من الفنادق الفاخرة إلى المطاعم الشهيرة، تتصاعد القيود المفروضة على المؤثرين وصنّاع المحتوى، بين منع جلسات التصوير دون إذن مسبق، وتخصيص ساعات محددة للتصوير، وصولاً إلى الحظر الكامل. والسبب؟ حماية خصوصية الزبائن، والحفاظ على أجواء المكان، ومنع تحوّل تجارب الضيافة إلى استوديوهات مفتوحة لصناعة المحتوى.
لم يعد مشهد شخص يلتقط عشرات الصور أمام طبق طعام أو بجوار مسبح فاخر أمراً استثنائياً؛ ففي عصر وسائل التواصل الاجتماعي، باتت بعض المطاعم والفنادق وجهات يقصدها الزوار ليس فقط للاستمتاع بالطعام أو الإقامة، بل أيضاً لالتقاط صور ومقاطع فيديو مثالية لنشرها على «إنستغرام» و«تيك توك».
لكن هذا التوجّه بدأ يثير استياء عدد متزايد من أصحاب المطاعم والفنادق، الذين يرون أن السعي وراء الصورة المثالية قد يأتي أحياناً على حساب راحة الضيوف وخصوصيتهم، ويحوّل المكان من مساحة للاستمتاع إلى خلفية لإنتاج المحتوى.

يمكنني هنا الاستناد إلى تجربة شخصية عشتها خلال عدد من الرحلات الصحافية، حيث يُدعى المؤثرون والمؤثرات إلى جانب الصحافيين للتعرف إلى وجهات سياحية وفنادق ومطاعم. لكن ما يفترض أن يكون فرصة للتواصل المهني وجمع المعلومات وإجراء المقابلات مع المسؤولين وأصحاب الشأن، يتحول أحياناً إلى تجربة مرهقة، حين تتداخل أهداف الطرفين وتتعارض أولوياتهما.
فبينما يسعى الصحافي إلى استثمار وقته في جمع المعلومات الدقيقة، وإجراء المقابلات، واكتشاف التفاصيل التي تثري مادته الصحافية، قد يجد نفسه مضطراً إلى الانتظار لساعات بسبب انشغال بعض المشاركين بإعداد محتواهم الشخصي، بما يربك جدول العمل ويحدّ من الوقت المتاح لإنجاز المهام الصحافية التي دُعي من أجلها. وتتجاوز المشكلة أحياناً مسألة التصوير وحدها، لتشمل توقعات بعض المدعوين وطريقة تعاملهم مع منظمي الرحلات وبقية المشاركين. وقد لمستُ بنفسي كيف يمكن لبعض المطالب المتكررة، وما يصاحبها أحياناً من سلوك ينطوي على التعالي أو الاستعلاء، أن يخلق أجواء غير مريحة، حتى إن صحافيين مخضرمين، يمتلكون سنوات طويلة من الخبرة المهنية ومؤلفات منشورة ورصيداً من الإنجازات، قد يشعرون بأن خبرتهم لا تحظى بالتقدير الذي تستحقه.

ولا يعني ذلك التعميم على المؤثرين أو التقليل من أهمية دورهم في الترويج للوجهات السياحية والفنادق والمطاعم؛ فبعضهم يقدم محتوى احترافياً ويضيف قيمة حقيقية إلى هذه التجارب. لكن الإشكالية تبدأ عندما تتراجع الأهداف الإعلامية للدعوة لمصلحة المصالح الشخصية، وعندما تصبح الأولوية للصورة المنشورة بدلاً من المعلومات والتجارب التي يُفترض نقلها إلى الجمهور.
عندما تتحوّل المطاعم والفنادق إلى استوديوهات تصوير
في فندق «دو كاب إيدن روك» الفاخر في مدينة أنتيب الفرنسية، المعروف بإطلالاته على الريفييرا الفرنسية ومسبحه اللامتناهي، أصبح تنظيم جلسات التصوير يتطلب الحصول على موافقة مسبقة.
وجاءت هذه الخطوة، بحسب تقارير إعلامية، بعد رصد حالات حجز فيها أشخاص طاولات لتناول الغداء، ثم أحضروا معهم حقائب مليئة بالملابس والمجوهرات، واستخدموا وقتهم في الفندق لتغيير إطلالاتهم والتقاط الصور بدلاً من الاستمتاع بتجربة الطعام والضيافة.
المشكلة، بالنسبة إلى إدارات هذه المنشآت، لا تتعلق بالتصوير في حد ذاته، بل بتحوّل بعض الزيارات إلى جلسات تصوير مطوّلة قد تعرقل سير العمل، وتؤثر في تجربة الزبائن الآخرين، وتخلّ بالأجواء الهادئة التي تدفع الناس إلى اختيار هذه الأماكن.
أصحاب المطاعم: لسنا استوديوهات تصوير
في لندن، عبّر صاحب المطاعم جيريمي كينغ، المعروف بإدارته عدداً من المطاعم الشهيرة، عن استيائه من تزايد حضور المؤثرين الذين يطغى اهتمامهم بالتصوير على تجربة تناول الطعام.
وتعكس هذه المواقف اعتراضاً أوسع لدى بعض العاملين في قطاع الضيافة؛ فالمطعم ليس مجرد ديكور جذاب أو خلفية لصورة تحصد آلاف الإعجابات، بل مساحة يتوقع فيها الزبائن الاستمتاع بوجباتهم والتحدث مع مرافقيهم من دون أن يجدوا أنفسهم، عن غير قصد، جزءاً من محتوى ينشره شخص آخر.
وتزداد حساسية المسألة عندما تظهر وجوه الزبائن في الصور أو مقاطع الفيديو من دون موافقتهم، أو عندما يضطر العاملون إلى الانتظار حتى ينتهي أحد الضيوف من التصوير قبل تقديم الطعام أو ترتيب الطاولات.
الخصوصية أولاً: لماذا ترفض الفنادق التصوير العشوائي؟
وهنا تظهر المفارقة؛ فالفندق الذي يشتهر بجماله وإطلالاته قد يستفيد تجارياً من الصور المنشورة على الإنترنت، لكنه لا يريد بالضرورة أن تتحوّل جميع مساحاته إلى مواقع تصوير مفتوحة للجميع.
وتتبنّى بعض مجموعات الفنادق نهجاً أكثر توازناً؛ إذ تتعاون مع المؤثرين في حملات ترويجية مدروسة، مع التأكيد على أن تجربة الضيوف تظل الأولوية.
هل المؤثرون هم المشكلة فعلاً؟
على الرغم من الانتقادات، يرى بعض العاملين في مجال صناعة المحتوى أن الصورة النمطية عن المؤثرين لا تعكس واقع القطاع بأكمله. فليس كل صانع محتوى يحصل على مقابل مالي مقابل منشوراته، وقد ينتج كثيرون محتواهم مجاناً على أمل جذب انتباه العلامات التجارية والحصول على فرص تعاون مستقبلية.
كما أن بعض الفنادق والمطاعم تستفيد بالفعل من التعاون مع المؤثرين، سواء عبر الإقامة المجانية أو الحملات الإعلانية المدفوعة، ما يجعل العلاقة بين الطرفين أكثر تعقيداً من مجرد رفض التصوير.
وبين التسويق وحق الضيوف في الاستمتاع، قد يكون الحل في وضع قواعد واضحة، مثل اشتراط الحصول على إذن مسبق لجلسات التصوير الاحترافية، ومنع تصوير الآخرين من دون موافقتهم، وتخصيص أوقات أو مناطق مناسبة لصناع المحتوى، مع تطبيق القواعد على الجميع بصورة عادلة.









