وزير الاقتصاد الروسي لـ«الشرق الأوسط»: موسكو شريك موثوق للسعودية

ريشيتنكوف: التعاون الصناعي والتقني مع المملكة يكتسب أبعاداً أوسع في إطار «رؤية 2030»

وزير التنمية الاقتصادية خلال مشاركته في إحدى جلسات منتدى سان بطرسبرغ الاقتصادي الدولي (المنتدى)
وزير التنمية الاقتصادية خلال مشاركته في إحدى جلسات منتدى سان بطرسبرغ الاقتصادي الدولي (المنتدى)
TT

وزير الاقتصاد الروسي لـ«الشرق الأوسط»: موسكو شريك موثوق للسعودية

وزير التنمية الاقتصادية خلال مشاركته في إحدى جلسات منتدى سان بطرسبرغ الاقتصادي الدولي (المنتدى)
وزير التنمية الاقتصادية خلال مشاركته في إحدى جلسات منتدى سان بطرسبرغ الاقتصادي الدولي (المنتدى)

أكد وزير التنمية الاقتصادية في روسيا الاتحادية، مكسيم ريشيتنكوف، ارتياح بلاده لمستوى تطوُّر العلاقات الاستراتيجية مع السعودية، موضحاً أنَّ حضور المملكة بوصفها ضيف شرف في الدورة الـ29 لمنتدى سان بطرسبرغ الاقتصادي الدولي هذا العام، يعكس «مستوى الحوار الرفيع والاهتمام المشترك بتطوير التعاون في كافة المجالات»، ومشيراً إلى أنَّ هذه الشراكة اكتسبت أبعاداً أوسع وأعمق في إطار «رؤية 2030».

وكان الكرملين أعلن اختيار المملكة ضيف الشرف الرئيسي لهذه الدورة بالتزامن مع مرور 100 عام على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، حيث يرأس وزير الطاقة السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان وفداً سعودياً يضم عدداً من كبار المسؤولين وممثلي المؤسسات الوطنية والشركات الكبرى، وفي مقدمتها شركة «أرامكو».

وقال الوزير الروسي لـ«الشرق الأوسط»، على هامش فعاليات المنتدى الاقتصادي الأهم في روسيا - والذي يصفه كثيرون بأنه «دافوس الروسي» - إن العلاقات بين البلدين تطورت بشكل نشط خلال السنوات الماضية، كاشفاً عن قفزة نوعية في مؤشرات التبادل التجاري بين البلدين، حيث تضاعف حجم التجارة البينية أكثر من مرتين خلال السنوات الـ5 الماضية. وأضاف أنَّ التعاون الاستثماري يشهد تطوراً مستمراً، متوقعاً أن يسهم إبرام اتفاقية حكومية دولية قريبة بشأن تشجيع وحماية الاستثمارات المتبادلة في إعطاء دفعة إضافية قوية للمستثمرين في كلا البلدين.

تنسيق أبعد من النفط

وأشار ريشيتنكوف إلى أنَّ التنسيق المشترك لضمان استقرار إمدادات الطاقة العالمية يمثل «محوراً رئيسياً على أجندتنا الثنائية»، لافتاً إلى النجاح الكبير الذي يحققه البلدان دولياً من خلال قيادة تحالف «أوبك بلس».

وفي سياق متصل، شدَّد ريشيتنكوف على أنَّ روسيا «تعدُّ شريكاً موثوقاً به في ضمان الأمن الغذائي للمملكة. فنحن نوفِّر لها المنتجات الزراعية والغذائية، بما في ذلك القمح والشعير وزيت دوار الشمس والدواجن»، مشيراً إلى فتح آفاق جديدة لتوسيع التعاون، كاشفاً في هذا الإطار عن دراسة خطط طَموحة لإنشاء مراكز زراعية مشتركة وممرات لوجستية متطوِّرة داخل المملكة خلال الفترة المقبلة.

ولفت إلى أنَّه «في إطار رؤية 2030، تعمل المملكة العربية السعودية بنشاط على تطوير الصناعة والبنية التحتية، حيث يمكن الاستفادة من الخبرات الروسية. وفي الوقت نفسه، يكتسب التعاون التكنولوجي والصناعي أهمية متزايدة»، مضيفاً: «إننا نعمل على تطوير التعاون في مجال التقنيات المتقدمة، بما في ذلك الرقمنة، والذكاء الاصطناعي، وحلول المدن الذكية، والأمن السيبراني، وتقنيات تحلية المياه».

