقع - في جانب منها - ضمن السياق ذاته.

وإذ يحيي الأميركيون هذا العام الذكرى السنوية الـ25 للهجمات التي أدت إلى سقوط نحو ثلاثة آلاف قتيل مع صدْم برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك بطائرتين مدنيتين ووزارة الدفاع (البنتاغون) في واشنطن العاصمة بطائرة مدنية ثالثة، فضلاً عن رابعة أُسقطت في بنسلفانيا، لم تنته بلدان مثل أفغانستان، والعراق، وسوريا، واليمن، والصومال ونيجيريا وغيرها بعد من إحصاء العدد النهائي لمئات آلاف من الضحايا، وربما أكثر من الذين سقطوا في الحروب الأميركية والعالمية المتواصلة مُذّاك ضد تنظيمي «القاعدة» و«داعش»، وغيرهما من الجماعات الإرهابية.

طُبعت هذه الاعتداءات على «الوجه الدّامي» لأميركا، حيث لم تغلق بعد السجالات الدائرة حول «سجلات سريّة» يقال إنها لم تنشر بعد على رغم مضي ربع قرن على الوقائع المستعادة سنويّاً ليوم 11/ 9، لحظة بلحظة، ودقيقة بدقيقة، وساعة بساعة، وعاماً بعد آخر.

رسم بياني يُظهر عدد الطائرات ومسار كلٍّ منها قبل لحظة الارتطام

ويحيي الأميركيون هذه اللحظات والدقائق كل عام، بتسجيلها في الذكرى، وبوصفها بداية تاريخ جديد للبلد الذي نشأ رسمياً قبل 250 عاماً، ويقرعون أجراس الحزن بالمواقيت التالية:

منذ الساعة 5:45 فجر 11/ 9، حين اجتاز خاطفان، نقاط التفتيش الأمنية في مطار بورتلاند الدولي بولاية ماين، ليستقلا رحلة إلى مطار لوغان الدولي في بوسطن في ماساتشوستس، ثم الرحلة الرقم 11 لـ«أميركان إيرلاينز» التي أقلعت الساعة 7:05 صباحاً وعلى متنها 76 راكباً مع طاقم من 11 شخصاً وخمسة خاطفين، إلى وجهتها المفترضة: لوس أنجلس في كاليفورنيا.

وكذلك، أقلعت من بوسطن الرحلة 175 لشركة «يونايتد أيرلاينز» الساعة 8:15 صباح اليوم ذاته، وعلى متنها 51 راكباً وطاقم من تسعة أفراد وخمسة خاطفين، متجهة أيضاً إلى لوس أنجلس.

وعند الساعة 8:20 صباحاً، أقلعت الرحلة 77 لـ«أميركان إيرلاينز» من واشنطن العاصمة، وعلى متنها 53 راكباً وستة من أفراد الطاقم وخمسة خاطفين، متجهة كذلك إلى لوس أنجلس.

وطارت من مطار نيوارك في نيوجرسي الرحلة 93 لـ«يونايتد أيرلاينز» عند الساعة 8:42 صباحاً، وعلى متنها 33 راكباً وسبعة من أفراد الطاقم وأربعة خاطفين، إلى وجهتها المفترضة: سان فرانسيسكو، كاليفورنيا.

صورة أرشيفية للحظة اصطدام الطائرة ببرج التجارة العالمي في 11 سبتمبر 2001 (غيتي)

دقائق الرعب

لم تمضِ دقائق حتى ارتطمت الرحلة 11 الساعة 8:46 صباحاً بالبرج الشمالي لمركز التجارة العالمي عند الناحية السفلى من مانهاتن في نيويورك. وتسمّر الناس في كل أصقاع الأرض أمام الشاشات لمشاهدة ما لم يخطر ببال أحد من غير المهاجمين أنفسهم.

وقبل أن يفيق أحد من صدمة «حادثة» البرج الشمالي، صدمت الرحلة 175 البرج الجنوبي بعد دقائق قليلة أخرى، في تمام الساعة 9:03 صباحاً، ليتيقّن الجميع أن ما يحصل أكبر بكثير مجرد «حادثة» لطائرات ضلّت طريقها فوق المدينة العامرة.

ظلّت الأفواه فاغرة طويلاً وسادت حالة من الذهول.

