ما إن بدأ الجنيه المصري يُظهر تعافياً أمام الدولار عقب قرار وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، حتى أظهرت المؤشرات تراجعاً ملحوظاً له مرة أخرى بعد معاودة التصعيد بين البلدين، وهو ما أرجعه مختصون إلى «اعتماد الاقتصاد المصري على مصادر دخل تتأثر بشدة بالاضطرابات الجيوسياسية».
وقبل نشوب الحرب الإيرانية نهاية فبراير (شباط) الماضي كان سعر الصرف نحو 47 جنيهاً لكل دولار أميركي، لكنه في ظل الحرب سجل مستويات قياسية تجاوزت 54 جنيهاً لكل دولار، ثم انخفض تحت 49 جنيهاً للدولار بالتدريج منذ قرار وقف إطلاق النار في أبريل (نيسان) الماضي.
لكن بعد معاودة الهجمات المتبادلة بين طهران وواشنطن، بدأ الدولار رحلة الصعود من جديد أمام الجنيه الذي تداول في البنوك الأحد عند نحو 49.6 جنيه.
عضو «اللجنة الاقتصادية» بمجلس النواب، محمد فؤاد، قال لـ«الشرق الأوسط»، إن «السبب يعود بالأساس لكون مصر تعتمد على مصادر الاقتصاد الريعي التي تتكون من السياحة وتحويلات المصريين في الخارج وقناة السويس وتدفق الأموال الساخنة».
ويضيف أن «سعر الصرف في مصر مرتبط بالتدفقات النقدية دخولاً وخروجاً، وإذا تتبعنا السوق الثانوية لأدوات الدين والتدفقات النقدية فيها، سنلاحظ أنه بعد اندلاع الحرب الإيرانية في موجتها الأولى خرج ما يقرب من 15 مليار دولار من مصر فتراجع الجنيه أمام الدولار من حدود 48 جنيهاً إلى نحو 54 جنيهاً للدولار».
ويتابع بقوله: «مع وقف إطلاق النار وخلال الشهر الماضي تحسنت الأمور بدخول 8 مليارات دولار للبلاد، فعاد سعر الصرف إلى تحت 49 جنيهاً للدولار، ومع معاودة التصعيد بين إيران وأميركا حدثت موجات خروج أخرى للأموال الساخنة وبدأ الجنيه يتراجع من جديد».
وتجدر الإشارة إلى أن «الأموال الساخنة» هي رؤوس أموال أجنبية تدخل الأسواق المحلية للاستفادة من ظروف اقتصادية مؤقتة، كارتفاع أسعار الفائدة أو انخفاض قيمة العملة، وعلى «الرغم من أن هذه الأموال توفر تدفقات مالية سريعة وتحسناً ظاهرياً في المؤشرات الاقتصادية، فإنها تُعد مصدراً لعدم الاستقرار، إذ يميل أصحابها إلى سحبها فور ظهور أي مخاطر، أو توفر عوائد أعلى في أسواق أخرى»، وفق مراقبين.

وبحسب خبراء، فإن الحكومة المصرية بدأت الاعتماد بشكل مكثف على «الأموال الساخنة» بعد تعويم الجنيه في عام 2016 حين اتجهت إلى تمويل عجز الموازنة من خلال إصدار أدوات الدين المحلي، مثل أذون الخزانة قصيرة الأجل (من 91 إلى 364 يوماً) والسندات التي تمتد آجالها حتى 30 عاماً مقابل فوائد مرتفعة.
وشهد عام 2022 أزمة عنيفة في مصر تمثلت في الخروج المفاجئ والسريع لـ«الأموال الساخنة» بعد انطلاق الحرب الروسية - الأوكرانية، ما تسبب في انخفاض صافي الاحتياطي النقدي الأجنبي لدى «البنك المركزي» من نحو 40.99 مليار دولار إلى مستويات 33.14 مليار دولار.
فؤاد أوضح أن «هناك عوامل أخرى مؤثرة وهي الانكشاف الطاقي الكبير، حيث ترتفع فاتورة الطاقة الشهرية خلال فصل الصيف لتناهز 3 مليارات دولار ما يضغط على ميزان المدفوعات».
ولفت إلى أن «ما يحدث حالياً هو عملية متكررة في الاقتصاد المصري منذ ما يقرب من 15 سنة، وما زاد من حدة الأمر وجعل هناك إحساس كبير بها حالياً، هو تحرير سعر الصرف، فأصبح كالترمومتر يقيس أي تغيرات أو تقلبات سياسية وحساسيات جيوسياسية سريعاً وبشكل لحظي».
وأقدم «البنك المركزي» في مارس (آذار) 2022 على رفع أسعار الفائدة والسماح للجنيه المصري بالانخفاض مقابل الدولار لتخفيف الضغوط التضخمية.
الخبير المصرفي، طارق إسماعيل، يقول إن «مصر تعلمت من أزمة 2022 حينما قيمت الجنيه بأكبر من قيمته، فساهم ذلك في خروج نحو 22 مليار دولار من الأموال الساخنة بسعر صرف أقل من قيمة الجنيه، ما زاد من نزيف الاقتصاد بشكل كبير».
ويوضح: «لو تم تقييم سعر الصرف بـ30 جنيه للدولار، وهو ما تم بعدها بأسابيع، لكانت خسائر مصر وقتها 11 وليس 22 مليار دولار، وهو ما دفع بعد ذلك لتحرير سعر الصرف».

ويضيف إسماعيل لـ«الشرق الأوسط»، أن «الاقتصاد المصري يعاني مشاكل تجعله أكثر حساسية لمثل تلك الاضطرابات بسبب فاتورة الاستيراد، والمصادر الدولارية التي تتأثر بالأحداث بشكل مباشر».
ويتابع: «قناة السويس تتأثر بأي اضطرابات في حركة التجارة العالمية، والسياحة تهرب فوراً إلى أوروبا أو مناطق خارج إطار الأزمات، وتحويلات المصريين بالخارج تتأثر حسب رواتب المغتربين، والأموال الساخنة تبحث عن أكبر ربح ممكن دون النظر لتأثير خروجها المفاجئ على اقتصاديات الدول».
ويقول الخبير المصرفي: «كما تواجه مصر ضغوطاً دائمة مع التزامات بعملة أجنبية لسداد أقساط القروض، حيث لم تتخلف القاهرة عن سداد أي منها».
وارتفع الدين الخارجي لمصر بنحو 198 مليون دولار خلال الربع الأخير من العام الماضي ليسجل 163.9 مليار دولار مقابل 163.7 مليار دولار في الربع الثالث، وهي الأرقام نفسها تقريباً التي استمرت حتى نهاية الربع الأول من العام الحالي، وفق تقديرات «البنك المركزي» المصري.

وفي ديسمبر (كانون الأول) 2024 أكد رئيس الوزراء، مصطفى مدبولي «التزام مصر بسداد التزاماتها الدولية»، مشيراً حينها إلى تسديد نحو 38.7 مليار دولار من الديون الخارجية خلال ذلك العام.
ويشير المراقبون إلى أن «البنك المركزي في محاولة منه للتخفيف من الأزمات الناتجة عن تسديد الديون والخروج المفاجئ للأموال الساخنة، أصبح يعتمد على نهج التحوط بالمرونة، أي ترك السوق تتعامل وفق المتغيرات الجيوسياسية، لكن في إطار منضبط يقلل تكلفة خروج الأموال الساخنة، ويحافظ على تدفقات موارد النقد الأجنبي في الوقت ذاته».




