دمج «قوات حماية سنجار» في الأجهزة الرسمية العراقية

في إطار مساعيها لحصر السلاح بيد الدولة

قوات عراقية منتشرة في سنجار مطلع ديسمبر 2020 (رويترز)
قوات عراقية منتشرة في سنجار مطلع ديسمبر 2020 (رويترز)
TT

دمج «قوات حماية سنجار» في الأجهزة الرسمية العراقية

قوات عراقية منتشرة في سنجار مطلع ديسمبر 2020 (رويترز)
قوات عراقية منتشرة في سنجار مطلع ديسمبر 2020 (رويترز)

أعلنت الحكومة العراقية، يوم الاثنين، فك الارتباط العسكري «المستقل» لقوات حماية سنجار «اليبشة» ودمجها في الأجهزة الرسمية ونقل المسؤولية الأمنية في جبل سنجار إلى السلطات الاتحادية.

جاء الإعلان خلال بيان صادر عن الناطق باسم القوات المسلحة، صباح النعمان، الذي قال إن هذا التدبير «يندرج في سياق منهج الحكومة العراقية وبرنامجها لحصر السلاح بيد الدولة، لتأسيس مرحلة جديدة من المسؤولية الأمنية في قضاء سنجار».

وذكر النعمان أن حكومته «تثمن التضحيات الكبيرة التي قدّمها أبناء المكون الإيزيدي في الدفاع عن العراق عموماً وقضاء سنجار على وجه الخصوص، في مواجهة قوى الإرهاب والتكفير، والتزامهم بالثوابت الوطنية والدستور الذي يحظر تشكيل مجاميع عسكرية خارج إطار القوات المسلحة».

وأكد مسؤولية الحكومة الكاملة عن «حفظ حقوق أبناء المكوّن الإيزيدي ممن قاتلوا الإرهاب وتصدّوا ببسالة لمشروعه التكفيري، وقدّموا في سبيل ذلك الشهداء والجرحى، وتعويض ذوي الضحايا والمتضررين من العمليات الإرهابية وإعادة إعمار قضاء سنجار».

4165 مقاتلاً

وأعلنت قيادة «وحدات مقاومة سنجار»، يوم الاثنين، إنهاء ارتباطها العسكري «المستقل» واندماجها مع المنظومة الأمنية، ضمن ملف حصر السلاح في يد الدولة.

وقالت القيادة في بيان: «نعلن التوصل إلى اتفاق مع الحكومة الاتحادية العراقية بشأن إنهاء الارتباط العسكري المستقل لقواتنا، (وحدات مقاومة سنجار) و(وحدات مـأة سنجار)، التي بلغ قوامها 4165 مقاتلاً ومقاتلة، ودمجهما ضمن المنظومة الأمنية الاتحادية وحصر السلاح بيد الدولة، وفق الأطر القانونية والمؤسسية والتفاهمات المتفق عليها، بما يؤسس لمرحلة جديدة من الشراكة الوطنية والمسؤولية المشتركة».

واعتبر البيان أن «القرار لا يطوي صفحة تاريخنا ولا نتنكر لتضحيات سنوات المقاومة، بل ننتقل من مرحلة فرضتها الإبادة والحرب إلى مرحلة العمل ضمن مؤسسات الدولة، ونؤكد أن حصر السلاح بيد الدولة وتوحيد القرار الأمني أساس لترسيخ السيادة ومنع عودة الإرهاب وتعزيز الاستقرار، على أن يترافق تنفيذ الاتفاق مع حفظ حقوق المقاتلين والمقاتلات، وضمان أمن سنجار».

من هم «اليبشة»؟

حرس الحدود العراقي يقوم بدورية على طول الحدود مع سوريا في سنجار (أرشيفية - أ.ب)

تشكلت قوات «اليبشة»، وهي الاختصار الكردي لـ«وحدات مقاومة سنجار»، ومعظم عناصرها من الإيزيديين، على خلفية صعود تنظيم «داعش» واحتلاله قضاء سنجار في صيف عام 2014، وقيامه بقتل وسبي آلاف المواطنين الإيزيديين، الذين لا يزال مصير المئات منهم مجهولاً.

وتشكلت هذه الوحدات بدعم وتدريب مباشر من مقاتلي «حزب العمال الكردستاني» التركي المعارض لأنقرة، وتتبعه فكرياً. وكانت إعادة هيكلة هذه القوات ودمجها في القوات الأمنية العراقية الرسمية، إلى جانب سيطرة الأخيرة على ملف الأمن في سنجار، أحد شروط أنقرة لسحب قواتها من الأراضي العراقية، خصوصاً في منطقة بعشيقة القريبة من مدينة الموصل مركز محافظة نينوى.