حتى الرئيس جورج دبليو بوش، الذي كان داخل صف ابتدائي لمدرسة في فلوريدا، بدا غير مصدق لما يحصل، حين همس في أذنه كبير موظفي البيت الأبيض آنذاك أندرو كارد، الساعة 9:05 صباحاً لإبلاغه بالهجوم على البرج الثاني. وكتب بوش لاحقاً: «قررت عدم النهوض فوراً ومغادرة الصف. لم أرد إثارة ذعر الأطفال. أردت بث شعور بالهدوء... مررت بأزمات كافية لأعرف أن أول ما يجب على القائد فعله هو بث الهدوء».

غير أن السكينة التي سعى إليها الرئيس الأميركي بدت سراباً مع ارتطام الرحلة 77 بالمبنى الأيقوني لوزارة الدفاع (البنتاغون) عند الساعة 9:37 صباحاً، في حين كان المسافرون على الرحلة 93 يتعاركون مع الخاطفين حتى الساعة 10:02 صباحاً، حين تحطمت الطائرة فوق حقل خالٍ في شانكسفيل، بنسلفانيا. لم يعرف أحد ما كانه الهدف النهائي لخاطفي الرحلة 93، بيد أن كثيرين رجَّحوا أن تكون متجهة إما إلى البيت الأبيض أو مبنى الكابيتول.

الدمار الهائل والرماد الذي خلَّفته تفجيرات «11 سبتمبر» في دقائق (أ.ف.ب)

أبعاد «آبوكاليبتيكية»

أعطت الصحافة الأميركية أبعاداً «آبوكاليبتيكية» لانهيار البرج الجنوبي لمركز التجارة العالمي أولاً عند الساعة 9:59 صباحاً. ثم انهيار البرج الشمالي بعد 29 دقيقة، الساعة 10:28 صباحاً.

لم تكن تلك اللحظات من ذلك الثلاثاء المشؤوم، مجرد توثيق لوقائع ضربة يعدّها البعض أخطر أميركياً من هجوم بيرل هاربر الذي كان السبب المباشر لدخول الولايات المتحدة الحرب العالمية الثانية ضد اليابان الإمبراطورية وبقية دول المحور: ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية.

وأعادت هجمات 11/ 9 تشكيل الأمن الأميركي والحياة اليومية للأميركيين وغير الأميركيين على نطاق واسع، من المطارات إلى السياسة الخارجية والمجتمعات المحلية.

وبعد أيام فقط من الهجمات، اتخذ الرئيس بوش قرارات مهمة لتوحيد 22 جهازاً فيدرالياً، أصدر الكونغرس «قانون باتريوت» موسعاً صلاحيات المراقبة والتحقيق الفيدرالية. وتغيّر أمن الطيران جذرياً مع إنشاء إدارة أمن النقل، التي فرضت فحص جميع الأمتعة بالأشعة السينية. وصار خلع الأحذية إجراءً روتينياً. كما ألزم الكونغرس شركات الطيران بأبواب قمرة قيادة محصّنة، وأُنشئت «قائمة حظر الطيران»، وفرضت بطاقة «الهوية الحقيقية» إلزامياً للسفر الداخلي.

وارتفعت ثقة الأميركيين بالحكومة الفيدرالية لأول مرة منذ عهد جونسون، ورفع 80 في المائة من البالغين العلم الأميركي في أكتوبر (تشرين الأول) 2001 وسط موجة وطنية واسعة. لكن الهجمات أشعلت أيضاً موجة «إسلاموفوبيا» وعنف ضد المسلمين في أنحاء مختلفة من الولايات المتحدة وعبر العالم.

«حرب عالمية» على الإرهاب

بالإضافة إلى ذلك، كانت هجمات 11 سبتمبر 2001 بمثابة إعلان «الحرب على أميركا»، التي أعلنت بصفتها القوة العظمى الوحيدة عالمياً في مستهل الألفية الثالثة، أن «ما قبلها ليس كما بعدها»، وأنها إيذان ببدء الحرب الأميركية والعالمية على الإرهاب.

بهذه الروحية، خاطب الرئيس بوش الأمة الأميركية ليلة ذلك اليوم، الذي سقط فيه زهاء ثلاثة آلاف قتيل، والذي لا يزال مؤثراً على نمط حياة الأميركيين إلى يومنا هذا، بعد أي مضي ربع قرن. وركز في خطابه على طمأنة الأميركيين، مرسلاً التباشير الأولى لما صار لاحقاً «مذهب بوش» في السياسة الخارجية؛ إذ قال: «لن نفرق بين الإرهابيين الذين ارتكبوا هذه الأعمال ومن يؤويهم»، وممهداً أيضاً الطريق لإطلاق الحملة العسكرية اللاحقة ضد أفغانستان «طالبان» بعدما رفضت تسليم زعيم «القاعدة» أسامة بن لادن.