كما أبدى جاهزية بلاده الكاملة للمشارَكة في تطوير برنامج الفضاء السعودي، مستندة إلى خبرتها المهمة في تدريب رواد الفضاء، وعلوم الأحياء الفضائية والطب.

مشاركون سعوديون في منتدى سان بطرسبرغ الاقتصادي الدولي (المنتدى)

طفرة سياحية كبرى

وفي ملف السياحة، وصف الوزير الروسي هذا القطاع بأنه أحد أبرز قطاعات النمو الواعدة والتعاون بين البلدين؛ حيث قفز إجمالي التدفق السياحي في العام الماضي بنسبة 38 في المائة، وهو ما يعادل 10 أضعاف مستويات عام 2019.

وأشار إلى دخول نظام الإعفاء المشترك من التأشيرة لمواطني البلدين حيز التنفيذ ابتداءً من 11 مايو (أيار) 2026 بعد توقيع اتفاقية تاريخية بين البلدين، واستئناف الرحلات الجوية المباشرة عبر شركتي «الخطوط السعودية» و«فلاي ناس»، ومتوقعاً «أن يزداد الاهتمام بالسفر المتبادل».

وتوقف الوزير عند الإنجازات التي حققها الطرفان في مجال تطوير التعاون في القطاع السياحي، لافتاً إلى أن عام 2025 وحده شهد زيارة أكثر من 143 ألف سائح سعودي روسيا، بزيادة قدرها 33 في المائة عن العام السابق.

وفي السياق ذاته، أكد الوزير الروسي أن بلاده تعمل جاهدة على توسيع آفاق التبادل السياحي المشترك، مستندة إلى الاتفاقات المبرمة على أعلى المستويات بين القيادتين لإنشاء أرضية صلبة لنمو هذا القطاع الحيوي.

وأضاف ريشيتنكوف: «نبذل قصارى جهدنا لضمان أن يلبي قطاع السياحة الداخلية لدينا تطلعات السياح السعوديين، من خلال توفير بيئة سفر مثالية ومواتية لسفرهم وثقافتهم».

ولتحقيق هذه الغاية وضمان راحة الزوار القادمين من المملكة، أوضح الوزير أنه يجري التوسع بشكل متسارع في تطبيق معايير «الحلال» والخدمات الملائمة للمسلمين في قطاع الضيافة الروسي.

وكشف عن حصول الفنادق الأولى في مدن موسكو، وسوتشي، وكازان على الشهادات الرسمية اللازمة، في حين تقدمت أكثر من 100 منشأة فندقية أخرى بطلبات مماثلة، وهي قيد الدراسة حالياً.

تحسن ملحوظ في البنية التحتية

واستعرض ريشيتنكوف الملامح الطموحة للبنية التحتية السياحية في بلاده، مشيراً إلى أنها شهدت تحولاً جذرياً على مدار العقد الماضي عبر إنشاء مطارات وطرق حديثة، وتطوير مراكز المدن والأماكن العامة لتهيئة بيئة جاذبة للمستثمرين الكبار ورواد الأعمال على حد سواء.

وتضم روسيا اليوم طاقة استيعابية هائلة تتجاوز مليون غرفة فندقية، إلى جانب 400 منتجع للتزلج تحتوي على أكثر من 500 مسار مصنف بطول إجمالي يتخطى ألف كيلومتر، فضلاً عن شواطئ ممتدة في جنوب البلاد يقارب طولها 2000 كيلومتر.

وفي إطار النظرة المستقبلية، أعلن الوزير الروسي خطة استراتيجية لبناء 11 منتجعاً ساحلياً ومرفأ جديداً مُجهَّزاً للعمل على مدار العام بحلول عام 2030، حيث ستتوزَّع هذه المشروعات الضخمة على سواحل 5 بحار، بالإضافة إلى المنطقة المحيطة ببحيرة بايكال الشهيرة، بطاقة استيعابية تستهدف جذب 10 ملايين زائر سنوياً.