وتعد عملية إدارة قضاء سنجار من بين أكثر التحديات التي واجهتها الحكومات الاتحادية المتعاقبة خلال السنوات الماضية إلى جانب حكومة إقليم كردستان، بالنظر للتداخل الحاد في الصلاحيات العسكرية ووجود مسلحين ينتمون إلى جماعات مختلفة لا تأتمر بأمر القيادة العسكرية الاتحادية.

وكانت الحكومة الاتحادية في بغداد توصلت في أكتوبر (تشرين الأول) 2022 إلى اتفاق مع حكومة إقليم كردستان يقضي بتطبيع الأوضاع في سنجار، بالتنسيق مع بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق. وتضمن الاتفاق ثلاثة محاور رئيسية، تتعلق بإعادة تنظيم الإدارة المحلية، وإعادة هيكلة المنظومة الأمنية، وإعمار القضاء وتهيئة الظروف لعودة النازحين. لكن الاتفاق لم يأخذ طريقه للتنفيذ خلال السنوات التي تلته، قبل أن تعلن الحكومة الآن حسم ملف قوات مقاومة سنجار.

Your Premium trial has ended


مقالات ذات صلة

مذكرة قبض بحق رئيس «مجلس ميسان» جنوب العراق

المشرق العربي رئيس مجلس محافظة ميسان مصطفى دعير المحمداوي (مواقع تواصل)

مذكرة قبض بحق رئيس «مجلس ميسان» جنوب العراق

أصدرت محكمة عراقية أمر قبض بحق رئيس مجلس محافظة ميسان، مصطفى دعير المحمداوي؛ بسبب رفضه إغلاق معبر حدودي مع إيران.

فاضل النشمي (بغداد)
المشرق العربي رجل يلوّح بالعلم العراقي في ساحة التحرير ببغداد (أ.ف.ب)

دعوات عراقية لإحياء ذكرى «احتجاج تشرين»

حشد ناشطون عراقيون خلال الأسبوعين الماضيين لمظاهرة شعبية، غداً الأحد، بالتزامن مع الذكرى السابعة لـ«حراك تشرين».

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي صورة لمبنى السفارة الأميركية في بغداد (وكالة الأنباء العراقية)

واشنطن تشكك في قدرة بغداد على حماية الرعايا الأميركيين

حذرت وزارة الخارجية الأميركية، السبت، من مخاطر العنف والخطف التي تواجه المواطنين الأميركيين في العراق، قائلة إن الحكومة العراقية لا تستطيع ضمان سلامتهم.

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي مدخل لمنفذ جميمة الحدودي مع السعودية (الوكالة الرسمية)

العراق يتحرك لتأهيل منفذ حدودي مع السعودية

وافق رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي على تمويل إنشاء المنشآت والمباني الخاصة بمنفذ الجميمة الحدودي مع السعودية.

حمزة مصطفى (بغداد)
شؤون إقليمية عناصر من «حركة النجباء» العراقية خلال تجمع في بغداد يوم 8 أكتوبر 2023 (أ.ف.ب)

مخاوف عراقية من عودة فصائل الظل إلى «وحدة الساحات»

تزداد مخاوف في العراق من أن يكون تمسك الفصائل المسلحة بسلاحها محاولةً لكسب الوقت؛ استعداداً لاحتمال استئناف الحرب مع إيران.

«الشرق الأوسط» (بغداد)

الأردن: عمليات أمنية نوعية حددت موقع الإرهابيين منفذي مجزرة الكنيسة ولحظة مداهمتهم

الأمن الأردني في حالة استعداد لاقتحام المبنى الذي لجأ إليه الإرهابيون مرتكبو مجزرة كنيسة الروم الأرثوذكس بقرية حمود في محافظة الكرك بالأردن (مديرية الأمن العام)
الأمن الأردني في حالة استعداد لاقتحام المبنى الذي لجأ إليه الإرهابيون مرتكبو مجزرة كنيسة الروم الأرثوذكس بقرية حمود في محافظة الكرك بالأردن (مديرية الأمن العام)
TT

الأردن: عمليات أمنية نوعية حددت موقع الإرهابيين منفذي مجزرة الكنيسة ولحظة مداهمتهم

