«الحرس الثوري» يخيّر ترمب بين «عملية مستحيلة» أو «صفقة سيئة»

تمسك إيراني بورقة «هرمز»... والرئيس الأميركي يقلل فرص قبول مقترح طهران

صورة نشرتها «سنتكوم» من وصول مروحية تحمل قائدها براد كوبر على متن المدمرة «يو إس إس ميليوس»
صورة نشرتها «سنتكوم» من وصول مروحية تحمل قائدها براد كوبر على متن المدمرة «يو إس إس ميليوس»
TT

«الحرس الثوري» يخيّر ترمب بين «عملية مستحيلة» أو «صفقة سيئة»

صورة نشرتها «سنتكوم» من وصول مروحية تحمل قائدها براد كوبر على متن المدمرة «يو إس إس ميليوس»
صورة نشرتها «سنتكوم» من وصول مروحية تحمل قائدها براد كوبر على متن المدمرة «يو إس إس ميليوس»

قال «الحرس الثوري» الإيراني، الأحد، إن الولايات المتحدة فقدت هامش المناورة وعليها أن تختار بين عملية عسكرية «مستحيلة» أو «صفقة سيئة»، وذلك بعدما أرسلت طهران مقترحاً، عبر باكستان، من 14 بنداً لإنهاء الحرب خلال 30 يوماً، في وقت قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إنه سيراجع الخطة، لكنه لا يتصور أنها ستكون مقبولة.

في المقابل، أكد ​المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي، أمس، تلقى طهران رداً أميركياً ‌على ​مقترح ‌المكون ⁠من ​14 بنداً ⁠عبر باكستان، مشدداً على أن طهران بصدد ⁠مراجعة ‌الرد.ونقلت وسائل ‌الإعلام ​الرسمية ‌عن ‌ بقائي قوله «لا توجد مفاوضات ⁠نووية ⁠في هذه المرحلة»، موضحاً أن خطة إيران مشروطة حصرا بإنهاء الحرب.وفي وقت سابق الأحد، قال جهاز استخبارات «الحرس الثوري»، في بيان نقله التلفزيون الرسمي، إن «هامش المناورة المتاح أمام الولايات المتحدة في صنع القرار تقلص»، مضيفاً أن على ترمب أن «يختار بين عملية مستحيلة أو صفقة سيئة» مع طهران.

وأشار البيان إلى ما وصفه بـ«تغير في اللهجة» من جانب الصين وروسيا وأوروبا تجاه واشنطن، وإلى «مهلة» حددتها طهران لإنهاء الحصار البحري الأميركي على الموانئ الإيرانية. وأضاف أن «مهلة إيران ضد حصار الجيش الأميركي، وتغير لهجة الصين وروسيا وأوروبا تجاه واشنطن، ورسالة ترمب الانفعالية إلى الكونغرس، وقبول شروط إيران التفاوضية» لا تعني إلا أن الرئيس الأميركي أمام هذين الخيارين، حسب البيان.

وعرض ترمب خطة لإعادة فتح مضيق هرمز عند مدخل الخليج العربي، حيث يمر عادة نحو خُمس تجارة العالم من النفط والغاز الطبيعي، إلى جانب الأسمدة التي يحتاج إليها بشدة المزارعون حول العالم.

وقال مسؤولون إيرانيون، الأحد، إنهم لا يزالون يسيطرون على مضيق هرمز، وإن السفن غير المرتبطة بالولايات المتحدة أو إسرائيل يمكنها المرور إذا دفعت رسوماً.

وقال مركز عمليات التجارة البحرية التابع للجيش البريطاني إن سفينة بضائع سائبة قرب مضيق هرمز أبلغت عن تعرضها لهجوم من عدة زوارق صغيرة.

وذكر تقرير، الأحد، أن جميع أفراد الطاقم بخير بعد الهجوم قبالة سيريك في إيران، مضيفاً ‌أنه لم ⁠ترد أنباء عن أي آثار بيئية. وحذّر التقرير السفن من العبور بحذر.

«الثمن المناسب»

ولا يزال وقف إطلاق النار الهش الذي استمر 3 أسابيع، على الرغم من أن ترمب أخبر الصحافيين، السبت، أن شن المزيد من الضربات لا يزال احتمالاً وارداً.

وقال ترمب، في مقابلة مع هيئة البث الإسرائيلية «كان» الأحد، إنه اطلع على المقترح الإيراني الجديد، معتبراً أنه «غير مقبول».

أتى ذلك بعدما قال ترمب للصحافيين قبل صعوده إلى الطائرة الرئاسية «إير فورس وان»، السبت، إنه سيراجع مقترحاً إيرانياً جديداً لإنهاء الحرب، لكنه أعرب عن شكوك في أن يؤدي ذلك إلى اتفاق، في أحدث إشارة متضاربة بينما يسعى لإنهاء الحرب.

وقال: «سأطلعكم على الأمر لاحقاً»، مضيفاً: «سيقدمون لي الصياغة الدقيقة الآن». وبعد وقت قصير من حديثه إلى الصحافيين، كتب ترمب على منصته «تروث سوشيال»: «سأراجع قريباً الخطة التي أرسلتها إيران إلينا للتو، لكنني لا أستطيع أن أتصور أنها ستكون مقبولة؛ إذ إنهم لم يدفعوا بعد الثمن المناسب مقابل ما اقترفوه بحق الإنسانية والعالم على مدى السنوات الـ47 الماضية».

ورداً على سؤال عما إذا كان سيستأنف الضربات على إيران، قال: «لا أريد أن أقول ذلك. أعني، لا يمكنني أن أقول ذلك لصحافي. إذا أساؤوا التصرف، إذا فعلوا شيئاً سيئاً، فسنرى حينها. لكن هذا احتمال قد يحدث».

