إسرائيل قصفت منشأة صلب إيرانية... هل كانت هدفاً مشروعاً؟

مجمع «مباركة» يوضح تداخل الاقتصاد المدني مع نفوذ «الحرس الثوري»

تصاعد أعمدة كثيفة من الدخان عقب غارات على أصفهان بوسط إيران (أ.ف.ب)
تصاعد أعمدة كثيفة من الدخان عقب غارات على أصفهان بوسط إيران (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل قصفت منشأة صلب إيرانية... هل كانت هدفاً مشروعاً؟

تصاعد أعمدة كثيفة من الدخان عقب غارات على أصفهان بوسط إيران (أ.ف.ب)
تصاعد أعمدة كثيفة من الدخان عقب غارات على أصفهان بوسط إيران (أ.ف.ب)

خلال الحرب على إيران، قصفت الطائرات الحربية الأميركية والإسرائيلية مستودعات صواريخ ومنصات إطلاق، ومقاراً لقوات أمنية، وأنظمة دفاع جوي، لكن الأهداف التي استهدفت خلال الحملة التي استمرت ستة أسابيع لم تكن كلها مواقع عسكرية تقليدية. ففي 27 مارس (آذار)، ثم مرة أخرى بعد أيام قليلة، قصفت غارات جوية إسرائيلية مجمعاً ضخماً للصلب يقع مباشرة خارج أصفهان ويُعرف باسم «مباركة للصلب»، ومجمعاً آخر في جنوب غربي البلاد.

وأكد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن ضربات بلاده قلّصت قدرة إيران على إنتاج الصلب، وحرمت «الحرس الثوري» القوي من إيرادات، وهو الجهاز الذي يشكل قمعه إحدى ركائز الحكومة الإيرانية.

وتُظهر شركات مثل «مباركة» التعقيدات الكامنة في الاقتصاد الإيراني. ففي حين أن القيادة وقوات الأمن في إيران متداخلة بعمق مع أكثر الشركات ربحية وأهمية في البلاد، فإن هذه الشركات نفسها حيوية لمعيشة ملايين الإيرانيين العاديين، بصرف النظر عما إذا كانوا يحملون ولاءً آيديولوجياً عميقاً للحكومة.

وأدت الهجمات إلى إغلاق أجزاء كبيرة من مصنع أصفهان لأسابيع، ما أوقف أكثر من 20 ألف عامل عن العمل، وقطع إمدادات الصلب عن المصنّعين المحليين. وقال مصطفى، وهو موظف سابق طلب التحدث، شرط عدم الكشف عن هويته لتجنب انتقام الحكومة: «شعرت وكأن بيتي أنا قد دُمّر».

وتأرجحت الولايات المتحدة وإيران بين محادثات السلام وتبادل إطلاق النار في الأسابيع الأخيرة. وكان من المتوقع أن تتناول مفاوضاتهما المنافع الاقتصادية التي قد تحصل عليها إيران مقابل قيود طويلة الأمد على برنامجها النووي.

وقد يؤدي اتفاق وقف إطلاق النار المؤقت، الذي وُقّع الشهر الماضي، إلى توفير ما يصل إلى 300 مليار دولار لإعادة إعمار إيران وتنميتها الاقتصادية. لكن ذلك يبدو الآن احتمالاً بعيداً، بعدما قال الرئيس دونالد ترمب هذا الأسبوع إنه يعتقد أن الهدنة المؤقتة «انتهت».

جانب من هجوم 27 مارس الماضي على منشأة فولاد مباركة في أصفهان (أرنا)

إيرادات لصندوق «الباسيج»

وإذا تدفقت أي استثمارات إلى إيران، فستكون شركات مثل «مباركة» موضع تركيز بلا شك، بسبب أهميتها للاقتصاد الإيراني، وكذلك بسبب ارتباطها بأقوى قوات الأمن في إيران.

وكثيراً ما هدد ترمب بمهاجمة البنية التحتية الإيرانية، وإذا استؤنفت الحرب فسيخضع أي ضرب من هذا النوع لتدقيق واسع.

ويوم الخميس، اتهم «الحرس الثوري» الولايات المتحدة بقصف جسر للسكك الحديدية يربط البلاد بتركمانستان. وأكد متحدث باسم القيادة المركزية الأميركية أن الولايات المتحدة ضربت جسر السكك الحديدية، واصفاً إياه بأنه بنية تحتية لوجستية عسكرية كانت تتيح تدفق أسلحة وإمدادات عسكرية أخرى إلى مناطق رئيسية.

وقد وفرت «مباركة» إيرادات لصندوق استثماري تابع لجهاز تعبئة تديره الدولة، هو «الباسيج»، ذراع «الحرس الثوري»، وفق وزارة الخزانة الأميركية. وحدد تقرير صادر عن البرلمان الإيراني عام 2021 ذلك الصندوق الاستثماري بوصفه مساهماً رئيسياً في «مباركة».

وتُظهر بيانات مالية حديثة من «مباركة» أن من بين مساهميها صندوقاً استثمارياً يخضع في نهاية المطاف لسيطرة المرشد الإيراني. ورغم أن البيانات لا تُظهر صلة بـ«الحرس الثوري»، فإنه غالباً ما يحجب ملكيته عبر مستثمرين بالوكالة.

