عبد العزيز بن سلمان: سنظل مزوداً مرناً وموثوقاً للطاقة تحت أي ظرف

قال من سانت بطرسبرغ إن الصمت رسالة ثقة وسط ضبابية المشهد العالمي

عبد العزيز بن سلمان متوسطاً نوفاك (إلى يمنيه) والغيص خلال جلسة بمنتدى سانت بطرسبرغ (أ.ف.ب)
عبد العزيز بن سلمان متوسطاً نوفاك (إلى يمنيه) والغيص خلال جلسة بمنتدى سانت بطرسبرغ (أ.ف.ب)
TT

عبد العزيز بن سلمان: سنظل مزوداً مرناً وموثوقاً للطاقة تحت أي ظرف

عبد العزيز بن سلمان متوسطاً نوفاك (إلى يمنيه) والغيص خلال جلسة بمنتدى سانت بطرسبرغ (أ.ف.ب)
عبد العزيز بن سلمان متوسطاً نوفاك (إلى يمنيه) والغيص خلال جلسة بمنتدى سانت بطرسبرغ (أ.ف.ب)

خطف وزير الطاقة السعودي، الأمير عبد العزيز بن سلمان، الأضواء في الجلسة الحوارية الرفيعة التي عُقدت في منتدى سانت بطرسبرغ الاقتصادي الدولي لعام 2026؛ فبعدما كان صمته الاستراتيجي طوال الفترة الماضية محل تساؤل وبوصلة لترقب الأسواق العالمية، كسر هذا الصمت، الخميس، ليوجه رسائل بالغة الدقة لقطاع الطاقة، مؤكداً أن العالم في حاجة ماسة إلى استقرار قطاع الطاقة، ومعلناً بثقة مطلقة: «نحن مزود مرن للطاقة، كنا وسنظل كذلك في جميع الظروف».

وفي كلمته خلال جلسة خاصة في المنتدى الذي تحل فيه المملكة «ضيف الشرف الرئيسي» بالتزامن مع مئوية العلاقات الدبلوماسية المشتركة، أقرّ الأمير عبد العزيز بن سلمان، بأن الأحداث الجيوسياسية الراهنة في منطقة الشرق الأوسط تشتت الانتباه وتعرقل التركيز عن الأولويات الاستراتيجية للمملكة، وفي مقدمتها مستهدفات «رؤية 2030»، واصفاً تلك الأوضاع بأنها تتسبب بقدر كبير من الإحباط. ومع ذلك، وجّه رسالة طمأنة قوية للأسواق العالمية بنبرة حازمة قائلاً: «نحن مدينون لأنفسنا ولكل مواطن سعودي بأن نتحدى هذه البيئة الصعبة ونواصل الالتزام بطموحاتنا؛ فالمملكة تمتلك القدرة والثقة الكافية للتعامل مع التحديات وإظهار مرونتها الاقتصادية والتشغيلية أمام العالم». ودلّل على تلك الكفاءة «بنجاح البنية التحتية والمنظومة اللوجستية للمملكة في تحويل المآسي فرصاً، وإدارة موسم الحج بنجاح قياسي غير مسبوق رغم الاضطرابات الإقليمية المحيطة كافة».

عبد العزيز بن سلمان يتحدث في جلسة بمنتدى سانت بطرسبرغ (أ.ف.ب)

وعن الشراكة مع موسكو، أعلن وزير الطاقة السعودي عن توقيع 30 اتفاقية تعاون جديدة بين القطاع الخاص في البلدين بمختلف المجالات كالصناعة، والتعليم، والسياحة، والطاقة، مشدداً على أنه «سنوقع اتفاقيات بمختلف المجالات وليست هناك حدود أو قيود لهذا التعاون المشترك». وأضاف أن العقلية الاستراتيجية في الرياض وموسكو انتقلت من كونها مجرد «منتجة للنفط أو الغاز» إلى «صناعة وتوريد الطاقة بمفهومها الشامل»، بما يشمل الهيدروكربونات وتصدير الإلكترونات.

