وزير النقل التركي لـ«الشرق الأوسط»: حسم تكاليف وتمويل الممر السككي مع السعودية نهاية العام

كشف أن أنقرة تعمل بوتيرة متسارعة لتحسين إجراءات الحدود وجوازات السفر

وزير النقل والبنية التحتية التركي عبد القادر أورال أوغلو (الوزارة)
وزير النقل والبنية التحتية التركي عبد القادر أورال أوغلو (الوزارة)
TT

وزير النقل التركي لـ«الشرق الأوسط»: حسم تكاليف وتمويل الممر السككي مع السعودية نهاية العام

وزير النقل والبنية التحتية التركي عبد القادر أورال أوغلو (الوزارة)
وزير النقل والبنية التحتية التركي عبد القادر أورال أوغلو (الوزارة)

كشف وزير النقل والبنية التحتية التركي، عبد القادر أورال أوغلو، أن اللجان الفنية تعكف حالياً على إنهاء الدراسات التفصيلية لحسم التكاليف والاحتياجات الاستثمارية ونموذج التمويل الخاص بمشروع الممر السككي الاستراتيجي بين السعودية وتركيا، بحلول نهاية العام الحالي 2026.

وأكد، في حوار خاص مع «الشرق الأوسط»، أن الإرادة السياسية القوية لسموّ ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، والرئيس التركي رجب طيب إردوغان، تشكل المحرك الأساسي لتذليل العقبات المالية والتنفيذية كافة لهذا المشروع التاريخي، مشيراً إلى وجود تفاهمات واضحة مع الأردن وسوريا لتأهيل الأجزاء المتضررة من الخط بطول 400 كيلومتر، ليكون بمثابة بديل جيوسياسي آمن يحمي سلاسل الإمداد الخليجية والعالمية من التوترات الراهنة في مضيق هرمز.

وبَيّن أوغلو أن المشروع يمتلك القدرة الفعلية على إنشاء ركيزة تجارية جديدة وفريدة بين الخليج وأوروبا، كمسار حيوي يدعم ممرات النقل الأخرى ويعزز الترابط الإقليمي، مؤكداً أن الهدف الاستراتيجي يتجاوز مجرد توفير مَنفذ إلى دول مُحددة، بل يرمي إلى إنشاء شبكة نقل متكاملة ومستدامة تمتد لتشمل القارة الأوروبية بأكملها.

كان أورال أوغلو قد وقّع، في التاسع من الشهر الحالي، مع وزير النقل والخدمات اللوجستية السعودي صالح الجاسر، مذكرات تفاهم تشمل السكك الحديدية والخدمات اللوجستية.

مصافحة بين الجاسر وأورال أوغلو عقب توقيع مذكرتَي التفاهم (إكس)

تيسير معابر الحدود وجوازات السفر

وحول إجراءات جوازات السفر وعبور الحدود، قال أوغلو: «في هذه المرحلة، تتمثل أولويتنا في إنشاء البنية التحتية المادية واستكمال الوصلات المفقودة. ونظرتنا لهذا الخط على المدى البعيد لا تقف عند حدود نقل البضائع فحسب، بل تمتد أيضاً لنقل الركاب، ومن هنا فإن إجراءات عبور الحدود تُعد بالغة الأهمية لنا».

وتابع الوزير التركي حديثه قائلاً: «هدفنا هو إنشاء نظام آمن وسريع وفعّال. ولتحقيق ذلك، أدخلنا بعض الترتيبات الجديدة والملموسة، منها تمديد مدة تأشيرات السائقين من 15 يوماً إلى سنة واحدة كاملة، وإعادة تنظيم الوثائق المطلوبة بما يُتيح إنجاز الإجراءات بشكل أسرع. لذا فإننا نعمل على تحسين إجراءات جوازات السفر ومعابر الحدود بوتيرة متسارعة، إذ يتجاوز الخط مهمة نقل البضائع، ليركز على التقريب بين الناس وتعزيز التفاعل الثقافي والاجتماعي».

ووفقاً لأورال أوغلو، فإن نموذج تنفيذ المشروع النهائي والشركات المشاركة فيه سيتضح، بشكل كامل، بعد الانتهاء من الدراسات الفنية الجارية، مبيناً أن تركيا تُعد من الدول التي تتمتع بأقوى القدرات الهندسية والمقاولاتية في العالم بمجال النقل، ومنوهاً بأنه إذا سارت الأمور وفقاً للخطة الموضوعة، فستلعب الشركات التركية دوراً مهماً ورئيسياً في هذا المشروع القاري.

خطا الأردن - السعودية وسوريا - تركيا

وفيما يتعلق بتفاصيل خط الأردن - السعودية وخط سوريا - تركيا، قال أورال أوغلو: «نحن الآن في المرحلة التي تُجرى فيها الدراسات الفنية بكثافة عالية. وتُواصل فِرقنا الفنية فحوصاتها الميدانية، حيث يجري تحديد الأقسام التي ستُجرى فيها أعمال التجديد، والأجزاء التي سيُعاد بناؤها بالكامل، وحجم الاستثمار المطلوب لكل قطاع. إن هدفنا الرئيسي الآن هو توضيح الاحتياجات الدقيقة على طول مسار الخط والأعمال الفنية اللازمة له. وإذا سارت الأمور وفقاً للخطة الموضوعة، فسيتبلور إطار عمل أكثر وضوحاً بشأن التكاليف واحتياجات الاستثمار والتمويل، بحلول نهاية العام الحالي. بعد ذلك، سننتقل للعمل مباشرة مع الدول المعنية على برنامج الاستثمار المشترك وخطة التنفيذ التفصيلية».

وحول حجم التمويل المتوقع للمشروع وآلية التغطية المالية، قال أوغلو، لـ«الشرق الأوسط»: «في هذه المرحلة، من السابق لأوانه الإعلان عن رقم محدد للتكلفة الإجمالية. أولاً، نحتاج إلى تحديد الاستثمارات المطلوبة بدقة وبناءً على واقع الأرض، وبمجرد الانتهاء من الدراسات الفنية، ستتضح الصورة المالية بشكل أكبر وأكثر يقيناً».