وفي تبريره الضربات على منشآت الصلب، قال نتنياهو إنها ستحرم النظام «من الموارد المالية ومن القدرة على إنتاج كثير من الأسلحة».

ولم يرد المديرون التنفيذيون في «مباركة» على طلب للتعليق، وليس واضحاً ما إذا كان الصلب المنتج في «مباركة» استخدم في تصنيع أنظمة الأسلحة الإيرانية.

وقال فرزين نديمي، الزميل البارز في «معهد واشنطن» والخبير في الشؤون العسكرية الإيرانية: «قد لا تُستخدم منتجات (مباركة) للصلب مباشرة في إنتاج الصواريخ، لكن الشركة على الأرجح منخرطة في البحث والتطوير لسبائك فولاذية حديثة عالية القوة من أجل إنتاج واسع النطاق مستقبلاً». وأضاف: «مع ذلك، فمن الأرجح أن تُستخدم منتجات (مباركة) للصلب في إنتاج مركبات نقل الصواريخ وإطلاقها».

وقال خبراء في القانون الدولي إن القانون الدولي يحظر الضربات على المواقع الصناعية التي تخدم المدنيين، ما لم تكن المنشأة تقدم مساهمة فعالة في العمل العسكري، وما لم يحقق ضربها ميزة عسكرية محددة.

وقالت سوزانا ساكوتو، مديرة مكتب أبحاث جرائم الحرب في كلية واشنطن للقانون بالجامعة الأميركية، إن الرأي الدولي الغالب يرفض فكرة أن توليد إيرادات للعمليات العسكرية يكفي لتصنيف موقع مدني هدفاً عسكرياً.

وقال مياد ملكي، وهو مسؤول سابق في وزارة الخزانة الأميركية، إنه رغم اعتقاده بأن المجمع كان هدفاً مشروعاً للعقوبات، فإنه يشك في أنه كان ينبغي استهدافه بضربات عسكرية. وقال: «هذه أصول الشعب الإيراني، وسيؤذي ذلك الاقتصاد إلى ما هو أبعد بكثير من الجمهورية الإسلامية».

وأضاف ملكي: «إنه يوظف كثيرين ويدفع رواتب لكثيرين. لكنه في الوقت نفسه مصدر رئيسي للإيرادات لكثير من الفاعلين الفاسدين».

ملكية غامضة

بُنيت «مباركة» على يد مجموعة أعمال إيطالية، ودخلت حيز التشغيل عام 1992، وكانت رمزاً للتطور الصناعي الإيراني وإعادة البناء بعد الحرب الإيرانية - العراقية في ثمانينات القرن الماضي.

وقال موظفان سابقان، رفضا الكشف عن هويتيهما لتجنب تداعيات من الحكومة الإيرانية، إن أشخاصاً لهم صلات بـ«الحرس الثوري» انتقلوا إلى مواقع قيادية في المصنع بدءاً من أواخر التسعينات. فعلى سبيل المثال، شغل مهدي تاج، وهو قائد كبير سابق في «الحرس الثوري»، عضوية مجلس إدارة المجمع وتولى منصباً تنفيذياً فيه في أوائل العقد الأول من القرن الحالي.

ويشغل تاج الآن منصب مدير الاتحاد الإيراني لكرة القدم، الذي لم يرد على طلب للتعليق.

وأدت حملة خصخصة نُفذت في منتصف العقد الأول من القرن الحالي إلى نقل أجزاء من شركات مملوكة للدولة، مثل «مباركة»، إلى أطراف قوية وغامضة، مثل «الحرس الثوري» وتكتلات تجارية تتبع القيادة الدينية في إيران.

وفي عام 2008، اشترى تحالف تقوده شركة «مهر اقتصاد للاستثمار الإيراني»، وهي كيان تابع لـ«الباسيج»، 45 في المائة من أسهم «مباركة». واعتباراً من عام 2021، كانت «مهر اقتصاد» أحد أكبر مساهمي «مباركة»، بحصة تقارب 14 في المائة، وفق تقرير برلماني كُتب في ذلك العام.

وتُعد «الباسيج» إحدى القوى الأساسية التي يستخدمها النظام لقمع الاحتجاجات، بما في ذلك المظاهرات التي عمّت البلاد في ديسمبر (كانون الأول) ويناير (كانون الثاني). وقد اندلعت تلك الاحتجاجات بسبب الاستياء من أزمة العملة الإيرانية وما يُنظر إليه على أنه سوء إدارة اقتصادية من جانب الحكومة.

واندمج مالك «مهر اقتصاد»، وهو بنك، في عام 2020 مع بنك إيراني آخر هو «بنك سبه»، الذي لم يرد على طلب للتعليق.

وحققت «مباركة» نحو 1.6 مليار دولار من صافي الأرباح في 2024 - 2025. وقالت وزارة الخزانة الأميركية عام 2018 إن الشركة «قدمت ملايين الدولارات» سنوياً إلى «مهر اقتصاد».