وفي لفتة تفسيرية لموقفه السابق الذي حبس أنفاس المتعاملين في البورصات النفطية، كشف الأمير عبد العزيز عن تعمده الصمت طوال الفترة الماضية التي شهدت أعتى أزمة طاقة عالمية، قائلاً بفلسفة قيادية: «الوزير مطالب بالحفاظ على هدوئه وعدم الهلع؛ لأن الذعر يفقدك السيطرة على السردية. أنوي الحفاظ على صمتي؛ لأن الصمت في خضم المجاهيل الكثيرة هو رسالة وإقرار متواضع بأن الواقع يتبدل بسرعة، وهو شكل من أشكال احترام الذات والآخرين».

واختتم مقاربته لواقع الأسواق الراهن بتصريح بليغ يعكس حجم الضبابية التي تلف المشهد العالمي قائلاً: «هناك الكثير من الأجزاء والعوامل المتحركة، الكثير من الأمور المجهولة، والكثير من الأشياء التي نعتقد أنها أصبحت واقعاً، ولكن نستيقظ في اليوم التالي لنجد أن الواقع ليس واقعاً، وإنما حلم بعيد المنال أو أمل متخيل أو أمنية. لذا؛ في هذه الظروف التي يعتمد فيها المرء مجدداً على المنطق ويقول إنه إذا لم تكن تعرف، فتحلَّ بالصمت... فالتحلي بالصمت هو شكل من أشكال الرسائل».

نوفاك: السوق تعيش عجزاً بـ12 مليون برميل

من جانبه، وصف نائب رئيس الوزراء الروسي، ألكسندر نوفاك، الأزمة الراهنة التي تشهدها سوق النفط الدولية بأنها «غير مسبوقة، ولم يحدث لها مثيل حتى في القرن العشرين الماضي». وأكد نوفاك أن روسيا ستتعامل بمرونة وهدوء تام مع العقوبات الغربية المفروضة عليها، بالنظر إلى كونها مورداً أساسياً لمصادر الطاقة في السوق الدولية.

وحذّر نوفاك من عجز ضخم ومخفي في المعروض العالمي يقدّر بنحو 12 مليون برميل يومياً لا تصل إلى الإمدادات حالياً، لافتاً إلى أن الأسواق العالمية لم تشعر بالآثار الكاملة لأزمة الطاقة الناجمة عن صراع الشرق الأوسط كونها تدار بالسحب من المخزونات الاحتياطية الفائضة.

ونبّه إلى أنه في حال استمرار الصراع وتأخر دول الخليج في زيادة الإنتاج، فإن السوق ستواجه نقصاً مادياً حاداً وفورياً في الإمدادات في غضون أشهر قليلة.

نائب رئيس الوزراء الروسي ألكسندر نوفاك في منتدى سانت بطرسبرغ الاقتصادي الدولي (المنتدى)

وفي تحليله لدور تحالف المنتجين، شدد نوفاك على أن دور اتفاقية «أوبك بلس» يظل محركاً جوهرياً لضبط بوصلة الطاقة، حيث يسيطر الأعضاء على أكثر من 50 في المائة من الإنتاج العالمي وما يزيد على 40 في المائة من إجمالي الصادرات في التجارة الدولية، مؤكداً أن الاتفاقات تثبت كفاءة عالية في كبح التقلبات وتخفيف حدة التذبذب بالأسواق. وأوضح نوفاك أن المعطيات الحالية تتيح للدول فرصة تسريع وتيرة الامتثال، عادَّاً التوجهات القائمة «نهجاً قياسياً واعتيادياً» يمنح الدول التي تجاوزت حصصها المقررة سابقاً لأي سبب كان، القدرة على تنفيذ خطط التعويض عن فائض إنتاجها السابق بشكل أسرع.

