مصر تنشد دعماً أوروبياً لدفع المسار الدبلوماسي في المنطقة

شددت على ضرورة الوقف «الفوري» للاعتداءات على الدول الخليجية

وزير الخارجية المصري أثناء استقباله كايا كالاس في القاهرة يناير الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري أثناء استقباله كايا كالاس في القاهرة يناير الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تنشد دعماً أوروبياً لدفع المسار الدبلوماسي في المنطقة

وزير الخارجية المصري أثناء استقباله كايا كالاس في القاهرة يناير الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري أثناء استقباله كايا كالاس في القاهرة يناير الماضي (الخارجية المصرية)

تنشد مصر دعماً أوروبياً للدفع بالمسار الدبلوماسي والحلول السياسية تجبناً لاتساع دائرة الصراع في المنطقة.

هذا ما شدّد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، خلال اتصال هاتفي، مع الممثلة العليا للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية للاتحاد الأوروبي كايا كالاس، تناول المستجدات الإقليمية في ظل التصعيد العسكري الخطير الذي تشهده المنطقة.

وأعربت كالاس عن التقدير البالغ لجهود الرئيس عبد الفتاح السيسي في التهدئة وخفض التصعيد بالمنطقة وجهود الوساطة التي تضطلع بها مصر، منوهة إلى «التداعيات الخطيرة للتصعيد بالمنطقة على أمن الطاقة والاقتصاد العالمي»، مشددة على «تعويل الجانب الأوروبي على استمرار الجهود المصرية الدؤوبة لاحتواء الموقف المتصاعد على غرار ما قامت به مصر في ملف غزة».

ووفق إفادة لوزارة الخارجية المصرية تطرق الاتصال الهاتفي كذلك لتطورات الملف الفلسطيني، حيث أدان عبد العاطي اعتداءات المستوطنين الإسرائيليين ضد المدنيين الفلسطينيين وممتلكاتهم في الضفة الغربية، مشدداً على أن «تلك الممارسات تمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي، وتقوض فرص تحقيق السلام».

وأطلع عبد العاطي المسؤولة الأوروبية على الجهود المصرية الحثيثة لضمان تنفيذ بنود المرحلة الثانية من «خطة الرئيس ترمب»، بما يشمل نشر «قوة الاستقرار الدولية»، ودخول «لجنة إدارة غزة» إلى القطاع لبدء ممارسة مهامها، تمهيداً لعودة السلطة الفلسطينية للاضطلاع بمسؤولياتها بشكل كامل.

القضية الفلسطينية

وأكد أهمية تكثيف الجهود الدولية، بما في ذلك الجهود الأوروبية لحماية المدنيين الفلسطينيين، ومواصلة العمل على تهيئة الظروف لاستئناف المسار السياسي الرامي للوصول إلى تسوية عادلة وشاملة للقضية الفلسطينية.

وحسب «الخارجية» المصرية اتفق المسؤولان المصري والأوروبي على «ضرورة مواصلة التنسيق والتشاور في إطار العلاقات الوثيقة والشراكة الاستراتيجية القائمة بين مصر والاتحاد الأوروبي، وتضافر الجهود الرامية إلى خفض التصعيد في المنطقة». وشددا على أن «المسار الدبلوماسي هو السبيل لتجنيب المنطقة مخاطر الانزلاق إلى مزيد من عدم الاستقرار».

ولدى مصر والاتحاد الأوروبي ملفات تعاون مشترك كثيرة، يعد أبرزها جهود مواجهة «الهجرة غير المشروعة»، وجهود توفير الطاقة ومكافحة الإرهاب والتحول الرقمي، ومجالات التنمية المستدامة والاستثمارات، إلى جانب النمو الملحوظ في التبادل التجاري، الذي سجل 21.4 مليار دولار خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2025، وفقاً لآخر إحصاءات حكومية مصرية.