الدخان متصاعداً من برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك لحظة التفجيرات (غيتي)

وعلى رغم انهيار الحكم الطالباني الأول بعد قرابة شهرين من «عملية الحرية الدائمة» العسكرية التي قادتها الولايات المتحدة مع تحالف دولي، طالت الحرب على الإرهاب في هذا البلد المضطرب 20 عاماً.

وفي خطابه الأول عن «حال الاتحاد» بعد هجمات 11/ 9، أعطى الرئيس بوش في مطلع عام 2002 التصور الأكثر تكاملاً عن حرب «ستتواصل لعقود» تخوضها الولايات المتحدة لاجتثاث الإرهاب والدول الراعية له وفقاً للمنظور الأميركي. أعلن الهدف النهائي ضد ما سماه «محور الشر» الذي ضم كلاً من العراق وإيران وكوريا الشمالية، مضيفاً اتهاماً آخر بأن هذه الدول تنتج أيضاً أسلحة دمار شامل.

إطلاق مصطلح «محور الشرّ»

أسس الرئيس بوش في الخطاب الذي كتبه له ديفيد فروم لحرب العراق التي أطاحت في 2003 نظام البعث بقيادة الرئيس صدام حسين. وأشار فروم في حديث لصحيفة «النهار» اللبنانية آنذاك، إلى أنه بنى تعبير «محور الكراهية» (الذي استبدل به الرئيس بوش مصطلح «محور الشرّ») على استعارات من خطاب الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت عن «التاريخ الذي سيبقى وصمة عار» الذي ألقاه في 8 ديسمبر (كانون الأول) 1941، بعد الهجوم الياباني على بيرل هاربر، ليقرر خوض حرب ليس فقط ضد اليابان الإمبراطورية، بل أيضاً ضد ألمانيا النازية.

الرئيس الأميركي جورج بوش الابن ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد يتفقدان الأضرار في مبنى البنتاغون غداة هجمات 11 سبتمبر 2001 (غيتي)

لم يكتفِ الرئيس بوش بالحرب ضد أفغانستان، بل أرسل القوات الأميركية أيضاً إلى العراق. وحسب مشروع «تكلفة الحرب» لدى جامعة براون، قُتل نحو 940 ألف شخص بالعنف المباشر في هاتين الحربين، في حين تجاوز إجمالي الضحايا 4.5 ملايين بحلول عام 2023 بسبب الآثار غير المباشرة. وارتفع الإنفاق العسكري 50 في المائة في العقد التالي للهجمات، بتكلفة إجمالية تجاوزت 5.6 تريليونات دولار بحلول 2018، وأُنشئ معتقل غوانتانامو الذي احتجز 780 شخصاً.

وقال فروم: «بالنسبة لروزفلت، لم يكن بيرل هاربر مجرد هجوم، بل كان بمثابة تحذير من هجمات مستقبلية أسوأ من عدو آخر، بل وأكثر خطورة». وكذلك، ربط بين العراق إيران و«القاعدة» و«حزب الله» التي شكَّلت على رغم التناقضات بينها، «محور كراهية ضد الولايات المتحدة». وأضيفت إليه كوريا الشمالية بسبب تطويرها أسلحة نووية.

وفي وقت تواصلت فيه الحرب على الإرهاب في أفغانستان، شكلت حرب العراق بداية لحرب أوسع نطاقاً ضد «محور الشر»، فاندفع النظام الإيراني إلى استغلال انهيار الحُكمين الطالباني والبعثي نحو ملء جزء رئيسي من الفراغ الجيوبوليتيكي الهائل بإنشاء «محور المقاومة» والذي سمّاه الملك عبد الله بن الحسين لاحقاً «الهلال الشيعي» - سعياً إلى امتداد جغرافي من إيران إلى لبنان، عبر كل من العراق وسوريا، التي اكتفى المسؤولون الأميركيون بتصنيفها ضمن الدول الراعية للإرهاب بسبب علاقاتها بالجماعات المسلحة ودورها كنقطة عبور حيوية للأسلحة والدعم الموجه إلى وكلاء إيران، وأبرزهم «حزب الله»، قبل التحوّل الكبير الذي شهدته دمشق في نهاية عام 2024.