وعلى الصعيد الروسي، كشف نوفاك عن أن الحسابات الفنية التحليلية لتحديد سقف الإنتاج الأقصى لروسيا مستمرة حالياً بالتعاون مع الشركات المعنية، على أن تتم مناقشتها مع الشركاء بحلول نهاية عام 2026، متوقعاً أن تصل موسكو فعلياً هذا العام إلى مستويات الإنتاج المحددة لها بموجب الحصص المقررة، وذلك رغم أن إنتاجها الحالي يعدّ أقل بقليل مما كان عليه في مطلع العام جراء خضوع عدد من المصافي لـ«صيانة طارئة وغير مجدولة».

توقعات بطلب قوي

أما الأمين العام لمنظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك)، هيثم الغيص، فقال إن المنظمة تتوقع نمواً قوياً في الطلب على النفط، ولن تُغير تقديراتها، على الرغم من الصراع في الشرق الأوسط وإغلاق مضيق هرمز.

أضاف: «على الرغم من كل ما يُشاع عن انخفاض الطلب على النفط، فإننا لم نرصد أي مؤشرات على ذلك حتى الآن». وأضاف: «ما زلنا نتوقع نمواً قوياً في الطلب عند 1.2 مليون برميل يومياً لهذا العام».

الغيص يشارك في الجلسة المخصصة لبحث آفاق قطاع الطاقة (أ.ف.ب)

كما أكد أن الاستثمارات في قطاع النفط يجب ألا تتأثر بـ«الأحداث الاستثنائية» التي قد تحدث في أي مكان في العالم.

وأكد وزير البترول المصري، كريم بدوي، خلال الجلسة، أن ملف الطاقة المتجددة يمثل أولوية قصوى لتقليص الاعتماد على الغاز الطبيعي، مشيراً إلى أن مصر تعمل بشكل حثيث على زيادة معدلات توليد الكهرباء من طاقة الرياح والطاقة الكهرومائية لتأمين مزيج طاقة مستدام.

الأسواق تحبس أنفاسها ترقباً لـ«ماراثون الأحد»

وتكتسب هذه التصريحات التي أُطلقت في المنتدى، الخميس، أهمية بالغة بوصفها التمهيد والمؤشر الفعلي لتوجهات كبار المنتجين قبيل الماراثون النفطي الحاسم الأحد المقبل. ويشهد ذلك اليوم ثلاثة اجتماعات متتالية تبدأ بمؤتمر منظمة «أوبك» الإداري، يليه عقد الاجتماع السادس والستين للجنة المراقبة الوزارية المشتركة (JMMC) المعنية بمتابعة مستويات الامتثال والتوافق وإقرار خطط التعويض الحالية. وتتطلع الأوساط الاستثمارية إلى الاجتماع الوزاري الحادي والأربعين لتحالف «أوبك بلس»؛ ونقلت مصادر مطلعة أن التحالف يتجه على الأرجح للموافقة على زيادة تدريجية إضافية في مستهدفاته لشهر يوليو (تموز) المقبل.


مقالات ذات صلة

الاقتصاد المؤسس المشارك والرئيس التنفيذي في «فيلنتس» محمد جابر والمؤسس المشارك والرئيس التنفيذي للعمليات عبد العزيز المهيدب (الشركة)

«فيلنتس» أول شركة سعودية وعربية تنضم إلى شبكة شركاء «كلود» العالمية

انضمت شركة «فيلنتس» السعودية الناشئة رسمياً إلى شبكة شركاء «كلود» العالمية، لتصبح أول شركة تقنية من السعودية والعالم العربي يتم قبولها في المنظومة الدولية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص أعلام سعودية وسويدية (إكس)

خاص رغم رياح هرمز... «رالي» استثماري مرتقب بين الرياض واستوكهولم

لم تفلح أمواج الاضطرابات المتلاطمة في مضيق هرمز، ولا التوترات الجيوسياسية التي أفرزها الصراع الإقليمي في النيل من متانة الجسر الاقتصادي بين الرياض واستوكهولم.

فتح الرحمن يوسف (الرياض)
الاقتصاد صالة المغادرين في «مطار الوجه الدولي» (البحر الأحمر الدولية)

«البحر الأحمر الدولية» تعيد افتتاح «مطار الوجه الدولي» بعد تطويره

أعلنت شركة «البحر الأحمر الدولية» إعادة افتتاح «مطار الوجه الدولي» شمال غربي السعودية، بعد استكمال مشروع تطوير وتحديث شامل استمر عامين...