وكان ترمب قد قال، الجمعة، إنه غير راضٍ عن الاقتراح الإيراني. وعلقت الولايات المتحدة وإسرائيل حملة القصف على إيران قبل 4 أسابيع، لكن التوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب لا يزال بعيد المنال. وقالت إيران إن المحادثات مع واشنطن لا يمكن استئنافها ما لم يتم التوصل إلى وقف لإطلاق النار في لبنان، الذي غزته إسرائيل في مارس (آذار) بعد أن أطلق «حزب الله» النار عبر الحدود دعماً لطهران.

وقال المبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف لشبكة «سي إن إن» إن الاتصالات مع إيران مستمرة، رداً على سؤال عن مستجدات المفاوضات بعد المقترح الإيراني الجديد وحديث طهران عن تلقي رد أميركي عليه. وقال ويتكوف، الذي ظهر إلى جانب ترمب في نادٍ للغولف في ميامي: «نحن نتحدث».

ويتكوف يترجل من سيارة قبل مشاركته في محادثات مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في جنيف فبراير الماضي (أ.ف.ب)

دبلوماسية بلا اختراق

تعثرت الجهود الدبلوماسية منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 8 أبريل (نيسان)، بعد نحو 40 يوماً من الضربات الأميركية - الإسرائيلية على إيران، ورد طهران بهجمات طالت دولاً عدة في المنطقة.

وأرسلت إيران ردها عبر باكستان، التي استضافت الشهر الماضي محادثات مباشرة بين إيران والولايات المتحدة.

وفشلت جولة محادثات مباشرة عُقدت في إسلام آباد في 11 أبريل في إعادة تحريك مسار التفاوض.

ويواصل رئيس وزراء باكستان ووزير خارجيتها وقائد جيشها دفع المفاوضات وتشجيع الولايات المتحدة وإيران على التحدث مباشرة، وفقاً لمسؤولين اثنين في باكستان تحدثا شريطة عدم الكشف عن هويتيهما لأنهما غير مخولين بالتحدث إلى وسائل الإعلام.

وقال مصدر باكستاني إن واشنطن وطهران تتبادلان رسائل بشأن اتفاق محتمل، فيما قال مصدر إيراني كبير لوكالة «رويترز» إن أحدث مقترح لبلاده سيؤدي أولاً إلى فتح مضيق هرمز وإنهاء الحصار الأميركي، مع إرجاء المحادثات بشأن البرنامج النووي الإيراني إلى مرحلة لاحقة.

قالت وكالتا «تسنيم» و«فارس» التابعتان لـ«الحرس الثوري» إن طهران قدمت مقترحاً من 14 بنداً عبر باكستان، رداً على مقترح أميركي من 9 بنود. وأوضحت «تسنيم» أن المقترح الأميركي طلب وقفاً لإطلاق النار لمدة شهرين، فيما تشدد إيران على ضرورة حسم الملفات خلال 30 يوماً، وأن يكون التركيز على «إنهاء الحرب» لا على تمديد وقف إطلاق النار.

رجل دين إيراني يمر أمام لوحة دعائية تص مناهضة للولايات المتحدة تشير إلى الرئيس دونالد ترامب ومضيق هرمز في ساحة ولي عصر وسط طهران السبت(أ.ف.ب)

ويشمل المقترح الإيراني ضمانات بعدم التعرض لهجوم عسكري، وإخراج القوات الأميركية من محيط إيران، ورفع الحصار البحري، والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة، ودفع تعويضات، وإلغاء العقوبات، وإنهاء الحرب في كل الجبهات، بما في ذلك لبنان، إضافة إلى آلية جديدة لمضيق هرمز.

في هذا الصدد، أفاد موقع «أكسيوس» عن مصدرين مطلعين على المقترح الإيراني، بأن التوصل لهذا الاتفاق سيؤدي إلى جولة أخرى من المفاوضات ستبدأ لمدة شهر، بهدف التوصل إلى اتفاق نووي.

ويتعارض إرجاء المحادثات النووية إلى وقت لاحق، مع مطلب واشنطن المتكرر بأن تتخلى إيران عن مخزونها الذي يزيد على 400 كيلوغرام من اليورانيوم عالي التخصيب بنسبة 60 في المائة.

وتقول واشنطن إن اليورانيوم يمكن استخدامه لصنع قنبلة. وتقول إيران إن برنامجها النووي سلمي، لكنها مستعدة لمناقشة فرض قيود عليه مقابل رفع العقوبات، كما فعلت في اتفاق 2015 الذي انسحب منه ترمب.

وقال مسؤول إيراني كبير لوكالة «رويترز» بسبب مناقشة قضايا دبلوماسية سرية، إن المقترح الذي ينص على إرجاء المحادثات النووية إلى مرحلة لاحقة يشكل «تحولاً مهماً» يهدف إلى تيسير التوصل إلى اتفاق.

وأضاف: «بموجب الاتفاق، تؤجل المفاوضات بشأن القضية النووية الأكثر تعقيداً إلى المرحلة النهائية لتهيئة أجواء أكثر ملاءمة».

معركة هرمز

وقال الجنرال بهمن كاركر، رئيس منظمة التراث الحربي التابعة لهيئة الأركان، إن مضيق هرمز أصبح «كعب أخيل الأعداء»، معتبراً أن ما وصفه بـ«الحرب المفروضة الثالثة» أظهر الأهمية الاستراتيجية والاستثنائية لهذا الممر.

ونقلت وكالة «مهر» عن كاركر قوله إن «العدو في أسوأ أوضاعه، وعالق في مأزق صعب»، مضيفاً أنه «لا ينبغي تركه يفلت». وقال إن على الإيرانيين إدراك أن التعبئة الشعبية في مواجهة أي حادث يهدد البلاد «تحمل رسالة ومسؤولية»، وأن على كل فرد معرفة واجباته والعمل بها.