واستخدم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو هجمات 7 أكتوبر 2023 لتشبيهها بهجمات 11 سبتمبر 2001 وفتح حرباً لا سابق لها ضد «حماس» وغيرها من الجماعات الموالية لإيران - ولاحقاً «حزب الله» في لبنان - غير آبه بسقوط عشرات آلاف الضحايا بين الفلسطينيين واللبنانيين.

حرب إيران... حيث لم ينفع شيء

لم يتمكن الرئيس بوش ومن أتى بعده من الرؤساء الأميركيين من وضع حد لحال العداء المستحكمة بين الولايات المتحدة وإيران، أو من لجم الطموحات الإقليمية للنظام الإيراني، على رغم الشكاوى المتكررة من دول الجوار بسبب استمرار تدخلاته في الشؤون الداخلية للدول الأخرى. بل تعاقب الرؤساء الأميركيون على استخدام مقاربات مختلفة؛ أملاً في تغيير يدفع الشرق الأوسط إلى مرحلة جديدة من الاستقرار.

نسخ من صحيفتي «همشهري» و«جام جم» الإيرانيتين تحمل صورة الرئيس الأميركي دونالد ترمب وعنواناً باللغة الفارسية: «بندقية العقوبات الفارغة» (إ.ب.أ)

لم ينفع شيء. وجاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى ولايته الثانية عازماً على إحداث تغيير جوهري في إيران، ومردداً اتهامات من مسؤولين أميركيين سابقين وحاليين بأنها «آوت» أيضاً مسؤولين من «القاعدة» مطلوبين للعدالة الأميركية، فضلاً عن دعم «حزب الله» في لبنان وجماعة الحوثي في اليمن والجماعات الشيعية المسلحة في العراق، وإن ركز أكثر على سعي النظام الإيراني إلى صنع أسلحة نووية والمزيد من الصواريخ الباليستية والمسيَّرات.

يمكن وضع الحرب التي تخوضها الولايات المتحدة مع إيران منذ نهاية فبراير (شباط) 2026 في سياق الحروب الأميركية ضد «محور الشر» التي أعلنها الرئيس بوش، وأوضحتها لاحقاً مستشارة الأمن القومي وزيرة الخارجية سابقاً كوندوليزا رايس بأن «دعم إيران المباشر للإرهاب الإقليمي والعالمي، وسعيها الدؤوب لاقتناء أسلحة الدمار الشامل، يناقض أي نيات حسنة أبدتها في الأيام التي أعقبت أسوأ الهجمات الإرهابية في التاريخ».

خلاصة الأمر، أن الولايات المتحدة لطالما عدَّت إيران راعية للإرهاب وخصماً محتملاً وخطيراً في الشرق الأوسط.


معتقل غوانتانامو... «الاستثناء» الذي أصبح قاعدة

مشهد عام لـ«كامب إكس» حيث الحراسة المشددة (أ.ف.ب)
مشهد عام لـ«كامب إكس» حيث الحراسة المشددة (أ.ف.ب)
TT

معتقل غوانتانامو... «الاستثناء» الذي أصبح قاعدة

مشهد عام لـ«كامب إكس» حيث الحراسة المشددة (أ.ف.ب)
مشهد عام لـ«كامب إكس» حيث الحراسة المشددة (أ.ف.ب)

في الذكرى الخامسة والعشرين لهجمات 11 سبتمبر (أيلول)، يبدو معتقل غوانتانامو أقل شبهاً بسجن بقي مفتوحاً بالخطأ، وأكثر اقتراباً من مؤسسة متجذرة عرفت كيف تقاوم الزمن.

كان يُفترَض أن يكون المعتقل الذي افتُتِح في القاعدة البحرية الأميركية بخليج غوانتانامو في يناير (كانون الثاني) 2002 حلاً مؤقتاً لحالة استثنائية: احتجاز مقاتلين أسرى في «الحرب على الإرهاب» بعيداً من البر الأميركي، ومن دون أن تنطبق عليهم، حسب منطق الإدارة الأميركية آنذاك، القواعد القانونية التي تحكم السجون التقليدية أو أسرى الحروب.

مشهد عام لقاعدة غوانتانامو الأميركية في الخليج الكوبي قبيل إنشاء المعتقل فيها مطلع 2002 (أ.ف.ب)

لكن المؤقت طال.