الاقتصاد خلال تدشين أولى طائرات أسطول «طيران الرياض» (إكس)

«طيران الرياض» يطرح 5 وجهات جديدة ويعجل انطلاق رحلاته إلى لندن

أعلن «طيران الرياض» السعودي عن توسيع شبكة وجهاته الدولية والإقليمية بإعلان طرح التذاكر إلى خمس وجهات جديدة تشمل القاهرة ودبي وجدة ومدريد ومانشستر.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

وزير الطاقة: السعودية ملتزمة بالحوار الشامل لتجسير الفجوات في واقع الطاقة المتباين عالمياً

وزير الطاقة السعودي يتحدث خلال مشاركته في منتدى سانت بطرسبورغ الاقتصادي الدولي في روسيا (أ.ف.ب)
وزير الطاقة السعودي يتحدث خلال مشاركته في منتدى سانت بطرسبورغ الاقتصادي الدولي في روسيا (أ.ف.ب)
TT

وزير الطاقة: السعودية ملتزمة بالحوار الشامل لتجسير الفجوات في واقع الطاقة المتباين عالمياً

وزير الطاقة السعودي يتحدث خلال مشاركته في منتدى سانت بطرسبورغ الاقتصادي الدولي في روسيا (أ.ف.ب)
وزير الطاقة السعودي يتحدث خلال مشاركته في منتدى سانت بطرسبورغ الاقتصادي الدولي في روسيا (أ.ف.ب)

أكد وزير الطاقة السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان التزام المملكة الراسخ بقيادة الحوار الشامل لتجسير الفجوات في واقع الطاقة المتباين عالمياً، مشدداً على أن «أمن الطاقة العالمي والقدرة على تحمل تكاليفها ركيزتان أساسيتان لتحقيق الاستدامة، والازدهار الاقتصادي على المدى الطويل».

وجاءت تصريحات وزير الطاقة في بيان صادر يوم الاثنين عن الأمانة العامة لمنتدى الطاقة الدولي، بمناسبة الترحيب بإيطاليا كدولة مستضيفة للاجتماع الوزاري الثامن عشر للمنتدى في عام 2028، وشريكة في استضافة وتنظيم الاجتماع الوزاري السابع عشر المقبل، والذي ستحتضنه العاصمة السعودية الرياض في 11 أكتوبر (تشرين الأول) من العام الحالي 2026 إلى جانب نيجيريا.

رؤية سعودية لتجسير الفجوات في واقع الطاقة العالمي

وأوضح الأمير عبد العزيز بن سلمان، وفق البيان، أن «القيادة النشطة لإيطاليا تجلب إلى طاولة المفاوضات رؤى حيوية وأساسية من أوروبا، ومجموعة السبع، وكذلك مجموعة العشرين»، مشيراً إلى أنه في الوقت الذي يقود فيه الاقتصاد العالمي تحولات معقدة، فإنه من الضروري تجسير الفجوات في واقع الطاقة المتباين دولياً تحت مظلة منتدى الطاقة الدولي.

وأضاف أن انعقاد الاجتماع الوزاري السابع عشر المقبل في العاصمة الرياض ضمن فعاليات «أسبوع الرياض للطاقة»، وقبيل انطلاق أعمال مؤتمر الطاقة العالمي الخامس والعشرين، «سيمثل منصة حاسمة للدفع بحلول عملية مدفوعة بمتطلبات السوق من أجل استقرار الإمدادات، واستمرار التدفّق الاستثماري، وتحقيق الازدهار العالمي المشترك».

حشد دولي بالرياض لمواجهة صدمات الأسواق

ويأتي هذا الإعلان والترتيب الوزاري الجديد بالتزامن مع احتفال منتدى الطاقة الدولي بمرور 35 عاماً على تأسيسه، وفي وقت يواجه فيه العالم تحديات متسارعة في معطيات الإمدادات العالمية؛ ما يرسخ الأهمية القصوى للحوار المحايد الذي تقوده الرياض لتجاوز الأزمات الجيوسياسية الراهنة، وضمان استقرار الأسواق العالمية.