تعزيز التعاون

كما أكد وزير الخارجية المصري، خلال لقائه وفداً من بنك الاستثمار الأوروبي، الأربعاء، بالقاهرة على «ضرورة تعزيز التعاون مع مؤسسات التمويل الدولية في هذه الظروف الاستثنائية، ودعم الموازنة المصرية لضمان قدرة الاقتصاد المصري على مواجهة الصدمات الخارجية». منوهاً بالدور المحوري الذي يضطلع به البنك في تمويل مشروعات البنية التحتية الأساسية، بما يسهم في تعزيز القدرة الإنتاجية، وتقليل الاعتماد على الأسواق الخارجية.

وزير الخارجية المصري خلال استقبال وفد من البنك الأوروبي للاستثمار الأربعاء (الخارجية المصرية)

ضم وفد بنك الاستثمار الأوروبي، رئيس قسم العمليات في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أولريش برونهوبر، ورئيسة وحدة المشرق بإدارة التوسع والجوار وعمليات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إنماكولادا مارتينيز.

وأعرب عبد العاطي خلال اللقاء عن الاعتزاز بالشراكة المتميزة مع بنك الاستثمار الأوروبي، بصفة مصر أكبر دولة عمليات للبنك خارج الاتحاد الأوروبي، وبما يجعل البنك أحد أبرز شركاء التمويل متعدد الأطراف الداعمين للقطاعين العام والخاص في مصر. كما شدد على الأهمية البالغة لمشروع دعم الأمن الغذائي، في إطار الاستثمارات المقدمة من البنك، بما يسهم في تعزيز قدرة مصر على مواجهة التحديات العالمية المرتبطة بسلاسل الإمداد.

اتصال بولس

في غضون ذلك، تلقى بدر عبد العاطي، الأربعاء، اتصالاً هاتفياً من كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، وذلك في إطار التنسيق والتشاور المستمر بين القاهرة وواشنطن إزاء القضايا الإقليمية والدولية.

ونقل بولس خلال الاتصال تحيات وتقدير الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى الرئيس السيسي، مشيداً بدوره الريادي بالمنطقة وجهوده الحثيثة للعمل على تحقيق التهدئة، ودعم الأمن والاستقرار الإقليمي، مثمناً دور مصر المحوري والصادق في احتواء الأزمات والتعامل مع التحديات المتصاعدة في المنطقة، وفتح قنوات اتصال تسهم في تهدئة الموقف وجهود الوساطة التي تقوم بها.

وثمّنت مصر، الاثنين، تصريحات الرئيس الأميركي، التي كشف فيها عن اتصالات مكثفة لخفض التصعيد، وإرجاء خطته لاستهداف منشآت الطاقة الإيرانية، ورحبت بالجهود والمبادرات كافة التي من شأنها خفض حدة التوتر بما يمهد لإنهاء الحرب.

وأكد عبد العاطي خلال الاتصال الهاتفي مع بولس على «ضرورة تضافر الجهود الإقليمية والدولية لخفض التصعيد، ومنع مزيد من الانزلاق إلى حافة الانفجار والفوضى في المنطقة»، مشيراً إلى «التداعيات الاقتصادية الوخيمة من استمرار الحرب على الاقتصاد المصري والعالمي، وتأثر حركة الملاحة الدولية وسلاسل الإمداد وأسعار النفط والغذاء وموجات التضخم».

ووفق وزارة الخارجية المصرية، تناول الاتصال تطورات الأوضاع في السودان، حيث تمت مناقشة أهمية التوصل إلى هدنة إنسانية مؤقته تؤسّس لوقف إطلاق النار، وبدء حوار سياسي بملكية سودانية، ودعم الدولة السودانية ومؤسساتها الوطنية. وشدّد عبد العاطي على أهمية عدم المساواة بين مؤسسات الدولة الوطنية والميليشيات المسلحة غير الشرعية. وجدد رفض مصر لأي محاولات للمساس بوحدة السودان أو سلامة أراضيه. واتفق الجانبان على أهمية تكثيف الجهود الدولية لدعم الاستجابة الإنسانية، وتيسير نفاذ المساعدات إلى جميع أنحاء البلاد.