الأمن الأردني في حالة استعداد لاقتحام المبنى الذي لجأ إليه الإرهابيون مرتكبو مجزرة كنيسة الروم الأرثوذكس بقرية حمود في محافظة الكرك بالأردن (مديرية الأمن العام)
الأمن الأردني في حالة استعداد لاقتحام المبنى الذي لجأ إليه الإرهابيون مرتكبو مجزرة كنيسة الروم الأرثوذكس بقرية حمود في محافظة الكرك بالأردن (مديرية الأمن العام)

نفذت القوات الأمنية الأردنية المختصة «عدداً كبيراً» من المداهمات في مواقع كان من المُحتمل وجود الإرهابيين الثلاثة، الذين نفذوا عملية «كنيسة حمود»، فيها، وساعد في ذلك حصر البيوت المهجورة في المناطق القريبة من منطقة حمود؛ وفق المصادر.

وكانت مجموعة إرهابية فتحت ظهر الجمعة النار من أسلحة أوتوماتيكية على مُعزّين موجودين في «كنيسة حمود»، وقت إقامة الجنّاز على روح أحد أبناء القرية. وتسببت الحادثة في استشهاد 9 مواطنين وإصابة العشرات.

وتحدثت مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط» عن أن عمليات استخباراتية وأمنية قادت إلى حصر نطاق مواقع البحث والتحري، وصولاً إلى تحديد مكان وجود الإرهابيين بدقة، بعد تحصنهم في أحد البيوت المهجورة بقرية جديّدة التي ينتمي إليها المنفذون، وهم شقيقان وأحد أبناء عمومتهما، مختارين مكاناً للاختباء لا يبعد سوى 5 دقائق عن موقع «كنيسة حمود».

انتماءات المجموعة

لم تُجب المصادر عن انتماءات منفذي العملية الإرهابية إن كانت لتنظيمات تكفيرية خارجيّة، أم إنّ العملية معزولة عن أي تنسيق مع جهات خارجية وعلى غرار عمليات «الذئاب المنفردة». وأشارت المصادر إلى أن منفذي العملية «كانوا ينوون تنفيذ مخططهم مساء الخميس حيث أقيمت احتفالات رسمية بالقرب من موقع الكنيسة. ومع فشل مخططهم في تلك الليلة، تحولت خططهم نحو استهداف المصلين في الكنيسة».

آثار الرصاص على المبنى الذي اختبأ فيه الإرهابيون الثلاثة قرب منطقة حمود في الكرك جنوب الأردن (مديرية الأمن العام)

وبعد مداهمة المنزل الذي تحصن فيه الإرهابيون، عثر فريق المداهمة الخاص على كميات من الأسلحة والعتاد، «يُعتقد أنها كانت ستستخدم في عمليات أخرى من قِبل المجموعة نفسها». ولا يستبعد خبراء في الحركات الإسلامية أنه تكون للمجموعة اتصالات مع أطراف محلية أخرى في الداخل.

مصادر «الشرق الأوسط» دعت إلى «التريث قبل تداول معلومات من شأنها الإضرار بمسار التحقيق مع منفذي العملية الذين ما زالوا قيد العلاج في المستشفيات مع دخول الرأس المدبر للعملية في غيبوبة بعد إصابة بليغة تلقاها خلال عمليات الاشتباك مع القوة الأمنية»، في حين ما زال المصابون الآخرون قيد العلاج والملاحظة ليتسنى بدء التحقيق معهم ضمن مسار قانوني، وإحالتهم إلى المحكمة صاحبة الاختصاص في قضايا الإرهاب؛ «محكمة أمن الدولة (قضاء عسكري)».

التهريب والتسلل من الحدود

شهدت مناطق حدودية أردنية نشاطاً ملحوظاً لجهة إحباط عمليات تهريب المخدرات والسلاح. ومن هنا يدعو خبراء استراتيجيون إلى «الربط بين طبيعة السلاح الذي يُضبط على الحدود والأسلحة المستخدمة من جانب الإرهابيين»، داعين إلى «دعم جهود الأجهزة الأمنية والعسكرية بمتطلبات التصدي لمحاولات العبث بالأمن الوطني الذي يتعرض لاستهداف من الجوار، بالإضافة إلى العبء المترتب على حماية الحدود الشمالية والشرقية من الجانب الأردني فقط».