وسيجري حشد وزراء الطاقة، وقادة قطاع الصناعة، ورؤساء المنظمات الدولية في الرياض خلال الاجتماع الوزاري السابع عشر المقبل لمناقشة أسس أمن الطاقة العالمي في العهد الجديد، وبحث سبل تعزيز استقرار السوق، وثقة المستثمرين، ورفع مستويات الشفافية في بيانات الطاقة، بالإضافة إلى دعم المسارات الوطنية المتنوعة، للوصول إلى أنظمة طاقة آمنة، ومستدامة، ويسيرة التكلفة.

إشادة إيطالية بالقيادة السعودية

من جانبه، عبّر وزير البيئة وأمن الطاقة الإيطالي، جيلبرتو بيكيتو فراتين، عن اعتزاز بلاده بهذا الدور القيادي المشترك، معلقاً في البيان: «تؤمن إيطاليا بأن أمن الطاقة وتحولاتها يجب أن يسيرا جنباً إلى جنب من خلال التعاون العملي بين الدول المنتجة، والمستهلكة، ودول العبور. ونحن نتطلع إلى العمل مع أعضاء المنتدى لتعزيز الثقة، وعقد مناقشات متوازنة، وبناءة، مستندين في ذلك إلى القيادة العالمية، والرؤية الحكيمة للمملكة العربية السعودية كدولة مستضيفة للمنتدى الوزاري السابع عشر».

وفي السياق ذاته، أعرب الأمين العام لمنتدى الطاقة الدولي، جاسم الشيراوي، عن سعادة الأمانة العامة بانضمام روما، مشيراً إلى أن ترابط الأسواق والوقود والتكنولوجيا يفرض تعزيز المنصات المحايدة التي تجمع الرؤى المتباينة؛ وثمّن الشيراوي الخطوة الإيطالية المتمثلة في تعيين خبير وطني يعمل مباشرة داخل مقر الأمانة العامة للمنتدى بالرياض، مؤكداً أن هذا الدعم يسهم في تعميق التعاون المشترك بين الاقتصادات المتقدمة، والناشئة، والنامية على حد سواء.


ضعف الإنفاق الرأسمالي يدفع الاقتصاد الياباني إلى تباطؤ فصلي

مشاة في ضاحية تجارية بالعاصمة اليابانية طوكيو (إ.ب.أ)
مشاة في ضاحية تجارية بالعاصمة اليابانية طوكيو (إ.ب.أ)
TT

ضعف الإنفاق الرأسمالي يدفع الاقتصاد الياباني إلى تباطؤ فصلي

مشاة في ضاحية تجارية بالعاصمة اليابانية طوكيو (إ.ب.أ)
مشاة في ضاحية تجارية بالعاصمة اليابانية طوكيو (إ.ب.أ)

أظهرت بيانات الناتج المحلي الإجمالي المُعدّلة، الصادرة يوم الاثنين، أن الاقتصاد الياباني فقد زخمه في الربع الأول من العام خلال الفترة ما بين يناير (كانون الثاني) وحتى مارس (آذار) مقارنةً بالأشهر الثلاثة السابقة، وذلك بسبب تباطؤ الإنفاق الرأسمالي، مما يُشير إلى تحديات مُقبلة نتيجة للصراع في الشرق الأوسط.

ومع ذلك، قال الاقتصاديون إن الاقتصاد بشكل عام من المرجح أن يظل مرناً في الأشهر المقبلة، حيث لا يُتوقع أن تُؤثر تداعيات الحرب الإيرانية بشكل كبير على الاستهلاك الخاص أو استثمارات الشركات. ولا يزال من المتوقع أن يُبقي «بنك اليابان» على خطته لمواصلة رفع أسعار الفائدة.