وقال الرئيس المصري خلال زيارة رئيس الوزراء السوداني، كامل إدريس للقاهرة، في فبراير (شباط) الماضي، إن «مصر تبذل جهوداً على المستويين الإقليمي والدولي بهدف إنهاء الحرب، ورفع المعاناة الإنسانية عن السودانيين».

كما أصدرت الرئاسة المصرية في منتصف ديسمبر (كانون الأول) الماضي، بياناً حذرت فيه من «تجاوز خطوطٍ حمراء في السودان، بوصفها تمس مباشرة الأمن القومي المصري»، وتضمنت تلك الخطوط «الحفاظ على وحدة السودان وسلامة أراضيه، وعدم السماح بانفصال أي جزء منه».


مقالات ذات صلة

إيران تعدم متهميْن بالتجسس… والمعارضة تندد

شؤون إقليمية رجل يحمل طرداً على كتفه يمر أمام لوحة إعلانية كبيرة تصور المرشد مجتبى خامنئي في أحد شوارع طهران الاثنين (أ.ف.ب)

إيران تعدم متهميْن بالتجسس… والمعارضة تندد

أعدمت إيران رجلين قالت السلطات إنهما أدينا بالتجسس لصالح جهاز المخابرات الإسرائيلي، بينما قالت منظمة «مجاهدي خلق» المعارضة إنهما من أعضائها، ونفت الاتهامات.

«الشرق الأوسط» (لندن - باريس)
شؤون إقليمية مروحية أميركية تهبط على متن سفينة الشحن الإيرانية «توسكا» في بحر العرب (سنتكوم)

ترجيح وجود معدات لاستخدام مزدوج على سفينة إيرانية احتجزتها أميركا

رجّحت مصادر في قطاع الأمن البحري أن سفينة الحاويات «توسكا» التي ترفع العلم الإيراني، والتي اعتلتها القوات الأميركية واحتجزتها تحمل مواد للاستخدام المشترك.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شمال افريقيا السيسي خلال لقاء المبعوث الأميركي مسعد بولس في القاهرة يوم الاثنين (الرئاسة المصرية)

مصر تؤكد عدم التهاون في مصالحها المائية الوجودية

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن بلاده لن تتهاون في مصالحها المائية الوجودية، مستعرضاً مع مسعد بولس، في القاهرة، الاثنين، مستجدات الأوضاع في السودان.

فتحية الدخاخني (القاهرة )
أوروبا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البولندي دونالد توسك يعقدان مؤتمراً صحافياً مشتركاً في قاعة المدينة الرئيسية في غدانسك... بولندا 20 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

ماكرون يحض إيران وأميركا على خفض التصعيد على خلفية إغلاق مضيق هرمز

دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، اليوم (الاثنين)، الولايات المتحدة وإيران إلى خفض التصعيد وسط تصاعد التوتر في مطلع الأسبوع بشأن مضيق هرمز.

أوروبا أعلام الاتحاد الأوروبي ترفرف خارج مقر المفوضية الأوروبية في بروكسل... بلجيكا 26 فبراير 2026 (رويترز)

الاتحاد الأوروبي يوسع عقوبات إيران لتشمل المسؤولين عن إغلاق «هرمز»

قال دبلوماسيان من الاتحاد الأوروبي إن التكتل سيوسع نطاق معايير عقوباته المفروضة على إيران لتشمل المسؤولين عن إغلاق مضيق هرمز.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)

مصر تؤكد عدم التهاون في مصالحها المائية الوجودية

السيسي خلال لقاء المبعوث الأميركي مسعد بولس في القاهرة يوم الاثنين (الرئاسة المصرية)
السيسي خلال لقاء المبعوث الأميركي مسعد بولس في القاهرة يوم الاثنين (الرئاسة المصرية)
TT

مصر تؤكد عدم التهاون في مصالحها المائية الوجودية

السيسي خلال لقاء المبعوث الأميركي مسعد بولس في القاهرة يوم الاثنين (الرئاسة المصرية)
السيسي خلال لقاء المبعوث الأميركي مسعد بولس في القاهرة يوم الاثنين (الرئاسة المصرية)

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن بلاده لن تتهاون في مصالحها المائية الوجودية، مستعرضاً خلال محادثات مع كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، في القاهرة الاثنين، مستجدات الأوضاع في السودان والقرن الأفريقي ولبنان، حسب إفادة رسمية للمتحدث باسم الرئاسة المصرية.