إرادة القيادة والبدائل المرنة للتمويل

واستدرك الوزير مؤكداً: «مع ذلك، فإن العنصر الأهم هنا، حتى قبل التمويل، هو توفر الإرادة السياسية؛ حيث أظهر الرئيس رجب طيب إردوغان، وولي العهد الأمير محمد بن سلمان إرادة قوية وصارمة لتحقيق هذا المشروع التاريخي، وهذا بالنسبة لنا يمثل العنصر الأهم والمحرك الأساسي».

وزاد، في السياق نفسه: «بمجرد توفر الإرادة السياسية والرؤية المشتركة، يمكن تطوير نماذج التمويل بكل مرونة؛ إذ يمكن النظر في خيارات الموارد العامة للدول، أو الاستعانة بالمؤسسات المالية الدولية، أو اعتماد نماذج الاستثمار المختلفة، فضلاً عن خيارات التمويل المشترك بين القطاعين العام والخاص، لذا فإن أولويتنا القصوى حالياً هي إكمال الدراسات الفنية وتقديم مشروع هندسي واضح ومعتمَد، ليتم بعد ذلك تحديد نموذج التمويل النهائي، بناءً على التقييمات المشتركة والاتفاقيات التي ستُجرى بين الدول المعنية».

النقل عنصر أمن استراتيجي

وفي قراءته للأبعاد الجيوسياسية، أشار الوزير التركي إلى أن الجائحة، والنزاعات الإقليمية، والأزمات العالمية، التي شهدها العالم في السنوات الأخيرة، أظهرت حقيقةً واضحة لا لبس فيها: «أن ممرات النقل ليست مجرد أدوات اقتصادية وتجارية بحتة، بل هي أيضاً عناصر أمنية استراتيجية بالغة الحساسية. لذلك، أصبحت الترابطية محوراً أساسياً وثابتاً للتعاون بين الدول»، مؤكداً أن استدامة التجارة العالمية، وأمن إمدادات الطاقة، وتماسك سلاسل التوريد، باتت تعتمد بشكل كلي على شبكات نقل قوية ومحصَّنة.

وزاد أوغلو: «بفضل موقعها الاستراتيجي الفريد عند ملتقى طرق قارات أوروبا وآسيا وأفريقيا، تحتل تركيا مكانةً مركزيةً وحيوية في شبكات التجارة الإقليمية والعالمية. أما السعودية فتُعدّ من أهم وأقوى القوى الاقتصادية المؤثرة في منطقة الخليج والعالم. لذا فإن التعاون بين البلدين في قطاع النقل لن يقتصر على تعزيز العلاقات الثنائية بين أنقرة والرياض فحسب، بل سيسهم أيضاً بشكل فعال في تطوير البنية التجارية واللوجستية لمنطقة جغرافية واسعة وممتدة من الخليج إلى أوروبا، ومن البحر الأبيض المتوسط إلى البحر الأسود».

ولفت أوغلو إلى أن العلاقات السعودية التركية شهدت زخماً كبيراً وتطوراً ملحوظاً مؤخراً؛ حيث أسهمت الإرادة القوية التي أبداها الرئيس رجب طيب إردوغان، وخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وولي العهد الأمير محمد بن سلمان، في وضع التعاون بين البلدين على أسس استراتيجية أوسع نطاقاً وأكثر شمولاً، وصنعت رؤية مشتركة تبلورت؛ ليس فقط في مجالي التجارة والاستثمار التقليديين، بل أيضاً في مجالات حيوية ستشكل ملامح المستقبل، مثل النقل واللوجستيات والطاقة والربط القاري.

ما وراء القضبان: شراكة تقنية ورقمية

وأضاف الوزير: «في هذا السياق، نرى فرصاً واعدة للغاية، ولا سيما في قطاع السكك الحديدية. ومن خلال مذكرات التفاهم التي وقَّعناها في الرياض مؤخراً، وضعنا أساساً مشتركاً وممتداً للتعاون في عدد من المجالات؛ بما في ذلك التعاون التقني في قطاع السكك الحديدية، وتطوير الخدمات اللوجستية، وتقنيات النقل الحديثة، والرقمنة، وعمليات الصيانة والتشغيل، وممارسات السلامة والأمن، إضافة إلى الأنشطة التدريبية المتبادلة، إذ لا يقتصر تعاوننا على نقل البضائع فحسب، بل يشمل أيضاً نقل الركاب، والتنقل السياحي، والزيارات الدينية، وزيادة التفاعل الإنساني بين شعبينا».

وتابع: «نحن لا نخطط لتلبية احتياجات اليوم الحالية فحسب، بل نخطط لتشييد أنظمة النقل المستقبلية الشاملة. لهذا السبب تحديداً، نعمل على إنشاء خطوط سكك حديدية جديدة تربط منطقة الخليج بأوروبا عبر تركيا. ونُجري حالياً الدراسات الفنية على مسار يبدأ من السعودية، ويصل إلى تركيا عبر الأردن وسوريا، ومن ثم يُدمج بالكامل في شبكة السكك الحديدية الأوروبية. وبمجرد إنجاز هذا الخط وتفعيله، سيصبح من الممكن نقل البضائع من منطقة الخليج إلى أوروبا بسرعة أكبر، وأمان أكثر، واستدامة أعلى».

وشدد أوغلو على أن مذكرتَي التفاهم اللتين وُقّعتا في الرياض تتجاوزان التعاون التقني التقليدي، لتصلا إلى العمقيْن اللوجستي والرقمي، مبيناً أن المنافسة في قطاع النقل المعاصر لا تقتصر على البنية التحتية المادية فحسب، بل تشمل أيضاً البنية التحتية الرقمية، وأنظمة الخدمات اللوجستية الذكية، وإدارة البيانات، وتسريع إجراءات عبور الحدود، مضيفاً: «نحن لا ننظر إلى التعاون الاستراتيجي بين البلدين على أنه مجرد مدّ للقضبان الحديدية أو تشغيل للقطارات».

التفاهم الإقليمي مع سوريا والأردن

وحول طبيعة التفاهم مع الجانبين السوري والأردني بشأن الربط السككي، قال أوغلو، لـ«الشرق الأوسط»: «يُعد هذا المشروع بمثابة مشروع ربط إقليمي واسع لا يقتصر على تركيا والسعودية فحسب، بل يشمل في صلب خططه الدول الأخرى الواقعة على طول مساره الجغرافي. هدفنا الرئيسي هو إنشاء ممر سككي متصل يبدأ من منطقة الخليج ويمتد إلى تركيا مروراً بالأردن وسوريا، ومن هناك ينطلق إلى أوروبا. وفي هذا السياق الاستراتيجي، توصلنا إلى تفاهمات واضحة مع كل من سوريا والأردن بشأن تطوير هذا الممر وإحيائه».

وأضاف: «توجد، اليوم، بنية تحتية سككية متطورة وقوية على الجانب السعودي تمتد بشكل ملموس حتى الحدود الأردنية. أما على الجانب التركي، فتصل شبكتنا السككية بكفاءة عالية إلى مناطق غازي عنتاب وكلس وإصلحية المحاذية للحدود. لذا، يُعد وضع الربط وتأهيله في الأجزاء السورية والأردنية أحد المحاور الرئيسية والمُلحة للمشروع. وتشير التقييمات الأولية التي أُجريت إلى وجود حاجة ماسّة لتجديد وتأهيل وضخ استثمارات جديدة في جزء يبلغ طوله نحو 400 كيلومتر يمر عبر سوريا والأردن، حيث سيكفي تحسين الخطوط القائمة في بعض المقاطع، بينما تتطلب مقاطع أخرى إنشاءات جديدة بالكامل».

وتابع الوزير: «أولويتنا الراهنة هي تحديد الوضع الحالي الفعلي للخط، ورصد احتياجاته الفنية، ومتطلبات الاستثمار المالي فيه بدقة تامة؛ لبلورة إطار واضح، بحلول نهاية العام الحالي. إننا لا ننظر إلى هذا المشروع الحيوي على أنه استثمار مجرد في قطاع النقل فحسب، بل كمبادرة استراتيجية وسيادية تربط دول المنطقة ببعضها بشكل أوثق وأكثر متانة، وبما يحقق مكاسب وعوائد استثنائية في مجالات التجارة والخدمات اللوجستية والتنقل الاقتصادي الإقليمي الشامل».

بدائل جيوسياسية

ووفقاً لأورال أوغلو، فإن النزاعات الإقليمية والتطورات المتسارعة في منطقة الخليج والتوترات المستمرة حول مضيق هرمز، كشفت، بوضوح، للعالم مدى هشاشة ممرات النقل التقليدية الراهنة وأكدت ضرورة تعزيز البدائل الآمنة والمستدامة. وبيّن أنه انطلاقاً من هذا الفهم الشامل، تعمل تركيا على تطوير مشاريع استراتيجية كبرى لتعزيز الربط الدولي، فبينما يوفر «الممر الأوسط» بديلاً موثوقاً وفعالاً لتدفقات التجارة الممتدة من الصين إلى أوروبا، يهدف مشروع «طريق التنمية» إلى إنشاء بنية تحتية لوجستية جديدة تربط الخليج العربي بأوروبا مباشرة عبر العراق، ومنها إلى تركيا.

وأضاف: «نرى في مشروع خط سكة حديد السعودية - تركيا أحد العناصر الأساسية المكملة لهذه الرؤية اللوجستية الشاملة؛ إذ سيوفر خيارات متعددة ومرنة للشحنات المتجهة إلى أوروبا من منطقة الخليج، ما سيزيد مرونة سلاسل التوريد ويحصّن حركة التجارة العالمية ضد الأزمات والاضطرابات المحتملة، ولا سيما أن النقل بالسكك الحديدية يضمن بنية لوجستية أسرع، وأكثر اقتصادية، وأكثر استدامة».

وتابع أوغلو مؤكداً الأبعاد القارية والدولية للمشروع: «عند النظر إلى هذا المحور جنباً إلى جنب مع (الممر الأوسط) و(طريق التنمية)، فإنه يمتلك القدرة الفعلية على التأثير الجذري في بنية التجارة الدولية على نطاق جغرافي واسع يمتد من أوروبا إلى الخليج، ومن الشرق الأوسط إلى عمق قارة آسيا، مستهدفاً جعل حركة التجارة العالمية أكثر أماناً واستمرارية، عبر ممرات متكاملة ومترابطة لا يلغي أحدها الآخر بل يكمله».

وزاد الوزير التركي مستعرضاً جاهزية بلاده: «بفضل مشروعات استراتيجية مثل (مرمراي) المائي، وخط سكة حديد (باكو - تبليسي - كارس)، نجحنا في تأسيس خط سككي صلب يربط آسيا بأوروبا مباشرة. وتأتي استثماراتنا الجديدة، مثل خط السكة الحديد المقرر مروره فوق جسر السلطان سليم الأول، ومشروع خط قطار الشحن فائق السرعة (هالكالي - كابيكولي) قيد الإنشاء حالياً، لتدفع بتكامل تركيا الكامل مع القارة الأوروبية إلى آفاق غير مسبوقة».

وأوضح أوغلو أن إنشاء أكثر من 4000 كيلومتر من خطوط السكك الحديدية الجديدة في البلاد، وتوسيع سعة الممرات القارية، يرسخ مكانة تركيا بوصفها مركز ثقل محورياً ونقطة التقاء استراتيجية. وبناءً على ذلك، وفور اكتمال الربط الإقليمي وتأهيل الوصلات المفقودة، سيتمكن قطار الشحن المنطلق من قلب السعودية من الوصول مباشرة وبسلاسة إلى كثير من الوجهات والعواصم النهائية في أوروبا عبر الأردن وسوريا وتركيا.

أبعاد التكامل ومكاسب أوروبا

وفي المحور المتعلق بتوسيع نطاق الشبكة، كشف أوغلو أن المشروع يتبلور في مرحلته الأولى بين السعودية وتركيا والأردن وسوريا، غير أن المباحثات والنقاشات الثنائية شملت إمكانية توسيع الخط في الفترات المقبلة لتضم دولاً خليجية أخرى مثل قطر، والإمارات العربية المتحدة، والكويت، وسلطنة عمان، مؤكداً أن القيمة الحقيقية والمضافة لهذا الممر تكمن في قدرته الاستثنائية على الارتباط المباشر بشبكة السكك الحديدية الأوروبية الموحدة عبر البوابة التركية.

وعن العوائد الجيواقتصادية بالنسبة للجانب الأوروبي، بَيّن أوغلو أن المكسب الأبرز لأوروبا يكمن في إقامة صلة لوجستية وتجارية أكثر مباشرة وأماناً مع منطقة الخليج العربي، ولا سيما أن دول مجلس التعاون تعد من أهم الشركاء الاستراتيجيين للقارة العجوز في قطاعات الطاقة، والبتروكيماويات، والمنتجات الصناعية المتنوعة، فضلاً عن حجم الاستثمارات الضخمة المتبادلة بين الطرفين، مما يجعل التدفقات التجارية البينية أكثر انتظاماً وقابلية للتنبؤ بيقين أعلى.

وأضاف أوغلو: «تسعى أوروبا، بجدية، في الآونة الأخيرة، وبسبب الأزمات المتلاحقة، إلى تقصير سلاسل التوريد الخاصة بها، وجعلها أكثر أماناً وتنوعاً واستقلالية؛ ومن هنا يبرز هذا الممر الاستراتيجي بوصفه مساراً مبتكراً يُثري الخيارات اللوجستية للأوروبيين، حيث لا تقتصر المسألة التنافسية هنا على التكلفة المادية فحسب، بل تشمل، بشكل رئيسي، عناصر السرعة الزمنية، وسهولة الوصول المستمر، وقابلية التنبؤ الدقيق بالوصول».

وأوضح، في ختام حواره، لـ«الشرق الأوسط»، أنه لن تتضح الآثار الدقيقة والأرقام التفصيلية على تكاليف الخدمات اللوجستية إلا بعد تحديد البنية التقنية والهندسية النهائية للخط، ورصد أحجام النقل الفعلي المتوقعة عبره، مبيناً أنه بالنظر إلى وفورات الحجم الكبيرة والواضحة التي يوفرها النقل بالسكك الحديدية، مقارنة بالوسائل الأخرى، والتسهيلات الإجرائية والجمركية التي ستُقدَّم عند المعابر الحدودية، فإننا على ثقةٍ تامة بأنه سيُحقق فوائد وعوائد اقتصادية وتنموية هائلة لدول المنطقة وأوروبا، على حد سواء، ليمثل، على المدى الطويل، علامة فارقة تسهم بقوة في تعزيز حركة التجارة الدولية، وتحفيز الاستثمار، وتعميق التكامل الاقتصادي الإقليمي الشامل.

Your Premium trial has ended


مقالات ذات صلة

اتفاقيات صناعية جديدة في ختام «أسبوع الرياض الدولي للصناعة» لتعزيز المحتوى المحلي

الاقتصاد جانب من فعاليات «أسبوع الرياض الدولي للصناعة 2026» (الشرق الأوسط)

اتفاقيات صناعية جديدة في ختام «أسبوع الرياض الدولي للصناعة» لتعزيز المحتوى المحلي

شهد «أسبوع الرياض الدولي للصناعة» توقيع اتفاقية بين شركتَيْ «مصنع البلاستيك الأهلي» و«فيغيراس» الإسبانية المختصة عالمياً في حلول وتقنيات تصنيع المقاعد...

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد منظر علوي لجانب من العاصمة السعودية الرياض (أ.ف.ب)

السعودية تؤكد استمرار الإنفاق التنموي لتسريع مستهدفات «رؤية 2030»

كشفت البيانات الفعلية لميزانية عام 2025، الصادرة عن وزارة المالية السعودية، عن قفزة نوعية في الإيرادات غير النفطية لتتجاوز حاجز 134 مليار دولار...

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص سفينة محملة بالحاويات قرب ميناء الملك عبدالله الواقع غرب السعودية (واس)

خاص اضطرابات «هرمز» تدفع «إعادة التصدير» بالسعودية لقمة تاريخية وتضاعِف فائضها التجاري

كشفت التطورات التجارية الأخيرة عن عمق المرونة الاستثنائية التي يتمتع بها الاقتصاد السعودي في مواجهة الهزات الجيوسياسية.

بندر مسلم (الرياض)
الاقتصاد إحدى محطات تحلية المياه المستقلة التابعة لـ«شراكات المياه» في ينبع (موقع الشركة الإلكتروني)

«السعودية لشراكات المياه» تقود استثمارات بـ14.9 مليار دولار لتعزيز الأمن المائي

تواصل «الشركة السعودية لشراكات المياه» تعزيز مكانتها بوصفها الركيزة الأساسية لمشروعات الشراكة بين القطاعين العام والخاص في قطاع المياه.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع بالسعودية (واس)

اضطرابات «هرمز» تقفز بـ«إعادة التصدير» السعودي لأعلى مستوى تاريخي

أظهرت البيانات الأولية الصادرة عن الهيئة العامة للإحصاء يوم الخميس، تحولاً إيجابياً لافتاً في حركة التجارة الدولية السلعية للسعودية خلال شهر أبريل 2026.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

السودان على خطى الانقسام النقدي

طبعة من الألف جنيه (إكس)
طبعة من الألف جنيه (إكس)
TT

السودان على خطى الانقسام النقدي

طبعة من الألف جنيه (إكس)
طبعة من الألف جنيه (إكس)

لم يعد الانقسام في السودان مقتصراً على الجغرافيا والإدارة والخدمات، بل بدأ يلامس واحدة من أكثر مؤسسات الدولة حساسية، فقد تم رصد تداول أوراق نقدية جديدة من فئتي 1000 و500 جنيه، وهي إصدارات صادرة عن بنك السودان المركزي في مايو (أيار) 2022، في مناطق سيطرة «قوات الدعم السريع»، الأمر الذي أثار تساؤلات حول مستقبل وحدة العملة الوطنية وقدرة البنك المركزي على بسط ولايته على الكتلة النقدية في البلاد.

وسمحت الحكومة «الموالية» لـ«الدعم السريع»، والتي تتخذ من نيالا عاصمة لها، بتداول فئات ورقية تحمل توقيع محافظ بنك السودان المركزي السابق «حسين يحيى جنقول»، بعد أن أعادت تعيينه في المنصب نفسه، باعتباره محافظاً لـ«البنك المركزي الموازي».

وحظرت حكومة نيالا «فئات أخرى موقعة من المحافظ الحالي، برعي الصديق، في وقت أعلن فيه رئيس وزراء الحكومة الموازية محمد حسن التعايشي، عن سياسات نقدية ومصرفية من قبل حكومته، تهدف لبناء نظام مالي متكامل».

ووفقاً لما حصلت عليه «الشرق الأوسط»، فإن تداول أوراق جديدة في مناطق سيطرة «الدعم السريع»، ومن مصدر غير محسوم «ليست المرة الأولى»، وما إذا كانت أوراقاً مخزنة سابقاً، أم ناتجة عن طباعة جديدة.

وبحسب مصرفيين وخبراء اقتصاديين، فإن الخطر لا يكمن في تداول الورقة النقدية نفسها، بل في الجهة التي تتحكم في إصدارها وتداولها، وما قد يترتب على ذلك من آثار على فاعلية السياسات الاقتصادية، والثقة بالعملة الوطنية، واستقرار النظام المالي.

ووفقاً لآراء الخبراء، فإن فاعلية السياسة النقدية تعتمد أساساً على قدرة بنك السودان المركزي على بسط ولايته على الكتلة النقدية، وإدارة السيولة، والحد من الضغوط على سوق النقد الأجنبي، والتحكم في التضخم ودعم استقرار سعر الصرف.

وفي حال تداول كتل نقدية خارج هذه الولاية، فإن قياس المعروض النقدي «عرض النقود» يصبح أكثر تعقيداً، ويضعف قدرة السلطات النقدية على مكافحة التضخم، وإدارة السيولة، واحتواء الضغوط على سعر الصرف، والحفاظ على استقرار الأسعار وسلامة النظام المالي.

وبحسب بيانات صادرة عن «بنك السودان المركزي» في أبريل (نيسان) الماضي، بلغ معدل المعروض النقدي «عرض النقود» 27.3 في المائة، ويعكس ذلك تحديات على إدارة السيولة، لا سيما في الظروف الاستثنائية التي تعيشها البلاد.

وطبقاً لخبراء، فتداول أوراق نقدية في مناطق سيطرة «الدعم السريع» يزيد من تعقيد قياس الكتلة النقدية، لا سيما في مكون العملة المتداولة خارج الجهاز المصرفي، ويحد من دقة المؤشرات النقدية، ويضعف فاعلية تصميم وتنفيذ السياسة النقدية، ينتج عنه تراجع في الثقة بالعملة الوطنية، وتراجع قدرة المؤسسات على إنفاذ السياسات الاقتصادية بصورة متجانسة على مستوى البلاد.

وطبقاً لتقرير العرض الاقتصادي والمالي الصادر عن بنك السودان المركزي في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، استحوذت العملة المتداولة لدى الجمهور (الكاش) على نحو 97.4 في المائة من إجمالي العملة المتداولة، مقابل 2.6 في المائة فقط لدى البنوك التجارية.

ويشير هذا المستوى المرتفع من التداول النقدي خارج الجهاز المصرفي إلى اتساع ظاهرة التعاملات النقدية المباشرة، الذي يحد من قدرة الجهاز المصرفي على تعبئة المدخرات، ويزيد من تعقيد إدارة السيولة، وقال خبراء في هذا الصدد، إن أي تداول إضافي لكتل نقدية خارج ولاية البنك المركزي، سيفاقم اختلالات الاقتصاد، ويعرقل إدارة المعروض النقدي، واستقرار النظامين النقدي والمالي.

الاقتصاد غير الرسمي

تذكر دراسات حديثة أن الاقتصاد غير الرسمي في السودان يمثل نحو 60 في المائة من النشاط الاقتصادي، وهي نسبة مرتفعة تحد من فاعلية السياسات، وتضعف قدرة الدولة على قياس وإدارة النشاط الاقتصادي.

ولا يزال الاقتصاد السوداني يعتمد بصورة كبيرة على التعاملات النقدية مقارنة بوسائل الدفع الإلكتروني، ورغم التطورات التي شهدتها التطبيقات المصرفية في الآونة الأخيرة، فإن مستويات الشمول المالي والانتشار المصرفي لا تزال دون المستوى المطلوب، ما يعزز الاقتصاد الموازي، ويحد من كفاءة السياسات الاقتصادية، وتطويرها إلى اقتصاد «حقيقي».

ومن وجهة نظر الخبراء والمصرفيين، يبدو سيناريو مضي البلاد في اتجاه نظامين مصرفيين من الناحية الفنية والمؤسسية غير مرجح في المدى المنظور. فقيام نظام مصرفي مستقل لا يقتصر على إصدار أوراق نقدية، وإنما يتطلب وجود بنك مركزي يمارس وظائفه الأساسية كاملة، بما في ذلك إدارة السياسة النقدية، وتشغيل أنظمة المدفوعات والتسويات، والإشراف والرقابة المصرفية، وإدارة الاحتياطيات، وإقامة علاقات مصرفية مع البنوك المراسلة في الخارج. وهي متطلبات يصعب توافرها في ظل الظروف الراهنة.

وحذرت جهات مالية من أن يؤدي استمرار الصراع إلى نشوء منظومة مالية «موازية» تؤدي الوظائف المصرفية بصورة غير رسمية، لا سيما التحويلات المالية، ونقل الأموال، وتمويل التجارة المحلية.