وقال كبير الاقتصاديين في شركة «دايوا» للأوراق المالية، كينتو مينامي: «من شبه المؤكد استمرار الضغوط الهبوطية. لكن من وجهة نظر (بنك اليابان)، يكمن القلق الأكبر في خطر تجاوز الأسعار لحدودها». وأضاف: «أرى أن بيانات الناتج المحلي الإجمالي للفترة من يناير إلى مارس تُظهر أن الاقتصاد الياباني كان لا يزال متماسكاً قبل تصاعد التوترات في الشرق الأوسط. وبالنظر إلى البيانات الواردة للربع الثاني من العام في الفترة ما بين أبريل (نيسان) ويونيو (حزيران)، فضلاً عن الإجراءات الحكومية والسياسة الاقتصادية، فمن المرجح أن يظل الاقتصاد قوياً. وهذا يشير إلى أن (بنك اليابان) قد يضطر إلى زيادة ميله نحو رفع أسعار الفائدة».

انخفاض مؤقت

وأظهرت أرقام الناتج المحلي الإجمالي، الصادرة عن مكتب مجلس الوزراء، أن الاقتصاد نما بنسبة 1.8 في المائة سنوياً في الربع الأول، وهو أقل من التقدير الأولي البالغ 2.1 في المائة، ولكنه أفضل من متوسط توقعات الاقتصاديين البالغ 1.3 في المائة.

ودون احتساب المعدل السنوي، نما الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 0.5 في المائة، وهو أعلى بقليل من متوسط التوقعات البالغ 0.3 في المائة، ومطابق للرقم الأولي. وانخفض الإنفاق الرأسمالي للشركات بنسبة 0.7 في المائة خلال الربع الأول، بعد تعديله، نزولاً من التقدير الأولي الذي كان يشير إلى ارتفاع بنسبة 0.3 في المائة، مقارنةً بانخفاض مُقدّر بنسبة 0.9 في المائة.

ويعكس هذا التعديل النزولي بيانات إنفاق الشركات على المصانع والمعدات، التي نُشرت بعد الأرقام الأولية للناتج المحلي الإجمالي.

وقال مسؤول في مكتب مجلس الوزراء إن القطاعات التي سجلت انخفاضات حادة على أساس ربع سنوي تشمل البرمجيات المُخصصة، وأجهزة الكمبيوتر، وآلات المكاتب.

وأوضح مينامي من شركة «دايوا» أن الاتجاه التصاعدي في الإنفاق على تدابير توفير العمالة والذكاء الاصطناعي لم يتغير، مضيفاً أن الانكماش يبدو أقرب إلى انخفاض مؤقت منه إلى تغيير في الاتجاه العام.

وزاد الاستهلاك الخاص، الذي يُمثّل أكثر من نصف الاقتصاد الياباني، بنسبة 0.3 في المائة، وهو ما يتوافق أيضاً مع البيانات الأولية. وأضاف الطلب الخارجي، أي الصادرات بعد طرح الواردات منها، 0.3 نقطة مئوية إلى الناتج المحلي الإجمالي، دون تغيير عن البيانات الأولية.

وأسهم الطلب المحلي بنسبة 0.2 نقطة مئوية، وهو ما يتوافق أيضاً مع الرقم الأولي.

عدم اليقين

وأقرت حكومة رئيسة الوزراء اليابانية، ساناي تاكايتشي، يوم الأربعاء، ميزانية تكميلية بقيمة 19 مليار دولار للسنة المالية الحالية، وذلك للتخفيف من أثر ارتفاع تكاليف الطاقة على الأسر جراء أزمة الشرق الأوسط. وقد أدت الضربات الأميركية-الإسرائيلية على إيران في أواخر فبراير (شباط)، وإغلاق طهران الفعلي لمضيق هرمز، الذي يمر عبره عادةً خُمس النفط والغاز العالميين، إلى ارتفاع الأسعار بشكل حاد، وزادت المخاوف من حدوث اضطراب كبير في تدفقات الطاقة.