وقال المتحدث محمد الشناوي إن المحادثات «تناولت عدداً من القضايا الإقليمية محل الاهتمام المشترك بين مصر والولايات المتحدة، وعكست استمرار توافق الرؤى المصرية - الأميركية حول ضرورة خفض التصعيد وإيجاد حلول سياسية لمختلف الأزمات الإقليمية».

وأضاف أن مستشار ترمب أكد تقدير واشنطن للسياسة التي تنتهجها مصر وجهودها للسعي لتسوية الأزمات والنزاعات التي تشهدها المنطقة، مشيراً إلى أهمية مواصلة التنسيق والتشاور بينها وبين الولايات المتحدة في هذا الصدد.

وبشأن الأوضاع في السودان، اتفق السيسي وبولس على «ضرورة بذل كل الجهود والمساعي اللازمة لإنهاء الحرب ووقف المعاناة الإنسانية للشعب السوداني». ورحب الرئيس المصري بتعهد المجتمع الدولي، خلال مؤتمر برلين الذي عقد الأسبوع الماضي، بمبلغ مليار ونصف المليار يورو للاستجابة للاحتياجات الإنسانية في السودان.

وجدد الرئيس المصري تأكيد «رؤية القاهرة للأزمة السودانية، القائمة على ضرورة ضمان سيادة ووحدة السودان، ورفض التدخلات الخارجية ومحاولات النيل من أمنه واستقراره أو إحداث فراغ سياسي به».

من جانبه، أعرب مستشار ترمب عن تقديره للدور المصري، اتصالاً بالأزمة السودانية، مشيداً بمواقف القاهرة الرامية لاستعادة الأمن والاستقرار في السودان، ومؤكداً حرص الولايات المتحدة على التنسيق الوثيق مع مصر ودول «الرباعية» في هذا الإطار، وفق متحدث الرئاسة المصرية.

وتناولت المحادثات الوضع في لبنان، حيث أثنى السيسي على المجهود الذي بذله نظيره الأميركي للتوصل إلى وقف لإطلاق النار في لبنان.

وفيما يتعلق بمنطقة القرن الأفريقي، أبرز السيسي رفض مصر القاطع لأي إجراءات من شأنها تهديد الأمن والاستقرار بدول المنطقة. كما أعرب عن ترحيبه باتفاق الحكومة الكونغولية وحركة «23 مارس» على توسيع الآلية الإقليمية المشتركة المعززة لرصد وقف إطلاق النار الموقع أخيراً، مؤكداً دعم مصر للجهود الأميركية في هذا الصدد.

وتطرقت المحادثات إلى ملف نهر النيل، وشدد السيسي على أن «أمن مصر المائي قضية وجودية وأولوية قصوى»، مؤكداً أن «مصر لن تتهاون في مصالحها المائية الوجودية».

وتقول مصر إن نصيب الفرد من المياه «يقترب حالياً من مستوى الندرة المطلقة». وأكد وزير الموارد المائية والري المصري، هاني سويلم، الشهر الماضي، أن بلاده تُعد من أكثر دول العالم جفافاً، وتعتمد بشكل شبه كامل على نهر النيل الذي يمثل نحو 98 في المائة من مواردها المائية المتجددة.

وتعترض مصر والسودان على مشروع «سد النهضة» الذي دشنته إثيوبيا رسمياً في سبتمبر (أيلول) الماضي، وتطالبان بـ«اتفاق قانوني ملزم ينظِّم عمليات تشغيل السد، بما لا يضر بمصالحهما المائية».

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يلتقي مبعوث ترمب في القاهرة يوم الاثنين (الرئاسة المصرية)

وتعقيباً على هذا الأمر، قال مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، حسين هريدي، لـ«الشرق الأوسط»: «رغم حديث ترمب عن سعيه لحل أزمة السد الإثيوبي، لم نرَ حتى الآن تحركاً أميركياً إيجابياً لتسوية الأزمة»، مشيراً إلى أن «الخلاف قانوني، حيث تسعى القاهرة إلى اتفاق قانوني ملزم بشأن قواعد ملء وتشغيل السد».