ووجَّه ريشيتنكوف دعوة مفتوحة لقطاع الأعمال السعودي للاستثمار في هذه الوجهات الواعدة، مؤكداً أن «المستثمرين في هذه المشروعات سيحظون بمعاملة تفضيلية متميزة... إنها حقاً فرصة رائعة».

مشاركون يمرون أمام شاشة كبيرة تعرض صورة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال منتدى سانت بطرسبرغ الاقتصادي الدولي (إ.ب.أ)

اقتصاد راسخ في وجه العقوبات

وفي تقييمه لأداء الاقتصاد الروسي، أشار ريشيتنكوف إلى رفع صندوق النقد الدولي مؤخراً توقعاته للنمو الاقتصادي الروسي في عام 2026 إلى 1.1 في المائة، استناداً إلى ارتفاع أسعار النفط، عادّاً ذلك «مؤشراً إيجابياً، لا سيما في ظلِّ تقييم الصندوق الحذر لروسيا». وزاد أن المستثمرين «لا ينظرون إلى نمو الناتج المحلي الإجمالي فحسب، بل ينظرون أيضاً إلى استدامة السياسة الاقتصادية الكلية، ووضع الموازنة، وعبء الدين، والمشروعات ذات الربحية الواضحة، والاستراتيجية، ومستوى مقبول من المخاطر».

وقال الوزير: «إن الدين العام الروسي يُعدُّ من بين الأدنى بين دول مجموعة العشرين، حيث يبلغ نحو 17 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وخلال السنوات الـ3 الماضية وحدها، بما في ذلك عام 2025، نما الناتج المحلي الإجمالي الروسي بأكثر من 10 في المائة بالقيمة الحقيقية».

ورأى أن هذا «يمثل نمواً سنوياً بنسبة 3.3 في المائة تقريباً، وهو أعلى من المتوسط العالمي؛ ما يسمح لنا بالحفاظ بثبات على المركز الرابع بين أكبر اقتصادات العالم، وفقاً لتعادل القوة الشرائية».

وشدَّد على أهمية هذه المعطيات في توضيح مستوى جاذبية السوق الروسية للاستثمارات الأجنبية عموماً، والعربية على وجه الخصوص. وقال: «إن روسيا تُعدُّ سوقاً استثماريةً جذابةً للمستثمرين العرب على المدى الطويل، لا سيما في القطاع الزراعي وإنتاج الأسمدة، والبنية التحتية، والتقنيات الرقمية، والحلول الصناعية. وتتوافق هذه المجالات مع أولويات دول الخليج، بما في ذلك تنويع الأصول وتطوير قطاعات جديدة».

وأكد ثبات الاقتصاد الروسي في مواجهة التحديات الخارجية، وقال إنه «في السنوات الأخيرة، أثبت اقتصادنا قدرته على التكيُّف مع الضغوط والحفاظ على زخم إيجابي في ظلِّ العقوبات، وإعادة هيكلة الخدمات اللوجستية، وتقييد الوصول إلى رؤوس الأموال الغربية. وفي الوقت نفسه، تبقى البنية التحتية للتعاون قضية محورية، بما في ذلك التسويات بالعملات الوطنية، وعلاقات المراسلة المصرفية، والخدمات اللوجستية، وحماية الاستثمارات».


مقالات ذات صلة

السعودية تستعرض منجزات «رؤية 2030» في منتدى سان بطرسبورغ الدولي

الاقتصاد مشاركون سعوديون في منتدى سانت بطرسبورغ الاقتصادي الدولي (المنتدى)

السعودية تستعرض منجزات «رؤية 2030» في منتدى سان بطرسبورغ الدولي

تحل السعودية ضيف شرف على الدورة التاسعة والعشرين من منتدى «سانت بطرسبورغ الاقتصادي الدولي» الذي يُعقد في مدينة سانت بطرسبورغ الروسية.