منزل مهجور دون أضواء ولا حركة

وكانت مصادر أردنية أكدت أن منفذي عملية «كنيسة حمود»؛ الذين قُبض عليهم فجر الاثنين، كانوا متحصنين بمنزل مهجور في قرية جديّدة المتاخمة لقرية حمود؛ وهي مكان تنفيذ العملية الإرهابية التي راح ضحيتها 9 قتلى وعشرات المصابين من روّاد الكنيسة حيث كانوا يشاركون في واجب عزاء.

الأمن الأردني في حالة استعداد لاقتحام المبنى الذي لجأ إليه الإرهابيون مرتكبو مجزرة كنيسة الروم الأرثوذكس بقرية حمود في محافظة الكرك بالأردن (مديرية الأمن العام)

وأفادت مصادر «الشرق الأوسط» بأن «الإرهابيين تحصنوا في منزل مهجور لمدة 60 ساعة، واستطاعوا الاختباء والتخفي، حيث لم يشعر السكان المجاورون بأي حركة في المنزل المهجور الذي يبعد 6 كيلومترات عن قرية حمود».

وقالت المصادر نفسها إن «منفذي العملية الإرهابية شاهدوا من موقع تحصّنهم موكب تشييع جثامين ضحايا (كنيسة حمود) في أثناء مروره». وأضافت أن «المنفذين شقيقان وأحد أبناء عمومتهما».

ملاحقة المنفذين منذ اللحظات الأولى

مصادر أمنية مطلعة أكدت لـ«الشرق الأوسط» أن «عمليات التحري بدأت مبكراً، وكانت التقديرات تشير إلى احتمالات وجود الإرهابيين في مناطق محددة، وتباعاً جرى تقسيم مناطق البحث إلى مربعات، والانتباه جيداً لإبعاد المدنيين عن خطر أي اشتباك مسلح مع المنفذين. وهو ما وقع فعلاً. لكن الخطط الأمنية أسفرت عن تأمين المواطنين الموجودين بالقرب من موقع تَحصّن الإرهابيين، دون وقوع أي إصابات في صفوف القوة الأمنية أو بين المدنيين».

وعن تفاصيل عملية القبض على الإرهابيين الثلاثة، أوضحت المصادر أن العملية الأمنية استُخدمت فيها طائرات مسيّرة و«روبوتات» موجهة من بُعد، وأن «الإرهابيين أطلقوا خلالها النار من سطح المنزل المتحصنين به على طائرات (الدرون) لمنعها من تحديد موقعهم على الخرائط الجوية. وفي النهاية أدخلت الأجهزة الأمنية (روبوتات) إلى مكان المواجهة للتأكد من إصابة الأهداف».

العاهل الأردني الملك عبد ﷲ الثاني يعود أحد المصابين في المستشفى (الديوان الملكي الأردني)

آلاف المشيعين والمعزين

وشيّع آلاف الأردنيين، الأحد، 8 من القتلى الـ9 الذين سقطوا في الهجوم الإرهابي الذي استهدف يوم الجمعة الماضي الموجودين في «كنيسة حمود» بمحافظة الكرك جنوب البلاد، في ظل حضور شعبي ورسمي وتشديد على مبادئ العيش المشترك.

وجاء التشييع الحاشد بعد يومين من إطلاق مسلحين يُشتبه في أنهم «تكفيريون»، النار على روّاد الكنيسة؛ ما أسفر عن مقتل 9 منهم وجرح نحو 25 آخرين، مع دفن القتيل الـ9 يوم الاثنين في مقبرة «سحاب» جنوب عمّان، وفق ما نقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن عائلته.

وتُحذر قوى محسوبة على تيارات سياسية متعددة من «استمرار سياسات الاسترضاء في إغفال تطوير المناهج الدراسية، وإبقائها عند أساليب تعليم تقليدية؛ لا اتصال لها بالتربية المجتمعية وطبيعة التواصل بين فئات المجتمع، وقبول واحترام الآخر»، وذاك بعد تعليقات سلبية من رواد منصات التواصل الاجتماعي استدعت تدخل وحدة مكافحة الجرائم الإلكترونية منعاً للفتنة ووضع حد لمفتعليها.

وكان العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني حذّر مبكراً، في عام 2014 خلال افتتاح واحدة من الدورات البرلمانية، بأن «واجبنا الديني والإنساني التصدي بكل حزم وقوة لكل من يحاول إشعال الحروب الطائفية أو المذهبية وتشويه صورة الإسلام والمسلمين».