وأضاف: «نحن في انتظار تحرك أميركي للوساطة بين مصر وإثيوبيا وترجمة النوايا الحسنة إلى اتفاق على أرض الواقع».

وفي يناير (كانون الثاني) الماضي، أرسل ترمب خطاباً رسمياً إلى السيسي يعرض فيه استعداد واشنطن لاستئناف مفاوضات «سد النهضة»، والتوصل لحل نهائي وعادل للقضية، وهو ما رحّبت به القاهرة والخرطوم.

وأشار هريدي إلى أن زيارة بولس ومحادثاته في القاهرة تستهدف في المقام الأول «دفع جهود (الرباعية الدولية) بشأن حل الأزمة في السودان التي تزداد خطورة كلما طال أمدها، مما يهدد بامتداد تداعياتها إلى الدول المجاورة».

وفي إطار جهود خفض التصعيد في المنطقة، أعرب وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي عن «التطلع لعقد الجولة الثانية من المفاوضات الأميركية - الإيرانية، بما يسهم في التوصل إلى تفاهمات تؤدى إلى تثبيت وقف إطلاق النار وخفض التصعيد وإنهاء الحرب».

وأكد عبد العاطي خلال لقائه، الاثنين، في القاهرة مع المبعوث الشخصي للسكرتير العام للأمم المتحدة للشرق الأوسط، جان أرنو، أن «التفاوض والحوار هما السبيل الوحيد لتسوية النزاع القائم»، حسب إفادة رسمية لمتحدث وزارة الخارجية المصرية، تميم خلاف.


أطراف الأزمة الليبية ينقسمون بشأن تحركات البعثة الأممية

صورة أرشيفية لاجتماع سابق بين الدبيبة والمنفي وتكالة (المجلس الرئاسي)
صورة أرشيفية لاجتماع سابق بين الدبيبة والمنفي وتكالة (المجلس الرئاسي)
TT

أطراف الأزمة الليبية ينقسمون بشأن تحركات البعثة الأممية

صورة أرشيفية لاجتماع سابق بين الدبيبة والمنفي وتكالة (المجلس الرئاسي)
صورة أرشيفية لاجتماع سابق بين الدبيبة والمنفي وتكالة (المجلس الرئاسي)

انفجر مجدداً الخلاف العميق بين الأطراف الليبية بشأن دور بعثة الأمم المتحدة لدى البلاد، حيث شن «المجلس الرئاسي» و«المجلس الأعلى للدولة» هجوماً مشتركاً عنيفاً على البعثة، واتهموها بـ«التطاول على السيادة الليبية، ومحاولة فرض شخصيات مشبوهة، وتسريب حوارات مصغرة غير متوازنة»، بينما أشاد المشير خليفة حفتر، قائد «الجيش الوطني»، بدورها في دعم مساري الحوار السياسي وتوحيد الميزانية.

وقاد «المجلس الأعلى للدولة» برئاسة محمد تكالة، هجوماً لاذعاً على البعثة وأطراف دولية، لم يحددها، واتّهمها بمحاولة «تجاوز المؤسسات الشرعية، وفرض شخصيات مشبوهة»، في خطوة يرى محللون أنها تعكس تصدعاً جديداً في العملية السياسية الهشة بالبلاد.

وأعرب المجلس في بيان، عن «قلقه البالغ» إزاء «حالة الاستعصاء السياسي»، محذراً من محاولات الالتفاف على الأطر القانونية، عبر دعم «كيانات عائلية ومجموعات جهوية».

كما اتهم «المجلس الأعلى» البعثة الأممية، بـ«انتقاء» أعضاء من المؤسسات التشريعية والتنفيذية بشكل فردي، وهو ما عدّه «تطاولاً وتجاوزاً» لمؤسسات الدولة السيادية، وقال إن «العائق الحقيقي أمام الوصول إلى تسوية سياسية شاملة، يتمثل في محاولات بعض الأطراف الدولية والبعثة الأممية، فرض شخصيات وصياغات تهدف للسيطرة على السلطة وموارد الدولة».