«الشرق الأوسط» (سانت بطرسبرغ)
الاقتصاد اللقاء بين الأمير عبد العزيز بن سلمان وغروسي (إكس)

الرياض والوكالة الدولية للطاقة الذرية تبحثان مستجدات البرنامج الوطني

بحث وزير الطاقة السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان والمدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافاييل غروسي مستجدات البرنامج الوطني للطاقة الذرية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد مبنى «المملكة القابضة» في الرياض (واس)

«المملكة القابضة» تكشف تفاصيل حصتها في «سبايس إكس» قبيل طرحها في «ناسداك»

أعلنت شركة «المملكة القابضة» عن آخر المستجدات المتعلقة باستثمارها الاستراتيجي في شركة «سبايس إكس» (SpaceX)، وذلك إلحاقاً بإعلانها السابق الصادر في السادس عشر…

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد 
العاصمة السعودية الرياض (رويترز)

مرونة هيكلية تحصّن اقتصاد السعودية

أكد «صندوق النقد الدولي» أن الاقتصاد السعودي أظهر كفاءة استثنائية وقدرة عالية على الصمود في مواجهة التوترات الجيوسياسية الإقليمية التي عرقلت الملاحة في مضيق.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد العاصمة السعودية الرياض (واس)

وزارة المالية السعودية تثمّن شهادة صندوق النقد الدولي بحصانة الاقتصاد الوطني

أعربت وزارة المالية السعودية عن ترحيبها بالبيان الصادر عن خبراء صندوق النقد الدولي عقب اختتام مناقشات مشاورات المادة الرابعة لعام 2026

«الشرق الأوسط» (الرياض)

أسواق الخليج ترتفع بدعم آمال التوصل إلى اتفاق يخفف التوتر بين أميركا وإيران

متداولون في بورسة المنامة (رويترز)
متداولون في بورسة المنامة (رويترز)
TT

أسواق الخليج ترتفع بدعم آمال التوصل إلى اتفاق يخفف التوتر بين أميركا وإيران

متداولون في بورسة المنامة (رويترز)
متداولون في بورسة المنامة (رويترز)

ارتفعت معظم أسواق الأسهم الخليجية في التعاملات المبكرة يوم (الخميس)، مدعومة بتفاؤل المستثمرين بشأن إحراز تقدم في الجهود الدبلوماسية الرامية إلى تهدئة التوترات بين أميركا وإيران، وذلك عقب التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان.

وفي بيان مشترك صدر بعد محادثات في واشنطن إن تنفيذ وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان مشروط بوقف كامل للأعمال القتالية وانسحاب عناصر «حزب الله» من منطقة جنوب الليطاني.

كما أشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الأربعاء، إلى إمكانية إحراز تقدم في المفاوضات مع إيران في وقت قريب.

ورغم ذلك، ظل الحذر مسيطراً على الأسواق مع استمرار متابعة المستثمرين للتطورات المرتبطة بإيران ومضيق هرمز، وفقاً لأحمد العسيري، استراتيجي الأبحاث لدى «بيبرستون».

وفي السعودية، ارتفع مؤشر السوق الرئيسية (تاسي) 0.1 في المائة وسط تداولات متذبذبة. وزاد مؤشر سوق دبي المالي 0.3 في المائة، مدعوماً بارتفاع سهم «بنك دبي الإسلامي» 1.3 في المائة، وصعود سهم «سالك» بالنسبة ذاتها. كما ارتفع مؤشر سوق أبوظبي للأوراق المالية 0.2 في المائة.

وفي قطر، صعد المؤشر العام 0.3 في المائة، بدعم من ارتفاع سهم «صناعات قطر» 0.3 في المائة.

وفي أسواق النفط، تراجعت العقود الآجلة لخام برنت 0.89 في المائة إلى 96.92 دولار للبرميل بحلول الساعة 04:58 بتوقيت غرينيتش.


السعودية تستعرض منجزات «رؤية 2030» في منتدى سان بطرسبورغ الدولي

مشاركون سعوديون في منتدى سانت بطرسبورغ الاقتصادي الدولي (المنتدى)
مشاركون سعوديون في منتدى سانت بطرسبورغ الاقتصادي الدولي (المنتدى)
TT

السعودية تستعرض منجزات «رؤية 2030» في منتدى سان بطرسبورغ الدولي

مشاركون سعوديون في منتدى سانت بطرسبورغ الاقتصادي الدولي (المنتدى)
مشاركون سعوديون في منتدى سانت بطرسبورغ الاقتصادي الدولي (المنتدى)

تحل السعودية ضيف شرف على الدورة التاسعة والعشرين من منتدى «سانت بطرسبورغ الاقتصادي الدولي» الذي يُعقد في مدينة سانت بطرسبورغ الروسية، في تأكيد على مكانتها المتنامية على الساحة الاقتصادية العالمية ودورها في تعزيز التعاون الاقتصادي والشراكات الدولية.