وقال مهدي قدسي، وهو اقتصادي في «معهد فيينا للدراسات الاقتصادية الدولية»: «جزء من الاقتصاد يُدار عبر الحكومة، لكن جزءاً أكبر من الاقتصاد يُدار عبر حكومة الظل أو (الحرس الثوري)».

ومن بين المساهمين الجدد نسبياً في «مباركة»، وفق وثائق قُدمت إلى بورصة طهران، شركة تابعة لـ«آستان قدس رضوي»، وهي مؤسسة إيرانية فرضت عليها الولايات المتحدة عقوبات عام 2021 لأنها كانت خاضعة لسيطرة المرشد الإيراني السابق آية الله علي خامنئي. وكانت الشركة تملك 1.79 في المائة من «مباركة» حتى العام الماضي.

ومن بين المالكين الرئيسيين الآخرين عدة صناديق تقاعد مملوكة للدولة. وتعاني صناديق التقاعد الإيرانية منذ سنوات من صعوبة دفع مستحقات المتقاعدين، ومن المرجح أن يؤدي تدمير قطاعات رئيسية من الاقتصاد إلى تفاقم تلك المشكلة.

وقد حقق مشرعون إيرانيون عام 2021 في فساد محتمل من جانب مديرين في «مباركة»، وألقوا باللوم في كثير من مشكلاتها على عملية الخصخصة المعيبة، قائلين إنها «باتت الآن تُدار بملكية غامضة تماماً إلى جانب إدارة خاضعة بالكامل لسيطرة الدولة».

ضربات على منشأة 15 خرداد الصاروخية في منطقة بهارستان بأصفهان مطلع أبريل الماضي (شبكات التواصل)

شركة «محبوبة»

وتقدم مقابلات مع بعض الأشخاص الذين كانوا يعملون سابقاً في «مباركة» صورة أخرى عن الشركة. فبالنسبة إلى المهندسين الطموحين الذين نشأوا في أصفهان، كان العمل في «مباركة» «وظيفة الأحلام»، كما قالت مريم، التي تعيش الآن خارج إيران. وطلبت هي وبعض الموظفين السابقين الآخرين الذين تحدثت إليهم «نيويورك تايمز» ألا تُكشف هوياتهم كاملة، خوفاً من تداعيات بسبب الحديث علناً.

وقال بعضهم إنهم شعروا بأنهم يعملون في شركة مرموقة ومتطورة تكنولوجياً، تسهم في البلاد وتهتم برفاههم. وقال مازيار شكراني، الذي عمل في «مباركة» مثل والده: «حتى قبل أن أُولد، كان والدي يعمل في الصلب».

وبدأ شكراني العمل هناك محامياً في منتصف العقد الأول من القرن الحالي، وكان يستقل حافلة يومياً إلى المصنع المترامي الأطراف على بعد 40 ميلاً خارج أصفهان. وقال: «أعرف أن حياتي كلها ووجودي كله من الصلب».

وقال مصطفى، الموظف السابق الذي يعيش الآن خارج إيران، إن «مباركة» تبرعت أيضاً بأموال لبناء ملاعب ومؤسسات تعليمية، ودعمت عائلات فقيرة في المنطقة المحيطة بالمجمع. وأضاف: «كانت محبوبة في تلك المنطقة». وأضاف: «أي صناعة كانت تواجه عقبة، أو أي مجموعة كانت تعاني مشكلة، كان لديها بعض الأمل في أن ترتب (مباركة للصلب) نوعاً من الدعم».

وأفاد موقع الأخبار الإيراني «رويداد 24» في أوائل مايو (أيار) بأنه من بين 27 ألف عامل، كان 2000 فقط لا يزالون يعملون في المصنع. وقال مسؤولون إيرانيون إن إعادة بناء «مباركة» تجري بسرعة أكبر من المتوقع، وفي أوائل يونيو (حزيران) أعادت الشركة تشغيل فرن كان قد تضرر في الضربات.

وفي المقابلات، اختلفت آراء الموظفين السابقين بشأن الجهة التي ينبغي تحميلها مسؤولية الضربات على «مباركة». وقال شكراني، الذي يعيش الآن خارج إيران: «ينبغي إلقاء قدر أكبر من اللوم على (الحرس الثوري)، لأنه دفع اقتصاد البلاد عمداً وبوعي إلى هذا المسار».

وقال عباس كامرانيان - مرناني، وهو مهندس ميكانيكي عمل في «مباركة» أو لدى متعاقدين معها على مدى عقد ويعيش الآن في أوروبا، إن الولايات المتحدة وإسرائيل كانتا، في أذهان الإيرانيين، مرتبطتين ارتباطاً وثيقاً في طريقة إدارتهما الحرب. وأضاف: «لقد عملتا في الغالب باتجاه تدمير البنية التحتية وتدمير إيران».

وقال كامرانيان - مرناني إن ضربات مثل تلك التي استهدفت مصنع الصلب جعلت الإيرانيين يفقدون الأمل في فكرة علاقات أفضل مع الولايات المتحدة.

وقال مسؤول عسكري أميركي كبير، تحدث بشرط عدم الكشف عن هويته لمناقشة مسائل عملياتية، إنه لا يعلم بأي دور أميركي في ضربات الصلب.