وأشار كاركر إلى الموقع الاستراتيجي لمضيق هرمز، قائلاً إن «بعض الآراء ترى أن مضيق هرمز بات يحظى بأهمية تعادل أهمية البرنامج النووي». وأضاف أنه قد تكون هناك «مضايق هرمز أخرى» داخل إيران ينبغي تحديدها والاستفادة من قدراتها.

واستند كاركر إلى تصريحات المرشد الإيراني مجتبى خامنئي بشأن إدارة مضيق هرمز، قائلاً إن «إدارة المضيق بصورة صحيحة» يمكن أن تعود بالفائدة على إيران ودول المنطقة.

وبدوره، قال نائب رئيس البرلمان الإيراني علي نيكزاد إن إيران «لن تتراجع عن موقفها بشأن مضيق هرمز، ولن تعود إلى أوضاع ما قبل الحرب».

وأدلى نيكزاد بهذه التصريحات أثناء زيارة لمنشآت موانئ في جزيرة لاراك الاستراتيجية، القريبة من أضيق جزء من المضيق.

وزعم نيكزاد أن مضيق هرمز «ملك الجمهورية الإسلامية»، مضيفاً أن بلاده تعمل على تعويض الشركات والممتلكات التي تضررت خلال الحرب. وأكد موقف إيران بالسماح لأي سفن غير مرتبطة بالولايات المتحدة وإسرائيل بالمرور بعد دفع الرسوم.

والبرلمان الإيراني يستعد لإقرار قانون يفرض قيوداً على السفن المسموح لها بالمرور عبر مضيق هرمز. وقال نيكزاد للتلفزيون الرسمي إن الخطة المقترحة، المؤلفة من 12 بنداً، تنص على منع السفن الإسرائيلية من عبور المضيق نهائياً، فيما ستُلزم سفن «الدول المعادية» بدفع تعويضات حرب للحصول على تصريح قبل عبور الممر المائي.

وحسب التقرير، سيتعين على جميع السفن الأخرى الحصول على إذن من إيران لعبور المضيق.

وحذرت الولايات المتحدة شركات الشحن من أنها قد تواجه عقوبات إذا دفعت لإيران مقابل العبور الآمن عبر مضيق هرمز، بما في ذلك عبر «أصول رقمية، أو تعويضات، أو مقايضات غير رسمية، أو مدفوعات عينية أخرى».

وأغلقت إيران المضيق فعلياً عبر مهاجمة السفن وتهديدها بعد بدء الحرب في 28 فبراير (شباط). وعرضت طهران لاحقاً على بعض السفن ممراً آمناً عبر مسارات أقرب إلى شواطئها، مع فرض رسوم في بعض الأحيان.

وردت الولايات المتحدة بفرض حصار بحري على الموانئ الإيرانية منذ 13 أبريل، مما حرم طهران من عائدات النفط التي تحتاج إليها لدعم اقتصادها المتعثر.

قالت القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم»، الأحد، إن قائدها الأدميرال براد كوبر زار، في مايو (أيار)، المدمرة «يو إس إس ميليوس» أثناء قيامها بدورية في مياه المنطقة دعماً لعمليات الحصار الأميركي على إيران.

صورة نشرتها «سنتكوم» من زيارة كوبر للمدمرة «يو إس إس ميليوس»

وأضافت أن كوبر التقى البحارة على متن المدمرة المزوّدة بصواريخ موجهة، وخاطبهم عبر نظام الاتصال الداخلي، مشدداً على أهمية المهمة الجارية.

وقالت «سنتكوم» إن 49 سفينة تجارية أُعيد توجيهها حتى الآن للامتثال للحصار، مؤكدة أن القوات الأميركية «ملتزمة بالكامل بفرضه بصورة شاملة».

والسبت، زار كوبر السفينة الهجومية البرمائية «يو إس إس تريبولي» في بحر العرب، وذلك لدى عودته من واشنطن، حيث قدّم إفادة لترمب بشأن الجيش الأميركي في مضيق هرمز.

احتمالات المواجهة

كتب محسن رضائي، المستشار العسكري للمرشد الإيراني، على منصة «إكس»، أن الولايات المتحدة هي «اللص البحري» الوحيد في العالم الذي يمتلك حاملات طائرات، مضيفاً أن قدرة إيران على مواجهة «القراصنة» لا تقل عن قدرتها على إغراق السفن الحربية.

وخاطب رضائي الأميركيين قائلاً: «استعدوا لمواجهة مقبرة من حاملاتكم وقواتكم، كما تُرك حطام طائرتكم في أصفهان».

والسبت، قال نائب رئيس التفتيش في هيئة الأركان الإيرانية، محمد جعفر أسدي، إن «تجدد الصراع بين إيران والولايات المتحدة احتمال وارد»، وفق ما نقلت عنه وكالة «فارس». وأضاف أن «الوقائع أظهرت أن الولايات المتحدة لا تلتزم بأي وعود أو اتفاقيات»، مشيراً إلى أن «القوات المسلحة مستعدة بالكامل لأي مغامرة أو لأي عمل متهور من جانب الأميركيين».

وقال نائب وزير الخارجية الإيراني، كاظم غريب آبادي، إن «الكرة الآن في ملعب الولايات المتحدة لاختيار طريق الدبلوماسية أو الاستمرار في نهج المواجهة». وأضاف، أمام سفراء ورؤساء بعثات دبلوماسية مقيمين في طهران، أن إيران «مستعدة لكلا المسارين بهدف تأمين مصالحها الوطنية وأمنها».

من جانبه، قال رئيس السلطة القضائية الإيرانية، غلام حسين محسني إجئي، إن طهران منفتحة على البحث، لكنها ترفض أن «تُملى» عليها سياسات تحت التهديد.