ومع مرور ربع قرن، لم يعد السؤال يقتصر على: لماذا لم يُغلق غوانتانامو؟ بل ماذا حدث للفكرة التي أنشأته؟ وكيف أمكن لاستثناء قانوني وسياسي وُلد في لحظة «تروما جماعية» بعد هجمات 11 سبتمبر الإرهابية، أن يتحول إلى مؤسسة قادرة على البقاء، والاستمرار حتى بعدما تغيّرت الإدارات في البيت الأبيض والحروب في الميادين وشكل التهديدات وأسماء أصحابها.

بعد الهجمات، دخلت الولايات المتحدة حرباً جديدة سمتها «الحرب على الإرهاب». وفي إطار هذه الحرب، نشأ نظام واسع للاعتقال خارج المألوف القانوني، اعتمد على السرّية والاحتجاز المفتوح زمنياً، وعلى محاولة الفصل بين «الحرب» العسكرية، والأرضية التشريعية التي تحكمها عادة.

لافتة ترحيبية عند مدخل قاعدة معتقل غوانتانامو بعد تحديثه (أرشيفية - أ.ف.ب)

وجاء غوانتانامو أوضحَ مثالٍ لتناقض تكشف تدريجياً؛ ففي حين نشأت عدة مواقع اعتقال سرية تابعة لوكالة الاستخبارات المركزية، في بلدان متعددة، واعتمدت برامج استجواب قهرية ولا إنسانية، وأصبحت لاحقاً جزءاً من أكثر الفصول إثارة للجدل في الحرب الأميركية على الإرهاب، بقي غوانتانامو مختلفاً. لقد امتلك ميزة إضافية.

كان مكاناً حيّاً. نما وتطوّر وامتد على مساحة جغرافية أكبر عبر السنوات، منذ لحظة افتتاحه، مطلع يناير (كانون الثاني) 2002، وإلى اليوم. وهو إذ يتكيّف مع الإدارات الأميركية المتبدّلة بين جمهورية أو ديمقراطية، ويطور أساليبه وأنماطه، لم يبتعد قيد أنملة عن الفكرة المؤسسة له، والمجال الحيوي الهائل للسلطة السياسية؛ أن الدولة الأميركية، في ظروف استثنائية، تستطيع أن تنشئ مساحة استثنائية، وأن المحتجَز يمكن أن يكون «مقاتلاً عدواً» من دون أن يكون أسيراً بالمعنى التقليدي، ومن دون أن يكون متهماً أمام محكمة جنائية، وأن الحرب يمكن أن تكون طويلة إلى درجة يصبح معها الاحتجاز نفسه بلا نهاية محددة. وذلك هو حال عدد من سجناء غوانتنامو اليوم، بعد نحو ربع قرن.

جندي أميركي يعبر قرب الشريط الشائك الذي أحاط بـ«كامب إكس» قبل إغلاقه (أ.ف.ب)

غوانتانامو بوصفه أرشيفاً

ربما في الأيام الأولى التي أعقبت 11 سبتمبر، كان من السهل فهم منطق الاستثناء؛ فقد كانت أميركا لا تزال تحت صدمة الهجمات، وكانت الإدارة الأميركية تتعامل مع تنظيم القاعدة باعتباره تهديداً يتجاوز حدود الدول والجيوش التقليدية.

لكن المعضلة تكمن في الاستثناء نفسه وليس فقط في لحظة إنشائه. المشكلة في قدرته على البقاء بعد زوال اللحظة التي أنشأته.

هنا تحديداً تكمن كل قصة غوانتانامو.

وصول الدفعة الأولى من المعتقلين إلى قاعدة غوانتانامو حيث وُضعوا في أقفاص مكشوفة يناير 2002 (غيتي)

فقد أُرسل إليه في البداية رجال اعتبروا جزءاً من الحرب الجديدة بأدواتها الجديدة، لكن السنوات كشفت أن كثيراً من المحتجزين لم يكونوا من كبار قادة «القاعدة»، وأن بعضهم أُرسل إلى هناك بناء على معلومات خاطئة أو صلات هامشية أو بسبب مكافآت مالية، قبل أن يجدوا أنفسهم في نظام يصعب الخروج منه.

على مدى سنوات، مرّ بالمعتقل نحو 800 رجل، لم يبقَ اليوم منهم سوى عدد قليل. وفي مطلع 2025، كان العدد الرسمي 15 محتجزاً، بينهم من ينتظرون النقل إلى دول أخرى، وآخرون يخضعون لإجراءات أمام اللجان العسكرية، وثلاثة ما زالوا في الاحتجاز من دون تهم جنائية أو موافَقة على نقلهم.