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

الذهب يهبط لأدنى مستوى في أكثر من شهرين... والفضة تتراجع بنحو 5 %

الاقتصاد صائغ مجوهرات يعرض سبائك الذهب والفضة في متجره بوسط مدينة الكويت (أ.ف.ب)

الذهب يهبط لأدنى مستوى في أكثر من شهرين... والفضة تتراجع بنحو 5 %

تراجعت أسعار الذهب والفضة، الخميس، مع تصاعد المخاوف من التضخم بفعل ارتفاع أسعار النفط، ما عزز التوقعات ببقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول.

«الشرق الأوسط» (لندن)
تحليل إخباري أحد سكان كييف يلمس مسيّرة روسية إيرانية من طراز «شاهد 136» معروضة أمام كاتدرائية القديس ميخائيل في العاصمة الأوكرانية (رويترز)

تحليل إخباري زيارة لافروف إلى إيران... شراكة الضرورة ترسم ملامح الدور الروسي

أكثر ما لفت الأنظار بعد الزيارة المهمة التي قام بها وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إلى طهران قبل أيام، هو عودة حديث الكرملين عن استعداد للعب دور وساطة.

رائد جبر (موسكو)
شؤون إقليمية جانب من اجتماع لوزراء خارجية السعودية ومصر وتركيا وباكستان في العاصمة الأردنية عمان يوم 5 أغسطس الماضي (الخارجية التركية)

إسطنبول تستضيف اجتماعاً الجمعة لبحث ملفات إقليمة ودولية

تستضيف مدينة إسطنبول، الجمعة، مباحثات بين وزراء خارجية أوروبيين مع نظرائهم في تركيا والسعودية ومصر وباكستان، تعقد للمرة الأولى بمبادرة تركية.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية عناصر من «حركة النجباء» العراقية خلال تجمع في بغداد يوم 8 أكتوبر 2023 (أ.ف.ب)

مخاوف عراقية من عودة فصائل الظل إلى «وحدة الساحات»

تزداد مخاوف في العراق من أن يكون تمسك الفصائل المسلحة بسلاحها محاولةً لكسب الوقت؛ استعداداً لاحتمال استئناف الحرب مع إيران.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي سفن في مضيق «هرمز» كما تظهر من مسندم بعمان 19 أكتوبر الحالي (رويترز)

بغداد تقلل من تأثير قطع كابلات الإنترنت في «هرمز»

قلل وزير الاتصالات العراقي مصطفى سند من المخاوف المتعلقة باحتمالات استهداف أو قَطع خطوط الكابلات البحرية والإنترنت عبر إيران أو مضيق هرمز.

حمزة مصطفى (بغداد)

زيارة لافروف إلى إيران... شراكة الضرورة ترسم ملامح الدور الروسي

أحد سكان كييف يلمس مسيّرة روسية إيرانية من طراز «شاهد 136» معروضة أمام كاتدرائية القديس ميخائيل في العاصمة الأوكرانية (رويترز)
أحد سكان كييف يلمس مسيّرة روسية إيرانية من طراز «شاهد 136» معروضة أمام كاتدرائية القديس ميخائيل في العاصمة الأوكرانية (رويترز)
TT

زيارة لافروف إلى إيران... شراكة الضرورة ترسم ملامح الدور الروسي

أحد سكان كييف يلمس مسيّرة روسية إيرانية من طراز «شاهد 136» معروضة أمام كاتدرائية القديس ميخائيل في العاصمة الأوكرانية (رويترز)
أحد سكان كييف يلمس مسيّرة روسية إيرانية من طراز «شاهد 136» معروضة أمام كاتدرائية القديس ميخائيل في العاصمة الأوكرانية (رويترز)

أكثر ما لفت الأنظار بعد الزيارة المهمة التي قام بها وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إلى طهران قبل أيام، هو عودة حديث الكرملين عن استعداد للعب دور وساطة للتوصل إلى تسوية مقبولة بين الأميركيين والإيرانيين.

واكتسب الطرح الروسي هذه المرة أهمية خاصة لأنه جاء في سياق نقاشات أميركية روسية حول أوكرانيا. وفي إطار الحديث عن تطبيع أوسع لعلاقات واشنطن مع موسكو بعد «صفقة الديزل» والتوافق على انفتاح عريض وتعاون في مجالات أخرى.

وسرعان ما برزت تأويلات تدعم فكرة الربط بين الملفين الأوكراني والإيراني في سياق مقايضات محتملة. واستعداد روسي لمساعدة الأميركيين في إيران في مقابل مكاسب مهمة للكرملين في ملف التسوية الأوكرانية. لكن، ماذا يمكن أن تقدم موسكو للرئيس دونالد ترمب في هذا المجال؟

دارت تحليلات وسائل إعلام وأوساط غربية حول استئناف الحديث عن العرض الروسي القديم الجديد، لنقل مخزون إيران من اليورانيوم المخصب إلى الأراضي الروسية، وفقاً لسيناريو «الاتفاق النووي» السابق في 2015. وهو أمر كانت موسكو عرضته مراراً ورأت فيه مخرجاً مقبولاً يمنح الرئيس الأميركي مجالاً لإعلان إنجاز المهمة في منع طهران من استخدام مخزونها لتطوير أسلحة نووية بضمانات روسية كاملة.