وتأتي المشاركة بالتزامن مع مرور مائة عام على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين السعودية وروسيا، مما يعكس عمق العلاقات التاريخية بين البلدين والتطور الذي شهدته في مختلف المجالات الاقتصادية والاستثمارية والتجارية.

ومن المقرر أن تستعرض السعودية خلال المنتدى مستهدفات «رؤية 2030» وما تحقق من منجزات في مسيرة التنويع الاقتصادي، إلى جانب إبراز الفرص الاستثمارية الواعدة في عدد من القطاعات الحيوية، وتعزيز التواصل مع المستثمرين والشركاء من مختلف دول العالم.

المشاركون يستعدون لدخول قاعة افتتاح جلسات منتدى سانت بطرسبورغ (المنتدى)

كما تشارك في أعمال المنتدى جهات حكومية وهيئات وطنية وشركات سعودية رائدة، من بينها وزارة الطاقة، ووزارة الصناعة والثروة المعدنية، ووزارة النقل والخدمات اللوجستية، ووزارة البيئة والمياه والزراعة، ووزارة الاستثمار، إلى جانب عدد من الجهات والمؤسسات الوطنية الأخرى، بهدف تعزيز التعاون الاقتصادي، واستعراض الفرص الاستثمارية المتاحة، وبحث آفاق الشراكة مع المستثمرين والشركات العالمية.

ويُعد منتدى «سانت بطرسبورغ الاقتصادي الدولي» أحد أبرز المنصات الاقتصادية العالمية، إذ يجمع قادة الدول والمسؤولين وصناع القرار وممثلي كبرى الشركات والمؤسسات لمناقشة القضايا الاقتصادية والتنموية ومستقبل التعاون الدولي، وينعقد هذا العام تحت شعار «القيم المشتركة: أساس النمو في عالم متعدد الأقطاب».


«المنتدى الاقتصادي»: التشرذم المالي يكلّف العالم 307 مليارات دولار سنوياً

سفن راسية في مضيق هرمز كما تُرى من مسندم، عُمان (رويترز)
سفن راسية في مضيق هرمز كما تُرى من مسندم، عُمان (رويترز)
TT

«المنتدى الاقتصادي»: التشرذم المالي يكلّف العالم 307 مليارات دولار سنوياً

سفن راسية في مضيق هرمز كما تُرى من مسندم، عُمان (رويترز)
سفن راسية في مضيق هرمز كما تُرى من مسندم، عُمان (رويترز)

كشف تقرير حديث صادق عن المنتدى الاقتصادي العالمي، أن التشرذم الجيواقتصادي يفرض تكلفة سنوية باهظة على الاقتصاد العالمي تتراوح بين 213 و307 مليارات دولار، فضلاً عن تسببه في إضافة ما بين 0.2 و0.3 نقطة مئوية إلى معدلات التضخم العالمية، مما يسهم في تآكل القوة الشرائية في معظم الاقتصادات.

وأوضح التقرير، الذي نُشر بالتعاون مع مؤسسة «أوليفر وايمان» تحت عنوان «تعميق الانقسامات: تكلفة نظام مالي أكثر تشرذماً»، أن ضغوط التشرذم تسارعت بشكل ملحوظ خلال عامي 2025 و2026 نتيجة التوترات الجيوسياسية والمخاوف المتعلقة بالأمن الاقتصادي.

وأشار إلى أن هذه الضغوط باتت تؤثر بشكل متزايد على أنظمة التجارة والتمويل والاستثمار عبر تصعيد التعرفات الجمركية، وقيود الاستثمار، والإجراءات الانتقامية المتبادلة.