بنكان مركزيان

شهدت بعض الدول التي عانت من نزاعات ممتدة، مثل الصومال، تطوراً كبيراً في شبكات تحويل خاصة، اضطلعت عملياً بجزء من وظائف الجهاز المصرفي، وإن ظلت تعمل خارج الإطار الرقابي الرسمي، وفي الحالة السودانية يمكن أن يؤدي اتساع هذه القنوات لتقليص دور القطاع المصرفي الرسمي.

لكن حتى لا يوجد في السودان بنك مركزي موازٍ يمارس وظائفه المؤسسية الكاملة، كما في شرق ليبيا، فهذا يعتمد على أمد الصراع، فقد يقترب السودان تدريجياً من النموذج الليبي، بحيث يستمر الجنيه السوداني عملةً وطنية واحدة من الناحية القانونية، مع تعدد الإصدارات النقدية، وتفاوت مستويات قبولها بين المناطق، وظهور أسواق نقدية جزئية.

وكانت السلطات السودانية قد استبعدت في أوقات سابقة لجوء «الدعم السريع» لطباعة عملة جديدة عبر شركات، أو في دول تخضع للنظام المصرفي العالمي.

ويرى وزير المالية السابق إبراهيم البدوي لـ«الشرق الأوسط»، أن ما حدث أمر طبيعي ومتوقع في ظل استمرار الحرب بضراوة لأكثر من ثلاثة أعوام.

واعتبر البدوي المعضلة الأكبر تتمثل في «الإصرار على الحرب»، مع صعوبة تحقيق أي طرف لـ«انتصار حاسم»، وأضاف: «معظم النزاعات الأهلية تنتهي بتسويات سياسية، وعلى وجه الخصوص حالة الحرب السودانية».

وكان رئيس وزراء حكومة «تأسيس»، محمد حسن التعايشي، قد ذكر في تصريحات صحافية، أن حكومته تمضي في إنفاذ سياسات نقدية ومصرفية بهدف بناء نظام مالي متكامل، دون أن يعلق مباشرة على ما يتم تداوله بشأن طرح أوراق نقدية جديدة في نيالا.

وقال التعايشي إن المواطنين في المناطق التي تديرها حكومته، واجهوا خلال الفترة الماضية صعوبات في الحصول على الخدمات المصرفية، وإجراء التحويلات المالية، نتيجة الظروف التي فرضتها الحرب والانقسام المؤسسي.

وجدد الرجل الذي يقود الحكومة الموالية لـ«الدعم السريع» وتحالف «تأسيس»، اتهاماته للحكومة التي يقودها الجيش، باستهداف المواطنين في مناطق سيطرته، عن طريق «تغيير العملة»، وتجفيف الأسواق من السيولة النقدية، واستخدامها كورقة ضغط، وأداة من أدوات الحرب.

وأوضح أن جميع المسائل المتعلقة بطباعة العملة، تدخل ضمن اختصاص سلطة النقد والجهات الفنية المختصة، مشيراً إلى أن أي ترتيبات تتعلق بإدارة النقد أو توفير السيولة تتم وفق خطط فنية مدروسة، تستهدف الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي وتلبية احتياجات المواطنين والأسواق.

وكان التعايشي قد أعلن في مايو (أيار) الماضي إنشاء «مجلس العملة الانتقالي»، وحدد دوره في تنظيم الشؤون النقدية والمصرفية وإدارة تداول العملة، والإشراف على برامج لاستبدال العملة، ومنح تراخيص مزاولة الأعمال المصرفية بالتنسيق مع محافظ «بنك السودان المركزي في نيالا».

وأسست حكومة «تأسيس» في الأشهر الماضية «بنك المستقبل»، وهو أول مصرف تجاري بدأ فعلياً في تقديم عدد من الخدمات المصرفية، من بينها التحويلات المالية الخارجية.

وعقب اندلاع الحرب بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في أبريل 2023، خرجت المصارف والبنوك، عن الخدمة تماماً في إقليم دارفور غرب البلاد، ما أدى إلى شح كبير في السيولة بالأسواق واهتراء العملات الورقية المتداولة، بينما واصلت الحكومة السودانية تشديد الرقابة على المعابر بمنع دخول أي عملات جديدة إلى تلك المناطق.


أزمة الوقود في روسيا تكشف عن عمق الضغوط على الاقتصاد الكلي

سيارات تصطف داخل محطة وقود في روسيا (رويترز)
سيارات تصطف داخل محطة وقود في روسيا (رويترز)
TT

أزمة الوقود في روسيا تكشف عن عمق الضغوط على الاقتصاد الكلي

سيارات تصطف داخل محطة وقود في روسيا (رويترز)
سيارات تصطف داخل محطة وقود في روسيا (رويترز)

تعد السحب السوداء المتصاعدة فوق مصفاة كابوتنيا النفطية في العاصمة الروسية موسكو، دليلاً واضحاً على أن أزمة الوقود، التي اعتُبرت في البداية مجرد مشكلة محلية، أصبحت تمتد إلى مختلف أنحاء روسيا.

وأصبح البنزين سلعة شحيحة في واحدة من كبرى الدول الغنية بالموارد الطبيعية. وأصبحت طوابير السيارات الطويلة أمام محطات الوقود أبرز مظاهر الاختلال الاقتصادي الذي صارت تنزلق إليه روسيا بعد أكثر من أربع سنوات من الحرب في أوكرانيا.

وبدا لفترة وجيزة أن روسيا قد تتمكن من التقاط أنفاسها بمساعدة الرئيس الأميركي دونالد ترمب. فقد أدت الحرب التي شنها ترمب على إيران إلى حدوث قفزة كبيرة في أسعار النفط، كما خفف البيت الأبيض العقوبات المفروضة على قطاع النفط الروسي، لتتدفق عائدات النفط (البترودولار) مجدداً إلى موسكو لبضعة أشهر. لكن بعد التوصل إلى اتفاق مع طهران وانتهاء فترة تخفيف العقوبات، انتهت مهلة التقاط الأنفاس للاقتصاد الروسي. ومن المرجح أن تتراجع أرباح صادرات النفط، في وقت بدأت فيه روسيا تواجه في الداخل صعوبات في الإنتاج.