قد يكون هذا المدخل واحداً من الحلول التي يمكن لموسكو تقديمها ضمن رزمة من العناصر الأخرى للتأثير على الموقف الإيراني. لكنه وكما كان في السابق محاطاً بمخاطر كثيرة كما يقول خبراء روس. أبرزها عدم وجود إجماع إيراني على هذا السيناريو، وعلو أصوات في طهران تنتقد علناً المواقف الروسية وتحذر من أن موسكو قد تنقلب على الإيرانيين في حال توصلت لتفاهمات كبرى مع الغرب. وهذا الطرح بالمناسبة متبادل بين الطرفين، إذ تردد أوساط روسية وازنة التحذير نفسه تجاه الإيرانيين.

لكن الأهم من ذلك، أن هذا المدخل وحده لا يحل المشكلة. فالموقف الروسي تجاه سياسات إيران الإقليمية وأذرعها العسكرية في المنطقة لم يتغير. كما أن الموقف الروسي حيال قدرات طهران الصاروخية واضح لصالح الإيرانيين برغم علو اللهجة الروسية أحياناً في إعطاء تطمينات للمحيط العربي والعالم بأن الكرملين قادر على التأثير على الجانب الإيراني لعدم استخدام تلك القدرات ضد مصالح بلدان المنطقة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان 8 أكتوبر الجاري (أ.ف.ب)

كما أن اللافت هنا، أن الإيرانيين أنفسهم تحدثوا على المستوى الرسمي عن رفض نقل المخزون المخصب، إلى أي بلد بما في ذلك روسيا. وهذا يفتح على أسئلة حول مدى تفاهم موسكو وطهران على آليات للتحرك المشترك. يقول بعض الخبراء إن موسكو نفسها ليست مهتمة بالفعل بموضوع نقل المخزون، وإن هذا الأمر سوف يضيف أعباء إضافية من دون حوافز سياسية مهمة من جانب الغرب. يعني ذلك أن الموقف الإيراني قد يكون نتيجة اتفاق غير معلن بين الطرفين.

كما أن مشكلة نقل المخزون النووي ليست الوحيدة المطروحة تجاه موسكو غربياً، في إطار الاتهامات المتزايدة حول التعاون العسكري والتقني والاستخباراتي المتطور بين البلدين.

ولا شك أن زيارة لافروف إلى إيران كشفت مجدداً عن نمط التفاعل الحالي بين موسكو وطهران، حيث يُخفى تعاونهما العسكري التقني المهم، وإن كان غير معلن، وراء لغة دبلوماسية مبهمة.

وقد تحولت العلاقات التي كانت تتسم بالحذر تاريخياً بين موسكو وطهران إلى ما يشبه التحالف العسكري، وذلك بفضل عاملين رئيسيين: حرب أوكرانيا وسرعة تقدم تقنيات الاستخبارات الإلكترونية والفضائية، التي أصبحت بين الصادرات الرئيسية للكرملين إلى بلدان عدة.

في هذا الإطار، كتب معلق سياسي أنه «من خلال إعادة صياغة قواعد الحرب التقليدية والهجينة الحديثة، يسعى التحالف الروسي الإيراني إلى موازنة التفوق التكنولوجي الغربي عبر وضع الخطوط العريضة لـ«اقتصاد البقاء».

وهنا يمكن ملاحظة أن روسيا، في المرحلة الأولى من الحرب في أوكرانيا، كانت بحاجة ماسة للدعم الإيراني، واشترت آلافاً من ذخائر «شاهد 136» من إيران. بحلول عام 2026، اتخذ هذا التبادل طابعاً ثنائياً واضحاً. في مواجهة نقص الأسلحة الثقيلة التقليدية وتجميد عقود توريد طائرات «سو 35» المقاتلة لإيران بسبب احتياجات جبهتها في أوكرانيا، وجدت موسكو طريقة للتعويض عبر تزويد إيران ببيانات استطلاعها الفضائي.

ووفقاً لوكالات الاستخبارات الغربية، أطلقت روسيا برنامجاً واسع النطاق لتبادل المعلومات العملياتية مع طهران. ويشمل ذلك بشكل أساسي صوراً فضائية عالية الدقة وإحداثيات لتحركات القوات والسفن الحربية والطائرات الأميركية في الشرق الأوسط. وفي وقت سابق أكد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي وجود أدلة على تبادل الكرملين بيانات الاستخبارات الإلكترونية مع طهران.

عراقجي ولافروف لدى وصولهما إلى مؤتمر صحافي عقب محادثاتهما في مقر الخارجية الإيرانية بطهران الاثنين (أ.ب)

وفقاً لتقارير، تُزوّد إيران روسيا حالياً بطائرات مسيرة انتحارية وتكنولوجيا طائرات من دون طيار منخفضة التكلفة تُنتج بكميات كبيرة، وفي المقابل تحصل على صور الأقمار الصناعية وبيانات الحرب الإلكترونية والمساعدة في تحديث أنظمة توجيه أسلحتها.