لكن انخفاض العدد لم يعنِ انتهاء المشكلة.

على العكس، كلما تقلص عدد المحتجزين، أصبح غوانتانامو أقل شبهاً بسجن جماعي خارج عن السياق العام، وأكثر شبهاً بأرشيف حي للحرب على الإرهاب: ملفات قانونية لم تُحسم، واعترافات انتُزعت في ظروف قسرية، ومحاكمات عسكرية تأخرت سنوات، وأشخاص لا تزال الدولة الأميركية تجد صعوبة في تحديد كيفية التعامل معهم وإنهاء احتجازهم.

صيد ثمين في حفرة مظلمة

قد يكون من الإجحاف اختصار قصة معتقل بحجم غوانتانامو في شخصية واحدة؛ لكن خالد شيخ محمد نموذج صارخ عن تلك التناقضات الهائلة في هذا الملف.

خالد شيخ محمد «العقل المدبّر» لهجمات «11 سبتمبر» فور إلقاء «سي آي إيه» القبض عليه في باكستان عام 2003 (أ.ب)

الرجل المتهم بأنه العقل المدبر لهجمات 11 سبتمبر لم يصل إلى غوانتانامو فوراً. سبقت ذلك سنوات من المطاردة والاعتقال السري، واحتجاز لدى وكالة الاستخبارات المركزية، واستجوابات قاسية، ثم نقل إلى غوانتانامو عام 2006 مع عدد من «كبار الشخصيات» أو كما سمّوا آنذاك بـ«الصيد الثمين»، الذين كانوا محتجَزين في مواقع سرية سبق ذكرها، وسُمّيت «الحفر المظلمة».

وهنا تتقاطع قصة الرجل مع قصة المكان: أين تنتهي الحرب وتبدأ العدالة؟ وهل يمكن لمحاكمة جريمة بحجم 11 سبتمبر أن تقوم على أدلة تشكلت، جزئياً، داخل منظومة سرية استخدمت التعذيب والإكراه؟

بعد أكثر من عقدين على الهجمات، ما زالت القضية تبحث عن خواتيمها. وأخيراً حدَّد قاض عسكري في أغسطس (آب) الماضي موعداً مبدئياً في 5 يونيو (حزيران) 2028 لمحاكمة خالد شيخ محمد وثلاثة متهمين آخرين أمام محكمة عسكرية في غوانتانامو، بعد سنوات طويلة من التعثر القانوني.

لكن المفاجأة وقعت؛ فبعدما تغيرت لوائح المحاكمات، قرر الادعاء المضي في القضية من دون استخدام اعتراف رئيسي أدلى به خالد شيخ محمد عام 2007 أقرّ فيه بمسؤوليته عن الهجمات، وذلك بعدما اعتُبِر غير طوعي وانتُزِع بالإكراه.

وللمفارقة، لم يستأنف الادعاء القرار خشية تأخير موعد المحاكمة أكثر من ذلك.

هكذا أصبح المعتقل جزءاً من مشكلة كان يفترض أن يحلها؛ فبعدما حكم على مئات الأبرياء، ها هو اليوم قد يبرئ مذنباً.

«كامب دلتا 2 و3» ذات الإجراءات الأمنية المشددة حيث اعتُقل كبار قادة تنظيم «القاعدة» في صورة تعود لعام 2006 (أ.ف.ب)

وتواجه واشنطن اليوم معضلة أكبر؛ فهي من جهة تريد محاكمة المسؤولين عن أكبر هجوم إرهابي تعرضت له على أراضيها، وطي هذه الصفحة، ومن جهة أخرى، هي مضطرة إلى مواجهة الورطة التي أوقعت نفسها بها: ماذا تفعل الأدلة عندما يكون الطريق الذي أنتجها موضع طعن قانوني؟

لهذا لم تعد قضية خالد شيخ محمد مجرد قضية رجل متهم بالإرهاب. إنها أيضاً قضية الدولة التي أرادت أن تحقق العدالة من دون أن تدفع الثمن القانوني الكامل لها.

عدّ تنازلي... إلى ما لا نهاية

في 2009، عندما أعلنت إدارة أوباما المنتخب حديثاً نيتها إغلاق المعتقل، وكان ذلك أصلاً أحد وعود حملته الانتخابية، على أن يتم ذلك في 22 يناير 2010، حملتني مهمة صحافية إلى غوانتانامو. كان عمره 8 سنوات وشهد خلالها توسعة تلو الأخرى و«تحسينات» خدمية متعددة، وبدأت فيه المحاكمات في قاعات محكمة ذات أقواس خشبية ومقاعد للحضور وكل ما يلزم من مشهدية العدالة.