ورقة باب المندب

نددت البعثة الإيرانية لدى الأمم المتحدة بما وصفته بـ«السلوك المنافق» من جانب واشنطن، التي تطالب طهران بالتخلي عن مخزونها من اليورانيوم المخصب، على خلفية اتهامها بالسعي إلى امتلاك القنبلة الذرية، وهو ما تنفيه إيران.

وكتبت البعثة على منصة «إكس»: «قانونياً، ليست هناك قيود على مستوى تخصيب اليورانيوم، طالما أنه يجري تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وهذه كانت حال إيران». واتهمت الولايات المتحدة بالتسبب في «انتشار» الأسلحة النووية.

في الأثناء، قال رئيس مركز المحامين في السلطة القضائية الإيرانية إن أكثر من 55 ألف دعوى وشكوى سُجلت ضد الولايات المتحدة وإسرائيل. وأضاف أن أخذ التوكيلات من المواطنين لتسجيل دعاوى وشكاوى ضد واشنطن وتل أبيب لا يزال مستمراً.

طائرات هجومية أميركية من طراز «إيه-10 ثاندربولت 2» تتحرك على مدرج قاعدة ضمن نطاق مسؤولية القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)

وقال إن ما وصفه بـ«الجريمة الأميركية - الإسرائيلية» في مدرسة ميناب سيكون أحد محاور المتابعة القانونية الإيرانية في المحافل الدولية. وأضاف أن إيران ستستخدم، لمتابعة ملف ما وصفه بـ«الجرائم الأميركية - الإسرائيلية»، إمكانات المحاكم الدولية المختصة بالنظر في جرائم الحرب.

كتب حسين شريعتمداري، رئيس تحرير صحيفة «كيهان» الإيرانية، أن أحد الخيارات «المؤثرة» لمواجهة الحصار البحري المفروض على إيران هو استخدام ورقة باب المندب، داعياً إلى إغلاقه أيضاً أمام سفن الدول المعادية.

وقال شريعتمداري إن الولايات المتحدة تواصل، عبر الحصار البحري لإيران واحتجاز السفن ومصادرة شحنات بعضها، ما وصفه بـ«اعتداءاتها»، مضيفاً أن هذه الإجراءات «لا يمكن ولا ينبغي أن تبقى بلا رد».

واعتبر أن إغلاق باب المندب أمام السفن التي تحمل النفط أو البضائع إلى الدول المعادية، ومصادرة الشحنات وحتى السفن الناقلة لها، يمكن أن يشكل «رداً كاسراً ومندماً» على ما وصفه بـ«قرصنة الطرف المقابل».

وأضافت «كيهان» أن إغلاق باب المندب في وجه سفن الدول المعادية «إجراء مقبول في العرف الدولي»، ويمكن أن يلحق بالولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة وخارجها «خسائر كبيرة وغير قابلة للتعويض»، على حد تعبيرها.

وفي حين أتاحت الهدنة للإيرانيين استعادة شيء من حياتهم الطبيعية، فإن هاجسي التضخم المتصاعد والبطالة في بلد أضعفته عقود من العقوبات الدولية لا يزالان ماثلين.

يحرم الحصار البحري الأميركي للموانئ الإيرانية منذ 13 أبريل طهران من عائدات النفط التي تحتاجها لدعم اقتصادها المتعثر.

وواصلت العملة الإيرانية في الانهيار، الأحد، وهو اليوم الثاني من أسبوع العمل في إيران؛ إذ تراجع الريال أكثر أمام الدولار الأميركي.

رجل ينقل السجاد في البازار الكبير التاريخي في طهران الأحد (أ.ب)

وفي شارع فردوسي بطهران، مركز صرف العملات الرئيسي بالعاصمة، كان الدولار يتداول عند 1,840,000 ريال. يقول المحللون إن هناك احتمالاً قوياً بأن تنخفض العملة أكثر في الأيام المقبلة، وفقاً لوكالة «أسوشييتد برس».

كان الريال يتداول عند 1.3 مليون مقابل الدولار في ديسمبر (كانون الأول)، وهو أدنى مستوى قياسي في ذلك الوقت، مما أدى إلى اندلاع احتجاجات واسعة النطاق بسبب تدهور الاقتصاد.

ولا تزال الأسواق في طهران غير مستقرة، مع ارتفاع أسعار بعض السلع يومياً. ووفقاً لتقارير وسائل الإعلام الإيرانية، لم تجدد عدة مصانع عقود العمال بعد رأس السنة الإيرانية في مارس، وفقد عدد كبير منهم وظائفهم.

وكتب يوسف بزشكيان، نجل ومستشار الرئيس مسعود بزشكيان، أن كلاً من الولايات المتحدة وإيران تعتبران نفسيهما الفائز في الحرب، ولا ترغبان في التراجع.

في هذا السياق، دعا المرشد مجتبى خامنئي، الجمعة، إلى «دعم العمال المنتجين عبر إعطاء الأولوية لاستهلاك المنتجات المحلية. كما ينبغي على أصحاب الأعمال، خصوصاً المتضررين، تجنب تسريح العمال قدر الإمكان».

قنوات الوساطة

أجرى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي اتصالاً هاتفياً مع نظيره العماني بدر البوسعيدي، بحثا خلاله آخر التطورات والمسارات الإقليمية.

وأطلع عراقجي نظيره العماني على آخر الجهود والمبادرات الدبلوماسية التي تقوم بها إيران لإنهاء ما تصفه بـ«الحرب المفروضة» و«التوتر» الناجم عن الولايات المتحدة وإسرائيل ضد طهران، والعمل على إرساء السلام في المنطقة.

كما أجرى وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول اتصالاً هاتفياً مع عراقجي، حثه خلاله على التوصل إلى حل عبر الوساطة في الصراع مع الولايات المتحدة.