وقد تجلى نجاح هذا التعاون السري خلال الغارات الإيرانية على أهداف أميركية في المنطقة. من خلال الدقة العالية للصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية في بعض الهجمات على قواعد عسكرية.

المطلوب إذن من موسكو ليس نقل المخزون النووي وحسب، بل التعامل بجدية مع التهديدات التي يوفرها تبادل المعلومات والدعم الاستخباراتي الروسي لطهران، فهل يبدو الكرملين قادراً بالفعل في هذه المرحلة على لعب الدور المطلوب؟

ورغم أن علاقات البلدين قد بلغت مستوى نوعياً جديداً في السنوات الأخيرة. لكن العوامل نفسها التي حالت دون قيام تحالف كامل لا تزال قائمة حتى اليوم: انعدام الثقة المتبادل، ونقص الموارد، واختلاف مستويات التفكير الاستراتيجي.

فإيران، في نهاية المطاف، قوة إقليمية. أما روسيا، فلديها طموحات هائلة، وتسعى إلى لعب دور دولي عالمي. ونتيجة لذلك، تختلف رؤيتهما لأهدافهما اختلافاً جذرياً. قد تتداخل مصالح البلدين لعدة أسباب، لكنها بعيدة كل البعد عن التوافق التام.

هذا المدخل يحدد مدى قدرة الكرملين على التأثير الجدي على الشريك الإيراني، في مرحلة لاحقة، ولكن ليس الآن.

وبحسب قناعة دبلوماسيين غربيين يعتزم الكرملين مواصلة استخدام قدرته على التأثير في تصعيد أو خفض حدة تحركات إيران في الشرق الأوسط كونها ورقة ضغط في المفاوضات مع ترمب. حسابات بوتين الاستراتيجية بسيطة: تقديم تخفيض أو تقييد للمساعدات العسكرية والفضائية المقدمة لطهران لواشنطن مقابل تنازلات محددة من البيت الأبيض بشأن أوكرانيا.


إسطنبول تستضيف اجتماعاً الجمعة لبحث ملفات إقليمة ودولية

جانب من اجتماع لوزراء خارجية السعودية ومصر وتركيا وباكستان في العاصمة الأردنية عمان يوم 5 أغسطس الماضي (الخارجية التركية)
جانب من اجتماع لوزراء خارجية السعودية ومصر وتركيا وباكستان في العاصمة الأردنية عمان يوم 5 أغسطس الماضي (الخارجية التركية)
TT

إسطنبول تستضيف اجتماعاً الجمعة لبحث ملفات إقليمة ودولية

جانب من اجتماع لوزراء خارجية السعودية ومصر وتركيا وباكستان في العاصمة الأردنية عمان يوم 5 أغسطس الماضي (الخارجية التركية)
جانب من اجتماع لوزراء خارجية السعودية ومصر وتركيا وباكستان في العاصمة الأردنية عمان يوم 5 أغسطس الماضي (الخارجية التركية)

تستضيف مدينة إسطنبول، الجمعة، مباحثات بين وزراء خارجية أوروبيين مع نظرائهم في تركيا والسعودية ومصر وباكستان، تعقد للمرة الأولى بمبادرة تركية.

وقالت مصادر في وزارة الخارجية التركية، الخميس، إن وزراء خارجية دول مجموعة «إي 3»، وهم وزراء الخارجية البريطاني إد ميليباند، والفرنسي جان نويل بارو، والألماني يوهان فاديفول، سيلتقون نظراءهم في مجموعة «آر 4»، وهم وزراء خارجية السعودية الأمير فيصل بن فرحان، والمصري بدر عبد العاطي، والباكستاني محمد إسحق دار، والتركي هاكان فيدان، الذي يستضيف الاجتماع لمناقشة عدد من القضايا الإقليمية والدولية المهمة.

وتشمل المباحثات القضية الفلسطينية والتطورات في اليمن ومضيق هرمز، وسبل إنهاء الحرب بين روسيا وأوكرانيا، إضافة إلى فرص التعاون والتنسيق بين المجموعتين في الفترة القادمة.

الانتهاكات الإسرائيلية وحرب إيران

ذكرت المصادر أن فيدان، الذي سيترأس الاجتماع، سيؤكد ضرورة امتناع جميع الدول عن أي أعمال من شأنها تقويض الوضع التاريخي والقانوني للقدس والإضرار بجهود حل الدولتين، وأهمية اتخاذ المجتمع الدولي موقفاً حازماً وزيادة الضغط على إسرائيل في مواجهة خطواتها لتوسيع المستوطنات غير الشرعية وتشجيع إرهاب المستوطنين غير الشرعيين.

دمار في غزة نتيجة القصف الإسرائلي (رويترز)

كما سيؤكد فيدان أن «استمرار احتلال إسرائيل لفلسطين، وموقفها المتشدد الذي يعرقل جهود السلام الدولية، وعدوانها المنتشر في جميع أنحاء المنطقة، هي الأسباب الجذرية للتوترات في الشرق الأوسط». كما يتوقّع أن يشير، في هذا الصدد، إلى استمرار إسرائيل في أعمالها الرامية إلى «زعزعة استقرار سوريا»، التي قدمت دول المجموعتين إسهامات قيّمة في تعزيز الاستقرار والازدهار فيها.