«كامب العدالة» حيث أنشئت قاعات المحاكمات المسبقة الصنع في صورة التُقطت نهاية 2008 (أ.ف.ب)

في ذلك الوقت، كانت إدارة المعتقل تستقدم الصحافيين لتعرض عليهم ظروفه، وقد بات يشبه السجون الفيدرالية بمطابخ تقدم اللحوم الحلال، وملاعب رياضية ونشاطات متنوعة ومواعيد صلاة، أملاً في أن تعوّض شيئاً ولو يسيراً من صور الأقفاص المتراصة وسط حر جزيرة استوائية.

بالتوازي، كانت الإدارة السياسية في واشنطن تفاوض دولاً متعددة لنقل المحتجزين إليها. والسؤال العملي كان بسيطاً: كيف يمكن إخراج الموجودين وإغلاق المكان؟

لكن المكان وسكّانه والمحامون المتطوعون للدفاع عنهم هناك في نيويورك... كلهم قالوا شيئاً آخر.

فقد أُتيح في تلك الزيارات، المنظمة والمراقبة بشدة، رؤية أجزاء كثيرة من المعتقل ومرافقه المحدّثة والمطوّرة، لكن أجزاء أخرى بقيت خارج نطاق الرؤية. وكانت الجملة التي تتكرر على مسامع الزوار، من العسكريين تحمل وعداً يفوق قدرة المكان على الإيفاء به: «هنا سترون الحقيقة عارية»، قالوا.

لكن هل يمكن فعلاً رؤية الحقيقة عارية من خلف ستار؟

مدخل «كامب 6» في صورة تعود إلى عام 2014 وتظهر لافتة كُتب عليها «معتقلون في المنشأة. التزموا الصمت» (أ.ف.ب)

كان هناك، مثلاً: «كامب 7»، القسم الأكثر غموضاً، المخصص لـ«الصيد الثمين» من كبار قادة «القاعدة»، وكان وجوده معروفاً، ومبناه يطل على بقية الأبنية من هضبة قريبة. لكن تفاصيله محاطة بالسرية المطلقة.

وفي «كامب 6»، مثلاً، كان المحتجزون يطلّون، أو يحاولون أن يطلّوا، من خلال فتحات ضيقة في النوافذ، وأصواتهم تصل إلينا من مسافة قبل أن نلتمس صورتهم. «كاذبون! كاذبون!» كانت الصرخة التي تتكرر من خلف تلك الجدران. لم يكن ممكناً رؤية الوجوه بوضوح فقد كان رفع النظر إلى المساجين ممنوعاً، لكن الاتهام كان مسموعاً بوضوح.

كان ذلك في حد ذاته درساً صغيراً في طبيعة هذه المنشأة: يمكن أن تكون أبوابها مفتوحة بما يكفي كي تراها، ومغلقة بما يكفي كي لا تعرف كل ما فيها.

وفي ذلك الوقت أيضاً، كان قائد القوات المشتركة في القاعدة، الأميرال توم كوبمان، يصف إغلاق المعتقل بأنه مهمة صعبة «لكنها ليست مستحيلة».

قول منطقي لسياق 2009.

ففي ذلك الوقت، لم تكن الاستحالة في الإغلاق تقنية. الأمر لا يتطلب إنهاء حرب أو تفكيك دولة. كان المطلوب نقل مئات الرجال، واتخاذ قرارات سياسية وقانونية بشأن مَن يُحاكم ومن يُطلق سراحه ومن يُنقَل إلى بلد ثالث، ثم إغلاق منشأة كغيرها من المنشآت. وراح كل قرار يحمل قراراً.

باحة داخلية مشتركة في «كامب 6» وبدت حولها زنزانات الاعتقال بعد تجديد المباني بمعتقل غوانتانامو خلال 2008 (أ.ف.ب)

هل يعود المحتجز إلى بلده؟ هل تقبله دولة ثالثة؟ هل يمثل أمام محكمة مدنية أم عسكرية؟ هل يمكن إطلاق سراحه إذا لم تكن هناك أدلة كافية لمحاكمته؟ وماذا عن أجهزة الاستخبارات التي ترى أنه يشكل خطراً؟ ماذا تفعل الدولة بشخص لا تستطيع إدانته، ولا تثق في إمكانية إطلاقه؟

بهذا المعنى، أصبح غوانتانامو أقل ارتباطاً بعدد المعتقلين وظروف احتجازهم «المحسَّنة»، بقدر ما هو مرتبط بهيكلية القرار داخل الإدارة الأميركية وتسلسل القيادة المتشعّب الذي نشأ حولهم.

ماذا فعل غوانتانامو بأميركا؟

ربما كان الخطأ في النظر إلى غوانتانامو بوصفه مشكلة حقوقية خارجية فقط.

لقد كان، في جانب مهم منه، تجربة أميركية داخلية حول حدود السلطة.

فبعد 11 سبتمبر، امتلكت السلطة التنفيذية قوة هائلة باسم الأمن القومي. ثم جاء القضاء ليضع حدوداً لهذه القوة في سلسلة من القضايا الشهيرة، من «رسول ضد بوش» إلى «حمدان ضد رامسفيلد» ثم «بوميدين ضد بوش». وفي كل مرة تقريباً، كان السؤال نفسه يعود بصيغة مختلفة: هل يمكن للحرب أن تخلق منطقة خارجة عن القانون؟

الإجابة معقدة لا شك.

جنديان أميركيان يدخلان إلى «كامب دلتا 1» الذي يخضع لحراسة مشددة (غيتي)

فالكونغرس أقرَّ قوانين، والإدارات غيّرت سياساتها، والمحاكم تدخلت، والجيش أعاد صياغة قواعد الاحتجاز، والولايات المتحدة نقلت عدداً كبيراً من المعتقلين أو أطلقت سراحهم. لكن المؤسسة التي نشأت في لحظة الاستثناء بقيت ولا تزال وقد يعاد تدويرها لتستمر إلى أجل غير مسمّى بمهام جديدة.

لهذا السبب فإن التطورات الأخيرة في القاعدة تكتسب أهمية تفوق مجرد خبر عابر.

في يناير (كانون الثاني) 2025، وجّهت إدارة الرئيس دونالد ترمب وزارة الدفاع والأمن الداخلي إلى توسيع «مركز عمليات المهاجرين»، في قاعدة غوانتانامو البحرية، إلى كامل طاقته، بهدف توفير مساحة إضافية لاحتجاز مهاجرين. ومنذ ذلك الحين، أكدت وثائق ICE وجود إجراءات خاصة لاحتجاز المهاجرين في القاعدة، بما في ذلك في «كامب 6» و«مركز عمليات المهاجرين».

وعليه، بعد سلسلة من محطات التوقيف والاحتجاز، نقل آدم عبد الله، وهو صومالي يبلغ 31 عاماً أوقفته سلطات الهجرة في مينيسوتا، ونقلته إلى غوانتانامو من دون تهمة واضحة، ووجوده قانوني، ويجري مراجعات دورية مع سلطات الهجرة. وأفادت وسائل إعلام أميركية بأنه يقبع منذ نحو أسبوعين في «كامب 6»، وأنه واحد من 8 أشخاص من الصومال محتجزين هناك.

لا يعني هذا أن معتقل «الحرب على الإرهاب» ومراكز احتجاز المهاجرين هما المؤسسة القانونية نفسها، ولا أن الأشخاص المحتجزين فيهما يخضعون للمنظومة ذاتها، لكن إعادة استخدام المنشأة نفسها لتنفيذ اعتقالات خارج المنظومة القانونية وبعيداً من البر الأميركي تطرح سؤالاً لا يمكن تجاهله:

هل تستعاد أدوات «الحرب على الإرهاب» في خوض «الحرب على المهاجرين»؟ وهل يُعاد تدوير المعتقَل السيئ السمعة، مرة بعد أخرى بحسب ساكن البيت الأبيض؟

«كامب 6» بغوانتانامو في صورة تعود لعام 2008 (غيتي)

ليس ضرورياً أن تكون الحربان متطابقتين كي يستحق السؤال أن يُطرح.

فغوانتانامو لم يعد فقط نتاجاً لما حدث في 11 سبتمبر، بل أصبح اختباراً يومياً لما يمكن أن يحدث للأدوات التي تصنعها الدول في لحظات الخوف، ثم تكتشف لاحقاً أنها أسهل في اختراعها من إلغائها.

إنه ببساطة قصة الاستثناء الذي استحال قاعدة.