وكتب فاديفول على منصة «إكس» أن ألمانيا، بصفتها حليفاً وثيقاً للولايات المتحدة، تشارك واشنطن الهدف نفسه، وهو «وجوب تخلي إيران بشكل كامل وقابل للتحقق عن حيازة أسلحة نووية، ووجوب فتح مضيق هرمز فوراً».

واكتفى عراقجي بالإشارة إلى أن المحادثة الهاتفية مع الوزير الألماني تناولت التطورات الإقليمية والدولية.

وفي أحدث تصريح أميركي بشأن الملاحة، قال وزير الخزانة الأميركي إنه لن يفاجأ إذا رأى مزيداً من السفن تعبر مضيق هرمز.


مقالات ذات صلة

الجيش الأميركي يشن موجة جديدة من الضربات ضد إيران

شؤون إقليمية طائرة «إف 15» تابعة لسلاح الجو الأميركي تهبط في قاعدة في الشرق الأوسط  (الجيش الأميركي)

الجيش الأميركي يشن موجة جديدة من الضربات ضد إيران

أعلن الجيش الأميركي، اليوم، البدء بشن موجة جديدة من الضربات ضد إيران، مشيرا إلى أنها تهدف إلى تقويض قدرة طهران على مهاجمة السفن التجارية في مضيق هرمز.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية تصاعد أعمدة كثيفة من الدخان عقب غارات على أصفهان بوسط إيران (أ.ف.ب)

إسرائيل قصفت منشأة صلب إيرانية... هل كانت هدفاً مشروعاً؟

خلال الحرب على إيران، قصفت الطائرات الحربية الأميركية والإسرائيلية مستودعات صواريخ ومنصات إطلاق، ومقاراً أمنية، لكن الأهداف لم تكن كلها مواقع عسكرية.

يغانه تورباتي (واشنطن)
شؤون إقليمية فيديو نشرته «سنتكوم» يوثق ضربات على أهداف عسكرية إيرانية بعد إطلاق طائرات وصواريخ كروز رداً على هجمات استهدفت سفناً تجارية في مضيق هرمز بين 6 و11 يوليو 2026 p-circle

تجدد القصف على جنوب إيران قرب مضيق هرمز

أفادت وسائل إعلام إيرانية، مساء الأحد، بسماع دوي عدة انفجارات من الجهة الشرقية لمدينة بندر عباس وفي المنطقة البحرية المحيطة بجزيرة قشم قبالة مضيق هرمز.

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم العربي محادثات مصرية - إماراتية الأحد تناولت المستجدات الإقليمية (الرئاسة المصرية)

تأكيد مصري - إماراتي على مواصلة التنسيق لتجنب التصعيد بالمنطقة

شدد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ونظيره الإماراتي الشيخ محمد بن زايد، على ضرورة مواصلة التشاور بشأن مختلف القضايا.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا من القاهرة ليلاً (الشرق الأوسط)

لماذا يتفاعل الجنيه المصري سريعاً مع التطورات الإقليمية؟

ما إن بدأ الجنيه المصري يُظهر تعافياً أمام الدولار عقب قرار وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، حتى أظهرت المؤشرات تراجعاً ملحوظاً له مرة أخرى.

هشام المياني (القاهرة )

«هرمز» يعيد الحرب إلى حافة الانفجار

 فيديو نشرته «سنتكوم» يوثق ضربات على أهداف عسكرية إيرانية، بعد إطلاق طائرات وصواريخ كروز رداً على هجمات استهدفت سفناً تجارية في مضيق هرمز بين 6 و11 يوليو 2026
فيديو نشرته «سنتكوم» يوثق ضربات على أهداف عسكرية إيرانية، بعد إطلاق طائرات وصواريخ كروز رداً على هجمات استهدفت سفناً تجارية في مضيق هرمز بين 6 و11 يوليو 2026
TT

«هرمز» يعيد الحرب إلى حافة الانفجار

 فيديو نشرته «سنتكوم» يوثق ضربات على أهداف عسكرية إيرانية، بعد إطلاق طائرات وصواريخ كروز رداً على هجمات استهدفت سفناً تجارية في مضيق هرمز بين 6 و11 يوليو 2026
فيديو نشرته «سنتكوم» يوثق ضربات على أهداف عسكرية إيرانية، بعد إطلاق طائرات وصواريخ كروز رداً على هجمات استهدفت سفناً تجارية في مضيق هرمز بين 6 و11 يوليو 2026

أعاد مضيق هرمز الحرب الأميركية - الإيرانية إلى حافة الانفجار، بعدما أعلنت البحرية التابعة لـ«الحرس الثوري» إغلاقه «حتى إشعار آخر» واستهداف سفن قالت إنها خالفت مسارات العبور، لترد واشنطن بجولة ثالثة من الضربات طالت، بحسب «سنتكوم»، أكثر من 140 هدفاً عسكرياً.

وقالت «سنتكوم» إن الضربات جاءت رداً على هجوم استهدف سفينة حاويات في المضيق، وأدى إلى حريق وأضرار في غرفة المحركات وفقدان أحد أفراد الطاقم.

وأفادت وسائل إعلام إيرانية بانفجارات في ميناء بندر عباس وجزيرة قشم وجاسك وبوشهر ومناطق مجاورة لمضيق هرمز، كما امتدت الضربات إلى عمق الأراضي الإيرانية، وطالت موقعاً عسكرياً قرب مفاعل «آراك» للمياه الثقيلة.

وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن مضيق هرمز مفتوح أمام الملاحة التجارية، وإن واشنطن وجهت لإيران «ضربة قوية للغاية»، مؤكداً أن طهران كانت قريبة من اتفاق قبل استهداف السفينة.