وعن حرب إيران، سيشدد فيدان، وفق المصادر، على أن الصراع بين واشنطن وطهران «لا يُمكن حله إلا عبر الدبلوماسية والحوار»، وأن الأساليب العسكرية لا تُقدّم حلاً دائماً، بل تُفاقم مواطن الضعف في المنطقة وتنطوي على خطر اتساع نطاق الصراع.

وزير الخارجية التركي هاكان فيدان (إ.ب.أ)

وسيؤكد أن إرساء حرية الملاحة الدائمة في مضيق هرمز وباب المندب أمرٌ حيوي للاستقرار الإقليمي والعالمي، مشيراً إلى ضرورة دعم أمن السعودية في مواجهة هجمات الحوثيين، مشدداً على ضرورة ضمان حرية الملاحة بشكل دائم في مضيقي هرمز وباب المندب.

وحسب المصادر، سيُعيد فيدان تأكيد دعم تركيا لأمن السعودية في مواجهة هجمات الحوثيين التي تستهدف المدنيين والبنية التحتية المدنية في السعودية، بالإشارة إلى أهمية مبدأ التضامن والتفاهم الأمني، الذي أرسته «اتفاقية مكة للدفاع المشترك».

حرب روسيا وأوكرانيا

يرتقب أن تتناول المباحثات حرب روسيا وأوكرانيا كذلك، حيث يتوقّع أن يجدد الوزير التركي التأكيد على «التحذيرات والاقتراحات» التي تطرحها بلاده باستمرار لمنع تمدد الحرب إلى منطقة البحر الأسود، ولوضع حد لسقوط ضحايا مدنيين فيها.

هجوم أوكراني على سفينة تابعة لأسطول الظل الروسي في البحر الأسود قبالة سواحل تركيا في 29 نوفمبر 2025 (أ.ف.ب)

وسيؤكد فيدان، مجدداً، استعداد تركيا لتقديم كل الدعم الممكن لإنهاء حرب روسيا وأوكرانيا عبر الحوار والدبلوماسية، مع لفت الانتباه إلى المخاطر التي يشكلها تصاعد الصراع بينهما على الأمن الإقليمي.

وتأسست مجموعة «إي 3» قبل أكثر من 20 عاماً لتعزيز التنسيق الدبلوماسي بشأن البرنامج النووي الإيراني، فيما تشكلت مجموعة «آر 4» في مارس (آذار) الماضي، كإطار تنسيقي بين السعودية ومصر وباكستان وتركيا، التي وقعت معا «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» في 8 أغسطس (آب) الماضي.


مخاوف عراقية من عودة فصائل الظل إلى «وحدة الساحات»

عناصر من «حركة النجباء» العراقية خلال تجمع في بغداد يوم 8 أكتوبر 2023 (أ.ف.ب)
عناصر من «حركة النجباء» العراقية خلال تجمع في بغداد يوم 8 أكتوبر 2023 (أ.ف.ب)
TT

مخاوف عراقية من عودة فصائل الظل إلى «وحدة الساحات»

عناصر من «حركة النجباء» العراقية خلال تجمع في بغداد يوم 8 أكتوبر 2023 (أ.ف.ب)
عناصر من «حركة النجباء» العراقية خلال تجمع في بغداد يوم 8 أكتوبر 2023 (أ.ف.ب)

تزداد مخاوف في العراق من أن يكون تمسّكُ الفصائل المسلحة بسلاحها محاولةً لكسب الوقت استعداداً لاحتمال استئناف الحرب مع إيران، وإعادة تفعيل ما يُعرف بـ«محور المقاومة»، في وقت تواجه فيه الحكومة ضغوطاً أمنية وسياسية متصاعدة لمنع استخدام الأراضي العراقية منصة لهجمات إقليمية.

وقالت مصادر سياسية مقربة من «الإطار التنسيقي»؛ التحالف الذي يضم القوى الشيعية الرئيسية في البلاد، إن المفاوضات الرامية إلى حصر السلاح بيد الدولة لم تحقق تقدماً عملياً، مشيرة إلى أن عدداً من الفصائل لم تسلّم الصواريخ والطائرات المسيّرة التي لا تزال بحوزتها.

لكن المصادر أفادت «الشرق الأوسط» بأن «بعض قادة التحالف يستبعدون أن تُقدِم الفصائل على استهداف دول في المنطقة لإسناد إيران إذا استؤنفت الحرب؛ نظراً إلى التداعيات المحتملة على حكومة رئيس الوزراء، علي الزيدي، التي قد تجد نفسها في مواجهة ضغوط إقليمية ودولية متصاعدة».

جانب من اجتماع لتحالف «الإطار التنسيقي» في بغداد بحضور رئيس الوزراء علي الزيدي (واع)

«النجباء» تجدد رفضها حصر السلاح

ولا تبدد هذه التقديرات المخاوف من عودة مجموعات مسلحة صغيرة إلى تنفيذ هجمات يصعب إسنادها مباشرة إلى الفصائل الكبرى، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية واستمرار الخلاف داخل العراق بشأن مستقبل السلاح خارج سلطة الدولة.