وجدد المجلس دعوته المجتمع الدولي، إلى ضرورة التركيز على «الاستحقاق الدستوري بدلاً من منح الغطاء لشخصيات تحوم حولها شبهات فساد مثبتة في تقارير أممية»، مؤكداً أن استقرار ليبيا وسيادتها «خط أحمر».

وجاء البيان بعد ساعات فقط من مطالبة «المجلس الرئاسي» برئاسة محمد المنفي، البعثة الأممية، بسرعة تقديم توضيح رسمي بشأن ما تم تداوله، بشأن ترتيبات لعقد «حوار مصغر» برعايتها، معرباً عن استغرابه من «طرح مثل هذه الترتيبات بصورة غير رسمية، وبصيغة غير متوازنة، وتسريبها للإعلام دون أي توضيح رسمي، لما لذلك من أثر في خلق لبس لدى الرأي العام وإرباك للمشهد».

واعتبر المجلس الرئاسي أن «مثل هذه الأساليب لا تساعد في بناء الثقة، ولا تخدم الجهود الرامية إلى جمع الليبيين»، محذراً من أنها «قد تدفع بالأوضاع نحو مسارات غير محسوبة، ولا تحمد عقباها».

صورة وزعتها البعثة الأممية لأعضاء المسار الأمني فى «الحوار المهيكل» - 19 أبريل

وتجاهلت البعثة الأممية التعليق على هذين البيانين، لكنها دعت في المقابل، منظمات المجتمع المدني والقيادات المحلية، لتنظيم مشاورات عامة في مختلف المدن باستخدام دليل «الحوار المهيكل»، الذي يشمل 4 مسارات رئيسية؛ هي الحوكمة والاقتصاد والأمن والمصالحة الوطنية وحقوق الإنسان، بهدف جمع آراء الليبيين وتوصياتهم حول مستقبل البلاد.

وأكدت الممثلة الأممية هانا تيتيه، أن «الحوار ليس لفرض رؤية الأمم المتحدة؛ بل لتمكين الليبيين من صياغة رؤية وطنية موحدة تقود إلى مؤسسات فعالة وانتخابات واستقرار دائم».

ستيفاني خوري (أ.ف.ب)

في المقابل، استغل القائد العام لـ«الجيش الوطني»، المشير خليفة حفتر، اجتماعه مساء الأحد في بنغازي، مع ستيفاني خوري نائبة تيتيه للشؤون السياسية، للإشادة بدور البعثة في دعم مسارات الحوار السياسي والجهود الرامية إلى تحقيق الاستقرار الدائم.

وأوضح أنهما ناقشا تطورات ومستجدات العملية السياسية والمساعي الرامية إلى توحيد المؤسسات، بما يسهم في تهيئة البلاد لإجراء الانتخابات العامة، وقال مكتبه إنها أطلعته على «التقدم» الذي أحرزته اللجان المتخصصة في الحوار المهيكل «الذي ترعاه البعثة، كما بحثا الخطوات الإيجابية التي أنجزت في ملف توحيد الميزانية العامة للدولة، من أجل تنفيذ الخطط التي من شأنها الارتقاء بمستوى الخدمات».

وفي شأن آخر، أكد حفتر في اجتماعه الاثنين، ببنغازي مع سفير روسيا، إيدار أغانين، حرصه على «تعزيز وتطوير العلاقات الثنائية، والارتقاء بها في مختلف المجالات»، مشيراً إلى بحث سبل «مواجهة التحديات الأمنية الراهنة، وتعزيز التنسيق المشترك في مجالات مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة العابرة للحدود».

اجتماع حفتر مع سفير روسيا لدى ليبيا - 20 أبريل (الجيش الوطني)

بدوره، أكد نجل ونائب حفتر، الفريق صدام، الأهمية القصوى لمواصلة العمل على رفع كفاءة منتسبي الأجهزة الأمنية وتعزيز جاهزيتهم القتالية والفنية، وشدد خلال افتتاحه المقر الجديد لمديرية أمن بنغازي الكبرى، الذي أعيد بناؤه إثر تعرضه للتدمير الكامل على يد الجماعات الإرهابية عام 2014، على أن «تعزيز المؤسسات الأمنية جزء لا يتجزأ من مرحلة تثبيت الاستقرار وإعادة بناء الدولة»، معتبراً ذلك «الركيزة الأساسية لضبط الأمن وتحقيق الاستقرار المستدام في مدينة بنغازي وضواحيها».

من جهتها، نفت منصة «تبيان» التابعة لحكومة «الوحدة»، صحة منشور متداول ينسب إلى عبد السلام الزوبي وكيل وزارة الدفاع، تشكيل وفد عسكري تمهيداً لزيارة المنطقة الشرقية، وأكدت أنه «مزور ولا أساس له من الصحة».


طواقم إزالة الألغام تمشط العاصمة السودانية المدمرة بحثاً عن المتفجرات

طواقم إزالة الألغام تمشط العاصمة السودانية (أ.ف.ب)
طواقم إزالة الألغام تمشط العاصمة السودانية (أ.ف.ب)
TT

طواقم إزالة الألغام تمشط العاصمة السودانية المدمرة بحثاً عن المتفجرات

طواقم إزالة الألغام تمشط العاصمة السودانية (أ.ف.ب)
طواقم إزالة الألغام تمشط العاصمة السودانية (أ.ف.ب)

في متنزه كان وجهة رائجة بين العائلات في الخرطوم، يبحث حسين إدريس عن الألغام باستخدام جهاز كشف المعادن مرتدياً معدات الحماية، بعدما حولت الحرب العاصمة السودانية إلى حقل ألغام تجاهد الحكومة لتطهيره.

ورغم أن خطوط المواجهة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» انتقلت من العاصمة إلى ولايات كردفان والنيل الأزرق جنوب البلاد، فقد خلفت أعوام الحرب أعداداً هائلة من الذخائر التي لم تنفجر في الخرطوم التي تحاول استعادة الحياة الطبيعية وسط بنية تحتية مدمرة وحقول ألغام متناثرة.

ويقول إدريس لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» بعدما قضى نهاره بحثاً عن الألغام المدفونة في الحديقة: «العمل صعب ولكننا والحمد لله ما زلنا على قيد الحياة، ونتمنى أن يعود المتنزه أحسن مما كان».

وتنتشر في أنحاء متنزه «المقرن للعائلات» لافتات حمراء تتوسطها رسومات جماجم تحت عبارة «خطر ألغام» لتحذير المدنيين من الاقتراب.

وبعد يوم طويل من العمل الشاق، وضع إدريس - الذي يعمل في إزالة الألغام منذ نحو عقدين - جهاز الكشف عن المعادن جانباً ورفع خوذته في مواجهة الشمس الحارقة التي أصبحت الآن في وسط السماء.

ويستمر العمل في تطهير الألغام منذ أغسطس (آب) الماضي بعد خمسة أشهر من سيطرة الجيش على الخرطوم في عملية عسكرية واسعة أخرجت «قوات الدعم السريع» من وسط البلاد.

وحتى منتصف 2025، كان يعتقد بالفعل أن حرب الشوارع التي شهدت تفجيرات بالقنابل والذخائر المدفعية والصواريخ التي استهدفت حتى المنازل والمستشفيات، خلّفت كثيراً من الذخائر التي لم تنفجر.

طواقم إزالة الألغام تمشط العاصمة السودانية (أ.ف.ب)

ولكن في يوليو (تموز) حين تسبب جنديان في انفجار لغم عن طريق الخطأ اكتشفت السلطات أن الألغام قد زُرعت عمداً على مساحة تمتد 4,5 كيلومتر ما زاد من صعوبة المهمة الشاقة بالفعل.

وتقول السلطات إنها أزالت عشرات الآلاف من المتفجرات في أنحاء العاصمة، ويتولى المجلس النرويجي للاجئين بالتعاون مع منظمة محلية تطهير حديقة المقرن التي أزالوا منها حتى الآن 12,000 جسم متفجر.

غير أن ما أنجز حتى الآن لا يتجاوز جزءاً صغيراً من العمل المطلوب في الخرطوم، حسب السلطات، التي وجدت حقلين آخرين للألغام، وأعلنت عن مناطق واسعة غير آمنة للمدنيين.

وفي زيارة للموقع تحت إشراف السلطات شاهد صحافيو «وكالة الصحافة الفرنسية» صفين متعرجين من الأعمدة الخشبية المطلية باللون الأصفر التي تشير إلى الألغام التي أُزيلت.

وتقع حديقة المقرن على الواجهة الغربية وسط الخرطوم التي احتلتها «قوات الدعم السريع» بعد عملية خاطفة مع اندلاع المعارك في أبريل (نيسان) 2023، والتي سيطرت عليها حتى نجاح العملية العسكرية للجيش قبل عام.

ويقول المشرف على فريق إزالة الألغام جمعة إبراهيم لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» إن «الهدف من الألغام هو منع القوات من الانتشار»، دون توضيح الجهة التي زرعت الألغام.

وكانت الاستراتيجية هي إبقاء المقاتلين في الشوارع ليكونوا تحت طائلة القناصة المنتشرين في البنايات العالية، وإذا حاولوا التفرق والاختباء بين الأشجار تقابلهم الألغام التي لم تُصمم للقتل، وإنما لتشويه الضحايا وإضعاف الروح المعنوية.

وحسب الفريق تم العثور على أول لغم في جزيرة بوسط الطريق لا يتجاوز عرضها متراً واحداً يرجح أنه وضع هناك لاستهداف أي جندي يحاول الاحتماء بالنخلة المزروعة بوسطها.

ولا تزال الشوارع مليئة بالشظايا والطلقات الفارغة والحفر حيثما سقطت قذائف المدفعية.

وأزال الفريق حتى الآن 164 جسماً خطراً بينها 19 لغماً بشرياً (وهي أجسام صغيرة تنفجر بمجرد اللمس) و7 ألغام آلية.

وحسب إبراهيم: «يمكن أن نقدر أن المنطقة أصبحت نظيفة تقريباً بنسبة 80 في المائة».

غير أن إزالة الألغام تبدو مهمة سهلة مقارنة بإعادة تأهيل وسط الخرطوم الذي تملؤه الشظايا والركام كأنه مشهد لنهاية العالم.

فقد شوهت المعارك أبرز مبانيها حتى بات يصعب التعرف عليها ،فيما امتلأت أخرى بآثار الرصاص والطلقات المدفعية التي لم ينفجر بعضها بعد.

طواقم إزالة الألغام تمشط العاصمة السودانية (أ.ف.ب)

وفي أحد الشوارع، شاهد صحافيو «وكالة الصحافة الفرنسية» قذيفة دبابة ضخمة لم تنفجر يبدو عليها الصدأ ومحاطة بزجاج مهشم، فيما أكد ضابط الجيش المرافق لهم أنها قذيفة غير منفجرة ولا يمكن أن تُحدث أي ضرر.

ولكن خلف جدران المباني وجدت العائلات التي عادت مؤخراً قذائف داخل المنازل، والشهر الماضي تم العثور على قذيفة أمام روضة أطفال في منطقة بحري.

وعلى مدار العام الماضي قتل وأصيب العشرات مع الانفجار الخاطئ لقذائف غير منفجرة بحسب تقارير.

وقال ممثل دائرة الأمم المتحدة للإجراءات المتعلقة بالألغام محمد صديق رشيد الشهر الماضي إن العائلات «تعود إلى بيئة شديدة الخطورة، وغالبا ما يكون ذلك دون إدراك للمخاطر».

وعاد أكثر من 1,8 مليون شخص إلى الخرطوم منذ أعلن الجيش سيطرته عليها في مارس (آذار) 2025، توجه معظمهم إلى مناطق أكثر أمناً بعيداً عن وسط المدينة.

ولا تزال أحياء بأكملها غارقة في الظلام مع انهيار البنية التحتية وانقطاع المياه والكهرباء.