انقسام يمتد إلى الحلفاء التقليديين

ونوّه التقرير بحدوث تحوُّل هيكلي واسع النطاق في حركة التجارة والتمويل الدولية؛ فبينما كانت التقارير السابقة تركز على مخاطر التشرذم بين الخصوم الجيوسياسيين، تظهر النتائج الأخيرة أن التعرفات الجمركية والقيود الاستثمارية بدأت تمتد لتؤثر على الاقتصادات الحليفة تقليدياً، بما في ذلك الولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي، وكندا، واليابان، وكوريا الجنوبية، مما يرفع التكاليف التشغيلية على الشركات، ويزيد من حالة عدم اليقين في حركة التجارة والاستثمار العابرة للحدود.

وحذر من أنه في حال تسارع الاتجاهات الحالية نحو سيناريوهات تشرذم أكثر حدة، فإن الخسائر العالمية قد تصل إلى 6.9 تريليون دولار، أو ما يعادل 6.4 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وهو أثر اقتصادي يتجاوز حجم أي اقتصاد في العالم، باستثناء الولايات المتحدة والصين. ويمتد هذا الأثر ليطال الأجور الحقيقية للأسر، لا سيما في أميركا، حيث يُقدر أن تنخفض أجور العمال من ذوي المهارات العالية بنسبة 0.66 في المائة، والمتوسطة بنسبة 0.49 في المائة، والمنخفضة بنسبة 0.33 في المائة.

الأسواق الناشئة وأفريقيا في مهب الصدمات

ووفقاً للتقرير، فإن الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية هي المرشحة لتلقي الضربة الأقوى جراء هذا التشرذم المالي نتيجة لضعف أسواق رأس المال المحلية بها، واعتمادها الكبير على التدفقات النقدية الدولية. وفي السيناريو الأكثر تطرفاً، قد تواجه الدول الواقعة خارج الكتل الجيوسياسية الكبرى (ومعظمها أسواق ناشئة) انخفاضاً في نمو الناتج المحلي الإجمالي يصل إلى 10.7 في المائة، مقارنة بالانخفاض العالمي البالغ 6.4 في المائة.

وتُعدّ القارة الأفريقية نموذجاً بارزاً لهذه المخاطر، حيث يهدد التشرذم بجعل تمويل التنمية أكثر تكلفة وصعوبة في التوقع. ومع ذلك، يرى التقرير أن مبادرات التكامل الإقليمي - مثل منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية ونظام الدفع والتسوية الأفريقي الموحد - توفر مسارات واعدة لبناء المرونة والتحوط ضد الصدمات الخارجية، مستفيدة من النمو السكاني والوفرة الطبيعية للمواد الخام الحيوية.

توصيات لصناع القرار

ورغم استبعاد تراجع حدة التشرذم على المدى القريب، أكد المنتدى الاقتصادي العالمي إمكانية إدارة هذه المخاطر وحصر أضرارها، محدداً خمس خطوت استراتيجية يجب على صناع السياسات اتخاذها:

* وضع ضوابط مشتركة لحماية النظام المالي، مع التأكيد على سيادة القانون، واستقلالية السياسة النقدية، والحد من مصادرة الأصول السيادية وحماية بيانات الحكومات.

*الاتفاق على قواعد واضحة لإدارة السياسات الاقتصادية، بما يضمن تحقيق أهداف الأمن القومي دون تقويض النمو العالمي.

* ضمان استقرار وقابلية التنبؤ بالسياسات، للحفاظ على تدفقات الاستثمار واستمرار عمل أسواق رأس المال العابرة للحدود.

* تعزيز التوافق بين أنظمة الدفع والعملات الرقمية: وإعداد قطاعات الأعمال للعمل في بيئة جيو - اقتصادية مجزأة.

* دعم مبادرات التكامل الإقليمي وتطوير أسواق المال المحلية، مثل دعم «اتحاد المدخرات والاستثمارات الأوروبي» والمشروعات الإقليمية الأفريقية.

الجدير بالذكر أن هذه الملفات ستكون على رأس جدول أعمال الدورة السابعة عشرة للاجتماع السنوي للأبطال الجدد (المعروف باسم «منتدى دافوس الصيفي 2026»)، المقرر عقده تحت شعار «الابتكار على نطاق واسع»، في مدينة داليان الصينية خلال الفترة من 23 إلى 25 يونيو (حزيران) الحالي، بمشاركة 1500 من قادة القطاعات عالمياً لاستكشاف نماذج نمو جديدة وآليات دفع الزخم الاقتصادي.