كان السيناتور الأميركي الراحل والمرشح الرئاسي السابق جون ماكين قد سخر من روسيا ذات يوم، واصفاً إياها بأنها «محطة وقود ذات قنابل نووية». ولا تزال القيادة الروسية تلوّح بترسانتها النووية في مواجهة الغرب كلما سنحت الفرصة، لكن أوضاع محطات الوقود داخل البلاد لم تعد على ما يرام في الفترة الحالية.

كان ميخائيل رازفوزاييف، حاكم شبه جزيرة القرم، التابعة لموسكو حالياً، قد حذر سكان المدينة الساحلية قبل أسبوع من أن الوقوف في طوابير السيارات الممتدة لكيلومترات أمام محطات الوقود لن يجدي نفعاً. وكتب عبر قناته على تطبيق «تلغرام»: «للأسف، لم تتمكن شاحنات نقل الوقود من الوصول إلى المدينة الليلة الماضية»، مشيراً إلى أن قسائم الوقود الإلكترونية أصبحت، تبعاً لذلك، غير صالحة للاستخدام.

وشهدت أزمة البنزين في شبه جزيرة القرم، التي ضمتها روسيا عام 2014، تصعيداً حاداً خلال الأسابيع الأخيرة. ومع بداية موسم العطلات، لم يعد بإمكان قائدي السيارات في هذا المصيف الشهير سابقاً الحصول على البنزين إلا من خلال قسائم رقمية تُستخرج بواسطة رمز الاستجابة السريعة «كيو آر»، وذلك في مشهد يُعيد إلى الأذهان بطاقات التموين التي كانت متداولة في حقبة الاتحاد السوفياتي وقت العجز المزمن في السلع. ويحق لسكان القرم الحصول على ما لا يزيد على 20 لتراً من البنزين أسبوعياً، شريطة أن يتمكنوا من الحصول سريعاً على أحد رموز «كيو آر»، وأن تتمكن أعداد كافية من شاحنات الوقود من الوصول إلى شبه الجزيرة.

معدلات تكرير النفط

وحسب تقديرات محللي شركة الاستشارات «إنرجي إنتليجنس»، تراجعت معدلات تكرير النفط في المصافي الروسية بحلول يونيو (حزيران) الجاري إلى أقل من أربعة ملايين برميل يومياً، وهو أدنى مستوى يسجَّل منذ 21 عاماً. وتشير التقديرات إلى أن ثلث مصافي التكرير في روسيا متوقفة حالياً عن العمل بسبب الهجمات الأوكرانية بالمسيَّرات.

وأصبحت التداعيات ملموسة الآن في جميع أنحاء البلاد، فلم تقتصر الأزمة على ارتفاع أسعار الوقود، بل إن عدداً من كبرى شركات النفط فرضت قيوداً على صرف البنزين والديزل في 25 منطقة روسية، من بينها موسكو وسانت بطرسبرغ. كما لم يعد يُسمح لقائدي السيارات بتعبئة الوقود في أوعية خارجية (جراكن).

وقود الطائرات

امتدت تداعيات الأزمة إلى قطاعات أخرى. فمنذ أسابيع، تشكو المطارات من نقص الكيروسين، رغم أن أسعار تذاكر السفر الجوي مرتفعة بالفعل. كما تسبب نقص الديزل في معاناة للمزارعين في المناطق الزراعية بجنوب روسيا وعلى امتداد منطقة نهر الفولغا.

وتأتي أزمة الوقود في وقت يمر فيه الاقتصاد الروسي أصلاً بمرحلة صعبة. فقد انكمش الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 0.2 في المائة خلال الربع الأول من العام. أما الطفرة الاقتصادية التي شهدتها السنوات الأولى من الحرب، والتي اعتمدت على الاستثمارات الحكومية والتحول نحو التصنيع العسكري، فقد انتهت بالفعل في عام 2025. واضطر الرئيس الروسي مؤخراً إلى الإقرار، خلال المنتدى الاقتصادي في سان بطرسبرغ، بأن «الديناميكية الاقتصادية تعرقلت في الوقت الراهن».

ولا يزال الاقتصاد المحلي يعاني من ضعف النشاط، وفي محاولة لكبح التضخم الآخذ في الارتفاع بشكل مستمر، يواصل البنك المركزي رفع أسعار الفائدة، ويسبب ارتفاع تكلفة القروض في إحجام رواد الأعمال عن ضخ استثمارات جديدة، فيما لا يَلوح في الأفق أي مؤشرات على تحقيق نمو اقتصادي.

ورغم أن الرئيس الروسي أبدى ثقته بأن الاقتصاد سيستعيد عافيته قريباً، فإن الأساس الذي يستند إليه هذا التفاؤل لا يزال غير واضح، فمن المؤكد أن نموذج النمو القائم على الدعم الحكومي الذي اعتمدته موسكو حتى الآن، لم يعد قابلاً للاستمرار.

غير أن السؤال المطروح هو: من أين ستأتي الأموال؟ فقد تقلصت السيولة النقدية في صندوق الثروة السيادي، أي الاحتياطيات المتاحة من الذهب والعملات الأجنبية، إلى ما يعادل نحو 40 مليار يورو (45.5 مليار دولار)، وفي الوقت نفسه، يسحب البنك المركزي مليارات إضافية كل شهر لسد العجز في الموازنة أو لتمويل مشروعات البنية التحتية والمؤسسات المملوكة للدولة؟

ولذلك، خلص تقرير «كيل» الصادر عن معهد «كيل» للاقتصاد العالمي في ألمانيا ومعهد استوكهولم لاقتصاديات التحول، إلى أن موسكو استنفدت تقريباً احتياطياتها المالية، وأن الاقتصاد الروسي دخل «مرحلته النهائية».

وتلتهم الحرب مبالغ طائلة، إذ يخصص نحو 40 في المائة من نفقات الموازنة لقطاعات الجيش والتسليح والأمن. وفي المقابل، تُجرى حالياً دراسات وخطط لتخفيض الإنفاق في مجالات أخرى.

ويفخر الرئيس الروسي بأن معدل البطالة لا يزال عند مستوى متدنٍّ قياسي يتراوح بين 2.5 و3 في المائة. غير أن المشكلة، حسب الخبراء، لا تكمن في أن الاقتصاد يخلق فرص عمل جديدة، بل في أن روسيا تعاني ببساطة من نقص متزايد في الأيدي العاملة.

ويعود ذلك، أولاً، إلى أن شيخوخة السكان تؤدي إلى تراجع عدد الكوادر المتاحين لسوق العمل. وثانياً، لأن الحرب، لا سيما في الأقاليم، باتت تستنزف القوى العاملة كما لو كانت مكنسة عملاقة.

وفضلاً عن ذلك، أدت أربعة أعوام من العقوبات المرتبطة بالحرب إلى اتساع الفجوة التكنولوجية التي تعانيها البلاد. ولا تزال الصين هي الشريك التجاري الأكبر لروسيا، إلا أن اعتماد موسكو على بكين يزداد باطراد.

ولعل تحول علامتي السيارات الروسيتين الشهيرتين «موسكفيتش» و«فولغا» في الوقت الحالي إلى مجرد نسخ مقلدة بالكامل من سيارات ركاب صينية يحمل دلالة رمزية على هذا الواقع.


الصين: تباطؤ أرباح القطاع الصناعي خلال مايو مع اعتماد الاقتصاد على الصادرات

يعاني الاقتصاد الصيني القائم على الصادرات من ضعف الطلب المحلي وسط ضغط حرب الأسعار (رويترز)
يعاني الاقتصاد الصيني القائم على الصادرات من ضعف الطلب المحلي وسط ضغط حرب الأسعار (رويترز)
TT

الصين: تباطؤ أرباح القطاع الصناعي خلال مايو مع اعتماد الاقتصاد على الصادرات

يعاني الاقتصاد الصيني القائم على الصادرات من ضعف الطلب المحلي وسط ضغط حرب الأسعار (رويترز)
يعاني الاقتصاد الصيني القائم على الصادرات من ضعف الطلب المحلي وسط ضغط حرب الأسعار (رويترز)

نما حجم أرباح الشركات الصناعية الصينية بوتيرة أبطأ، وإن كانت لا تزال عند مستوى خانتين عشريتين في مايو (أيار)، مما يُسلط الضوء على اتساع الفجوة في اقتصاد يعتمد على الإنتاج الصناعي والشحنات الخارجية لمواجهة ضعف الطلب المحلي.

ولا يزال النمو الاقتصادي هشاً، مُثقلاً بتراجع طويل الأمد في سوق العقارات واختلالات هيكلية عميقة تُواصل الضغط على النشاط المحلي. في الوقت نفسه، تواجه الشركات الساعية إلى التحرر من المنافسة المتزايدة في السوق المحلية حالةً جديدةً من عدم اليقين نتيجة لتداعيات حرب إيران.

وأظهرت بيانات المكتب الوطني للإحصاء، الصادرة السبت، أن نمو أرباح الشركات الصناعية في البلاد بلغ 21.1 في المائة في مايو مقارنةً بالعام الماضي، لكنها متراجعة عن 24.7 في المائة سجلتها في أبريل (نيسان).

وارتفعت الأرباح خلال الفترة من يناير إلى مايو بنسبة 18.8 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، مقابل زيادة قدرها 18.2 في المائة في الأشهر الأربعة الأولى.

وقال تشاوبينغ شينغ، كبير استراتيجيي الصين في بنك «إيه إن زد» (ANZ): «شهدت قطاعات الإنتاج الأولي وصناعة الحواسيب ارتفاعات حادة، بينما ظل قطاع التصنيع النهائي تحت ضغط، بما يتماشى مع مؤشر أسعار المنتجين، مما يشير إلى أن تحسن الأسعار كان المحرك الرئيسي لنمو أرباح الشركات»، وفقاً لـ«رويترز».

وقد تباينت اتجاهات الأرباح بشكل حاد بين القطاعات، فقد ارتفعت أرباح مصنعي أجهزة الكمبيوتر والاتصالات والمعدات الإلكترونية بنسبة 103.9 في المائة خلال الفترة من يناير (كانون الثاني) إلى مايو، لتشكل 43.1 في المائة من نمو أرباح جميع الشركات الصناعية، مدعومةً بطفرة عالمية في الاستثمار في الذكاء الاصطناعي.

كما ارتفعت أرباح قطاع تعدين ومعالجة خامات المعادن غير الحديدية بنسبة 93.9 في المائة.

في المقابل، انخفضت أرباح شركات صناعة السيارات بنسبة 19.8 في المائة رغم قوة الصادرات، بينما تراجعت أرباح شركات صناعة الأثاث بنسبة 58.4 في المائة.

ويتوقع المحللون أن يُكثّف صانعو السياسات الصينيون الدعم الموجّه لتحقيق استقرار ربحية الشركات، لا سيما مع تسارع وتيرة الاندماجات في القطاعات التي تعاني من فائض في الطاقة الإنتاجية ومنافسة شرسة.

وأفادت مصادر مطلعة يوم الجمعة، وفقاً لـ«رويترز»، بأن البنك المركزي الصيني أصدر تعليمات لبعض البنوك التجارية بزيادة إقراضها هذا الشهر، في أحدث مؤشر على استمرار ضعف الطلب على الائتمان في ظلّ معاناة الاقتصاد من تباطؤ الاستهلاك المحلي.

وتسارع التضخم في أسعار المصانع الصينية إلى أعلى مستوى له منذ أربع سنوات تقريباً في مايو، مع ضغوط التكاليف التي تُقلّص أرباح الشركات.

وتشمل أرقام أرباح القطاع الصناعي الشركات التي تبلغ إيراداتها السنوية من عملياتها الرئيسية 20 مليون يوان على الأقل (2.95 مليون دولار).