وفي مؤشر على استمرار رفض بعض الفصائل أي تغيير في وضعها العسكري، أكد المعاون العسكري لـ«حركة النجباء»، عبد القادر الكربلائي، الأربعاء، أن «الحركة» لن تشارك في العملية السياسية، وأن موقفها من هذه المسألة «ثابت ولم يتغير».

وقال الكربلائي، في بيان، إن «الحركة» ترفض استخدام مصطلحات «حصر أو تسليم أو نزع» سلاح المقاومة.

وتضع هذه التصريحات تحدياً إضافياً أمام مساعي الحكومة لإخضاع السلاح لسلطتها، في وقت لا تقتصر فيه المخاوف على المواجهة السياسية بين بغداد والفصائل، بل تمتد إلى احتمال استئناف الهجمات على أهداف إقليمية انطلاقاً من الأراضي العراقية.

«فصائل الظل»

وفي هذا السياق، أفادت صحيفة «المدى» العراقية، نقلاً عن مصادر وصفتها بالمطلعة، بأن إغلاق منفذ «الشيب» الحدودي مع إيران بمحافظة ميسان لا يرتبط فقط بالأسباب الفنية التي أعلنتها الحكومة، بل يأتي أيضاً في ظل مخاوف أمنية من عودة ما تصفها المصادر بأنها «فصائل الظل»، وهي مجموعات صغيرة يتراوح عدد أفرادها بين 5 و10، ويُشتبه في إمكان استخدامها لتنفيذ هجمات يصعب تتبع منفذيها.

ووفق المصادر التي نقلت عنها الصحيفة، فقد كثفت الأجهزة الأمنية خلال الأسبوعين الماضيين مراقبة مواقع يُشتبه في إمكان استخدامها لشن هجمات، بعدما انتقلت هجمات استهدفت السعودية، وفق هذه التقديرات، من مناطق في صحراء النجف خلال يوليو (تموز) الماضي إلى محيط منفذ «الشيب» في سبتمبر (أيلول) الماضي.

وتشير هذه المعطيات إلى احتمال تغير أساليب عمل مجموعات مسلحة، مع تجنب المواقع التي أصبحت تحت مراقبة مشددة والبحث عن مناطق جديدة للتحرك. ولم يتسنَّ التحقق بصورة مستقلة من هذه التقديرات أو من هوية الجهات التي تقف وراء الهجمات المشار إليها.

وكانت الحكومة العراقية قد أكدت أن إغلاق منفذ «الشيب» مؤقت ويهدف إلى رفع الكفاءة، ونفى الناطق باسمها، حيدر العبودي، أن يكون الإجراء ذا دوافع سياسية، قائلاً إنه «إجراء إداري صرف، ولا يحتاج إلى تأويل سياسي»، بينما اتهم عبدُ الأمير تعيبان، مستشارُ رئيس الوزراء، الجانبَ الإيراني بممارسة «انتهاكات خطيرة تمس سيادة العراق، وتسبب إحداث فوضى في الحدود العراقية - الإيرانية، فضلاً عن تعمد تخريب الاقتصاد الوطني عبر تهريب العملات المزورة والمخدرات».

معبر «الشلامجة» الحدودي مع إيران في محافظة البصرة جنوب العراق (أ.ف.ب)

ضغوط أميركية

جاء الإغلاق في وقت تزداد فيه الضغوط الأميركية على بغداد بشأن حركة التجارة عبر الحدود مع إيران. ونقلت «وكالة الصحافة الفرنسية»، الأربعاء، عن مصدر عراقي أن الحكومة أغلقت المنفذ، بينما قال مسؤول إيراني إن المعابر الحدودية مع العراق «لا تزال مفتوحة أمام المسافرين، مع تسجيل تأخير في حركة الشاحنات».

وأفاد مصدران سياسيان بأن واشنطن تضغط على بغداد لإغلاق مزيد من المعابر مع إيران، وقال أحدهما إن وزارة الخزانة الأميركية أثارت المسألة مع الزيدي خلال زيارته نيويورك الشهر الماضي.

ولا تقتصر المخاطر على الحدود البرية. فقد أفاد مصدر أمني في محافظة البصرة، الأربعاء، بسقوط طائرة مسيّرة في البحر على بعد نحو 200 متر من ناقلة نفط تحمل اسم «كوردن أيكل»، بعد تلقي القوة البحرية العراقية معلومات من طاقمها عن رصد مسيّرتين، سقطت إحداهما في المياه واختفت الأخرى.

وفي موازاة هذه التطورات الأمنية، تواصل بغداد اتصالاتها مع دول المنطقة سعياً إلى احتواء التصعيد. وقالت وزارة الخارجية العراقية، الخميس، إن الوزير فؤاد حسين بحث هاتفياً مع نظيره الإماراتي عبد الله بن زايد آل نهيان الخيارات المتاحة لتهيئة الظروف الملائمة للتوصل إلى تفاهمات سلمية تخفض التوترات وتعزز الأمن والاستقرار.