ويُعرّض اعتماد اليابان الكبير على نفط الشرق الأوسط اقتصادها لمخاطر جسيمة. فارتفاع تكاليف الوقود يُؤجّج التضخم، ويُضعف القدرة الشرائية للأسر، ويُضيّق هوامش أرباح الشركات، مما يزيد من خطر حدوث ركود اقتصادي حاد في حال استمرار الاضطرابات.

وقال كبير الاقتصاديين في شركة «ميتسوبيشي يو إف جيه» للأبحاث والاستشارات، شينيتشيرو كوباياشي، إنه على الرغم من أن الاقتصاد لا يزال من المرجح أن ينمو بشكل عام، فإنه قد يشهد ركوداً أو انكماشاً في الربع الثالث من العام إذا استمرت التوترات في الشرق الأوسط وبقي مضيق هرمز مغلقاً.

وسيعقد «بنك اليابان» اجتماعاً لمدة يومين لمناقشة السياسة النقدية الأسبوع المقبل. وأفادت مصادر لوكالة «رويترز» بأنه من المتوقع أن يرفع البنك أسعار الفائدة هذا الشهر ما لم يحدث تصعيد حاد في الصراع يُزعزع استقرار الأسواق.

وأضاف كوباياشي: «إذا بدأ الوضع في الشرق الأوسط بالاستقرار فسيتلاشى التأثير السلبي على التوقعات الاقتصادية تدريجياً. ولكن إذا استمرت الزيادات في الأسعار إلى حد ما، وإذا مضى (الاحتياطي الفيدرالي) قدماً في رفع أسعار الفائدة، فمن المرجح أن يضعف الين، مما يخلق ظروفاً قد يجد فيها (بنك اليابان) أنه من الأسهل، أو من الضروري، رفع أسعار الفائدة مرة أخرى».


توقعات بقفزة جديدة للتضخم الأميركي تضيِّق الخناق على «الفيدرالي»

منتجات زراعية معروضة للبيع داخل متجر بأوستن في تكساس (أ.ف.ب)
منتجات زراعية معروضة للبيع داخل متجر بأوستن في تكساس (أ.ف.ب)
TT

توقعات بقفزة جديدة للتضخم الأميركي تضيِّق الخناق على «الفيدرالي»

منتجات زراعية معروضة للبيع داخل متجر بأوستن في تكساس (أ.ف.ب)
منتجات زراعية معروضة للبيع داخل متجر بأوستن في تكساس (أ.ف.ب)

تتجه أنظار الأسواق المالية العالمية يوم الأربعاء، صوب صدور بيانات مؤشر أسعار المستهلكين (CPI) في الولايات المتحدة، وسط توقعات تحليلية تشير إلى تطورات غير مطمئنة لصناع السياسة النقدية. وتشير التقديرات إلى قفزة قوية في التضخم الرئيسي خلال شهر مايو (أيار) الماضي نتيجة استمرار صدمة أسعار الطاقة وضغوط أسعار الأغذية، مما يعقد حسابات مجلس الاحتياطي الفيدرالي في كبح جماح الأسعار دون الإضرار بالنمو.

وتشير توقعات بنك «آر بي سي» الكندي إلى نمو مؤشر التضخم الرئيسي بنسبة 0.5 في المائة على أساس شهري في مايو، مما يدفع المعدل السنوي للارتفاع إلى 4.2 في المائة. ويلعب الارتفاع المستمر في أسعار الطاقة دوراً أساسياً في هذا التصاعد، بالتزامن مع غياب أي انفراجة ملموسة في قطاع الأغذية، لا سيما بعد الأنباء الأخيرة حول قفزة أسعار لحوم البقر.

أما على صعيد التضخم الأساسي (الذي يستثني الغذاء والطاقة)، فتشير التقديرات إلى زيادة شهرية بنسبة 0.3 في المائة في مايو، ليرتفع المعدل السنوي إلى 2.9 في المائة. ورغم أن هذا المعدل يظل أدنى بكثير من التضخم الرئيسي، فإن تحركه نحو الأعلى يمثل إشارة سلبية وبداية لاتجاه خاطئ يقلق مجلس الاحتياطي الفيدرالي.