ولفت الملك عبد الله الثاني حينها إلى أن الحرب على «هذه التنظيمات الإرهابية وعلى هذا الفكر المتطرف هي حربنا»، وأنه لا بد من «الدفاع عن أنفسنا وعن الإسلام وقيم التسامح والاعتدال، ومحاربة التطرف والإرهاب»، وشدد على أن «كل من يؤيد هذا الفكر التكفيري المتطرف أو يحاول تبريره فهو عدوٌ للإسلام وعدوٌ للوطن وكل القيم الإنسانية النبيلة»، مشيراً إلى أن «هذه التنظيمات تشن حربها على الإسلام والمسلمين قبل غيرهم».


بيع الأراضي يثير هواجس مسيحية من تغيّر ديموغرافي في لبنان

البطريرك الماروني بشارة الراعي خلال عظة الأحد في بكركي (الوكالة الوطنية)
البطريرك الماروني بشارة الراعي خلال عظة الأحد في بكركي (الوكالة الوطنية)
TT

بيع الأراضي يثير هواجس مسيحية من تغيّر ديموغرافي في لبنان

البطريرك الماروني بشارة الراعي خلال عظة الأحد في بكركي (الوكالة الوطنية)
البطريرك الماروني بشارة الراعي خلال عظة الأحد في بكركي (الوكالة الوطنية)

أعاد تحذير البطريرك الماروني بشارة بطرس الراعي من تزايد بيع الأراضي في لبنان هواجس مسيحية تتجاوز انتقال الملكيات، إلى احتمال التأثير على التركيبة السكانية في عدد من المناطق، في ظل الحرب، والنزوح، والضائقة الاقتصادية. وتترافق التحذيرات مع جدل بشأن عمليات شراء عقارات في جبل لبنان، من دون توفر أدلة منشورة تثبت وجود خطة منظّمة لإحداث تغيير ديموغرافي.

البطريرك الماروني بشارة الراعي خلال عظة الأحد في بكركي (الوكالة الوطنية)

تحذير بكركي وملف العقارات

خلال قداس الأحد في العاقورة (قضاء جبيل)، دعا الراعي إلى عدم التسرّع في بيع الأراضي، أو التفريط بها، قائلاً إنها «ذاكرة، وجذور، وهوية، ومستقبل»، محذّراً من أن ما يخسره اللبنانيون منها اليوم قد لا يتمكن أبناؤهم من استعادته غداً.

وتحدثت «حركة الأرض اللبنانية» عن مؤشرات شراء شقق وأراضٍ ومبانٍ في بعبدات، وجرود المتن، وكسروان (مناطق تسكنها غالبية مسيحية)، وسط تساؤلات عن حجم الصفقات، ومصادر تمويلها. وهي معطيات لا تكفي وحدها لإثبات وجود مشروع سياسي موحّد وراء عمليات الشراء.

المطارنة الموارنة يجتمعون في بكركي برئاسة البطريرك بشارة الراعي (أرشيفية - الوكالة الوطنية)

هواجس العيش المشترك

إلى ذلك، أكد مصدر كنسي لبناني أن «التحذير الذي أطلقه البطريرك الماروني بشارة الراعي بشأن بيع الأراضي يأتي نتيجة تنامي الهواجس لدى شرائح من اللبنانيين حيال ما يمكن أن يترتب على عمليات البيع من تغييرات ديموغرافية، وتوترات اجتماعية»، مشيراً إلى أن «هذه المخاوف باتت مطروحة بقوة في الآونة الأخيرة، وسط تزايد الدعوات إلى إثارة هذا الملف، والتحدث عنه بصراحة، وهو ما يفسّر توقيت موقف البطريرك».

وأوضح المصدر لـ«الشرق الأوسط» أن «الخشية من حصول تغيير ديموغرافي هي هواجس مشروعة، خصوصاً عندما تجري عمليات بيع الأراضي وشرائها في ظروف استثنائية يمر بها لبنان»، محذراً من أن «مثل هذه التحركات قد تخلق تشنجات في بلد يعاني أساساً انقسامات سياسية حادة، وتنعكس سلباً على العلاقات بين مكوناته».

ولفت إلى أن «المشكلة لا تقتصر على مبدأ البيع والشراء، وإنما ترتبط أيضاً بتوقيت هذه العمليات، والظروف المحيطة بها»، معتبراً أن «إثارة هذا الملف في ظل الأزمة الراهنة تعكس خشية من وجود نوع من الاستغلال للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الصعبة التي يمر بها اللبنانيون».

وشدد المصدر على أن «الهاجس الأساسي يتمثل في الحفاظ على صيغة العيش المشترك التي يقوم عليها لبنان، ومنع تحوّل عمليات بيع الأراضي إلى سبب لإثارة الحساسيات والتوترات بين اللبنانيين»، لافتاً إلى أن «هذه المسائل لم تكن تثير المستوى نفسه من القلق عندما كانت ظروف العيش المشترك أكثر استقراراً، إلا أن الانقسامات السياسية والأزمات المتلاحقة أعادتها إلى الواجهة»، مؤكداً أن «المطلوب هو حماية العيش المشترك، والحؤول دون استغلال الظروف الراهنة بما يؤدي إلى تعميق الانقسامات، وإثارة التشنجات».

الراعي لدى وصوله إلى العاقورة لترؤس قداس الأحد (فيسبوك)

نزوح دائم؟

بدوره، رأى عضو تكتل «الجمهورية القوية» النائب إيلي خوري أن «التحذير الذي أطلقه البطريرك الماروني بشارة الراعي بشأن بيع الأراضي يعكس هواجس حقيقية لدى اللبنانيين من احتمال حصول تغييرات ديموغرافية واسعة، في ظل النزوح السكاني الذي تسببت به الحرب المستمرة منذ أكثر من سنتين»، مشيراً إلى أن «الخوف الأساسي لا يرتبط بعمليات البيع بحد ذاتها، وإنما باحتمال تحوّلها إلى مشاريع سكنية كبيرة تؤدي إلى انتقال جماعي للسكان، وإحداث تغييرات ديموغرافية دائمة في بعض المناطق».

وأوضح خوري لـ«الشرق الأوسط» أن «الانقسام السياسي في لبنان قائم، ومعروف، لكن المسألة الأكثر إثارة للقلق اليوم تتصل بالتحولات الديموغرافية التي فرضتها الحرب، وما نتج عنها من انتقال سكاني، وضغط على مناطق الداخل اللبناني»، لافتاً إلى أن «هذا الواقع أوجد هواجس فعلية لدى المواطنين، تتغذى من الأخبار والمعلومات المتداولة عن عمليات شراء أراضٍ بمساحات واسعة في مناطق مختلفة».

وأضاف أن «ما يثير المخاوف هو الحديث عن انتقال أشخاص ورؤوس أموال لشراء مساحات كبيرة من الأراضي في مناطق أخرى، واحتمال استخدامها لاحقاً لإقامة تجمعات سكنية جديدة»، موضحاً أن «شراء مساحات تصل إلى 500 ألف متر مربع، أو مليون متر مربع يفتح، في نظر المواطنين، باب التساؤلات حول إمكان تشييد عشرات المباني عليها، ربما 40 أو 50 مبنى، بما يسمح باستيعاب تجمعات سكانية قد تضم 7 أو 10 آلاف شخص».

دراج يقود دراجته على كورنيش بيروت في يوم ماطر (أ ب)

ترانسفير سكاني ومخاوف أمنية

وفي معرض تمييزه بين المخاوف الأمنية والديموغرافية، أكد خوري أن «الخشية المرتبطة ببيع الأراضي لا تنحصر في احتمال انتقال الاستهدافات الإسرائيلية إلى مناطق جديدة، بل تتجاوز ذلك إلى الخوف من مشاريع متوسطة وطويلة الأمد تؤسس لانتقال سكاني جماعي»، مشيراً إلى أن «النازحين الذين استأجروا منازل في مناطق مختلفة تعرض بعضهم للاستهداف، بعدما شهدنا عمليات اغتيال في طرابلس، وزغرتا، وجونية، وكسروان، ومناطق أخرى، بما يؤكد أن الاستهدافات لم تقتصر على منطقة معينة».

وشدد على أن «الهاجس الأكبر هو حصول ما يشبه الترانسفير السكاني، نتيجة استمرار تهجير الناس من مناطقهم الأصلية، وعدم تمكينهم من العودة إلى منازلهم»، موضحاً أن «المشكلة لا تتعلق فقط بالنزوح الذي فرضته الحرب، وإنما باحتمال تحوله إلى واقع دائم، في ظل غياب مؤشرات جدية إلى إمكان عودة النازحين في المدى المنظور، وحتى في المدى المتوسط على الأقل».

مصادر الأموال

في السياق، تقدّم النائب رازي الحاج، في 15 أكتوبر (تشرين الأول)، بإخبار إلى النيابة العامة التمييزية للتحقق من مصادر الأموال المستخدمة في شراء عقارات بالمتن الشمالي. وأشار الإخبار إلى معلومات متداولة عن شراء أكثر من 83 عقاراً في بعبدات، ومار موسى، والدوار، والقعقور، والمحيدثة، مطالباً بالتثبت من سلامة المعاملات، وهوية المستفيدين الفعليين، من دون اعتبار هذه المعلومات وقائع قضائية مثبتة.

ويكفل القانون اللبناني الملكية الخاصة، ولا يشكّل انتقال الأراضي بين مواطنين من طوائف مختلفة دليلاً بذاته على تغيير ديموغرافي، كما لا يعني انتقال الملكية تلقائياً انتقال السكان، أو تبدّل طبيعة إقامتهم.


كيف تسارع الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية؟

طريق النفق الذي يوصل القدس بمستوطنات ومناطق جنوب الضفة الغربية (الشرق الأوسط)
طريق النفق الذي يوصل القدس بمستوطنات ومناطق جنوب الضفة الغربية (الشرق الأوسط)
TT

كيف تسارع الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية؟

طريق النفق الذي يوصل القدس بمستوطنات ومناطق جنوب الضفة الغربية (الشرق الأوسط)
طريق النفق الذي يوصل القدس بمستوطنات ومناطق جنوب الضفة الغربية (الشرق الأوسط)

شهد الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية المحتلة توسّعاً مستمراً منذ عام 1967 رغم الضغوط الدولية، لكنّ وتيرته تسارعت بشكل ملحوظ منذ عودة بنيامين نتنياهو إلى السلطة في عام 2022، وهو الذي يسعى للفوز بولاية جديدة في الانتخابات التشريعية المقررة الثلاثاء.

ويُظهِر تحليل أجرته «وكالة الصحافة الفرنسية»، استناداً إلى بيانات صادرة عن منظمة «السلام الآن» الإسرائيلية المناهضة للاستيطان، ومجموعة الأزمات الدولية، ومكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، أنّ قرابة نصف البؤر الاستيطانية الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية، والتي تُعدّ كلها غير قانونية بموجب القانون الدولي، قد أُنشئت منذ عام 2023.

مع احتساب القدس الشرقية التي احتلّتها إسرائيل وضمّـتها، تحصي المنظمة أكثر من 550 موقعاً استيطانياً، نحو 150 مستوطنة أُقيمت بموافقة السلطات الإسرائيلية، في حين كانت البقية عند تأسيسها بؤراً استيطانية عشوائية.

وازداد عدد السكان الإسرائيليين هناك بنحو خمسين في المائة منذ عام 2012، في حين ارتفع عدد الفلسطينيين بنسبة ثلاثين في المائة، وفق مجموعة الأزمات الدولية.

ويعيش أكثر من ثلاثة ملايين فلسطيني في الضفة الغربية إلى جانب 500 ألف إسرائيلي، في ظل مناخ من العنف المتصاعد، ازدادت وتيرته مع اقتراب موعد الانتخابات.

وأمرت الحكومة الإسرائيلية بفرض «حظر دخول وخروج» إلى الأراضي الفلسطينية كافة يوم الانتخابات، عقب مقتل جنديين إسرائيليين في هجوم نفّذه مسلّحان فلسطينيان، الجمعة.

ازدياد المستوطنات العشوائية

منذ الهجمات غير المسبوقة التي شنّتها حركة «حماس» الفلسطينية في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023 على جنوب إسرائيل، والتي أشعلت فتيل الحرب في قطاع غزة، تجلّى توسّع الاستيطان في الضفة الغربية عبر طفرة في إنشاء «البؤر الاستيطانية»، ولا سيما المَزارع منها.

ويتضاعف عدد البؤر الاستيطانية التي غالباً ما تتكوّن من مقطورات أو إنشاءات مؤقتة تشيّد من دون ترخيص من السلطات الإسرائيلية، بدفع من مستوطنين يثقون بأنه سيصار في نهاية المطاف إلى إضفاء شرعية على وجودها.

وفق منظمة «السلام الآن» غير الحكومية، تخطى عدد المَزارع والبؤر الاستيطانية الأخرى التي أُقيمت في الضفة الغربية منذ مطلع العام الحالي رقماً قياسياً تم تسجيله العام الماضي (نحو 90 بؤرة)، وهو ما يعادل قرابة ثلاثة أضعاف العدد المسجل في عام 2023.

وبدأت ظاهرة البؤر الاستيطانية منذ عام 1996، تزامناً مع وصول نتنياهو، زعيم حزب الليكود، أبرز أحزاب اليمين الإسرائيلي، إلى السلطة لأول مرة.

ومع تزايد أعدادها، تباطأت وتيرة إنشاء مستوطنات جديدة وفق النمط التقليدي.

وبدأ إنشاء المَزارع الاستيطانية عام 2012، حين كان نتنياهو على رأس السلطة للمرة الثانية؛ ليصبح بذلك المحرّك الرئيسي للتوسع الإسرائيلي في المنطقة (أكثر من ثلثي إجمالي التوسع منذ عام 2023).

وتتيح هذه المَزارع للإسرائيليين بسط سيطرتهم على مساحات شاسعة من الأراضي بعدد قليل من المستوطنين، وتعتمد إلى حد كبير على أنشطة تربية المواشي. وغالباً ما تهيمن على مساحات واسعة من الأراضي، غالباً ما تقع في شرق الضفّة الغربية، على امتداد نهر الأردن.

رجل يسير بالبؤرة الاستيطانية اليهودية في جفعات هاريل بالضفة الغربية الثلاثاء 14 فبراير 2023 (أ.ب)

توسّع بدفع من السلطات

شهد عدد تصاريح البناء التي أصدرتها السلطات الإسرائيلية ارتفاعاً كبيراً منذ عودة نتانياهو إلى السلطة، خصوصاً منذ السابع من أكتوبر 2023؛ إذ تجاوز 23 ألف تصريح في عام 2025، وهو ما يعادل أكثر من ثلاثة أضعاف العدد المسجل في عام 2012، حسب مجموعة الأزمات الدولية.

في خطوة تعكس التوسّع السريع للاستيطان، شهد عام الانتخابات الحالي إعادة افتتاح رسمية، بدفع من الحكومة، للمستوطنات الأربع الواقعة في شمال الضفة الغربية، والتي كانت قد أُخليت عام 2005 ضمن خطة «فك الارتباط» الأحادي الجانب التي أطلقها رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك أرييل شارون، وشملت أيضاً قطاع غزة.

وقضت المدعية العامة الإسرائيلية أواخر الشهر الماضي بتأجيل الموعد النهائي لتقديم عروض البناء الخاصة بمشروع «إي وان» الاستيطاني المثير للجدل، والذي من شأنه فصل شمال الضفة الغربية المحتلة عن جنوبها، لما بعد الانتخابات.

وكان يفترض أن تنتهي فترة استدراج العروض لبناء أكثر من 1200 وحدة سكنية استيطانية في إطار المشروع، في المنطقة الواقعة بين القدس ومستوطنة معاليه أدوميم الإسرائيلية، قبل يوم الانتخابات.

وندّدت الأمم المتحدة ودول عدة، بينها فرنسا وبريطانيا بالمشروع، الذي من شأن تنفيذه أن يعزل القدس الشرقية، وغالبية سكانها من الفلسطينيين، نهائياً عن الضفة الغربية، ويسهِم أكثر في تقويض فرص قيام دولة فلسطينية مستقبلاً.

موجات كبيرة

منذ احتلال الضفة الغربية خلال الحرب العربية الإسرائيلية في يونيو (حزيران) 1967، تواصلت حركة الاستيطان في ظل الحكومات الإسرائيلية كافة، سواء أكانت من اليسار أو من اليمين.

وشكّلت مستوطنة كفار عتصيون، الواقعة جنوب القدس، أول مستوطنة إسرائيلية في الضفة الغربية، سمحت بها حكومة حزب العمل في سبتمبر (أيلول) 1967.

وحصلت الموجة الكبرى الأولى للاستيطان في مطلع الثمانينات، في ظل حكومة اليمين برئاسة مناحيم بيغن، الذي سمح بإنشاء العديد من المستوطنات.

وكثّف المستوطنون إنشاء البؤر الاستيطانية غير القانونية بين عامَي 1998 و2002، ثم بين 2019 و2021، وإن كان بوتيرة أقل بكثير مما شهدته السنوات الأربع الأخيرة.

ويُشكّل عدد البؤر الاستيطانية التي تم تشييدها في الفترة الممتدة بين 2023 و2026 مرة ونصف مرة عدد ما تم استحداثه خلال الموجات الثلاث السابقة مجتمعة.