في المقابل، كتب رئيس البرلمان وكبير المفاوضين الإيرانيين مع الولايات المتحدة محمد باقر قاليباف: «ولى عهد الاتفاقات غير المتكافئة». وأضاف: «قلنا لكم: التزموا كلمتكم أو ادفعوا الثمن. وها قد صار الواقع على الأبواب».

وبحث وزير الخارجية الباكستاني إسحاق دار مع نظيره الإيراني عباس عراقجي خفض التصعيد، بعدما طالبت واشنطن طهران بتعهد علني بوقف الهجمات وفتح جميع مسارات العبور.


الجيش الأميركي يشن موجة جديدة من الضربات ضد إيران

طائرة «إف 15» تابعة لسلاح الجو الأميركي تهبط في قاعدة في الشرق الأوسط  (الجيش الأميركي)
طائرة «إف 15» تابعة لسلاح الجو الأميركي تهبط في قاعدة في الشرق الأوسط (الجيش الأميركي)
TT

الجيش الأميركي يشن موجة جديدة من الضربات ضد إيران

طائرة «إف 15» تابعة لسلاح الجو الأميركي تهبط في قاعدة في الشرق الأوسط  (الجيش الأميركي)
طائرة «إف 15» تابعة لسلاح الجو الأميركي تهبط في قاعدة في الشرق الأوسط (الجيش الأميركي)

أعلن الجيش الأميركي، اليوم، البدء بشن موجة جديدة من الضربات ضد إيران، مشيرا إلى أنها تهدف إلى تقويض قدرة طهران على مهاجمة السفن التجارية في مضيق هرمز.

وقالت القيادة المركزية الأميركية في بيان، أن قواتها بدأت عند الساعة 21,00 بتوقيت غرينتش، بشن «المزيد من الضربات ضد إيران لمواصلة تقويض قدرتها على مهاجمة البحارة المدنيين والسفن التجارية التي تعبر مضيق هرمز بحرية».

وأضافت أن ترمب أمر بشن هذه الضربات "لمحاسبة القوات الإيرانية».


إسرائيل قصفت منشأة صلب إيرانية... هل كانت هدفاً مشروعاً؟

تصاعد أعمدة كثيفة من الدخان عقب غارات على أصفهان بوسط إيران (أ.ف.ب)
تصاعد أعمدة كثيفة من الدخان عقب غارات على أصفهان بوسط إيران (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل قصفت منشأة صلب إيرانية... هل كانت هدفاً مشروعاً؟

تصاعد أعمدة كثيفة من الدخان عقب غارات على أصفهان بوسط إيران (أ.ف.ب)
تصاعد أعمدة كثيفة من الدخان عقب غارات على أصفهان بوسط إيران (أ.ف.ب)

خلال الحرب على إيران، قصفت الطائرات الحربية الأميركية والإسرائيلية مستودعات صواريخ ومنصات إطلاق، ومقاراً لقوات أمنية، وأنظمة دفاع جوي، لكن الأهداف التي استهدفت خلال الحملة التي استمرت ستة أسابيع لم تكن كلها مواقع عسكرية تقليدية. ففي 27 مارس (آذار)، ثم مرة أخرى بعد أيام قليلة، قصفت غارات جوية إسرائيلية مجمعاً ضخماً للصلب يقع مباشرة خارج أصفهان ويُعرف باسم «مباركة للصلب»، ومجمعاً آخر في جنوب غربي البلاد.

وأكد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن ضربات بلاده قلّصت قدرة إيران على إنتاج الصلب، وحرمت «الحرس الثوري» القوي من إيرادات، وهو الجهاز الذي يشكل قمعه إحدى ركائز الحكومة الإيرانية.

وتُظهر شركات مثل «مباركة» التعقيدات الكامنة في الاقتصاد الإيراني. ففي حين أن القيادة وقوات الأمن في إيران متداخلة بعمق مع أكثر الشركات ربحية وأهمية في البلاد، فإن هذه الشركات نفسها حيوية لمعيشة ملايين الإيرانيين العاديين، بصرف النظر عما إذا كانوا يحملون ولاءً آيديولوجياً عميقاً للحكومة.

وأدت الهجمات إلى إغلاق أجزاء كبيرة من مصنع أصفهان لأسابيع، ما أوقف أكثر من 20 ألف عامل عن العمل، وقطع إمدادات الصلب عن المصنّعين المحليين. وقال مصطفى، وهو موظف سابق طلب التحدث، شرط عدم الكشف عن هويته لتجنب انتقام الحكومة: «شعرت وكأن بيتي أنا قد دُمّر».

وتأرجحت الولايات المتحدة وإيران بين محادثات السلام وتبادل إطلاق النار في الأسابيع الأخيرة. وكان من المتوقع أن تتناول مفاوضاتهما المنافع الاقتصادية التي قد تحصل عليها إيران مقابل قيود طويلة الأمد على برنامجها النووي.

وقد يؤدي اتفاق وقف إطلاق النار المؤقت، الذي وُقّع الشهر الماضي، إلى توفير ما يصل إلى 300 مليار دولار لإعادة إعمار إيران وتنميتها الاقتصادية. لكن ذلك يبدو الآن احتمالاً بعيداً، بعدما قال الرئيس دونالد ترمب هذا الأسبوع إنه يعتقد أن الهدنة المؤقتة «انتهت».

جانب من هجوم 27 مارس الماضي على منشأة فولاد مباركة في أصفهان (أرنا)

إيرادات لصندوق «الباسيج»

وإذا تدفقت أي استثمارات إلى إيران، فستكون شركات مثل «مباركة» موضع تركيز بلا شك، بسبب أهميتها للاقتصاد الإيراني، وكذلك بسبب ارتباطها بأقوى قوات الأمن في إيران.

وكثيراً ما هدد ترمب بمهاجمة البنية التحتية الإيرانية، وإذا استؤنفت الحرب فسيخضع أي ضرب من هذا النوع لتدقيق واسع.

ويوم الخميس، اتهم «الحرس الثوري» الولايات المتحدة بقصف جسر للسكك الحديدية يربط البلاد بتركمانستان. وأكد متحدث باسم القيادة المركزية الأميركية أن الولايات المتحدة ضربت جسر السكك الحديدية، واصفاً إياه بأنه بنية تحتية لوجستية عسكرية كانت تتيح تدفق أسلحة وإمدادات عسكرية أخرى إلى مناطق رئيسية.

وقد وفرت «مباركة» إيرادات لصندوق استثماري تابع لجهاز تعبئة تديره الدولة، هو «الباسيج»، ذراع «الحرس الثوري»، وفق وزارة الخزانة الأميركية. وحدد تقرير صادر عن البرلمان الإيراني عام 2021 ذلك الصندوق الاستثماري بوصفه مساهماً رئيسياً في «مباركة».

وتُظهر بيانات مالية حديثة من «مباركة» أن من بين مساهميها صندوقاً استثمارياً يخضع في نهاية المطاف لسيطرة المرشد الإيراني. ورغم أن البيانات لا تُظهر صلة بـ«الحرس الثوري»، فإنه غالباً ما يحجب ملكيته عبر مستثمرين بالوكالة.

وفي تبريره الضربات على منشآت الصلب، قال نتنياهو إنها ستحرم النظام «من الموارد المالية ومن القدرة على إنتاج كثير من الأسلحة».

ولم يرد المديرون التنفيذيون في «مباركة» على طلب للتعليق، وليس واضحاً ما إذا كان الصلب المنتج في «مباركة» استخدم في تصنيع أنظمة الأسلحة الإيرانية.

وقال فرزين نديمي، الزميل البارز في «معهد واشنطن» والخبير في الشؤون العسكرية الإيرانية: «قد لا تُستخدم منتجات (مباركة) للصلب مباشرة في إنتاج الصواريخ، لكن الشركة على الأرجح منخرطة في البحث والتطوير لسبائك فولاذية حديثة عالية القوة من أجل إنتاج واسع النطاق مستقبلاً». وأضاف: «مع ذلك، فمن الأرجح أن تُستخدم منتجات (مباركة) للصلب في إنتاج مركبات نقل الصواريخ وإطلاقها».

وقال خبراء في القانون الدولي إن القانون الدولي يحظر الضربات على المواقع الصناعية التي تخدم المدنيين، ما لم تكن المنشأة تقدم مساهمة فعالة في العمل العسكري، وما لم يحقق ضربها ميزة عسكرية محددة.

وقالت سوزانا ساكوتو، مديرة مكتب أبحاث جرائم الحرب في كلية واشنطن للقانون بالجامعة الأميركية، إن الرأي الدولي الغالب يرفض فكرة أن توليد إيرادات للعمليات العسكرية يكفي لتصنيف موقع مدني هدفاً عسكرياً.

وقال مياد ملكي، وهو مسؤول سابق في وزارة الخزانة الأميركية، إنه رغم اعتقاده بأن المجمع كان هدفاً مشروعاً للعقوبات، فإنه يشك في أنه كان ينبغي استهدافه بضربات عسكرية. وقال: «هذه أصول الشعب الإيراني، وسيؤذي ذلك الاقتصاد إلى ما هو أبعد بكثير من الجمهورية الإسلامية».

وأضاف ملكي: «إنه يوظف كثيرين ويدفع رواتب لكثيرين. لكنه في الوقت نفسه مصدر رئيسي للإيرادات لكثير من الفاعلين الفاسدين».

ملكية غامضة

بُنيت «مباركة» على يد مجموعة أعمال إيطالية، ودخلت حيز التشغيل عام 1992، وكانت رمزاً للتطور الصناعي الإيراني وإعادة البناء بعد الحرب الإيرانية - العراقية في ثمانينات القرن الماضي.

وقال موظفان سابقان، رفضا الكشف عن هويتيهما لتجنب تداعيات من الحكومة الإيرانية، إن أشخاصاً لهم صلات بـ«الحرس الثوري» انتقلوا إلى مواقع قيادية في المصنع بدءاً من أواخر التسعينات. فعلى سبيل المثال، شغل مهدي تاج، وهو قائد كبير سابق في «الحرس الثوري»، عضوية مجلس إدارة المجمع وتولى منصباً تنفيذياً فيه في أوائل العقد الأول من القرن الحالي.

ويشغل تاج الآن منصب مدير الاتحاد الإيراني لكرة القدم، الذي لم يرد على طلب للتعليق.

وأدت حملة خصخصة نُفذت في منتصف العقد الأول من القرن الحالي إلى نقل أجزاء من شركات مملوكة للدولة، مثل «مباركة»، إلى أطراف قوية وغامضة، مثل «الحرس الثوري» وتكتلات تجارية تتبع القيادة الدينية في إيران.

وفي عام 2008، اشترى تحالف تقوده شركة «مهر اقتصاد للاستثمار الإيراني»، وهي كيان تابع لـ«الباسيج»، 45 في المائة من أسهم «مباركة». واعتباراً من عام 2021، كانت «مهر اقتصاد» أحد أكبر مساهمي «مباركة»، بحصة تقارب 14 في المائة، وفق تقرير برلماني كُتب في ذلك العام.

وتُعد «الباسيج» إحدى القوى الأساسية التي يستخدمها النظام لقمع الاحتجاجات، بما في ذلك المظاهرات التي عمّت البلاد في ديسمبر (كانون الأول) ويناير (كانون الثاني). وقد اندلعت تلك الاحتجاجات بسبب الاستياء من أزمة العملة الإيرانية وما يُنظر إليه على أنه سوء إدارة اقتصادية من جانب الحكومة.

واندمج مالك «مهر اقتصاد»، وهو بنك، في عام 2020 مع بنك إيراني آخر هو «بنك سبه»، الذي لم يرد على طلب للتعليق.

وحققت «مباركة» نحو 1.6 مليار دولار من صافي الأرباح في 2024 - 2025. وقالت وزارة الخزانة الأميركية عام 2018 إن الشركة «قدمت ملايين الدولارات» سنوياً إلى «مهر اقتصاد».

وقال مهدي قدسي، وهو اقتصادي في «معهد فيينا للدراسات الاقتصادية الدولية»: «جزء من الاقتصاد يُدار عبر الحكومة، لكن جزءاً أكبر من الاقتصاد يُدار عبر حكومة الظل أو (الحرس الثوري)».

ومن بين المساهمين الجدد نسبياً في «مباركة»، وفق وثائق قُدمت إلى بورصة طهران، شركة تابعة لـ«آستان قدس رضوي»، وهي مؤسسة إيرانية فرضت عليها الولايات المتحدة عقوبات عام 2021 لأنها كانت خاضعة لسيطرة المرشد الإيراني السابق آية الله علي خامنئي. وكانت الشركة تملك 1.79 في المائة من «مباركة» حتى العام الماضي.

ومن بين المالكين الرئيسيين الآخرين عدة صناديق تقاعد مملوكة للدولة. وتعاني صناديق التقاعد الإيرانية منذ سنوات من صعوبة دفع مستحقات المتقاعدين، ومن المرجح أن يؤدي تدمير قطاعات رئيسية من الاقتصاد إلى تفاقم تلك المشكلة.

وقد حقق مشرعون إيرانيون عام 2021 في فساد محتمل من جانب مديرين في «مباركة»، وألقوا باللوم في كثير من مشكلاتها على عملية الخصخصة المعيبة، قائلين إنها «باتت الآن تُدار بملكية غامضة تماماً إلى جانب إدارة خاضعة بالكامل لسيطرة الدولة».

ضربات على منشأة 15 خرداد الصاروخية في منطقة بهارستان بأصفهان مطلع أبريل الماضي (شبكات التواصل)

شركة «محبوبة»

وتقدم مقابلات مع بعض الأشخاص الذين كانوا يعملون سابقاً في «مباركة» صورة أخرى عن الشركة. فبالنسبة إلى المهندسين الطموحين الذين نشأوا في أصفهان، كان العمل في «مباركة» «وظيفة الأحلام»، كما قالت مريم، التي تعيش الآن خارج إيران. وطلبت هي وبعض الموظفين السابقين الآخرين الذين تحدثت إليهم «نيويورك تايمز» ألا تُكشف هوياتهم كاملة، خوفاً من تداعيات بسبب الحديث علناً.

وقال بعضهم إنهم شعروا بأنهم يعملون في شركة مرموقة ومتطورة تكنولوجياً، تسهم في البلاد وتهتم برفاههم. وقال مازيار شكراني، الذي عمل في «مباركة» مثل والده: «حتى قبل أن أُولد، كان والدي يعمل في الصلب».

وبدأ شكراني العمل هناك محامياً في منتصف العقد الأول من القرن الحالي، وكان يستقل حافلة يومياً إلى المصنع المترامي الأطراف على بعد 40 ميلاً خارج أصفهان. وقال: «أعرف أن حياتي كلها ووجودي كله من الصلب».

وقال مصطفى، الموظف السابق الذي يعيش الآن خارج إيران، إن «مباركة» تبرعت أيضاً بأموال لبناء ملاعب ومؤسسات تعليمية، ودعمت عائلات فقيرة في المنطقة المحيطة بالمجمع. وأضاف: «كانت محبوبة في تلك المنطقة». وأضاف: «أي صناعة كانت تواجه عقبة، أو أي مجموعة كانت تعاني مشكلة، كان لديها بعض الأمل في أن ترتب (مباركة للصلب) نوعاً من الدعم».

وأفاد موقع الأخبار الإيراني «رويداد 24» في أوائل مايو (أيار) بأنه من بين 27 ألف عامل، كان 2000 فقط لا يزالون يعملون في المصنع. وقال مسؤولون إيرانيون إن إعادة بناء «مباركة» تجري بسرعة أكبر من المتوقع، وفي أوائل يونيو (حزيران) أعادت الشركة تشغيل فرن كان قد تضرر في الضربات.

وفي المقابلات، اختلفت آراء الموظفين السابقين بشأن الجهة التي ينبغي تحميلها مسؤولية الضربات على «مباركة». وقال شكراني، الذي يعيش الآن خارج إيران: «ينبغي إلقاء قدر أكبر من اللوم على (الحرس الثوري)، لأنه دفع اقتصاد البلاد عمداً وبوعي إلى هذا المسار».

وقال عباس كامرانيان - مرناني، وهو مهندس ميكانيكي عمل في «مباركة» أو لدى متعاقدين معها على مدى عقد ويعيش الآن في أوروبا، إن الولايات المتحدة وإسرائيل كانتا، في أذهان الإيرانيين، مرتبطتين ارتباطاً وثيقاً في طريقة إدارتهما الحرب. وأضاف: «لقد عملتا في الغالب باتجاه تدمير البنية التحتية وتدمير إيران».

وقال كامرانيان - مرناني إن ضربات مثل تلك التي استهدفت مصنع الصلب جعلت الإيرانيين يفقدون الأمل في فكرة علاقات أفضل مع الولايات المتحدة.

وقال مسؤول عسكري أميركي كبير، تحدث بشرط عدم الكشف عن هويته لمناقشة مسائل عملياتية، إنه لا يعلم بأي دور أميركي في ضربات الصلب.

* خدمة «نيويورك تايمز»