وتسهم أسعار وقود الطائرات المرتفعة في استمرار الضغوط على قطاع الخدمات الأساسية، في حين تضع قوة سوق العمل والوظائف حداً أدنى لنمو الأجور، مما يحد من فرص تباطؤ التضخم في هذا القطاع. وفي المقابل، حظي التضخم الأساسي للسلع بدعم مؤقت في الأشهر الأخيرة بفضل تراجع أسعار السيارات الجديدة والمستعملة، وهو التراجع الذي يحجب ضغوطاً سعرية حقيقية تتصاعد في سلع أخرى معرضة للتبادل التجاري، مثل الملابس، ومنتجات العناية الشخصية، وقطع غيار المركبات.

تمرير الأسعار للمستهلكين

وأظهرت مسوح معهد إدارة التوريدات (ISM) لقطاعي التصنيع والخدمات ارتفاعاً حاداً في تكاليف المدخلات. وتشير بيانات مؤشر أسعار المنتجين (PPI) الأخيرة إلى أن الشركات تمتلك بالفعل القدرة التسعيرية اللازمة لتمرير هذه التكاليف المرتفعة إلى المستهلك النهائي لحماية هوامش أرباحها.

وبناءً على ذلك، يُتوقع أن يُظهر تقرير شهر مايو استمرار المنتجين في عمليات التمرير السعري؛ حيث تشير التقديرات إلى تسجيل قفزة بنسبة 0.6 في المائة على أساس شهري في كل من المؤشر الرئيسي والأساسي لأسعار المنتجين، مما يدفع بمعدل النمو السنوي للمؤشر الرئيسي إلى 6.3 في المائة، والمؤشر الأساسي إلى 5.5 في المائة. وعزز هذه الرؤية استطلاع الاتحاد الوطني للأعمال المستقلة لشهر أبريل (نيسان)، والذي أظهر أن نحو 30 في المائة من الشركات تعتزم رفع أسعارها خلال الأشهر الثلاثة المقبلة، مما يؤكد استمرار عمليات التمرير السعري طوال أشهر الصيف.

مفارقة سوق العمل وميزانيات الأسر

ويمثل نجاح الشركات في الحفاظ على هوامش أرباحها عبر رفع الأسعار نبأً سيئاً للمستهلكين، لكنه في الوقت ذاته يحمل جانباً إيجابياً لسوق العمل؛ إذ يقلل من احتمالية حدوث عمليات تسريح جماعي للموظفين. وأظهر تقرير الوظائف الأخير لشهر مايو استمرار التدفق الإيجابي للوظائف عبر إضافة 172 ألف وظيفة جديدة، مع استقرار معدل البطالة عند مستويات منخفضة للغاية بلغت 4.3 في المائة.

ورغم أن استقرار سوق العمل يعد مؤشراً مطمئناً على سلامة الاقتصاد الأميركي، فإنه يأتي على حساب ميزانيات الأسر؛ حيث باتت العائلات تضطر إلى خفض معدلات ادخارها للتكيف مع ارتفاع الأسعار في مختلف مجالات الإنفاق.

مؤشرات إضافية تحت المراقبة

وبعيداً عن أرقام التضخم الحاسمة، يترقب الاقتصاد الأميركي حزمة من البيانات الأخرى:

  • مبيعات المنازل القائمة: تشير التوقعات إلى تسجيلها 4.01 مليون مسكن لشهر مايو، وسط تطلعات إلى استمرار حالة الركود في قطاع العقارات نتيجة ضغوط معدلات التمويل العقاري المرتفعة التي تؤثر سلباً على القدرة الشرائية للمشترين.
  • طلبات الإعانة من البطالة: يُتوقع أن ترتفع طلبات إعانة البطالة الأولية إلى 232 ألف طلب للأسبوع المنتهي في 6 يونيو (حزيران) الحالي، مع احتمالية استقرارها عند مستويات منخفضة للغاية خلال الأسابيع المقبلة، لاسيما أن الطلبات المستمرة اتجهت نحو الانخفاض بشكل عام على أساس المتوسط المتحرك لأربعة أسابيع منذ نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي.