بينما تواصل أمس الخميس واليوم الجمعة تدفّق وحدات الجيش الجزائري جنوباً باتجاه النيجر، وسط مشهد لا يزال يلفه الغموض، سلّط باحث جزائري متخصص في شؤون الأمن والدفاع الضوء على التحديات، التي ستواجه القوات المسلحة الجزائرية في منطقة سبق لها التعامل مع تداعيات أحداث شهدتها، غير أن الواقع هناك يبدو اليوم شديد التعقيد، في ظل أبعاد جيوستراتيجية وتشابك في المصالح يتجاوزان حدود المنطقة.

شكّل تصويت البرلمان الجزائري في 25 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي على إرسال قوات إلى النيجر تحولاً لافتاً في سياسة البلاد الخارجية بإجماع الخبراء والمحللين. فللمرة الأولى منذ عدة عقود، تقرر الجزائر أن يكون لها حضور عسكري خارج حدودها، تحديداً في جارة تجمعها بها حدود بطول 900 كلم، وذلك بناء على طلب من سلطاتها.
ولا تزال الصيغة المعلنة لهذه المشاركة محدودة في الوقت الراهن، وتركّز على شمال النيجر. ورغم أن بيان الرئاسة الجزائرية، الصادر في اليوم الموالي للتصويت، أوضح أن هذا الانتشار «يهدف إلى حماية المنشآت الاقتصادية ومنشآت الطاقة المشتركة»، فإنه من المثير للاهتمام التعمق في هذا الاحتمال وطرح تساؤلات أوسع بشأنه، بحسب ما جاء في تقرير للكاتب في الشؤون الأمنية والعسكرية، أكرم خريف، نشره بمنصة «ميناديفانس» الإخبارية التي يديرها.
اتساع رقعة الصراع تربك حسابات الجزائر
ما الذي سيواجهه «الجيش الوطني الشعبي» الجزائري فعلياً إذا اتخذت مشاركته أبعاداً أخرى؟، وماذا إذا قررت الجزائر، بدلاً من نشر بضع وحدات في الشمال، المساهمة بشكل دائم في تأمين كامل الأراضي النيجرية؟

هذا هو السؤال المحوري، الذي يفترض أن يستقطب انشغال الرأي العام والنخب بالمنطقة، بحسب خريف، الذي يقول إن الإجابة «تقتضي أولاً التخلي عن فكرة وجود صراع واحد وموحد في النيجر. فالواقع اليوم لا يشير إلى وجود جبهة قتالية واحدة، بل إلى عدة ساحات حرب تتداخل أحيانا، وتخضع كل واحدة منها لمنطق مختلف».
وبحسب الخبير، تمكن تنظيم «داعش» في الساحل من ترسيخ وجوده على المدى الطويل في منطقة تيلابيري، وأجزاء من منطقة تاهوا في غرب النيجر، بالقرب من الحدود مع مالي وبوركينا فاسو. أما في الجنوب الغربي، فيعمل تنظيم «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين» على توسيع نفوذه انطلاقاً من المناطق الحدودية مع بوركينا فاسو وبنين.
وفي ديفا بالجنوب الشرقي للبلاد، يتواصل مسار عسكري مختلف، حسب التقرير، يتمثل في نشاط جماعة «بوكو حرام» وتنظيم «داعش» المتطرف في غرب أفريقيا حول بحيرة تشاد. أما في الشمال، ولا سيما المناطق المحيطة بأغاديز وكوار وجادو، فيشهد عودة حركات تمرد نيجرية، لا تتبنى آيديولوجية المتطرفين، ولا تسعى إلى تحقيق أهدافهم. ويشير التقرير إلى أن جنوب النيجر يظل عرضة لهجمات مجموعات قطاع الطرق، التي تعبر الحدود انطلاقاً من نيجيريا.

ولفت الخبير الجزائري إلى أن احتمال انتشار الجيش الجزائري في أنحاء مختلفة بالنيجر «سيضعه أمام ضرورة الانتقال من ساحة عمليات إلى أخرى، دون أن يواجه في كل مرة الخصم نفسه أو التحديات ذاتها».
كما أكد التقرير أن المعطيات المتاحة عن الوضع في المنطقة تعطي فكرة عن مدى انتشار هذه التهديدات وتعدد بؤرها. فخلال النصف الأول من سنة 2026، استحوذت منطقتا تيلابيري وديفا على نسبة مهمة من الحوادث الأمنية المسجلة في النيجر. وفي الوقت نفسه، شهد الوضع تدهوراً ملحوظاً في منطقتي دوسو وتاهوا. وهكذا اتسعت رقعة الحرب، وانتقلت إلى مناطق جديدة، واقتربت من مناطق كانت في السابق أقل تأثراً بالاضطرابات الأمنية.
شركاء الجزائر في ساحة معقدة
في تقدير أكرم خريف، سيكون الجيش النيجري «الشريك الأول بالنسبة إلى الجزائر بطبيعة الحال». موضحاً أن القوات المسلحة النيجرية «تعرف طبيعة الأرض والقرى والشبكات المحلية، ومحاور التنقل الرئيسية. كما تمتلك خبرة تراكمية اكتسبتها على مدى سنوات من المواجهة مع الجماعات المتشددة. ومن ثم، فإن أي وجود عسكري جزائري جدي سيعتمد عليها في مجال الاستخبارات البشرية، والتنسيق مع الإدارة المحلية، وتحديد هوية الفاعلين المحليين».
وتناول التقرير محاولة الانقلاب، التي تعرض لها الرئيس عبد الرحمن تشياني، في 29 أغسطس (آب) الماضي، والتي أحبطت، مؤكداً أنها «تفرض قدراً من الحذر. فقد أظهرت حركة التمرد العسكري، التي انطلقت من نيامي، أن الجيش النيجري لا يزال يعاني من انقسامات داخلية، حيث انقلب مئات العسكريين آنذاك على السلطة، واستدعت استعادة السيطرة على القاعدة الجوية رقم 101 تدخل القوات الموالية للسلطة، بمساعدة عناصر روسية». وأوضح التقرير أن المخطط الانقلابي «يعني بالنسبة إلى الجزائر أن أي عملية عسكرية خارج الحدود لن تجري في مواجهة الجماعات المسلحة المتمردة وحدها، بل ستظل مرتبطة أيضاً بمدى استقرار المؤسسة العسكرية النيجرية نفسها».

والمعروف أن سلاح الجو الجزائري نفذ عمليات في النيجر إثر الحركة الانقلابية، على سبيل الردع. وأكد الرئيس عبد المجيد تبون مطلع أكتوبر، بهذا الخصوص، أن جهة أجنبية عن المنطقة تقف وراء هذه الحركة، دون أن يذكر من هي. وشدد على أن الجزائر تعد نفسها مستهدفة مثل النيجر، وألمح يومها إلى أن جيش بلاده قد يتدخل لصد أي تحرك عسكري جديد ضد السلطة في النيجر.
كما تطرق التقرير إلى «الفيلق الأفريقي الروسي»، الذي وصفه بـ«شريك آخر بحكم الأمر الواقع». لافتاً إلى أن الروس «موجودون في نيامي، وسبق لهم أن قاتلوا إلى جانب القوات الموالية للسلطة. وبالتالي فإن خصومهم في عدد من جبهات القتال سيكونون هم أنفسهم الخصوم، الذين قد يواجههم الجيش الوطني الشعبي الجزائري».







